برليناله 2026: سياسة وسياسة وبينهما أفلام (1-2)
في 21 فبراير 2026، اختتم مهرجان برلين السينمائي الدولي (برليناله) دورته السادسة والسبعين وسط عاصفة من الجدل السياسي الحادّ، حيث طغت القضية الفلسطينية وحرب غزة على فعاليات المهرجان، ما أثار نقاشات واسعة حول حرية التعبير، والصمت تجاه الأزمات، والحدود بين الفنّ والسياسة، في ظل رسائل احتجاجية من سينمائيين بارزين. وشهدت منصّة التتويج في الحفل الختامي احتجاجات صريحة من قبل الفائزين ضد السياسات الألمانية والإسرائيلية، ما أثار ردود فعل سياسية غاضبة داخل ألمانيا وصلت إلى حدّ المطالبة بإقالة المديرة الفنيّة للمهرجان تريشيا تاتل.
بدأت شرارة الجدل عندما صرّح رئيس لجنة التحكيم، المخرج الألماني، فيم فيندرز، بأنه يجب على الفنانين «البقاء خارج السياسة»، ما فجّر موجة من الانتقادات والانسحابات، أبرزها انسحاب الكاتبة الهندية، أرونداتي روي. تبعَ ذلك رسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 80 ممثلًا ومخرجًا عالميًا، بينهم تيلدا سوينتون وخافيير بارديم، تتهم إدارة المهرجان بـ«الصمت المؤسّسي» تجاه أحداث غزة وممارسة الرقابة على الفنانين الداعمين لفلسطين.
لم ينته الأمر عند ذلك، إذ شهد الحفل الختامي احتجاجات من بعض المتوّجين بالجوائز. أثار المخرج الفلسطيني، عبدالله الخطيب، جدلًا ألمانيًا واسعًا أثناء تسلّمه جائزة «أفضل عمل أول» عن فيلمه «وقائع زمن الحصار»، حيث صعد إلى المسرح مرتديًا الكوفية الفلسطينية ورافعًا العلم الفلسطيني، متهمًا ألمانيا بأنها «شريكة في الإبادة الجماعية» في غزة بسبب دعمها العسكري لإسرائيل، ومعتبرًا أن «الصمت لم يعد خيارًا أخلاقيًا». كما ندّدت المخرجة اللبنانية، ماري ـ روز أسطا، الفائزة بجائزة أفضل فيلم قصير، بالاعتداءات العسكرية الإسرائيلية اليومية على لبنان، وبانهيار القانون الدولي.
على الجانب الآخر، جاءت ردود الفعل الرسمية الألمانية وفية لكتالوج الدفاع الكامل عن إسرائيل، إذ وصف بعض السياسيين الألمان، مثل عمدة برلين، كاي فيجنر، ما حدث في الختام بأنه «إظهار للكراهية تجاه إسرائيل» وتعارض مع قيم المهرجان. بينما دافعت مديرة المهرجان، تريشيا تاتل، عن حرية التعبير طالما ظلّت ضمن حدود القانون الألماني، نافية اتهامات الرقابة، لكنها اعتبرت الدورة كانت «مشحونة عاطفيًا» وصعبة للغاية.
السوق ينظّم نفسه
«أول فيلم كوميدي رومانسي من أفغانستان»، يبدو افتتاحية مناسبة لمهرجان برلين السينمائي الدولي السادس والسبعين. يعد فيلم شهربانو سادات الثالث، «لا رجال صالحون»، بتصوير سقوط كابول في 15 أغسطس 2021، بطريقةٍ تُرضي الجماهير: ليس فيلم رعب سياسي عن سيطرة طالبان على المدينة، بل فيلمًا رومانسيًا من نوع خاص، حيث تؤدّي المخرجة نفسها دور البطولة كمصوّرة صحفية تجد نفسها متورطة في علاقة عاطفية مضطربة مع زميلٍ يكبرها سنًا.
في مقابلة مع صحيفة «الجارديان» البريطانية، وصفتْ سادات الفيلم بأنه «تكريمٌ لمن يجدون السعادة والتواصل رغم الاضطرابات والعنف والقمع». تتجنّب مخرجة أفلام مثل «ذئب وشاة» (2016) و«دار الأيتام» (2019) عمدًا دراما الحرب النمطية التي قد يتوقّعها المرء من أفغانستان، على أمل أن يرى الجمهور صمود الشعب الأفغاني بدلًا من تصويره كضحية سياسية كما يلتصق به غالبًا.

هذا التأطير الليّن لأزمة جيوسياسية وتراجيديا أمّة، ينسجم تمامًا مع المسار الذي رسمته المديرة الفنية للمهرجان تريشيا تاتل منذ تعيينها عام 2024. فقد وجدت المهرجان نفسه في أزمة، إذ أدّت تخفيضات كبيرة في الميزانية إلى زيادة الضغط على التنظيم، فيما شكّك صنّاع أفلام وناشطون وصحفيون في الهويّة السياسية لمهرجان برلين السينمائي. وفي السنوات الأخيرة، كان المهرجان أيضًا ساحة حرب ثقافية دارت فيها معركة حرية التعبير علنًا عن الإبادة الجماعية في غزّة، في حين اكتسب حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرّف زخمًا في استطلاعات الرأي.
وبما أن غزة حظيت بتغطية إعلامية أقل منذ اتفاق وقف إطلاق النار، يبدو أن العاصفة السياسية قد هدأت بالنسبة لتاتل. وقد أتاح لها ذلك الفرصة لضبط هيكل المهرجان بدقة أكبر. في العديد من المقابلات، صرّحت بأن أولويتها الرئيسية لهذه الدورة السادسة والسبعين تعزيز التفاعل بين الصحافة والجمهور العام و«سوق الأفلام الأوروبية»؛ معرض الأفلام الضخم التابع للمهرجان، حيث يتبادل وكلاء المبيعات والمنتجون والموزعون حقوق أفلام مختارة. يبدو تركيزها الأساسي منصبًا على دعم سوق الأفلام الأوروبية بشكل أفضل، وضمان وصول مئات الأفلام المعروضة في برلين إلى دور السينما حول العالم.
في مقابلة مع «سكرين ديلي»، ترى أن سوق برلين السينمائي بحاجة إلى إعادة النظر في علاقته مع مهرجاني كانّ وفينيسيا، اللذين أصبحا في السنوات الأخيرة المنصّة الرئيسية لأضخم أفلام الفنّ المستقلّ، والتي تهيمن بدورها على دور العرض ووسائل الإعلام لأشهرٍ لاحقة، لا سيما خلال موسم الجوائز. ووفقًا لتاتل، فالضجّة المحيطة بهذا المهرجان السينمائي تستحوذ على «وقت عرض كبير لعدد محدود من الأفلام». وتؤكد أن سوق برلين يجب أن يركّز على بقية العام، مشيرةً إلى رغبتها في استخدام سوق الأفلام الأوروبية لمنح الأفلام الأقل شهرةً مكانًا في الأجزاء الأقل بروزًا والأقل ربحيةً من جدول المهرجانات. وعلى صعيد البرمجة، يعني هذا «تمييزًا أوضح بين أقسام المهرجان المختلفة، حتى يتمكّن المشترون من العثور على الأفلام المناسبة».
عُيّنت تاتل في البداية بمهمّة جعل مهرجان برلين السينمائي أقرب إلى مهرجان كانّ، بأفلامٍ أضخم، ونجومٍ أكثر بروزًا على السجّادة الحمراء، وبالتالي، تدفّق المزيد من الأموال. ويبدو أن هذا الطموح قد تُرك جانبًا، كما يتضح من برنامج المهرجان الذي يضمّ حوالي 270 فيلمًا، تبدو في معظمها وكأنها فتاتٌ خلّفته المهرجانات الكبرى.
تتميّز الدورة السادسة والسبعون من مهرجان برلين السينمائي بمشاركة مخرجين غير معروفين نسبيًا في المسابقة، وقلّة النجوم على السجادة الحمراء في العروض الأولى، وقبل كل شيء، عددٌ هائل من المخرجين الصاعدين الآملين في تحقيق النجاح من خلال أقسامٍ موازية مثل «بانوراما» و«وجهات نظر». يمكن القول إن مهرجان برلين السينمائي قد عمّد المجازفة، على أمل أن يلبي برنامجٌ واسع النطاق احتياجات السوق الجديدة.
ويُعدّ فيلم «على البحر» بلا شكّ أبرز الأفلام في المسابقة الرئيسية التي تضمّ 22 فيلمًا. يُعرف المخرج المجري كورنيل موندروتشو (مخرج فيلمي «إله أبيض» 2014 و«شظايا امرأة» 2020) بأعماله الدرامية الطموحة ذات الطابع الشكلاني، والتي لا تدخر جهدًا في تقديم مقاربات جريئة. وتؤدّي النجمة آمي آدامز، المرشّحة ست مرّات لجائزة الأوسكار، دور البطولة في فيلمه الدرامي الجديد الذي يتناول قصّة امرأة تحاول التخلّص من إدمانها للكحول على شاطئ البحر.

ومن بين الأسماء اللامعة الأخرى، المخرج البرازيلي من أصل جزائري، كريم عينوز، الذي لم يحالفه الحظّ هذه المرة في حجز مكانه المعتاد في مهرجان كانّ السينمائي بفيلمه «تقليم شجيرة الورد/ Rosebush Pruning»؛ والمخرج الأسترالي من السكّان الأصليين، وارويك ثورنتون، الذي جاء بفيلم ويسترن «ولفرام/ Wolfram» مستوحى من أفلام الغرب الأمريكي، يستكمل أحداث فيلمه «سويت كانتري» (2017)؛ وأنجيلا شانيليك، مخرجة فيلم «زوجتي تبكي/ Meine Frau weint»، والتي تعدّ أهمّ سينمائية معاصرة في ألمانيا. تتطلّع الصحافة العربية أيضًا إلى فيلم «بيت الحسّ» للتونسية ليلى بوزيد، دراما عائلية عن المثلية الجنسية. يُعدّ هذا العمل الفيلم الروائي الطويل الثالث في مسيرة بوزيد، بعد فيلميها السابقين «على حلّة عيني» و«مجنون ليلى»، واختياره ضمن المسابقة الرسمية هو بحدّ ذاته اعتراف جديد بقوّة السينما التونسية المعاصرة وقدرتها على طرح قضايا جريئة وحميمية. أم أنه نموذج آخر لتلك الأفلام المصمّمة على مقاس الوصفات المهرجانية الغربية للمجتمعات العربية المنغلقة؟ سنشاهد ونرى.
على ذكر المشاركات العربية في المهرجان، ستشهد الدورة الحالية حضورًا عربيًا لافتًا، عبر سبعة أفلام طويلة جديدة وفيلمين قصيرين وثلاثة أفلام كلاسيكية. إلى جانب الفيلم التونسي المذكور أعلاه، يبرز فيلم «لمن يجرؤ» للمخرجة الفرنسية اللبنانية، دانيال عربي، والفيلم المصري «خروج آمن» لمحمد حماد، وكلاهما في قسم «بانوراما»، كما يشارك المخرج الفلسطيني السوري، عبدالله الخطيب، في فيلمه الروائي الطويل الأول «وقائع زمن الحصار» في تظاهرة «وجهات نظر»، مع 13 فيلمًا من العالم. بينما يحضر المخرج السوري، توفيق صابوني، عبر وثائقي «الجانب الآخر من الشمس»، الذي يوثق تجربة ناجين يعودون إلى سجن صيدنايا لإعادة تمثيل معاناتهم. ومن لبنان «يوم الغضب حكايات من طرابلس» لرانيا الرافعي، والفيلم القصير «يومًا ما ولد» لماري-روز أُسطا. ويخصّ المهرجان السينما المغربية بالتفاتة في تظاهرة «دولة تحت الضوء»، عارضًا نسخة مرمّمة من فيلم «السرب» لأحمد البوعناني.
أما قسمي «بانوراما» و«وجهات نظر» الموازيين، فيتطلّبان المزيد من البحث. سيجد عشاق السينما بالتأكيد ضالّتهم في فيلم «يوم تعود/ The Day She Returns» للمخرج الكوري الجنوبي الرائق، هونج سانج سو، فيما سيسعى جمهور أوسع إلى اقتناص تذكرة لفيلم «اللحظة/ The Moment» للمخرج أيدان زاميري، وهو وثائقي مزيّف/mockumentary على غرار فيلم «Spinal Tap» يتناول «حقبة المراهقة» لنجمة البوب الشهيرة، شارلي إكس سي إكس. أما بقية الأفلام، فهي أقل شهرة، خاصة في قسم «وجهات نظر» المستحدث العام الماضي، والذي يضم 14 مخرجًا يخوضون تجربتهم الأولى وراء الكاميرا. من بين هؤلاء، يبرز فيلم «عارٍ تمامًا/ Truly Naked» للمخرجة مورييل دانسيمبورج بموضوعه -الحميمية والتواصل في عصر الإنترنت المُشبع بالإباحية- المُبشّر بفيلم جريء يكسر المحظورات.
يبدو أن توجّه تاتل الجديد يوحي بسعي مهرجان برلين للظهور بصورة مختلفة هذا العام. فقد صرّحت سابقًا بأنها «خفّفت من حدّة النقاش» مع المخرجين العرب حول غياب حرية التعبير في قاعات المهرجان سابقًا. ويبدو أن السياسة تتراجع تدريجيًا إلى الخلفية. لكن في الواقع، خلال المؤتمر الصحفي الذي عُقد في اليوم الافتتاحي للمهرجان، صرّح رئيس لجنة التحكيم، فيم فيندرز، بوضوح أن الأفلام «نقيض السياسة». وأضافت إيفا بوشتشينسكا، المنتجة البولندية لأفلام من بينها «حرب باردة» لباول بافليكوفسكي، و«منطقة الاهتمام» لجوناثان جليزر، بعد أن سألها الصحفي تيلو يونج عن العلاقات الدبلوماسية بين ألمانيا وإسرائيل، وكيف تؤثر هذه العلاقات السياسية على كيفية استقبال الأفلام المختارة: «إن طرح هذا السؤال علينا غير منصف بعض الشيء».
ولأن إدارة المهرجان تؤمن بضرورة تجنّب السياسة قدر الإمكان، فقد أصبح «المنتَج» هو الموضوع الرئيسي للمهرجان بحكم الأمر الواقع. لكن السؤال المطروح هو ما إذا كان بإمكان برنامج تاتل الموسّع الذي يضمّ أفلامًا أقل شهرة أن يُضفي لمسة إيجابية على سوق متقلّب، حيث ستستمر الأفلام الضخمة بلا شكّ في إلقاء ظلالها على ما يُقدّمه مهرجان برلين السينمائي حاليًا. في الوقت الراهن، يشكو الصحفيون والمبرمجون في الغالب من الاختيارات غير الجذابة. قد يُؤدّي هذا إلى زيادة الضغط على جميع صانعي الأفلام الناشئين لإثبات جودة أعمالهم.
لكن هذه الأمور الفنّية ستتوارى قليلًا خلف كرة الثلج التي أطلقها فيندرز بتصريحه السخيف المناقض لطبيعة وتاريخ مهرجان برلين الذي يعدّ الأكثر سياسية بين مهرجانات السينما الثلاثة الكبرى (إلى جانب كانّ وفينيسيا)، حيث يعطي الأولوية في كثير من الأحيان للسينما الواعية اجتماعيًا على حساب بريق هوليوود الخالص. ويتجلّى طابعه السياسي في برامجه، وسلوك لجان التحكيم، ومواقفه المؤسّسية.
يرتكز جوهر المهرجان على استخدام السينما كوسيلة للتعليق الاجتماعي والجيوسياسي. مثلًا، يتضمّن برنامج الدورة الحالية، 278 فيلمًا تتناول مواضيع مثل الإبادة الجماعية، والعنف الجنسي في الحروب، والفساد، والاستعمار. وصرّحت مديرة المهرجان، تريشيا تاتل، بأن الطابع السياسي للفيلم قد يكون سببًا رئيسيًا لاختياره، كما يتضح من اختيار الفيلم الأفغاني الافتتاحي.
برلين كأنقرة.. برلين ككابول
يبدو تصوير أفغانستان في ألمانيا تحديًا شاقًا، لكن المخرجة شهربانو سادات تقول إنه كان أسهل مما توقعت. فيلمها «لا رجال صالحون»، المعروض في افتتاح مهرجان برلين السينمائي الدولي، وتدور أحداثه في كابول قبيل سيطرة طالبان عام 2021، صُوّر بالكامل في ألمانيا.
كانت فكرة فيلم «لا رجال صالحون» تقديم أول فيلم كوميدي رومانسي أفغاني. تدور القصّة حول نارو، مصوّرة تلفزيونية شابة، وهي المرأة الوحيدة في قسمها. هذه المرأة المتحرّرة، التي تخلع زوجها الخائن والمتسلّط، مقتنعة بأنه لم يبقَ رجال صالحون في بلدها. لكن عندما يتولّى الصحفي المخضرم قُدرت رعايتها، تضطر إلى إعادة النظر في قناعاتها.
بدأت سادات (مخرجة فيلم «ذئب وشاة»، 2016) العمل على الفيلم عام 2020، على أمل تصويره في أفغانستان. لكن بعد سيطرة طالبان، اضطرت إلى مغادرة البلاد. ثم أدرجت سادات تلك الفترة المضطربة والعنيفة بشكل صريح في الفيلم، الذي شاركت في بطولته مع الكاتب المشارك أنور هاشمي. وهكذا، أصبح فيلم «لا رجال صالحون» مزيجًا لافتًا من الكوميديا الرومانسية الخفيفة والدراما السياسية والرسالة النسوية. كان الفيلم افتتاحية مثالية لمهرجان برلين السينمائي الدولي، حيث يُفسح المجال للقضايا العالمية أكثر من المهرجانات الكبرى الأخرى، ومع ذلك لا تزال الأجواء ودية.
صُورّت المشاهد الداخلية للفيلم في استوديوهات بمدينة هامبورج، حيث تقيم سادات حاليًا، فيما صُوّرت المشاهد الخارجية في برلين وضواحيها، كما أوضحت المخرجة في اليوم التالي للعرض الأول لفيلمها: «استعددتُ لحقيقة أن التصوير في ألمانيا سيتطلّب تقديم تنازلات كثيرة. لكن أول موقع زرناه بدّد كل مخاوفي على الفور».
أثناء بحثها عن مبنى يصلح ليكون استوديوًا لقناة «كابول نيوز»، المحطة التليفزيونية التي تعمل فيها نارو وقُدرت في الفيلم، عثرتْ سادات بالصدفة على أرشيف أفلام في بلدية هوبجارتن، شرق برلين. «كان المبنى نفسه تمامًا الذي يضمّ الاستوديو الذي عملت فيه في كابول. تعود تواريخ الأفلام إلى حقبة ألمانيا الشرقية. في ألمانيا الشرقية سابقًا، تنتشر العمارة السوفيتية بكثرة، تمامًا كما هو الحال في أفغانستان. عندما رأيتها، أدركت أننا نستطيع إنتاج الفيلم».
إعادة تمثيل/خلق مكان في مكانٍ آخر والتظاهر بأنه في مكان آخر ليس بالأمر الجديد في عالم السينما. لطالما لعبت لوس أنجلوس أدوار مُدن عديدة من مختلف أنحاء العالم. واليوم، ينطبق الأمر نفسه على البدائل ذات التكلفة الضريبية المنخفضة مثل تورنتو وأتلانتا.
يحدث العكس أيضًا: تُعاد صياغة أمريكا في أماكن أخرى. خذ على سبيل المثال فيلم غور فيربينسكي الساخر والمخيب للآمال عن نهاية العالم بسبب الذكاء الاصطناعي، «حظًا سعيدًا، استمتع، لا تمت»، وهو أحد الأفلام القليلة التي تضم نجومًا سينمائيين في برنامج المهرجان. قصّة مسافر عبر الزمن يأتي إلى الحاضر لتجنّب نهاية العالم التي يسببها الذكاء الاصطناعي تدور أحداثها بالكامل تقريبًا في كيلومتر مربع واحد من لوس أنجلوس، ولكن صُوّر في جنوب إفريقيا لأسباب تتعلّق بالميزانية. من بين أمور أخرى، بُنيت نسخة طبق الأصل من مطعم نورمز الشهير، لكن ربما كان الفيلم أفضل لو بُذل القدر نفسه من الجهد والتفاصيل في السيناريو المتذبذب. وبالمناسبة، الفيلم إنتاج مشترك ألماني أمريكي، مما يعزّز الشعور بوجود عدد أكبر بكثير من الإنتاجات الألمانية في مهرجان برلين السينمائي هذا العام مقارنةً بالسنوات الماضية.
يُمكن العثور على المزيد من مظاهر «أمريكا في عوالم أجنبية» في فيلم «صلاة من أجل المحتضرين»، وهو إنتاج مشترك نرويجي/يوناني/إنجليزي/سويدي تدور أحداثه في ولاية ويسكونسن عام 1870، ولكن صُوّر في سلوفاكيا. في قرية فريندشيب الصغيرة، يضطرّ قائد الشرطة المحلّي والقسّ، وهو جندي سابق مُصاب بصدمة نفسية، إلى الحفاظ على تماسك الأمور عندما يتفشّى وباء الخناق. حقيقة أن القرية اسمها «فريندشيب»، فيما عندما تشتدّ الأمور، يتضح أن كلّ فرد يفكّر في نفسه، تشير إلى كيف يُغرقك هذا العمل الأول للمخرجة الأمريكية النرويجية، دارا فان دوسن، برمزيته ومواضيعه. يحافظ التصميم الأسلوبي اللافت للنظر، مع حركات الكاميرا الضيقة والمُرعبة التي تُذكّرنا بأفلام روبرت إيجرز («المنارة»، 2019؛ «رجل الشمال»، 2022) أو ويس أندرسون المهووس بالسيمترية، على تماسك الفيلم لفترة طويلة، ولكن في النهاية ينهار الفيلم تحت وطأة ثقله.
بالنسبة لفيربينسكي وفان دوسن، كان قرار عدم التصوير في المواقع التي تدور فيها أحداث أفلامهما قرارًا إنتاجيًا وماليًا في المقام الأول. أما بالنسبة لسادات، فقد كان ضرورة سياسية مُلحّة. فالموقع الذي تدور فيه أحداث فيلمها، كابول التي كانت تتمتّع بحريّة نسبية قبل سيطرة طالبان، لم يعد موجودًا.
وينطبق شيء مماثل على فيلم «رسائل صفراء» للمخرج التركي الألماني إلكر تشاتاك (غرفة المدرّسين، 2023). تدور أحداث الفيلم حول الزوجين عزيز وديريا، هي ممثلة وهو كاتب مسرحي وأكاديمي، اللذين أثارا غضب النظام بمسرحية نقدية، فتم فصلهما من العمل في الوقت نفسه. ومع انهيار حياتهما ضمن النخبة الثقافية في البلاد، تتعرّض مُثلهما الفردية والمشتركة لضغوط.

يكاد يستحيل تصوير الفيلم في تركيا أردوغان الحالية. تشاتاك، مثل سادات، صوّر في برلين وهامبورج، لكنه لا يخفي ذلك، بل يؤكّد عليه سرديًا. بعد ظهور الممثلين الرئيسيين أوزجو نامال وتانسو بيشر في تتر البداية، تظهر عبارة «برلين كأنقرة» على الشاشة، تليها بعد قليل عبارة «هامبورج كإسطنبول». وعندما يمثل عزيز أمام المحكمة لاحقًا، يُصرّ تشاتاك على تصوير المشهد في قاعة محكمة برلين، مُركّزًا على نصوص ألمانية تتحدّث عن الناس والعدالة فوق رأس القاضي، في حين ينظر عزيز في ذهول إلى نصبٍ تذكاري خارج الباب، كُتب فوقه بخطٍّ ضخم عام 1933. وهكذا، لا يصبح فيلم «رسائل صفراء» مجرد فيلم عن تركيا اليوم، بل تحذيرًا من رياح الاستبداد التي تجتاح أوروبا.
فلسطين في برلين
يعاني مهرجان برلين مشكلتين رئيسيتين. أولًا، هناك نقص في أماكن إقامة فعالياته، مع تزايد العروض غير المناسبة والمبتذلة أكثر من أي وقت مضى. وتتركّز جميع الفعاليات حول ساحة بوتسدام، وهي ساحة غير جذابة لا يرغب أحد في الوجود فيها إلا من يتمتعون بروح الدعابة أو الرتابة. وعلى عكس مهرجانات كانّ أو فينيسيا (أو كارلوفي فاري بفندقه الرائع)، يفتقر المهرجان إلى مركز حقيقي، وبالتالي يفتقر إلى روح مجتمعية حقيقية. ولا يساعد الطقس في تحسين الوضع.
ثانياً، والأخطر، أن المهرجان عالق في صراع يبدو أبديًا بين جدل حرية التعبير ودعم ألمانيا الطويل الأمد لإسرائيل، وهو ما يتناقض بشكل صارخ مع دعم مهرجان برلين السينمائي البارز لأوكرانيا والاحتجاجات في إيران. وهذه ليست مشكلة ستزول، خاصة مع ظهور شخصية مثل تيلو يونج -وهو مُقدم بودكاست وصحفي سياسي اعتاد الحضور في كل مؤتمر صحفي- كشخصية رئيسية مفاجئة في المهرجان، يخرج في المؤتمرات الصحفية مثل «العمل الردي» طارحًا سؤالًا بسيطًا: «سيد/سيدة X، ما موقفكم من غزّة؟»
لعلّ أبرز ما جاء في النقاشات الدائرة في المهرجان حول مدى وجوب تعليق ممثلي صناعة السينما على انتهاكات إسرائيل لحقوق الإنسان في غزة، حين علّق الممثل الأمريكي، إيثان هوك، ساخرًا بأن «آخر مكان تطلب منه نصيحة روحية هو مجموعة من الفنانين المرهقين من السفر، لا يريدون سوى الحديث عن فيلمهم الجديد». في الواقع، أصبحت المؤتمرات الصحفية في مهرجان برلين في الأيام الأخيرة اختبارًا حقيقيًا لقناعة الممثلين وكتّاب السيناريو والمخرجين.
وكما أن المهرجان يجب أن يخضع لمعايير أعلى في ما يخصّ أماكن عرضه (لا يمكن وصف مدى سوء مسرح بلوماكس!) ينتظر كثيرون من المهرجان التعامل بمثالية سياسية -دعم كامل لفلسطين مثلما حدث مع أوكرانيا وإيران- وهو أمر مستحيل ببساطة نظرًا لاعتماده على التمويل الحكومي. على عكس «فينيسيا» أو «كانّ»، اللذين يمكنهما العيش في ميّة البطيخ (لا أحد يتوقّع عمقًا من تيري فريمو)، يمكن القول إن برلين هي المدينة الأكثر سياسية -والأكثر تسييسًا- في القارة. المهرجان يدور حول الأفلام، نعم (سنتطرق إلى ذلك قريبًا)، ولكنه أيضًا بمثابة منتدى لحقوق الإنسان، ما يعني أن تريشيا تاتل، التي لديها قدرة عجيبة وغريبة على جذب المزيد من السلبية كلما أصبحت أكثر وسطية وحسنة النيّة، ستتعرّض بطبيعة الحال لانتقادات أكثر من الرجلين الواقفين وراء عملاقي المهرجانات السينمائية الآخرين.
يبدو الوضع مستعصيًا، وما لم تُحلّ مشكلة إسرائيل في المنطقة بطريقة سحرية (وهذا مستبعد)، أو تقرّر ألمانيا، مثلًا، أن جيش الدفاع الإسرائيلي والمستوطنين ربما يرتكبون أعمالًا سيئة هناك، فالوضع سيزداد سوءًا، ما يعني المزيد من المؤتمرات الصحفية الفوضوية، والمزيد من اتهامات الرقابة، والمزيد من كبار السن الذين يبكون عند ذكر فلسطين، والمزيد من السياسيين الحسّاسين الذين ينسحبون عند سماع رأي لا يروق لهم.
في عالم مثالي، كان المهرجان سيتبنّى موقفًا واضحًا في هذا الشأن، ويسمح بحوار أكثر جدّية وتحديًا، من النوع الذي يعكس روح الأفلام السياسية (معذرةً سيد فيندرز) المعروضة، لكن اتباع هذا النهج مُسيّس للغاية، ومن غير المرجح حدوثه قريبًا. لذا، نراكم العام المقبل لمزيد من فوضى مهرجان برلين السينمائي. نأمل أن يكون هناك أيضًا بعض الأفلام الجيّدة.
إلى ذلك، يبرز سؤالان أساسيان: إلى أي مدى يمكن أن يكون مهرجان برلين السينمائي ذا طابع سياسي؟ وهل الحياد بمواجهة الإبادة ثقافة أم تواطؤ؟
لطالما أظهر المهرجان تردّدًا في تعامله مع السياسة، لا سيما في ما يتعلق بغزّة. ومع ذلك، يبقى اتخاذ موقف واضح أمرًا ممكنًا ولازمًا. غالبًا ما لا تكون الأفلام نفسها هي ما يثير الجدل الأكبر في «برلين»، بل التعليقات التي تُدلى بينها. ومن هذه التعليقات ما قيل في المؤتمر الصحفي الافتتاحي للجنة التحكيم الدولية. كان ردّ الفعل سريعًا. ألغت الكاتبة الهندية، أرونداتي روي، مشاركتها في المهرجان، وانتقدت فكرة أن الفن يمكن أو ينبغي أن يكون غير سياسي. ومرة أخرى، يعود النقاش الذي رافق مهرجان برلين السينمائي منذ بداية حرب غزة في خريف 2023 إلى الواجهة: إلى أي مدى يمكن أن يكون مهرجان سينمائي ذا طابع سياسي؟
هذا الجدل ليس جديدًا. فالخلافات السياسية في مهرجان برلين السينمائي عادةً ما تظهر بشكل متقطع. أصبح حفل توزيع جوائز عام 2024 إحدى هذه اللحظات. فعندما فاز الفيلم الوثائقي «لا أرض أخرى»، وندّد المخرج الإسرائيلي يوفال أبراهام بـ«الفصل العنصري»، ووصف المخرج الأمريكي، بن راسل، أعمال إسرائيل في قطاع غزة بالإبادة الجماعية، تحوّل التركيز من السينما إلى خشبة المسرح نفسها. حوّل التصفيق في القاعة، والتنصّلات السياسية اللاحقة، واتهامات التحيّز ومعاداة السامية، والمهرجان إلى ساحة معركة سياسية.
كما فُسّرت قرارات أخرى مؤخرًا من منظور سياسي، على سبيل المثال، الجدل الدائر حول دعوة سياسيين من حزب البديل من أجل ألمانيا لحضور افتتاح المهرجان، أو انتقادات التواصل والإدارة فيه. ومنذ حرب غزة، عاد هذا النقاش إلى الظهور مرارًا وتكرارًا. ثم يتحوّل التركيز من الأفلام الفردية إلى مسألة نوع المنصّة السياسية التي يوفرها مهرجان برلين السينمائي الدولي، وكيف يتعامل معها.
تكرار مثل هذه الصراعات مرتبط أيضًا بتاريخ المهرجان. تأسّس مهرجان برلين السينمائي عام 1951 خلال الحرب الباردة كمعرض فنّي للعالم الحرّ. ومنذ البداية، ارتبطت الثقافة والسياسة ارتباطًا وثيقًا. اليوم، يتجلّى هذا الارتباط بشكلٍ مختلف: فنظرًا لتمويل المهرجان من المال العامّ، يتزايد الضغط للحفاظ على الحياد. ومع ذلك، فالتمويل العامّ للثقافة ليس محايدًا تمامًا، بل جزءًا من السياسة الثقافية للدولة وفهم المجتمع لذاته. الرغبة في ضبط النفس مفهومة، لكنها غير واقعية فعليًا.
في مثل هذه اللحظات، تعمل الثقافة راصدًا للتوتّرات الاجتماعية. فالأفلام والأدب والمسرح تنبثق من الظروف السياسية والاجتماعية لعصرها، وتُظهر ما يجري التفاوض بشأنه داخل المجتمع. وعندما تتصاعد الصراعات، تصبح الثقافة أيضًا أكثر عرضة للصراع. لذا، فالنقاشات المتكرّرة حول مهرجان برلين السينمائي الدولي ليست حالة شاذة، بل تعبيرًا عن التوتّرات نفسها التي تظهر في أماكن أخرى.
وبالتالي، يواجه مهرجان برلين معضلة هيكلية. من جهة، يُفترض أن يكون المهرجان فضاءً للحريّة الفنية، ومن جهة أخرى، كونه مؤسسة مموّلة من القطاع العام، يخضع لتدقيق وتجاذب سياسيين. عندما يتحدّث صناع الأفلام على خشبة المسرح، تتلاشى الحدود بين الرأي الفردي والتعبير الثقافي والمسؤولية المؤسسية.
لا تكمن المشكلة الحقيقية في الإدلاء بتصريحات سياسية، بل في كيفية تعامل المهرجان معها. يبدو مهرجان برلين مترددًا في مثل هذه اللحظات: فتارةً تُشدّد الإدارة على الحرية الفنية، وتارةً أخرى تُحاول النأي بنفسها عن التصريحات السياسية. تعزّز هذه الميوعة الانطباع بأن المهرجان يتفاعل دفاعيًا مع الصراعات بدلًا من تحديد دوره في التعامل معها.
مؤكّدٌ أنه من الممكن اتخاذ موقف أكثر وضوحًا، فيمكن للمهرجان أن يكون سياسيًا دون أن يصبح منحازًا. يمكنه تشجيع تنوّع الآراء دون أن يتبنّى كلّ تصريح يطلقه أحد ضيوفه. يمكنه تسليط الضوء على الصراعات دون ادعاء حلّها.
ينبغي لأي مهرجان دولي، و«برلين» بالأخصّ، أن يُفسح المجال للأصوات المُعارضة، بما فيها تلك المتعلقة بجرائم الاحتلال الإسرائيلي والصراع في الشرق الأوسط. يبدو مطلب إبعاد السياسة عن الثقافة وكأنه دعوة للهدوء، لكنه يتناقض مع تاريخ السينما ومهرجان برلين السينمائي نفسه. فالمهرجانات السينمائية جزء من المجال العام، والمجال العام سياسي بطبيعته. ولعلّ في ذلك تكمن مهمة مهرجان برلين السينمائي: ألا يكون غير سياسي، بل سياسيًا بما يكفي لاحتضان التنوع.
في ما يخصّ التساؤل الثاني، ينبغي العودة إلى رسالة الـ80 سينمائيًا التي تنتقد صمت مهرجان برلين حيال غزة. فرسالتهم ليست مجرد لفتة رمزية، بل إدانة أخلاقية مباشرة للامبالاة المؤسسية في ظلّ جرائم جماعية موثقة من قبل الأمم المتحدة.
تتهم الرسالة مهرجان برلين بالتزام «صمت مؤسّسي» حيال ما يحدث في غزة، وبفرض رقابة على الفنانين المندّدين علنًا بالهجوم الإسرائيلي. بل وتذهب الرسالة إلى أبعد من ذلك، إذ تزعم أن التقاعس عن اتخاذ موقف في سياق الإبادة الممنهجة يُعدّ بمثابة حماية للجاني من المساءلة.
هذا ليس ادعاءً معزولًا أو مجرد خطاب. فقد وثّقت المقرّرة الأممية المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا ألبانيز، في تقاريرها أنماطًا، وفقًا لتحليلها القانوني، تتوافق مع تعريف الإبادة الجماعية بموجب اتفاقية عام 1948. وتحدثت عن تدمير متعمّد لظروف المعيشة، وعقاب جماعي، وتهجير قسري جماعي، ونظام يُجرّد الشعب الفلسطيني من إنسانيته بشكل بنيوي. هذا ليس شعارًا ناشطًا، بل توصيفًا قانونيًا نابعًا من الإطار المعياري للأمم المتحدة نفسها.
في هذا السياق، تتضح أطروحة الموقعين: الصمت ليس حيادًا، بل شكلًا من أشكال الانحياز.
مهرجان برلين السينمائي، باعتباره مهرجانًا ممولًا بشكل كبير من الأموال العامّة الألمانية، ليس كيانًا خاصًا معفيًا من المسؤوليات السياسية، بل مؤسسة ثقافية ذات ثقل رمزي عالمي. وقد أصدر في الماضي بيانات حازمة بشأن القمع في إيران أو الغزو الروسي لأوكرانيا. فلماذا الآن يُستحضر ما يُفترض أنه «استقلال الفنّ عن السياسة؟» ولماذا لا يظهر مبدأ عدم التدخّل إلا عندما يكون المتّهم حليفًا استراتيجيًا للغرب؟
تشير الرسالة أيضًا إلى حقيقة مقلقة: فقد ورد أن صنّاع الأفلام الذين دافعوا، في الدورة السابقة، من على خشبة المهرجان عن حقّ الفلسطينيين في الحياة والحرية، تعرّضوا لتوبيخ شديد من قبل منظمي المهرجان. إذا كان الفضاء الثقافي لا يتسع لإدانة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، فأي نوع من الحرية الفنية يُدافع عنه؟
الحجّة القائلة بأن «السينما يجب أن تبقى بعيدة عن السياسة» تتجاهل حقيقة تاريخية بديهية: لطالما كان الفن مجالًا للنقاش الأخلاقي. فمن الواقعية الجديدة الإيطالية إلى سينما أمريكا اللاتينية المندّدة بالديكتاتورية، ومن الأفلام المناهضة لنظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، كانت السينما وسيلة للذاكرة والمقاومة والوعي النقدي. التظاهر بأن الفنّ يجب أن يبقى بمنأى عن العنف في مواجهة الدمار اللاحق بالمدنيين هو في حدّ ذاته عملٌ سياسي.
ما يطالب به الموقّعون ليس تبنّي المهرجان لأيديولوجية معيّنة، بل التزامه بمعيارٍ أدنى من الاتساق الأخلاقي: تأكيد حقّ الفلسطينيين في الحياة، وإدانة جرائم وثقتها هيئات دولية، وضمان قدرة الفنانين على التعبير عن آرائهم دون أي عقاب.
من الناحية القانونية، لا يشترط التواطؤ حمل السلاح، بل قد يتمثل في التسهيل أو إضفاء الشرعية أو التستّر. أمّا من الناحية الأخلاقية، فقد يتمثل في غضّ الطرف. عندما يختار مهرجان ثقافي كبير الصمت إزاء اتهامات موثقة بالإبادة الجماعية، فالرسالة التي يوجّهها ليست حكمة في التعامل مع مسألة ملتبسة، بل تطبيعًا مع واقع مقلوب.
رسالة 17 فبراير ليست بادرة معزولة من المشاهير، بل جزءًا من انقسام متزايد داخل العالم الثقافي الغربي، حيث يرفض فنّانون وأكاديميون وعاملون في المجال الثقافي ازدواجية المعايير التي تُحاكم بها انتهاكات حقوق الإنسان. إنهم يطالبون بالاتساق: إذا كان المبدأ عالميًا، فيجب تطبيقه دون استثناء. يطرح هذا الجدل سؤالًا مزعجًا لا مفرّ منه: هل يمكن لمؤسسة ثقافية أن تدّعي سلطة أخلاقية فيما تتجنّب اتخاذ موقف في مواجهة الإبادة الممنهجة لشعب؟ عدم اتخاذ موقف في مواجهة الإبادة الجماعية ليس حيادًا، بل مشاركة سلبية في تطبيعها. والتاريخ، حين يُصدر حكمه، لا يُميّز بين مَن ارتكب الجريمة ومَن التزم الصمت.
(لا) سياسة
كلما سعى منظمو مهرجان برلين السينمائي الدولي (برلينالي) جاهدين لإبعاد السياسة عن المشهد، كلما أصبحت هي الموضوع الرئيسي للدورة السادسة والسبعين. ومجرّد أن الموقف الـ(لا)سياسي للضيوف البارزين أثار استياء روّاد المهرجان يعني أن الأفلام تُشاهد من منظور سياسي أكثر حدة.
لم يكن من الممكن أن يُقابل تصريح فيم فيندرز بأن «السينما نقيض السياسة» باستياء أكبر في برلين. لا شكّ أن منظمّي المهرجان كانوا يأملون في دورة أقلّ حدّة هذا العام، دورة لا تركّز مجددًا على موقف المهرجان من غزّة. ولكن بعد ملاحظتين خلال المؤتمر الصحفي للجنة التحكيم في اليوم الافتتاحي، انتحى هذا التوقّع جانبًا، وأصبحت السياسة الموضوع الرئيسي في نهاية المطاف.
إلى جانب كلمات رئيس لجنة التحكيم فيندرز، لاقى تصريح المنتجة إيفا بوشتشينسكا صدىً واسعًا أيضًا. فقبل عامين، قبيل انطلاق مهرجان برلين السينمائي الدولي، قال فيندرز إن السينما وسيلة سياسية بامتياز. الآن، أصبحت لجنة تحكيمه رمزًا للفنانين الذين لا يجرؤون على استخدام كلمة «سياسي»، أو بالأحرى «فلسطين».
نفدَ الصبر. لثلاث سنوات، يرفض المهرجان إعلان تضامنه مع فلسطين. هذا هو الموضوع السائد بين الصحفيين وغيرهم من العاملين في مجال السينما المجتمعين في ساحة بوتسدام.
يتجلّى السخط أيضًا في سحب ثلاثة أفلام من المهرجان. إذ أعلن «سيماتيك» -مركز الفيلم البديل في القاهرة انسحابه من المشاركة في مهرجان برلين، مما ترتب عليه رفض عرض فيلمين كلاسيكيين مرمّمين كان من المقرر عرضهما ضمن فعاليات المهرجان؛ «انتزاع الكهرمان» للمخرج حسين شريف، و«أغنية توحة الحزينة» للمخرجة عطيات الأبنودي، ضمن قسم «المنتدى الموسع». كما ألغت الكاتبة والمخرجة الهندية الحائزة على جائزة بوكر، أرونداتي روي، رحلتها إلى برلين. سيُعرض فيلمها الكلاسيكي «أي آني تعطيها تلك الأشياء» (1989) ضمن برنامج «العروض الاستعادية»، لكن روي لن تحضر. في بيان نشرته الكاتبة، أعربت عن «صدمتها» و«اشمئزازها» من موقف المهرجان. كتبت روي عن موقف لجنة التحكيم: «من المثير للدهشة أن نسمعهم يقولون إن الفنّ لا ينبغي أن يكون سياسيًا. إنها طريقة لكبح النقاش حول الجرائم ضد الإنسانية، في الوقت الذي تتكشّف فيه هذه الجرائم أمام أعيننا مباشرة».
في هذه الأثناء، تشمّ الصحافة رائحة الإثارة. وتبدو المؤتمرات الصحفية أحيانًا أشبه بطقوس إذلال عبثية. يُستجوب عدد قليل من نجوم السينما المستقدمين للترويج لأفلامهم استجوابًا حادًا حول موقفهم من الأزمات الجيوسياسية، والإبادة الجماعية، و/أو صعود الفاشية. قدّمت ميشيل يوه، ونيل باتريك هاريس، وروبرت جرينت إجابات غير مُقنعة. ولا تزال العناوين الرئيسية وردود الفعل الصادمة التي انتشرت لاحقًا على وسائل التواصل الاجتماعي تُؤجّج الوضع.
بدا أن ساحة المعركة الرمزية قد بلغت ذروتها عندما صرّحت شارلي إكس سي إكس، نجمة البوب وبطلة فيلم «ذا مومنت»، أن للسياسة مكانًا في المهرجانات أيضًا. بالنسبة لتوم موريلو، عازف غيتار فرقة «ريج أجينست ذا ماشين»، كان الأمر بديهيًا تمامًا. وبصفته مخرجًا مشاركًا للفيلم الوثائقي الموسيقي «ذا بالاد أوف جوداس بريست»، قال خلال لقائه مع الصحافة: «يا له من زمن غريب، حيث يمكنك أن تُخرج فيلمًا وثائقيًا عن فرقتك المفضّلة وفي الوقت نفسه تناقش الفاشية».
يُعدّ الخطاب -كالنقاش برمّته- مفاجئًا، نظرًا لأن تاتل حظيت في عامها الأول بإشادة واسعة لمهارتها في إدارة النقاشات الحادة حول الصراع في الشرق الأوسط عقب رحيل كارلو شاتريان ومارييت ريسنبيك المثير للجدل. بل إنها ذهبت إلى حدّ منح تيلدا سوينتون، المؤيّدة المعروفة لحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS)، منصّةً للتعبير عن تعاطفها مع حملة المقاطعة، وذلك بمنحها جائزة الدبّ الذهبي الفخرية. وللاحتفال بهذه المناسبة، اختارت سوينتون فيلمها المبكر الغامض «موت الصداقة» لعرضه في مهرجان برلين السينمائي، حيث تلعب فيه دور كائن فضائي عالق في الأردن عام 1970 وتُعجب بمقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية.
ولذلك، شعرتْ مديرة المهرجان، تريشيا تاتل، بضرورة نشر بيان رسمي على موقع مهرجان برلين في اليوم التالي، مُلمّحةً إلى أن الأسئلة السياسية المُلحّة التي تُوجّهها الصحافة غير متناسبة وغير لائقة. استهلّت تاتل نصّها، «حول الكلام والسينما والسياسة»، بالتأكيد على أن حرية التعبير هي بالفعل مبدأ أساسي في برليناله. ثمّ أضافت: «يُتوقع من صانعي الأفلام، بشكل متزايد، الإجابة على كل سؤال يُطرح عليهم. ويتعرّضون للانتقاد إن لم يُجيبوا. ويتعرّضون للانتقاد إن لم تُعجبنا الإجابة. ويتعرّضون للانتقاد إن لم يتمكّنوا من صياغة أفكار معقّدة في اقتباسات مُقنعة، فيما يظنّون أنهم يتحدّثون عن أمور أخرى».
تاتل مُحقة في ذلك، فما فائدة آراء نيل باتريك هاريس أو ميشيل يوه حول الإبادة الجماعية في غزّة؟ في الوقت نفسه، ربما تكون هذه الضجّة الإعلامية هي ما نحتاجه تحديدًا لتسليط الضوء على نفاق المهرجان مرّة أخرى. في نهاية المطاف، يستقدم النجوم من قِبل مهرجان يتلقى جزءًا كبيرًا من تمويله من الحكومة الألمانية، التي لا تزال حليفًا صريحًا لإسرائيل.
خلال الحرب الباردة وفي اللحظات المضطربة التي أعقبت سقوط جدار برلين، تمتّع مهرجان برلين السينمائي بسُمعة طيّبة كمهرجان ذي أهمية سياسية واجتماعية. أمّا الآن، فيبدو أن الأصوات السياسية الأكثر جرأة تُكمّم. إنه وضعٌ عبثي لمهرجان سينمائي عالمي المستوى، ما يثير تساؤلًا أوسع حول الدور الذي لا يزال يضطلع به مهرجان كهذا في زمن الاضطرابات الجيوسياسية، لا سيمّا عندما يمتنع الضيوف أو يُمنعون من التحدّث علنًا عن انحيازاتهم السياسية. كم كان الوضع مختلفًا في مهرجان كان عام 1968، عندما اقتحم جان لوك جودار وفرانسوا تروفو مهرجان كان السينمائي في مايو 1968، في واحدة من أشهر اللحظات في تاريخ السينما العالمية، مما أدّى إلى إلغاء المهرجان لأول مرة في تاريخه تضامنًا مع احتجاجات الطلبة والعمال في باريس. حينها صرخ غودار في وجه الحاضرين الذين أرادوا استمرار العروض قائلًا: «أنا أتحدّث عن التضامن مع الطلاب والعمال، وأنتم تتحدثون عن زوايا التصوير واللقطات القريبة! أنتم حمقى».
حاليًا، بات المسرح السياسي العبثي يؤثر على منظور الأفلام. بالنسبة لبعض الأفلام، يصبّ هذا في مصلحتها، إذ تبدو أكثر إلحاحًا في هذا السياق. على سبيل المثال، فيلم «الحظيرة الحمراء»، الفيلم الافتتاحي لمسابقة «وجهات نظر»، ليس في الواقع عملًا قويًا. مع ذلك، في سياق هذا المهرجان، تأتي الرسالة السياسية لفيلم خوان بابلو سالاتو التاريخي المثير عن انقلاب تشيلي عام 1973 بمثابة ضربة قاضية.

من خلال التركيز على النقيب خورخي سيلفا، يصوّر فيلم سالاتو البيوجرافي كيف يدرك رئيس معهد تدريب القوات الجوّية التشيلية أنه لا يستطيع مقاومة الفاشية الصاعدة. في سلسلة متواصلة تقريبًا من اللقطات المقرّبة لوجه الممثل نيكولاس زاراتي، يجسّد الفيلم كيف يرى سيلفا الواقع السياسي المتغيّر باستمرار. المدرسة العسكرية التي كان يديرها بفخرٍ أصبحت الآن تحت سيطرة السلطات، وتحوّلت معتقلاً لسجناء سياسيين يجب استجوابهم وتعذيبهم وقتلهم في نهاية المطاف، على يدّ سيلفا أيضًا.
يبلغ فيلم «الحظيرة الحمراء» ذروته عندما تشعر بذلك الشرّ يتسلّل إلى هوامش المشاهد القمعية.إلا أن ضيق زاوية التصوير يعيق الفيلم. فمزيج تصوير دييجو بيكينيو وإخراج سالاتو ليس مُعبّرًا بما يكفي لجعل خطر هذه العاصفة السياسية ملموسًا. لكن لحظةً محددةً في منتصف الفيلم تتردّد أصداؤها بوضوحٍ وقوةٍ غير متوقّعة، عندما يُسأل سيلفا عمّا إذا كانت زوجته -وهي طالبة يسارية، وبالتالي عدوّة محتملة للنظام الجديد- قد تُشكّل تهديدًا. وقد أثار جوابه ضحكًا ساخرًا من الجمهور: «إنها تدرس التاريخ؛ لا علاقة لذلك بالسياسة!» إيفّيه برعاية وصوت فيم فيندرز.
حدثت لحظة مماثلة أيضًا خلال عرض الفيلم السوفيتي الكلاسيكي «قصر الكريستال» (1934)، والذي أعتبره أهم فيلم يُمكن مشاهدته في برلين هذا العام. في مقدمتهما للعرض، أكّدت هيلين جيريتسن، المديرة الفنية المعيّنة حديثًا لمتحف السينما والتليفزيون الألماني (دويتشه كينماتيك)، والمسؤولة أيضًا عن قسم كلاسيكيات مهرجان برلين السينمائي، ومؤرخ السينما الأوكراني إيفان كوزلينكو، أن وجود هذه النسخة المُرممة يُعدّ معجزة بحدّ ذاته. فالنسخة الأصلية من فيلم هريجوري هريتشر الكلاسيكي، وهو أول فيلم ناطق بالكامل باللغة الأوكرانية، موجودة في أرشيف مؤسسة جوسفيلموفوند الروسية، على مشارف موسكو. ومن المستبعد أن تسمح السلطات الروسية بإصدار هذه النسخة. ولكن، وكأنها معجزة، تبرّع فاعل خير مجهول بنسخة رقمية من هذه النسخة قبل بضع سنوات، والتي جرى تنقيحها لاحقًا لعرضها في مهرجان برلين السينمائي.
ليست هذه الطريقة الوحيدة التي يرتبط بها الفيلم بالسياق الجيوسياسي الذي يُستقبل فيه حاليًا. عندما صوّر هريشر هذا الفيلم، الذي يتناول قصّة النحات مارتن برونو، الذي صوّرته الحكومة كمتآمر سياسي، في كييف، كان يعيش بالفعل في خوف دائم من أن تختطف الشرطة طاقم التصوير. وبحسب ما ورد، كان كلّ فرد في موقع التصوير يحمل حقيبة طوارئ تحسّبًا لأيّ اعتقال مفاجئ. حتّى أن الاستوديو أجّل عرض فيلم «قصر الكريستال» لمدة عامين لتقييم ردود الفعل على هذا الفيلم الجريء في ظلّ المناخ السياسي الجديد للستالينية.
من خلال «قصر الكريستال»، تناول هريشر مسألة كيفية التعبير عن المذهب الجديد للفنّ الواقعي الاشتراكي في السينما، ولكنه استلهم أيضًا من الخصائص الجمالية للتعبيرية الألمانية (على سبيل المثال: «خزانة الدكتور كاليجاري» أو «إم - مدينة تبحث عن قاتل»). هذا ما جعلَ الفيلم عملًا فريدًا من نوعه في عصره.
ينتمي الفيلم لفئة الدراما السياسية والسينما الطليعية، وتدور أحداثه في ألمانيا النازية كحبكة دعائية من منظور الاتحاد السوفيتي آنذاك. تركّز القصة على فنان مسالم يُكلف بنحت تمثال للمسيح، لكنه يواجه اتهامات بالقتل ومؤامرات سياسية بعد تدمير منحوتته من قِبل مسؤول حكومي.
يثير «قصر الكريستال» مشاعر خوف واغتراب لدى المتفرّج، ولكنه في الوقت نفسه يمزجها بجمالٍ غير مألوف. أراد هريشر أن يُثبت أن الفن الحديث قادر على مُوازنة الصدمات السياسية في عصره. وانطلاقًا من هذه الغاية، يُبدع النحّات تمثالًا مُقلقًا ليسوع مرتديًا قناعًا واقيًا من الغازات في الفيلم. هذا العمل الفنّي يأتي كردّ فعل عاطفي على الحرب التي اندلعت في أوكرانيا بعد المجاعة الكبرى (هولودومور)، وهي مجاعة مُدبّرة سياسيًا حصدت أرواح ملايين الأوكرانيين بين عامي 1932 و1933. مع ذلك، ينظر النظام القومي إلى عمله كمنشور شيوعي، مُحوّلًا النحّات شهيدًا لحركة سياسية لا يرغب حتّى في الانتماء إليها. لكن القمع السياسي المستمر لأفكاره الفنّية هو ما يجعله يدرك أن فنّه -والفنّ عمومًا- سلاح سياسي دائمًا، حتى لو اعتقدنا أن الفنّ ينبع من القلب فقط.
في خطاب مُؤثر قرب نهاية الفيلم، يعبّر برونو بوضوح مذهل عن جوهر الفنّ؛ لحظة أخرى بدت وكأنها تُخاطب روّاد المهرجان مُباشرةً. يقول برونو مُهاجمًا النظام القائم: «لقد خلقتم واقعًا وفرضتموه علينا. أرى الآن أن الغرض من الفنّ مهاجمة هذا الواقع الذي صنعتموه».
تقارير ذات صلة
محمد رشاد عن «المستعمرة»: أن تحكي حكاية تشبه الناس بطريقة تشبهك
تحاوره ناهد نصر عن الفيلم وحكايته وأبطاله
نادي المنتجين المصريين: أن تسبح خارج البحر
بروفايل للنادي من خلال حوار مع مؤسسه محمد تيمور
سينما صيفي| فقراء في المنيو
بيحاول بسام مرتضى يخلينا نفكر في البني الآدمين
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن