تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
برليناله 2026: أجنحة الرغبة السياسية (2-2)

برليناله 2026: أجنحة الرغبة السياسية (2-2)

يوميات النسخة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائي

كتابة: محمد صبحي 22 دقيقة قراءة

حضر الكاتب مهرجان برلين السينمائي، في نسخته السادسة والسبعين، والتي أثارت عاصفة من الجدل السياسي الحادّ، حيث طغت القضية الفلسطينية وحرب غزة على فعاليات المهرجان، ما أثار نقاشات واسعة حول حرية التعبير، والصمت تجاه الأزمات، والحدود بين الفن والسياسة. وهنا يواصل تدوين مراجاعاته، بتركيز أكبر على الأفلام التسجيلية، وذلك بعد الجزء الأول، الذي يمكن أن تقرأوه من هنا

«الوثائقي» ينطلق في برلين

من بين المهرجانات السينمائية الثلاثة الكبرى، يُعد مهرجان برلين الأكثر انفتاحًا على الأفلام الوثائقية (يكفي أن ننظر إلى فوز فيلمي «على أدامانت» (2023) للمخرج نيكولا فيليبير، و«داهومي» (2024) للمخرجة ماتي ديوب بجائزة الدبّ الذهبي مؤخرًا). لذا، ليس من المستغرب أن تُعرض الأجزاء الثلاثة التالية من سلسلة «قصة الفيلم الوثائقي» المكونة من 16 جزءًا، للمخرج مارك كوزينز، لأول مرة هناك، بعد عرض الجزء الأول في مهرجان صاندانس في وقت سابق من هذا العام.

كنتُ أتطلع إلى هذا العمل بشيء من التردّد، فرغم اهتمامي البالغ بالنوع التسجيلي/ الوثائقي (مع أن كوزينز يشدّد، وبحق، على أن الفيلم التسجيلي/الوثائقي كنوعٍ سينمائي لا ينتمي إلى فئة بعينها كالأفلام الموسيقية أو أفلام الطريق، «بل هو أوسع من ذلك بكثير») إلا أنني بدأت أشعر ببعض الملل من هذا الصحفي السينمائي السابق وكاتب المقالات السينمائية.

أعجبتُ بفيلمه السابق «قصّة الفيلم: أوديسة» (2011)، الذي كان بالقدر نفسه من الشمولية، لكن فيلمي «قصّة الفيلم: جيل جديد» (2021) و«قصّة النظر» (2021) خيّبا الآمال. وبدأ أسلوبه الأناني في التقديم يزعجني تدريجيًا، وخاصة فيلمه «40 يومًا لتعلّم الأفلام» (2020) الذي صدر خلال جائحة كورونا، والذي كان استثناءً واضحًا، إذ لم يكن ينبغي إصداره بهذا الشكل حتى في ظل ظروف الجائحة.

لكن دعونا نكن واقعيين، فقد كبرنا جميعًا وهدأت طباعنا، ولا يسعني إلا أن أقول إنني استمتعت بالأجزاء الأربعة الأولى من تاريخ كوزينز الوثائقي المفعم بالحيوية.

أصبح تعليقه الصوتي الاسكتلندي-الأيرلندي المميّز (الذي يجده البعض مُنفرًا) أكثر هدوءًا واتزانًا، وأصبحت عباراته المبتذلة («على مدى العقود القليلة القادمة، كانت الأفلام الوثائقية دائمًا، بشكل أو بآخر، تدور حول العالم المادي») أقل تكرارًا، وبينما لا يزال يكرّر ما نراه بالفعل، إلا أن هذا الأمر هذه المرّة لا يعدو كونه إزعاجًا بسيطًا. إلا أنني ما زلت أجد من المزعج ادعاءه بأن «نصف الأفلام التي صُنعت على الإطلاق هي أفلام وثائقية»؛ ادعاء لا أساس له من الصحّة.

المخرج مارك كوزينز مع فريقه في مهرجان برلين

ما يلفت الانتباه بشكلٍ خاصّ تفاعله مع أسماء معروفة وعناوين أقل شهرة، وميله إلى الجمع بين عناصر غير متوقعة وإبراز التناقضات. ومن الجيّد أيضًا أنه، مع تلك الأفلام الوثائقية القليلة الشهيرة حقًا، يختار عادةً بديلًا أقل شهرة. لذا، فبينما يبدأ بأفلام عائلة لوميير، فإنه لا يبدأ بفيلم «وصول قطار إلى محطة لا سيوتات» (1896)؛ بل يختار فيلمهم المنزلي «وجبة طفل» (1895) -الذي يجسّد تمامًا موضوعه الأثير «التمثيل في الوثائقي/ acting for documentary»، إذ من الواضح أن الوالدة، مارجريت لوميير، لا تشرب القهوة في الواقع: لا شيء ينزل من إبريق القهوة، وعليه لا يوجد شيء في الفنجان الذي ترفعه إلى شفتيها: «هناك تمثيل هنا».

علاوة على ذلك، يتجنّب كوزينز بذلك الجدل الأكاديمي حول ما إذا كان جمهور فيلم «الوصول» قد تفادى القطار القادم أم لا، تمامًا كما لا يُسهب في النقاشات الأكاديمية حول الفرق بين السينما المباشرة وسينما الحقيقة، وما تعريف «الفيلم الوثائقي» تحديدًا، وما إذا كان ينبغي اعتبار العرض الأول لأفلام الأخوين لوميير في باريس في 28 ديسمبر 1895 بداية حقيقية للسينما.

ولنعد إلى برلين للحظة؛ ففي الأول من نوفمبر 1895، باع الأخوان ماكس وإيميل سكلادانوفسكي تذاكر عرض فيلم للمرة الأولى هنا. صحيح أن معدّاتهم السينمائية لم تكن بجودة معدّات الأخوين لوميير، وبعد حضور عرض لأفلام منافسيهم، استسلموا سريعًا، ولكن الأوّل يبقى أوّل. إلا أنه قبل ذلك بعام تقريبًا، في 25 نوفمبر 1894، عرض أوتومار أنشستس، الأقل شهرةً، أفلامه التي لم تدم طويلًا؛ أيضًا في برلين.

عدم ذكر كوزينز لهذا الأمر يعود إلى استهدافه جمهورًا أوسع لا يهتمّ كثيرًا بمثل هذه المناقشات التفصيلية، وإلى رغبته في الانتقال سريعًا (ففي النهاية، حتّى 16 ساعة لا تكفي لتغطية تاريخ فنّ الأفلام الوثائقية بأكمله)، وإلى رغبته في بدء الحلقة الأولى من سلسلته، التي تتناول الأفلام الوثائقية حتى عشرينيات القرن العشرين، في باريس، فقد أبقى برلين للجزء الثاني، الذي يتناول ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، لأسباب واضحة (يغطّي الجزء الثالث خمسينيات القرن العشرين؛ أما الجزء الرابع فهو الحلقة الأولى من اثنتين تتناولان ستينيات القرن العشرين).

بين المقاطع المعروضة، يُظهر كوزينز مواقع معاصرة: منظر طبيعي، وشاطئ، ومشهد من شارع. وهذه المرة ليس ليضع نفسه في دائرة الضوء -فهو يبقى خارج الشاشة- بل كفواصل قصيرة، لحظات تأمّل، تُذكّرنا في الوقت نفسه بأننا نشاهد هذه الأفلام الوثائقية من منظور حاضر. فكتابة التاريخ تعني دائمًا إعادة كتابته، وهذا النهج يُبرز هذه الفكرة بأسلوب أنيق.

يتجلّى هذا النهج المعاصر في اهتمام كوزينز المتزايد بالمخرجات السينمائيات وغير الغربيات، وتركيزه على هياكل السلطة الكامنة وراء صناعة الأفلام الوثائقية، وتأكيده المتكرّر على أن الأفلام لا تسجّل العالم فحسب، بل تُشكّله أيضًا، ونهجه المختلف نوعًا ما في تناوله للأفلام الأكثر شهرة؛ يضفي لمسةً من الدقة على التلاعبات المعروفة بالواقع في فيلمي روبرت فلاهرتي الكلاسيكيين «نانوك الشمال» (1922) و«موانا» (1926)، ويُقدّم منظورًا أكثر أصالةً للنقاش حول ليني ريفنستال من خلال التركيز ليس على تحفتها الشرّيرة «انتصار الإرادة» (1935)، بل على مشهدٍ جميل وشاعري من فيلم «أولمبيا» (1938).

يُذكر اسم جوريس إيفنز مرتين، كمخرج لفيلمي «بؤس في بورينج» (1934، مع هنري ستورك) و«الأربعمائة مليون» (1939). ويُقارن الفيلم الأخير، بوصفه تصويرًا أكثر تقليدية للحرب العالمية الثانية في آسيا، بما أعتبره أحد اكتشافات هذه السلسلة، فيلم الدعاية الياباني «الجنود المقاتلون» (كامي فوميو، 1939). بحسب ملخّص الفيلم: في منتصف عام 1938، انضم كامي فوميو وطاقم تصويره إلى فوج مشاة تابعوه في أنحاء الصين لمدة أربعة أشهر تقريبًا، مصوّرين مسيرتهم ومعاركهم وانتظارهم وموتهم؛ باختصار، معاناتهم، ليس فقط معاناتهم، بل أيضًا معاناة الناس من حولهم، أعدائهم المحدّدين. كان من المفترض أن يكون فيلمًا دعائيًا، لكن فوميو ابتكر ما يسمّيه كوزينز «فيلمًا تأمّليًا»: مشاهد حالمة ذات أجواء مميّزة، لم تكن ما يصبو إليه الجيش، ولذلك انتهى به المطاف حبيس الأدراج.

وهذا يقودني إلى فيلم آخر، صُمم كدعاية، لكنه ارتدّ سلبًا على مموليه: فيلم «إفريقيا 50» (1950) كان من المفترض أن يكون احتفالًا بـ50 عامًا من التعليم الفرنسي في إفريقيا، لكن المخرج رينيه فوتييه قدّم بدلًا من ذلك إدانة لاذعة لطغيان الاستعمار الفرنسي. هذا الفيلم أيضًا، تم تأجيل عرضه لأربعة عقود كاملة، وقضى فوتييه نفسه عدة أشهر في السجن.

هذه الروابط غير المتوقعة بين الأفلام (والتي، في هذه الحالة، غير معروفة لي أيضًا) تُشكّل جزءًا كبيرًا من متعة «قصّة الفيلم الوثائقي». من المستحيل، بالطبع، تلخيص أو حتّى وصف الساعات الأربع الأولى من تاريخ الأفلام الوثائقية هنا. لذا، دعونا نلقي نظرة أخيرة على بقية برنامج المهرجان: كيف هو الفيلم الوثائقي؟

                                                  ـــــــــــــ

هذا العام، ينافس فيلم تسجيلي/وثائقي يتيم ضمن المسابقة الرسمية، «يو» (الحب طائر متمرد) للمخرجين آنا فيتش وبانكر وايت، ويتناول الفيلم صداقة فيتش مع يولاندا شيا، التي تكبرها بـ50 عامًا. سيُعرض الفيلم لأول مرة قرب نهاية المهرجان. 

صانع الفيلم نفسه يؤدّي دورًا محوريًا في فيلم السوري توفيق صابوني «الجانب الآخر من الشمس»، إذ يعود المخرج مع أربعة ناجين آخرين إلى سجن صيدنايا سيئ السمعة، حيث احتُجز خلال حكم الديكتاتور المخلوع بشار الأسد. زيارةٌ تحمل في طيّاتها مواجهةً، حيث يُعاد صياغة التاريخ جزئيًا من خلال مشاهد تمثيلية.

أشعر أيضًا بالفضول تجاه فيلم ريثي بان «نحن ثمار الغابة» الذي يتناول شعب البونونج الكمبودي، أكبر مجموعة عرقية أصلية في المرتفعات الكمبودية، وفيلم كريستينا ميخائيلوفا «أحلام النهر» الذي يتناول التضامن النسائي في كازاخستان، وفيلم بيترا بريتكيلي، والفيلم الجماعي «النقاد» الذي يتناول عروض الخيال العلمي النيجيرية المصنوعة يدويًا، والفيلم الجديد لجيمس بينينج «ثمانية جسور»، الذي كما يمكنك التخمين، يتناول ثمانية جسور من موطنه.

ثم هناك فيلم «انهيار» للإسرائيلي أنات إيفن عن غزّة، وفيلم «غابة في الجبل» لصوفيا بوردناف عن مجتمع المابوتشي في مرتفعات في باتاجونيا، وفيلم «حين تستمعين لهذه الأغنية» لمنى عشّاش عن آن فرانك، وفيلم «سيناريو» لماري ويلك عن الجيش الألماني، وفيلم «يوم الغضب: حكايات من طرابلس» للمخرجة رانية الرافعي، عن خمس لحظات من الانتفاضة والاضطرابات السياسية عبر مختلف العصور التاريخية لمدينة طرابلس اللبنانية، وفيلم «آثار أوكرانية» لأليسا كوفالينكو وماريسيا نيكيتيوك، الذي يتناول العنف الجنسي الذي ارتكبته القوات الروسية ضد النساء الأوكرانيات، وفيلم «كفى!» لإليزيه ساواساوا عن الكونغو، وفيلم «مَن قتل أليكس عودة؟» لجيسون أوسدر وويليام لافي يومانز حول اغتيال ناشط فلسطيني-أمريكي في جنوب كاليفورنيا عام 1985، وفيلم «ماذا سأصبح؟» لليكسي بين ولوجان روزوس في مسابقة جيل الشباب (14+). وهذا ليس كلّ شيء بالتأكيد.

خيارات كثيرة، يظنّ المرء، لكن بصراحة، لن أتفاجأ إذا تبيّن، مستقبلًا، أن «قصّة الفيلم الوثائقي» نفسه قد صنع تاريخًا للأفلام الوثائقية هنا.

من فيلم «يوم الغضب: حكايات من طرابلس»

 جيل ما بعد الرابعة عشرة: خمول وكسل وشغف بالحياة

تتميّز غالبية أفلام الشباب ببنيةٍ ثلاثية الأجزاء سهلة الفهم وحوارات تشرح كل شيء بوضوح. إنها أشبه بوجبةٍ جاهزة: دجاج، وفرايز، وصوص. لكن كيف يُمكن للمرء أن يُقدّر السينما إن لم يشاهد قطّ فيلمًا غامرًا، أو كوميديًا سوداويًا، أو حتى جنونيًا؟ يحتفي مهرجان برلين السينمائي بنوع مختلف من أفلام الشباب.

يقضي إيلاي أيامًا ولياليَ يستكشف ضواحي برلين. يلتقي هذا الشاب ذو الـ16 عامًا بأصدقاء أو زملاء بين الحين والآخر، لكن الفيلم الألماني «الأضواء، تسقط» (ساشا فاجدا) لا يُقال فيه الكثير. تتبع الكاميرا المراهق بوتيرةٍ بطيئةٍ تكاد تكون مُتقطّعة. بين الحين والآخر، يتبادل أصدقاء إيلاي بضع كلماتٍ عن فتاةٍ يُعجبون بها. يسأله البعض عن حالها، دون انتظار إجابة. لا عجب إذن أن يُشعّ إيلاي بثقل العالم على كتفيه، فهو كذلك بالفعل. بينما يسهر الليالي متجولًا منتظرًا، ترقد والدته على فراش الموت. تتولّى رعايتها ممرّضة بالكاد تتكلّم. طوال الفيلم، نرى إيلاي غارقًا في الحزن، بعناد مراهق، وخوف واضح مما يخبّئه له المستقبل. يمكن ملاحظة ذلك بمجرّد النظر إلى وجهه المتوتّر وهيئته المتحفّظة، وحتّى من خلال نوبات غضبه العابرة. كمتفرّج، يثبت هذا أنك لستَ بحاجة بالضرورة إلى معرفة كل شيء عن الشخصية لفهم قصّتها.

فيلم «الأضواء تسقط» هو واحد من 18 فيلمًا طويلًا، إلى جانب 23 فيلمًا قصيرًا، عُرضت في مسابقتي «جيل كي بلس» (لأفلام الأطفال) و«جيل 14 بلس» (لأفلام الشباب) في مهرجان برلين السينمائي؛ اختيارات زاخرة بأفلام لا تخضع لرغبات الجمهور الأصغر سنًا. فبينما تتبّع الأفلام الموجّهة للأطفال والشباب في كثير من الأحيان قوالب تجارية نمطية، مليئة بالمسارات المألوفة والبنى السردية الواضحة، نجد هنا أساليب أقل تقليدية. أفلامٌ مُلهمة من إخراج مؤلّفين مبدعين، لا تُملي على المتفرّجين تفسيراتٍ مُطوّلة عبر التعليق الصوتي والحوارات التوضيحية، بل تُعبّر في الغالب عن شعور عميق. إحساس خاص، vibe، إذا أردت.

قد يكون هذا مُرهقًا بعض الشيء لمن اعتادوا على صور تيك توك العشوائية، وأفلام ديزني المُنمّقة، وإنتاجات الشباب التجارية. ولكن أليس هذا هو السبيل، كشابّ (وبالغ)، لتوسيع آفاقك وفهمك لما يُمكن أن يكون عليه الفيلم/السينما؟

في هذه الفئة من الأفلام، ثمة مكان محجوز لقصص الدراما العائلية والانفصالات الزوجية، ويمثّلها هنا فيلم الدراما الهولندية «عائلة» الذي يتناول موضوع الطلاق. يحتوي هذا الأخير حواراتٍ أكثر من الفيلم الألماني، إلا أن الألم والحزن والشكّ لا تزال تُشعّ من الشاشة. من منظور طفلين، المراهقة نينا أولًا ثم شقيقها الأصغر إيلي، يُصوّر المُخرج ميس بينينبورج كيف ينهار عالم عائلة بعد الطلاق. لا يُشرح سبب انفصال الوالدين، لكنه يحدث. ويتعيّن على الطفلين التعامل معه. تتضح تعقيدات هذا الأمر، والحاجة المُلحة لنضج هذين الطفلين، بشكلٍ مؤلم في بعض المشاهد الرئيسية.

يتضح ذلك جليًا، على سبيل المثال، في نظرة نينا عندما يصل والداها المتنازعان بشكل منفصل لحضور عرضها الراقص، وهي تراقبهما من على المسرح. مع اقتراب الكاميرا منها، تبدو كزنبرك مشدود، فخورة بأدائها، لكنها في الوقت نفسه تتمنّى لو تستطيع الانزواء في زاوية لتنتهي هذه اللحظة المحرجة للغاية. ويتجلّى هذا بوضوح عندما يندفع والدها ووالدتها، إمّا جزئيًا أو كليًا خارج إطار الكاميرا، إلى الأمام ليعرضا نفسيهما كجهة اتصال لمدرسة الرقص التي تدرس فيها نينا؛ باعتبارهما «الوالدان الرئيسيان». تركّز الكاميرا على وجه نينا في لحظة يثبت فيها والداها أنهما ليسا الرمزين الكبيرين الموثوق بهما اللذين طالما اعتقدت فيهما.

لحظة مؤثرة أخرى: نينا وإيلي في مترو الأنفاق، عائدين من مقابلة مع قاضي محكمة الأحداث. هناك، اضّطرا إلى إجراء محادثة مستحيلة حول المكان الذي يريدان العيش فيه. بمعنى آخر: لمن يدينان بالولاء، لأبيهما أم لأمّهما. في المترو، يقف الشقيقان صامتين، متباعدين جدًا. مسافة حقيقية ومجازية، وللأسف، لا يمكنهما تجاوزها في تلك اللحظة. عبر متابعة الطفلين في فصولٍ منفصلة، ​​كلٌّ من منظوره الخاص، يُظهر مخرجه ميس بينينبورج، دون إسهاب في الخلفية أو الكلام، إلى أي مدى يمكن لطفلٍ أن يختبر الوحدة والعزلة.

في الإنتاج المكسيكي/الإسباني/الفرنسي المشترك «فتيات حزينات» (فرناندا توفار)، وباولا ولا مايسترا صديقتان متلازمتان: تقضيان أوقاتهما في غرفتيهما، أو بجانب المسبح، أو في الشارع. تتبادلان الأحاديث والضحكات، وتتحدثان بلغة خاصّة لا يفهمها سواهما. أجوائهما ويومياتهما، مزيج من الكسل والحيوية، يتناسبان تمامًا مع عمرهما.

بعد حدثٍ معيّن في إحدى الحفلات، يرتبك عالم الفتاتين، يتغيّر، بمعنى ما، إلى الأبد. لكن كيف يُمكن الحديث عن المستحيل؟ من دلالات عصرنا أن إحداهما لا تُفصح في البداية عن تساؤلاتها وشكوكها لشخصٍ بالغ في محيطها، بل تطلب النصيحة من الذكاء الاصطناعي! لا ​​تجرؤان على الانفتاح التامّ إلا عندما تفعلان شيئًا مختلفًا تمامًا، كما هو الحال في الحياة الواقعية. في خضمّ حصّة رقص، حيث يُفترض بهما الإنصات إلى التعليمات، تجد إحداهما الشجاعة، على مضض، لمواجهة الموضوع الشائك.

يُعتبر فيلم «ساني دانسر» من إخراج جورج جاك، أكثر تقليدية من الفيلمين المذكورين سابقًا، ولكنه حافل بفكاهة الموجّهة للبالغين ونكات ذكية قد تبدو مبتذلة بعض الشيء، أو حتى مبالغًا فيها قليلًا. في هذا الفيلم الكوميدي الدرامي البريطاني، تزور آيفي (بيلا رامزي، إحدى بطلات «جيم أوف ثرونز») -ابنة الـ17 عامًا الغاضبة دائمًا، والمتعافية من السرطان- «مخيّمًا صيفيًا مجّانيًا» للشباب المصابين بالسرطان. في البداية، تنظر آيفي إلى ما تسمّيه «مخيّم الكيماوي» بنظرة ساخرة، وتعتبر التجربة «مُحرجة» و«مُقززة». لكنها سرعان ما تجد مجتمعًا داعمًا بين مجموعة من الشباب يُشبهونها في طباعهم، ويُصرّون على عيش الحياة عبر أفعال مُتمرّدة كالحفلات والسباحة عراة وكسر القواعد. يستكشف الفيلم مواضيع الفرح والصداقة وإعادة اكتشاف حبّ العالم رغم ما يُخيّم على النفس من آثار المرض.

للمرة الأولى، يرى المراهقون مستقبلًا لأنفسهم. كيف يتعاملون مع فكرة أنهم قد لا يموتون صغارًا؟ وكيف يعيشون مع خطر المرض الذي قد يعود بسهولة؟ تتصادم هذه المشاعر المعقدة أصلًا مع هرمونات تجتاح أجسادهم. هؤلاء المراهقون، وخاصة آيفي العابسة جدًا، دائمًا مستعدين للتعليق والردّ، ويطلقون نكاتاً لاذعة قد تُذهل أي شخص عادي. قصّة قاتمة للغاية، وأحيانًا محرجة بشكلٍ مثير للسخرية، ولهذا فهي مضحكة بشكلٍ مفاجئ.

تستكشف قصّة البطل الخارق البديلة «ماتابانكي» (دييجو فوينتيس) عالمًا لم يكن أحد يعلم بوجوده. هذه القصّة التشيلية، ذات الطابع البانكي punk والناشطي، والمصوّرة بالأبيض والأسود، أصلية تمامًا وتتحدّى تصنيفات الأنواع السينمائية. صُوِّر السيناريو الكوميدي السوداوي بأسلوبٍ بصري محموم، ومعارك طائشة بالأيدي، ورسوم متحرّكة تشبه الكتابة على الجدران، ومقاطع موسيقية رائعة، وأغانٍ بانك، وتصميم صوتي غريب.

من فيلم «ماتابانكي»

في هذه الكوميديا ​​الخيالية العلمية البديلة، يكتسب ريكاردو -الشابّ المتمرّد من الضواحي- فجأةً قوى خارقة بعد تناوله مشروبًا كحوليًا معيّنًا، فينطلق لتغيير المجتمع. لكن خطًأ فادحًا سيُشعل فتيل صراع دولي، ويجد نفسه في قلب العاصفة. تندلع معركة محمومة ضد رئيس أمريكي أحمق تمامًا، يسعى للسيطرة على العالم، ويلقى دعمًا من رجالٍ غامضين يرتدون بدلات رسمية. بينما يتلقّى ريكاردو الدعم من مجموعة أصدقاء مقرّبين وجدّته الرائعة، التي تستمتع هي الأخرى بتناول مشروب أو تدخين سيجارة حشيش. بين السطور، يُقال الكثير عن نظرة الشباب التشيلي (في هذه الحالة) إلى عالم يعيشون فيه ويُشكّل تهديدًا لهم. يتضح أمامهم أنهم إذا أرادوا رؤية أي تغيير، فعليهم أن يفعلوه بأنفسهم، سواء امتلكوا قوى خارقة أم لا.

فيلمٌ جريءٌ ومُشوّه، بفخرٍ ووعي، يعوّض افتقاره للعمق وحتى للمفاجأة بسحره، وروح الدعابة، وخلوه من الأحكام المسبقة.

 الجوائز: أضداد على خشبة المسرح

اختُتمت الدورة السادسة والسبعون المضطربة للمهرجان بحفل توزيع جوائز مماثل في اضطرابه، حيث تحوّل مسرح قصر برلين السينمائي الضخم منصّة أدان فيها العديد من الفائزين بالجوائز الإبادة الجماعية في غزة والاضطهاد العنصري والسياسي بشكلٍ عامّ، من إيران إلى تركيا، وشهد الحفل سجالًا بين أطراف سياسية هيمنت على نقاشات برلين خلال الأيام العشرة الماضية.

من جهة، كان هناك بعض الثناء المعتاد لمديرة المهرجان، تريشيا تاتل، ورئيس لجنة التحكيم، فيم فيندرز، اللذين تعرّضا لانتقادات خلال المهرجان بسبب مواقفهما غير السياسية. ومن جهة أخرى، أشارت عدّة خطابات صراحةً إلى الإبادة الجماعية في غزة، الموضوع الرئيسي للنقاش. أثارت هذه النقطة الأخيرة استياءً متزايدًا لدى مقدمة الحفل، ديزيريه نوسبوش من لوكسمبورج، والتي كافحت للسيطرة على المشاعر المتصاعدة.

لم تُترجم هذه التناقضات المتضاربة على خشبة المسرح بالضرورة إلى توزيعٍ مثير للجوائز. فمثلًا، كانت ساندرا هولر تُعتبر الفائزة الأبرز بجائزة أفضل دور رئيسي طوال فترة المهرجان، والتي فازت بها بالفعل عن دورها في فيلم «روز» للمخرج ماركوس شلاينزر، دراما مسرحية مؤثرةٌ تُجسّد فيها هولر شخصية امرأةٍ تتنكّر في هيئة رجلٍ (جندي سابق مشوّه)، وتُكافح من أجل الاندماج في مجتمع قروي زراعي محافظ في ألمانيا في القرن السابع عشر، لتنال بذلك الاحترام والاستقلالية والحرية التي لم تكن متاحة للنساء في ذلك الوقت. سبق لهولر الفوز بجائزة الدبّ الفضي نفسها عام 2006 عن فيلم «مرثية/ Requiem»، أوّل أدوارها الرئيسية، لكنها حقّقت شهرة عالمية بثلاثة أفلام رسّخت مكانتها في مهرجان كانّ السينمائي: أولها الفيلم الكوميدي «توني إردمان» (2013)، وبعد عشر سنوات عن ظهورها مرتين على الكروازيت بدور البطولة في فيلمي «تشريح سقوط» و«منطقة الاهتمام».

من فيلم «روز»

كما نودي بفيلم «ملكة في البحر»، وهو دراما مؤثرةٌ تتناول مرض الخَرف، كأحد أبرز المرشّحين منذ عرضه الأول، وفاز بجائزتين: تقاسم جائزة الدبّ الفضي لأفضل ممثل مساعد اثنان من أساطير السينما البريطانية، توم كورتيناي وآنا كالدر-مارشال، اللذان جسّدا دور زوجين مسنين يواجهان مشاكل صحّية خطيرة مع تقدّمهما في السنّ، ويشعران بالتهديد من ابنتهما، التي لعبت دورها جولييت بينوش؛ فيما تسلّم المخرج لانس هامر جائزة لجنة التحكيم -ثالث أكبر جوائز المهرجان- عن أول أفلامه منذ باكورته الإخراجية، «بالاست/ Ballast» عام (2018)، الذي لاقى استحسانًا كبيرًا.

فيما ذهبت جائزة الدبّ الفضي لأفضل مخرج إلى الإنجليزي جرانت جي عن فيلم «الجميع يحبّ بيل إيفانز»، الذي قدّم إعادة تمثيل للأزمة العميقة التي مرّ بها عازف الجاز الشهير حوالي عام 1961 عندما علم بوفاة عازف الباس سكوت لافارو في حادث سيارة، بعدما أقاما معًا علاقة موسيقية لا مثيل لها.

في المقابل، فشلت عدّة أفلام نالت استحسان النقاد في الفوز بأي جوائز، من بينها فيلم «زوجتي تبكي» للألمانية أنجيلا شانيليك، وفيلم «أكثر الرجال وحدة في المدينة» للزوجين تيزا كوفي وراينر فريمل، وفيلم «كلّنا غرباء» للسنغافوري أنتوني تشين. ولعلّ الجائزة الأكثر إثارة للدهشة كانت جائزة الدبّ الفضي للإسهام الفني المتميّز، والتي مُنحت لفيلم شخصي لم يلقَ استحسان النقّاد؛ «يو: الحبّ طائر متمرد» للمخرجين آنا فيتش وبانكر وايت، الوثائقي الوحيد في المسابقة، والذي يُحلّل الصداقة غير المألوفة بين فيتش وصديقتها الأكبر سنًا يو، مُعيدًا بناء مشاهد من حياتهما المشتركة على نطاق واسع.

وذهبت الجائزة الرئيسية والجائزة الثانية إلى أفلام تركيّة (جزئيًا). فاز المخرج التركي، أمين ألبر، بجائزة لجنة التحكيم الكبرى عن فيلم «خلاص/ Kurtuluş»، وهو فيلم ذو طابع واقعي سحري تدور أحداثه حول صراع قبلي في قرية ريفية يتصاعد بشكل كارثي ويخرج عن السيطرة. وفاز المخرج الألماني من أصول تركية، إيلكر تشاتاك، بجائزة الدبّ الذهبي عن فيلمه «رسائل صفراء»، الدائرة تدور أحداثه في تركيا في عهد أردوجان، ويتناول بشكل صريح مكانة الفنون في ظلّ نظام استبدادي، إذ يستكشف بوضوح الدور السياسي الذي يمكن للفنانين، بل ويجب عليهم، أن يلعبوه. ولعلّ فيندرز، وهو يشاهد المشهد الذي يتجادل فيه البطلان بحماس حول قدرة المسرح على إنقاذ العالم، قد تساءل عن تصريحاته الغبية خلال المؤتمر الصحفي الذي عُقد في بداية المهرجان. 

من فيلم «رسائل صفراء»

يُعلن فيلم تشاتاك منذ البداية، عبر بطاقة مكتوبة على الشاشة، أن أحداثه قد تدور في «برلين بقدر ما تدور في أنقرة»، حيث تمثل العاصمة الألمانية نظيرتها التركية، وكأن الفيلم نفسه يجري في المنفى. بطلا الفيلم مثقفان -هو أستاذ جامعي وكاتب مسرحي، وهي ممثلة- يعانيان من الفصل التعسفي والاضطهاد الحكومي المتزايد بسبب موقفهما السياسي المعارض للنظام التركي. قال رئيس لجنة التحكيم، فيم فيندرز، الذي واجه انتقادات لاذعة في بداية المهرجان لرفضه التعليق على غزة: «رأينا الفيلم بمثابة نذير شؤم مرعب، لمحة عن مستقبل قريب قد يحدث في بلادنا أيضًا».

بالتدقيق، قد يمرّ المخرج السوري الفلسطيني المقيم في ألمانيا، عبد الله الخطيب، بتجربة مشابهة لما عاشه أبطال «رسائل صفراء»، وذلك بعد فوزه بجائزة أفضل فيلم روائي أول في المهرجان عن فيلمه «وقائع زمن الحصار» ضمن قسم «وجهات نظر» المخصّص حصريًا للأفلام الروائية الأولى. ويشير عنوان الفيلم إلى غزة (رغم أن الفيلم نفسه لا يُسمّي المكان الذي تدور فيه الأحداث، ويتعمّد عدم تحديد طبيعة الحصار ومصدره، بل يترك الأمر لتفسير الجمهور)، حيث يُمثّل البقاء على قيد الحياة يومًا بعد يوم، وساعة بعد ساعة، محور هذه الوقائع المُلِحّة التي تنسج قصص شخصيات مختلفة في المدينة، في ظلّ اشتداد القصف ورصاص قناصّة الجيش الإسرائيلي المارّ من حولهم.

وارتدى الخطيب الكوفية الفلسطينية ووقف أمام علم فلسطيني يحمله زميل له، متهمًا الحكومة الألمانية بالتواطؤ في الإبادة الجماعية في غزة. فور اقترابه من الميكروفون، أوضح المخرج قائلًا: «يسعدني التواجد هنا لاستلام جائزة، كما تعلمون، لكنني فلسطيني، لذا عليّ أن أغتنم هذه اللحظة لأتحدث عن فلسطين». وأكّد أنه كان تحت «ضغط كبير للمشاركة في مهرجان برلين السينمائي الدولي لسبب واحد فقط: أن أكون هنا وأقول إن فلسطين ستتحرر، وأننا سنحظى يومًا بمهرجان سينمائي عظيم في قلب غزة، وفي قلب المدن الفلسطينية الأخرى. سيقف مهرجاننا متضامنًا مع الشعوب التي تعيش تحت الحصار والاحتلال والأنظمة الديكتاتورية في جميع أنحاء العالم. سنتحدث عن السياسة قبل السينما. سنتحدث عن المقاومة قبل الفنّ، وعن الحرية قبل الجمال، وعن الإنسانية قبل الثقافة».

وقال الخطيب إن الفلسطينيين سيتذكّرون «كلّ مَن وقف معنا وكلّ مَن وقف ضدّنا، ضدّ حقنا في العيش بكرامة، أو مَن اختار الصمت». وأضاف: «قال لي البعض إنه ربما ينبغي عليّ التريث قبل قول ما سأقوله، لأنني لاجئ في ألمانيا وهناك خطوط حمراء كثيرة. لكنني لا أبالي. ما يهمّني هو شعبي، ما يهمني هو فلسطين. لذا أوجّه كلمتي الأخيرة إلى الحكومة الألمانية: أنتم متواطئون في الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزة».

الخطاب الحماسي الغاضب أثار انقسامًا بين الحضور في قصر برلين السينمائي، حيث أشاد البعض بشجاعة الخطيب في انتقاد البلد الذي يعيش فيه كلاجئ سياسي، فيما رفضه آخرون ووصفوه بالعدائي المفرط. وسط تصفيق حار من معظم الحضور وصيحات الاستهجان من بعضه، تمكّنت مقدّمة الحفل، الممثلة ديزيريه نوسبوش، من التلعثم قائلة: «كما يعلم الجميع، غالبًا ما تعكس السينما صراعات عالمنا، وبالطبع، الألم العميق الذي نخشاه ونشعر به. هذه أصوات الفنّانين وصنّاع الأفلام. وهذا لا يعكس بالضرورة موقف مهرجان برلين السينمائي الدولي كمؤسسة».

من جانبها، علّقت مديرة المهرجان، تريشيا تاتل، قائلةً: «أقيم مهرجان برلين السينمائي هذا العام في عالمٍ يبدو ممزقًا. وصل الكثيرون مثقلين بالألم وشعورٍ مُلحٍّ تجاه العالم الذي نعيش فيه حاليًا، سواءً داخل دور السينما أو خارجها. هذه المشاعر حقيقية للغاية، وهي جزءٌ لا يتجزأ من مجتمعنا. هذا العام، واجهنا أيضًا تساؤلاتٍ علنية، وهو أمرٌ إيجابي لأنه يدلّ على أهمية مهرجان برلين السينمائي بالنسبة للكثيرين». وتابعت، مشيرةً إلى الرسالة التي وقعها أكثر من مئة ممثل ومخرج سينمائي -من بينهم تيلدا سوينتون، وخافيير بارديم، وبول لافيرتي، وآدم مكاي- ينتقدون فيها مهرجان برلين السينمائي لـ«صمته حيال غزة».

وأضافت تاتل: «نحن نحترم من يرفعون أصواتهم، لأن ذلك يتطلب أحيانًا شجاعةً كبيرة.. لا نتفق دائمًا مع كلّ ما يُقال عنّا، لكن ما أفتخر به حقًا أن مهرجان برلين السينمائي، على مدار هذه الأيام العشرة، ظلّ كما نريده: مكانًا يجتمع فيه الناس في العلن، حيث يُرحَّب بالجميع للجلوس في الظلام ورؤية العالم عبر عيون الآخرين. إذا كان هذا المهرجان قد غمرته المشاعر، فهذا ليس فشلًا للمهرجان أو للسينما، بل دليل على أن المهرجان والسينما قد أدّيا دورهما على أكمل وجه».

بالعودة إلى الفيلم المتوّج بالجائزة الكبرى، يعدّ «رسائل صفراء» أول فيلم ألماني يفوز بالجائزة الكبرى للمهرجان منذ 22 عامًا. والجدير بالذكر أن مخرجه، من أصل تركي، وكذلك فاتح أكين، مخرج الفيلم الألماني «Head-On» (مواجهة مباشرة)، الفائز بجائزة مهرجان برلين السينمائي الدولي عام 2004.

في مقابلة خلال المهرجان، قال أحد مستشاري فيلم تشاتاك، الذي يصوّر أزمة زوجية بين اثنين من صنّاع المسرح الأتراك على خلفية عمليات التسريح الجماعي لموظفين حكوميين وأكاديميين وعاملين في المجال الثقافي شهدتها البلاد عقب محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016: «كنت أعمل في إحدى الجامعات آنذاك، وكنتُ من بين المُستهدفين. لم أُفصل في نهاية المطاف، لكن العديد من أصدقائي فُصلوا. لذا، يمكن القول إن فيلم إيلكر يروي قصّتي، قصّة ما كان بإمكاني سردها في تركيا».

قال تشاتاك نفسه، المولود في برلين لأبوين مهاجرين تركيين، في مقابلة صحفية إنه كان لديه شكوك قبل بدء العمل على الفيلم -هل ستنتظره أعمال انتقامية أيضًا؟- «لكنني فكّرت حينها: ما الذي خاطرْتُ به فعلًا في مسيرتي المهنية؟ أريد أن أصنع أفلامًا أفتخر بها وأستطيع أن أقول عنها: لم أكن خائفًا. يُنتج صانعو الأفلام في جميع أنحاء العالم أعمالًا بالغة الأهمية تحت ضغط هائل. أعيش في حرية نسبية، لذا إن هم تجرّأوا على فعل ذلك ولم أفعل، لكنتُ غبيًا بالفعل».

 تعليق أخير

إثر الغضب الألماني العارم إزاء حفل الختام وخطاب عبد الله الخطيب وإدانته لألمانيا، يطفو سؤال: مَن الذي يُلحق الضرر بمهرجان برلين فعلاً؟ الأصوات الناقدة والأفلام المتحاورة أم الإرهاب الأيديولوجي وسياسات إغماض العين؟

في المحصلة، أثار مهرجان برلين غضب السياسيين الألمان مجددًا. فقد غادر وزير البيئة الاتحادي، كارستن شنايدر (من الحزب الاشتراكي الديمقراطي) القاعة أثناء حفل توزيع الجوائز، وهاجم عمدة برلين، كاي فيجنر (من الاتحاد الديمقراطي المسيحي)، ووزير الدولة للثقافة، فولفرام فايمر، ما وصفاه بـ«كراهية إسرائيل، فيما تحدث رئيس الكتلة البرلمانية للاتحاد الاجتماعي المسيحي في البوندستاج، ألكسندر هوفمان، عن «تهديدات» وطالب بمحاسبة المسؤولين.

لطالما افتخر مهرجان برلين السينمائي بكونه مهرجانًا للأفلام السياسية. ولزمنٍ طويل، كان المنصّة الرئيسية لمخرجين إيرانيين مُنعت أفلامهم في بلادهم. وفي عام 2023، أظهرت إدارة المهرجان تضامنها بشكل واضح مع الشعب الأوكراني والمتظاهرين في إيران، حيث نظّمت صورًا تضامنية على السجّادة الحمراء وجلسات نقاش حول الوضع في كلا البلدين؛ بل ووزّعت دبابيس تحمل ألوان العلم الأوكراني. لكن منذ 7 أكتوبر 2023، باتت الإدارة تكافح للحفاظ على هذا الادعاء السامي.

تواجه المديرة الحالية، الأمريكية تريشيا تاتل، مهمّة بالغة الصعوبة. إذ يتوقّع السياسيون الألمان علنًا منها قمع أي تعبيرات صريحة عن التضامن مع شعب غزة أو انتقادات لمصالح ألمانيا كدولة في مهرجان برلين السينمائي، كونها في نهاية المطاف مَن تموّل المهرجان. وهذا يمنحهم نفوذًا كبيرًا.

مفهوم أن سياسيين ألمان مثل كارستن شنايدر لا يرغبون في تذكيرهم بتواطؤ ألمانيا في الإبادة الجماعية في غزة. لكن المثير للدهشة عدد الصحفيين السينمائيين الألمان الذين يشعرون بالمثل. حتى أن الناقد السينمائي، روديجر سوشلاند، المدافع الشرس عن إسرائيل، اقترح (ضمن برنامج تليفزيوني» على إدراة المهرجان سحب اعتماد الصحفي تيلو يونج لأنه «يطرح أسئلة نقدية مفرطة».

آخرون، مثل السياسي هوفمان من حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي، شعروا بـ«التهديد» لأن المخرج الفلسطيني، عبد الله الخطيب قال في خطاب قبوله الجائزة إن مَن التزموا الصمت حيال الإبادة الجماعية في غزة سيُذكرون. هل الذاكرة تهديد؟ يبدو أن ضمير البعض يُضلّلهم.

لحسن الحظّ، لا يمكن قمع النقاشات المفتوحة بهذه السهولة. في الواقع، لقد أنقذت قرارات التحكيم، وصنّاع الأفلام النقديون، والصحفيون مهرجان برلين السينمائي هذا العام. إن سياسيين مثل فايمر، ممن لا يكفّون عن مهاجمة الفنّانين الناقدين، ويحاولون إسكاتهم، يضرّون بسمعة مهرجان برلين السينمائي أكثر من أي ناقد ومندّد. ولا ينبغي أن يتفاجأوا بفقدانه الوشيك لأهمّيته. بالمثل، إذا صحّت الأنباء المتواترة عن إقالة وشيكة لباتريشيا تاتل عقب أدائها -المخزي في نظر بعض الساسة الألمان الهائمين بحبّ الدولة الصهيونية- في الدورة الأخيرة للمهرجان، فربما تكون هذه «أكبر كارثة تحلّ بالسياسة الثقافية الألمانية منذ تفتيش منزل هاينريش بول عام 1972»، على حدّ وصف الكاتب دانيال كيلمان.

الأكيد أن مهرجان برلين تعرّض لضرٍر بالغ في دورته الأخيرة، بسبب الشحنة السياسية التي طغت على أجوائه وفعالياته، وأكثر منها بسبب الهياج الأرعن لرابطة محبّي إسرائيل في ألمانيا من ساسةّ ونقّاد وصحفيين. صحيح الأفلام لا تنقذ العالم، لكنها في أحسن الأحوال تحفّز الفكر. لن يتحسّن الوضع في غزة (ولا في أي مكان منكوب آخر) بسبب مهرجان برلين السينمائي، لكن يمكن فهمه بشكل أفضل عبر قوّة السينما. طالما فُرضت السياسة على مهرجان سينمائي من خارجه، فلن يربح أحد.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن