تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
جودار.. من سينيفيلي مدهش إلى ساحر متوحّد

جودار.. من سينيفيلي مدهش إلى ساحر متوحّد

كتابة: محمد صبحي 12 دقيقة قراءة

تحتفي الدورة الـ 15 من بانوراما الفيلم الأوروبي (1-10 ديسمبر) بالمخرج الفرنسي جان لوك جودار، الذي رحل في سبتمبر الماضي، مقدّمة له ستة أفلام، تندرج تحت عنوانين، أولهما «جودار الشاب» وبه «ألفافيل» و«المرأة هي المرأة» و«بييرو المجنون»، وثانيهما «ما بعد 68» ويضم «برافدا» و«هنا وهناك» و«كل شيء على ما يرام». 

جان لوك جودار، الراحل عن عالمنا باختياره قبل شهرين، لا يحتاج تقديمًا. هو نجم الشمال السينمائي، أفلامه قادت إلى منظور جديد للسينما والعالم، وأحيانًا إلى انفجارات مفاجئة وصريحة في الدماغ.

لكن، من أين يمكن البدء في الكتابة عن جودار المتنوّع التثويري المُلغز؟

الآن، فقط في لحظة كتابة هذه الكلمات، ثمة ثلاث افتتاحيات محتملة. أولها بالعودة إلى «ويك إند» (1967)، حين تتنهّد الشخصيات بأنهم عالقون في فيلم سيء. وثانيها، تلك الأصوات المتضاربة والألوان المتراكبة بشكل مفعم بالحيوية والحرارة في «مديح الحبّ» (2001). وثالثًا، في تمرينه الأسلوبي العنيد «وداعًا للّغة» (2014)، حيث يأتي جودار أحيانًا بصور تُظهر شيئًا مختلفًا لكل عين.

سواء كانت هذه الحيل الأسلوبية الجامحة مرحة أم مزعجة، عميقة أم فارغة، مبتكرة أم طنّانة؛ المؤكد أن جودار لم يهدف منها مضايقة المشاهدين أو التعالي عليهم. إنما كان مهتمًا باستكشاف ودفع حدود صناعة الأفلام باستمرار، وجلب المُشاهد إلى تجربة جديدة تمامًا للسينما والواقع. كان لهذا الاختيار ثمنه بالطبع. أصبح جودار أحد أكثر المخرجين نفوذًا ومحاكاة في كل العصور، ورائدًا أظهر لجميع الأجيال قدرة السينما. في الوقت نفسه، ابتعد عن جمهور السينما العادي، الذي شغف به يومًا ورسَّمه مخرجًا نجمًا. قال ذات مرة برصانة مدهشة: «في معظم مسيرتي المهنية، جنيت دخلًا لائقًا من أفلام لم يرغب أحد في رؤيتها».

في 1960 كانت الأمور مختلفة تمامًا عندما ظهر جودار البالغ من العمر 29 عامًا -وكان حتى ذلك الحين ناقدًا سينمائيًا لمجلة الأفلام المؤثرة «دفاتر السينما» Cahiers du Cinéma- لأول مرة بفيلمه «حتى آخر نَفَس»، الذي ضرب الصحافة والجمهور مثل قنبلة وقَلَب موازين السينما الفرنسية بأكملها. ليس بسبب قصة بطله المجرم الخارج عن القانون (جان بول بلموندو) وفتاته المتمردة (الأمريكية جان سيبرج)، ولكن بفضل البراعة اللامتناهية التي استكشف بها جودار إمكانات الوسيط السينمائي وعَكَسها ووسَّعها وقَلَبها رأسًا على عقب. «حتى آخر نَفَس» أشبه بشرابٍ مُسكر قوي ومدوّخ، ارتجال جاز جامح في وسط صخب باريس.

من فيلم Breathless

سيناريو الفيلم كتبه جودار من يوم لآخر. نهجٌ، باستثناء عدد قليل من الأفلام، سيحافظ عليه طوال حياته المهنية. لم تستطع جان سيبرج التعامل مع الفوضى في موقع التصوير، في حين داوم زميلها بلموندو على طمأنتها بأن الفيلم لن يُعرض على أي حال. أكثر من ذلك، جاءت القطعات المونتاجية المؤثرة والمميزة للفيلم (تلك القفزات المفاجئة في المَشاهد) بدافع الضرورة العملية. اضطر جودار إلى تقصير مدة الفيلم الأصلي البالغ مدته 150 دقيقة، ولكن بدلًا من إزالة المَشاهد تمامًا، قرر قطع تلك اللحظات عندما ينهار الإيقاع أو عندما لا يحدث شيء مثير للاهتمام. سواء كان ذلك في بداية المشهد أو نهايته، أو في منتصف اللقطة، لم يهتم جودار. وقد كان محقًا في ذلك، لأن هذا القلق الإيقاعي بالتحديد هو ما أحيا الفيلم حتى يومنا هذا.

حقّق الفيلم نجاحًا باهرًا في شباك التذاكر، وجمع ما لا يقلّ عن 50 ضعفًا من ميزانيته، واعتمدت الشابّات نفس قَصّة الشعر القصيرة مثل سيبرج، ولم يصبح جودار المخرج الفرنسي الأكثر شهرة في حينها فحسب، بل تُوِّج أيضًا رائدًا لجماعة «الموجة الجديدة» الناشئة، من صانعي الأفلام الشباب (بمن فيهم فرانسوا تروفو وكلود شابرول وجاك ريفيت) الذين أرادوا ترك السينما الفرنسية التقليدية العقيمة ورائهم. وهكذا، أكسبَ ظهور «حتى آخر نَفَس» مصطلحات «السينما القديمة» و«السينما الجديدة» معنى أخيرًا. بفضله، أصبحت فجوة الأجيال السينمائية واضحة ومحسوسة.

في النصف الأول من الستينيات، ظلّ جودار أحد أعظم نجوم السينما الفرنسية. زواجه المضطرب من ملهمته آنا كارينا -صنعا معًا ثمانية أفلام، بما في ذلك ثلاثة أفلام تعرضها البانوراما- هي الكوميديا المريرة «المرأة هي المرأة» (1961) ومغامرة العصابات «بييرو المجنون» (1965) والديستوبيا المستقبلية «ألفافيل» (1965)، لعوبة وثائرة بقدر ميلانكوليتها – تابعته الصحافة الرائجة على نطاق واسع.

في هذه الأثناء، كان على روّاد السينما مشاهدة أعمال جودار، التي تأثرت بآرائه اليسارية والمناهضة للبرجوازية وسياسات الولايات المتحدة، وأصبحت أكثر تطرّفًا. عندما عُرض فيلمه «عصابة الغرباء» (1964) للمرة الأولى في مهرجان كان السينمائي، نشر جودار إعلانًا من صفحتين في مجلة الفيلم الفرنسي Le film français جاء فيه: «ما الذي يريده الجمهور في الفيلم، تساءل دي دبليو غريفيث. بندقية وفتاة! استجابة لهذه الرغبة، قمتُ بتصوير «عصابة الغرباء» لاستوديو كولومبيا، وهو قصة من ذهب ستبيع الكثير من التذاكر». وبالفعل، استمتع الجمهور بالفيلم؛ وإلى الآن يظل مشهد رقص العصابة الثلاثية في المقهى أحد أكثر مشاهد جودار كلاسيكية.

من فيلم  Band of outsiders

إلا أن قصة الحبّ هذه لم تكتمل. من فيلمٍ إلى فيلم، أصبح موقف جودار أكثر غضبًا وعدوانية. ما بدأ بتأثيرات اغترابية هزلية ونكاتٍ ساخرة -كما يظهر، مثلًا، في شخصية بريجيت باردو في «احتقار» (1963) التي تتعرّى أمام المنتجين، أو ترقد على بطنها بكتابٍ مفتوح على مؤخرتها- بلغ ذروته بهجوم مباشر على الجمهور البرجوازي نفسه. وكان ذلك «ويك إند»: فيلم طريق في زمن ما بعد نهاية العالم، أبطاله شخصيات ساخطة وبغيضة، أمثولة هجائية للمجتمع البرجوازي وثقافة الاستهلاك. فيلم جوداري نقي: فيه تتعطل الكاميرا مرة بعد أخرى، ويظهر الازدحام المروري الأكثر غرابة في تاريخ السينما، ومونولوجات لا نهاية لها يلقيها رجال ماوّيون.

بعد إنجاز الفيلم، أخبر جودار، الذي تزوّج حينها من الممثلة آن فيزيمسكي، طاقمه المعتاد أنه من الأفضل لهم البحث عن عمل في مكان آخر. كانت مسيرته كمخرج في نهايتها، كما تقترح العناوين الختامية للفيلم: «نهاية العالم، نهاية السينما». وعلى الرغم من استمراره في صناعة الأفلام، بصفته عضوًا في مجموعة دزيجا فيرتوف الماويّة-الماركسية (بتأسيس تنظيري من إدجار موران)، فإن «ويك إند» شكّل خطًا فاصلًا في مسيرته المهنية.

منذ عام 1966، انشغل جودار بالتطورات السياسية لليسار المتطرّف، ولا سيما بالظاهرة الماويّة، ممثلة في فرنسا بالحزب الشيوعي الماركسي اللينيني واتحاد الشبيبة الشيوعية الماركسية اللينينية. في ربيع عام 1967، أنجز فيلم «الصينية» المشحون بالأفكار الماويّة. ولدت مجموعة دزيجا فيرتوف (يشير اسمها إلى السينمائي والمنظّر السوفييتي دزيجا فيرتوف (1896-1954)، لكنها متأثرة أيضًا بأفكار المسرحي بيرتولت بريشت (1898-1956)) من رغبته في المضي قدمًا في هذا الاتجاه (إنجاز أفلام سياسية بطريقة سياسية) والابتعاد عن ممارسته السينمائية، ولا سيما أساليب الإنتاج السابقة. شُكّلت المجموعة في العام 1968 من قبل صانعي الأفلام النشطين سينمائيًا، بما فيهم أبرز أعضائها جودار وجان بيير جورين.

تعرض البانوراما ثلاثة من هذه الأفلام (في الحقيقة فيلمان فقط ينتميان للمجموعة، فيما الثالث -الذي أنجزه جودار مع زوجته الثالثة آن ماري مييفيل- يسائل طريقة عملها وأسلوبها). الأفلام الثمانية التي صوّرها مع موران وبقية رفاق المجموعة أعطت جودار فرصة كبيرة لتجوال حرّ مع وسيط الفيديو الجديد. في الوقت نفسه، كان الأمر صعبًا، لا يمكن فهمه، لدرجة أن جودار فقد كل اتصالٍ مع جمهوره المفترض.

من فيلم Here and elsewhere

في ذلك الوقت، اعتقد هو نفسه أنه يسهم في الثورة السينمائية للبروليتاريا. بليغًا ومعبّرًا كان ردّه على الانتقادات القائلة بأن الضوضاء التي تملأ الشريط الصوتي لفيلم المجموعة «أصوات بريطانية» (1970) لا تُطاق. قال جودار: «يجب على العمال أن يتحمّلوا هذه الضوضاء طوال اليوم، كل يوم، لأسابيع وشهور وسنوات، بينما لا يستطيع الجمهور البرجوازي حتى الاستماع إليها لثانيتين». في النهاية، بالكاد شاهد أحدٌ أفلام مجموعة دزيجا فيرتوف، لا البرجوازية ولا البروليتاريا. ومن هنا تأتي أهمية عرض ومشاهدة أفلام جودار في فترته الأكثر سياسية واحتدامًا وإرباكًا.

من فيلم British sounds

في «برافدا»، المعروض ضمن البانوراما، يشنّ هجومًا مباشرًا على ما يسمّيه التحريفية والإمبريالية الاشتراكية. مع كولاج صوّر مأخوذة من الحياة الواقعية، يُنظم الفيلم كرسالة يكتبها رجل إلى امرأة. عنوان الفيلم مصطلح مأخوذ من اللغة الروسية يعني «الحقيقة» وهو أيضًا اسم الجريدة الرسمية لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية. انطلاقًا من هذا المعنى المزدوج وبالاستعانة بصور من تشيكوسلوفاكيا بعد سحق قوات حلف وارسو الانتفاضة الشعبية المعروفة بـ«ربيع براج» (مقدّم برامج تليفزيونية تشيكوسلوفاكية، مشاهد من الحياة اليومية، عمّال ومارة تشيكوسلوفاكيين)، تُظهر المجموعة (جان لوك جودار وجان هنري روجر وبول بورون) كيف يمكن للصور والأصوات أن تكذب على المُشاهد، وتثبت أيضًا أن الرأسمالية لا تزال حاضرة بقوة في بلدان الشرق الشيوعي العظيم.

ساعة من الصور المتقطعة بكاميرا 16 مم، مع تعليقات يقرأها صوت جودار الرتيب المميّز، تتخلّلها بضع مقتطفات من مقابلات وصوت أنثوي يبدو أنه صوت المترجمة. تحضر بعض المقاطع من ماو تسي تونج، لكن جودار يستوحى بشكل كبير من بيرتولت بريشت وكتابه صاحب الاسم اللافت ووثيق الصلة بما يفعله هنا «مي تاي: كتاب التدخّلات في تدفّق الأشياء»، لابتكار حوار وهمي بين شخصين هما فلاديمير وروزا، من المفترض أن يمثّلا فلاديمير لينين وروزا لوكسمبورج.

فيلم غامض وتخريبي. هناك أسطورة تقول إن جودار لم يرغب أبدًا في تقديم هذا الفيلم، سواء في تشيكوسلوفاكيا أو في أي بلد شرقي، لخجله من الأفكار السياسية التي عبّر عنها في هذا الفيلم. إنه لا يفهم أي شيء عن الوضع في تشيكوسلوفاكيا في ذلك الوقت، وإنه في الواقع بعيد عن الواقع. لا أحد، أو على الأقل كاتب هذه السطور، لا يستطيع الجزم بصحّة هذه «المراجعات»، لكن، بشكل عام، هنا يتضح جوهر نهج جودار تجاه أفلام مجموعة دزيجا فيرتوف.

من فيلم Pravda

كثيرًا ما يتورَّط «برافدا» في مجادلاته وتناقضاته، ولكن أحد هذه التناقضات هو أنه حتى عندما يكون جودار جافًا وتعليميًا ومسيّسًا أكثر من اللازم، فإنه يتصارع أيضًا مع افتراضاته الخاصة وطرق التمثيل التي اختارها. هذا ما يجعل هذا الفيلم -وبقية أفلام المجموعة- ممتعًا ومحفّزًا على التفكير بشأنه، على الرغم من العقدة النظرية التي ربط جودار نفسه بها على مدار كل فيلم. على الرغم من كل التعاليم التي تبدو خالية من الفكاهة المميّزة لجودار الجدلي التخريبي، لا تزال هناك نزعة من الفكاهة المريرة والساخرة في السرد الكلامي للفيلم، وأيضًا تقدير مستديم للجمال، كما في صورة متناوبة لزهرة حمراء زاهية، تتفتح ببهاء أو تُداس في بركة من الطين، رمز كلاسيكي جميل لوعود الاشتراكية الجريئة وخياناتها المخيبة للآمال في كثير من الأحيان. يأسف جودار على حاجة الدبابات لمراقبة الفلاحين، ويسخر من هذا النوع من الرجال، الذين تغسل أدمغتهم الإعلانات الغربية، والذين «يفضّلون غسل سياراتهم على مضاجعة زوجاتهم» في عطلات نهاية الأسبوع.

هذا الفيلم، من مرحلة «السبّورة» الانتقالية لجودار، تعيقه جميع العيوب المشتركة في أعمال المجموعة الماويّة (الغمامات الأيديولوجية، والافتتان الغريب بماو وتجربته الصينية)، لكنه، في الوقت ذاته، لا يزال فيلمًا رائعًا، حتى أنه يتجاوز إشكالية ووقتية جدالاته في بعض الأحيان بطرق غير متوقّعة.

عودة جودار المشهودة، سواء مع الصحافة أو الجمهور، جاءت في العام 1980 مع فيلمه «انقذ ما تستطيع (الحياة)»، تحفة فنية قام بتحريرها مع زميلته الدائمة وشريكته الأخيرة في الحياة، آن ماري مييفيل، أثمرت فيها تجارب الفيديو السابقة أخيرًا. لا تزال تثير الإعجاب وتحفّز الشعور بالاغتراب تلك المشاهد، على سبيل المثال، عندما يتلقّى شخص ما صفعة على وجهه، فتتباطأ سرعة الصورة أو تتوقّف تمامًا.

«فيلمي الأول الثاني»، هكذا وصف جودار الفيلم الذي مثّل المرحلة الأخيرة والأطول في حياته المهنية، والتي تنوعت بين مقالات فيديو راديكالية وأفلام معاكسة بلا هوادة أو انقطاع. موسوعته الهائلة «تاريخ (تواريخ) السينما» (بأجزائه الأربعة، 1988-1998)، يقدّم وجهة نظر بديلة لتاريخ السينما والطريقة التي يعيد بها المرء سرد مثل هذا التاريخ: في هذه الحالة، ليس باعتباره خطابًا منظّمًا بدقة، وإنما كتراكم مترابط لصورٍ ونصوص، مع شظايا فيلمية تتدفّق وراء/وفي بعضها البعض، يصاحبها صوت جودار نفسه بتعليق شعري غامض مميّز.

أحبَّ جودار أن يملأ عمله بجمل مخادعة، بعضها أكثر غموضًا أو تجريدًا من البعض الآخر. بدءًا من فيلمه «موجة جديدة» (1990)، غالبًا ما تكوّنت حوارات أفلامه بأغلبية ساحقة من الاقتباسات والأمثال، على سبيل المثال، عبارات مأخوذة من أفلام ونثر وشعر وأطروحات فلسفية. في حوار أجرته معه مجلة Film Comment عام 1996، قال: «أحيانًا أقتبس من دون أن أدرك ذلك. يجب أن يكون لمثل هذه الجملة علاقة بي، لكنني لا أعرف ماذا بالضبط. إنها مثل اللون، لكن بالكلمات».

في «مديح الحبّ»، وهو فيلم عن عن الفصول الأربعة للغرام (لقاء، شغف، انفصال، مصالحة)، عَكَسَ جودار كرونولوجية الرومانسية، «الآن» و«آنذاك»، حيث صوّر النصف الأول من الفيلم على شريط أبيض وأسود بينما صوّر نصفه الثاني بألوان فيديو شديدة التشبُّع. كذلك سيكون مختزلًا وناقصًا القول إن متاهة «فيلم الاشتراكية» (2010) تدور حول القيم الإنسانية لأوروبا المعاصرة، أو عن مجرم حرب على متن سفينة كوستا كونكورديا الغارقة. لم تكف الكلمات والأوصاف أبدًا لالتقاط عمل جودار، ولا حتى في تمرينه ثلاثي الأبعاد (بطريقة جودار طبعًا) السهل نسبيًا «وداعًا للّغة»، حيث يلعب كلبه روكسي مييفيل دورًا مهمًا في تقفية وتربيط مشاهد وخطوط مشوّشة عمدًا.

من فيلم Goodbye to Language

جودار، الحاصل على جائزة أوسكار فخرية في عام 2011، لكنه رفض استلامها أو الإشادة بها، كان آخر مَن يهتمّ بتسليط الضوء على أعماله أو شرحها. بدلًا من ذلك، قدّم تعريفات للفيلم والسينما في المقابلات الصحفية، بعضها ليس بالضرورة أوضح من البعض الآخر. «الفيلم هو انتقال من الواقع إلى الشاشة، والعكس»، «الفيلم سلاح عملي والبندقية فيلم عملي»، «الفيلم تجربة علمية»، «كل فيلم له بداية ووسط ونهاية، ولكن ليس بالضرورة بهذا الترتيب»، «الفيلم ليس سلسلة من الأفكار المجرّدة، ولكنه عبارة عن صياغة للحركات». ولعل أشهرها: «السينما حقيقة، تتكرّر 24 مرة في الثانية»، في إشارة إلى عدد الإطارات التي تتسابق عبر جهاز عرض الفيلم في الثانية في الفيلم التناظري. وهناك أيضًا: «صُمّمت السينما لإظهار ما يحدث، لكن القليل من الأفلام مصممة لإظهار ما لم يحدث».

ولم يكن هذا حتى أكثر التصريحات المحيّرة التي أدلى بها جودار، ففي مهرجان كانّ السينمائي 2018، خلال مؤتمر صحفي غير عادي بالمرة، تحدّث إلى الصحافة عبر تطبيق «فيس تايم» من مسقط رأسه في رول بسويسرا، حيث عاش حياة منعزلة مع آن ماري مييفيل منذ أواخر السبعينيات، ثم قال واحدة من تلك الجُمل المُلغزة: «بافتراض أن x + 3 = 1، إذن x تساوي -2. عندما تُنتِج صورة، سواء كانت صورة للماضي أو الحاضر أو ​​المستقبل، عليك دائمًا التخلّص من صورتين للعثور على فيلم جيّد».

حضر جودار في «كانّ» ليقدّم آخر أعماله «كتاب الصورة»، وهو ليس بأي حال أكثرها وضوحًا. مرة أخرى، قدّم جودار مجموعة مبهمة من الصورة والصوت: مشاهد أفلام، ولقطات أرشيفية، ومناظر بحرية، وشوارع شرق أوسطية ونصوص يتمتمها جودار نفسه تشكّل فسيفساء سياسية شعرية لا يصنعها -وربما لا يفهمها أيضًا- سواه.

تمامًا كما ينبغي لجودار المتمرّد طوال حياته، تحوّل في مسيرته المهنية الممتدة لأكثر من 60 عامًا من سينيفيلي شابّ مدهش إلى ساحر سينمائي متوحّد. في تفسيري، نشأته كطفل في عشّ مزدحم واجتماعي للغاية هي السبب المحتمل لعزلته واعتزاله، بعدما لَعبَ فأبهر وتشدَّدَ فأرجف، ثم تعب من محاولات الشرح والتفسير وصار يصنع أفلامًا لنفسه تقريبًا.

 لا عجب أنه في الفيلم الوثائقي لصديقته، آنييس فاردا، «وجوه، أماكن» (2017)، لا يعود جودار حرفيًا إلى بيته عندما تأتي فاردا وزميلها المخرج والمصوّر جي آر لزيارته في منزله السويسري. على الرغم من الاتفاق المسبق، يتركهما جودار واقفين أمام بابه الموصد أمام الكاميرا، ويضع علامة/رسالة مشفّرة على النافذة، تفهمها فاردا، وتجدها مسيئة وجارحة. «بيرفورمانس» نهائي مُعبّر، يليق تمامًا بفنّان فريد لم يرد تبرير قراراته أو اختياراته لأحد.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن