جنوب إفريقيا تسحب إسرائيل إلى المحكمة الدولية.. كل ما نحتاج معرفته
هل يمكن توقع وقف إطلاق النار؟
شهد يوم أمس، الخميس، جلسة استماع لدولة جنوب إفريقيا أمام محكمة العدل الدولية، في اتهامها إسرائيل بارتكاب جرائم إبادة جماعية ضد الفلسطينيين في قطاع غزة. واستمرت الجلسات اليوم بأخرى للرد الإسرائيلي.
هذه الجلسات تأتي ضمن الدعوى المُقدمة إلى محكمة العدل الدولية في 29 ديسمبر، وتتهم فيها جنوب إفريقيا، إسرائيل، بانتهاك التزاماتها بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، والتي تمت صياغتها في أعقاب الهولوكوست، في حربها على غزة، المستمرة منذ ما يقرب من 100 يوم الآن، والتي أسفرت عن أكثر من 23 ألف قتيل ونحو 1.9 مليون نازح من سكان القطاع.
وتطلب الدعوى من المحكمة فرض إجراءات طارئة مؤقتة أو قصيرة الأجل من شأنها أن تأمر إسرائيل بوقف هجومها العسكري على غزة، قائلة إن ذلك ضروري «لحماية حقوق الشعب الفلسطيني من المزيد من الضرر الشديد وغير القابل للإصلاح».
خلال جلسة الأمس، قدم فريق جنوب إفريقيا عشرات الأدلة على أن الاعتداءات الإسرائيلية شهدت ممارسات قد ترقى إلى الإبادة الجماعية للفلسطينيين، وكذلك دفعًا بوجود قصد إسرائيلي بالإبادة وراء هذه الاعتداءات، ما يجعل الجريمة الإسرائيلية مكتملة بشقيها المادي والمعنوي، الأمر الذي تحدده الاتفاقية.
في المقابل، حاول الفريق الإسرائيلي اليوم الدفع بعدم اختصاص جنوب إفريقيا برفع هذه الدعوى استنادًا إلى مادة خلافية في الاتفاقية. وفي مقابل الأدلة التي قدمتها جنوب إفريقيا، دفعت إسرائيل بأنها هي من تتعرض إلى «إبادة جماعية».
من المتوقع أن تستمر القضية لسنوات في المحكمة، إلا أن الإجراءات المؤقتة، إذا وافقت عليها المحكمة، والتي قد تتم في غضون أيام، يمكن أن تؤثر تأثيرًا حاسمًا على مُجريات الحرب، لأنها تعني عمليًا قرارًا من المحكمة بوقف إطلاق النار. ويعتبر الأكاديمي المتخصص في القانون الدولي، عبد الغني السيد، أن هذه الإجراءات لها «قيمتها»، مضيفًا أنه حتى إذا تجاهلت إسرائيل هذه الإجراءات، وبالتحديد وقف إطلاق النار، فإن أي دولة عضو في الأمم المتحدة، وبالتالي في محكمة العدل الدولية، يمكنها فرض عقوبات ضد إسرائيل.
هذه الإجراءات المؤقتة التي تنظرها المحكمة كانت شائعة للغاية في السنوات الأخيرة، وهي تسعى إلى «تجميد» الوضع القانوني المطروح، لحين الشروع في المُحاكمة.
دبلوماسي فلسطيني حضر جلسة أمس أمام المحكمة قال لـ«مدى مصر» إن «قرار وقف إطلاق نار من المحكمة ممكن»، مضيفًا أن فلسطين منحت كل دعمها للطلب الجنوب إفريقي، والذي يغطي كل الجوانب ويقدمه فريق قانوني قوي.
المحكمة
محكمة العدل الدولية، المعروفة أيضًا باسم المحكمة العالمية، هي الهيئة القانونية التابعة للأمم المتحدة التي تتعامل مع النزاعات بين الدول. تأسست عام 1945 بموجب ميثاق الأمم المتحدة، بعد الحرب العالمية الثانية، وجميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة أعضاء في المحكمة بحكم الأمر الواقع.
تتكون المحكمة من 15 قاضيًا، يتم انتخابهم بالأغلبية المُطلقة من الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن، لمدة تسع سنوات. ويتم انتخابهم بشكل عام وفعليّ من مناطق جغرافية مختلفة، وغالبًا ما يكون للأعضاء الدائمين في مجلس الأمن قاضٍ في المحكمة، رغم أن النظام الأساسي للمحكمة ينص على أنه يجب انتخاب القضاة بغض النظر عن جنسيتهم. يدفع هذا عادة إلى التشكيك في الاستقلالية التامة للمحكمة.
ويضم التشكيل الحالي للمحكمة قضاة من ألمانيا، وفرنسا، وروسيا، والصين، والهند، واليابان، وأستراليا، والبرازيل، بالإضافة إلى المغرب ولبنان من العالم العربي، والصومال وأوغندا من إفريقيا، وسلوفاكيا وجامايكا. وترأس القاضية الأمريكية، جوان دونوغو، المحكمة. علاوة على ذلك، أُجريت انتخابات في نوفمبر الماضي، وتم انتخاب قضاة جُدد للمحكمة، من جنوب إفريقيا، والولايات المتحدة، ورومانيا، والمكسيك، فيما يوصف القاضي الروسي حاليًا بأنه «على مقاعد البدلاء».
وتُعد قرارات محكمة العدل الدولية مُلزمة، لكن قد يكون من الصعب فرضها، كما رأينا في 2022، عندما تجاهلت روسيا أمر المحكمة بوقف غزوها لأوكرانيا. في فبراير 2022، قدمت أوكرانيا طلبًا إلى محكمة العدل الدولية تتهم فيه روسيا بالتخطيط لارتكاب إبادة جماعية ضدها، وأصدرت المحكمة أمرًا مؤقتًا لروسيا بإنهاء الغزو، وهو الأمر الذي استهزأت به روسيا، لكن عبد الغني السيد يذكّر قائلًا إنه «مع ذلك، تواجه روسيا عقوبات».
المدعي
تتهم جنوب إفريقيا، الداعمة للقضية الفلسطينية منذ فترة طويلة، إسرائيل بانتهاك اتفاقية الإبادة الجماعية في القضية المرفوعة أمام المحكمة. وقّعت كل من جنوب إفريقيا وإسرائيل على اتفاقية الإبادة الجماعية، ما يسمح للمحكمة بالمضي قدمًا في القضية. وقد اكتسبت الاتفاقية، التي تم تفعيلها أيضًا بعد الحرب العالمية الثانية، زخمًا في أعقاب الهولوكوست، وهو الحدث الذي ساعد في تشكيل مفهوم الإبادة الجماعية ذاته.
وسينضم قاضٍ واحد من كل طرف في القضية إلى هيئة المحكمة المؤلفة من 15 قاضيًا. تم تعيين الأكاديمي القانوني والمحامي البريطاني، مالكولم شو، لتمثيل الجانب الإسرائيلي، وهو خبير في النزاعات الإقليمية والدولية وله سجل حافل في دعم المواقف الإسرائيلية فيما يتعلق بالدولة الفلسطينية في المحاكم الدولية.
يواجه شو فريقًا من كبار المحامين الدوليين والأكاديميين القانونيين في جنوب إفريقيا، من بينهم جون دوجارد، المُدافع عن الفلسطينيين منذ فترة طويلة، والذي عمل كمقرر خاص للجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، وهو عضو مجلس أمناء منظمة «القانون من أجل فلسطين»، بالإضافة إلى عديلة هاشم، ومبيكا نجوياتوبي، وماكس دو بليسيس، وتشيديسو راموجالي، وسارة بوديفين جونز، وليراتو زيكالالا. كما انضم المحامي البريطاني، فوغان لوي، والمحامي الأيرلندي، بلين ني غرالاي، إلى الفريق لتقديم المشورة الخارجية.
يقول مصدر سياسي عربي، تحدث إلى «مدى مصر» بشرط عدم الكشف عن هويته، إن جنوب إفريقيا تواصلت مع الأطراف المعنية قبل تقديم الطلب وانتهت إلى أداء هذا الدور، لأنه لو كانت فلسطين صاحبة الطلب لكانت القضية أكثر تعقيدًا بسبب طبيعة تسييسها.
علاوة على ذلك، هناك بعض الدول التي أبدت تحفظاتها على المادة 9 من الاتفاقية على وجه الخصوص، والتي تسمح لأي طرف ببدء نزاعات قضائية حول مسؤولية دولة عن الإبادة الجماعية. هذه الدول أصرت على ضرورة طلب موافقة الدولة المُتهمة أولًا قبل عرض القضية على محكمة العدل الدولية. استند محامو إسرائيل إلى هذه النقطة بالفعل خلال جلسة استماعهم اليوم.
لكن جنوب إفريقيا ليست واحدة من هذه الدول التي تتحفظ على المادة، كما أن تاريخها من الفصل العنصري والنضال ضده يجعلها في وضع أفضل لتقديم الطلب ضد إسرائيل. بحسب المصدر، تم تطوير خطط جنوب إفريقيا بحرص لتجنب أي احتمال لإفشالها.
أعلنت العديد من الدول والجماعات السياسية والمنظمات غير الحكومية دعمها للدعوى القضائية التي تقدمت بها جنوب إفريقيا، والدعوة لوقف فوري لإطلاق النار، فقد رحبت وزارة الخارجية الفلسطينية بالطلب الذي قدمته جنوب إفريقيا، وكذلك الجامعة العربية والدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي. كما جاءت بيانات دعم منفصلة للقضية من تركيا وماليزيا والأردن وجزر المالديف وبنجلاديش وباكستان. وأعلنت بوليفيا وناميبيا وفنزويلا دعمها لهذه القضية، فيما احتشد المئات من الأحزاب السياسية وجماعات المناصرة والمنظمات غير الحكومية لدعم قضية جنوب إفريقيا في الأيام الأخيرة. هذا بالإضافة إلى مشيخة الأزهر، والتي اعتبرت في بيان نُشر أمس أن موقف جنوب إفريقيا «يعبر عن إرادة العالم الحر والضمير الإنساني الحي الذي يرفض مشاهد القتل والدمار وسفك الدماء البريئة والمذابح والمجازر».
وفي مصر، الجارة العربية الوحيدة لقطاع غزة، طالبت العديد من الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني السلطات بالانضمام إلى جنوب إفريقيا في عرض القضية أمام محكمة العدل الدولية، وتبني القضية والدفاع عنها سياسيًا ودبلوماسيًا وقضائيًا. كما دعوا مصر لاستخدام ثقلها السياسي لتشجيع دول العالم الثالث في حركة عدم الانحياز ومنظمة التعاون الإسلامي والاتحاد الإفريقي على الانضمام إلى القضية. ومن بين المُطالبين بتدخل مصر، والذين أعلنوا موقفهم من خلال عريضة، حزب الدستور، والحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، ومركز النديم لحقوق الإنسان، وحركة الصحفيات المصريات، وغيرهم. كما يؤكد الموقعون على العريضة على ضرورة استمرار مصر في موقفها المُعلن بشأن رفض تهجير سكان غزة من خلال اتخاذ خطوات عملية.
هذه هي المرة الثانية التي تقاضي فيها دولة ليست طرفًا مباشرًا في النزاع دولة أخرى أمام محكمة العدل الدولية. في 2019، قدمت غامبيا طلبًا إلى محكمة العدل الدولية، ضد ميانمار، متهمة إياها بارتكاب أعمال إبادة جماعية ضد شعب الروهينجا. اعترضت ميانمار على حق غامبيا في رفع الدعوى، إلا أن محكمة العدل الدولية قالت في تعليلها لقبول القضية إن اتفاقية الإبادة الجماعية لا تتعلق «بتحقيق أي ميزة أو إلحاق أي ضرر بدولة ما، بل تتعلق بتحقيق أهداف مشتركة».
المُدعى عليه
تجد إسرائيل نفسها في وضع غير اعتيادي، إذ تحتاج إلى المثول أمام المحكمة للطعن في القضية، التي ترفضها باعتبارها «لا أساس لها من الصحة»، كما وصف الرئيس الإسرائيلي، إسحاق هرتزوج، القضية بأنها «بشعة ومنافية للعقل».
ومع ذلك، تبدو إسرائيل قلقة من «التداعيات الكبيرة المحتملة» لحكم المحكمة ضدها، والذي يمكن أن يكون له «تداعيات عملية ذات طابع اقتصادي وأمني، سواء ثنائية أو متعددة الأطراف»، وفقًا لبرقية وزارة الخارجية الإسرائيلية التي نقلها موقع أكسيوس.
وتعتزم إسرائيل المثول أمام المحكمة، وهي خطوة غير عادية في تعاملها مع المحاكم الدولية، بـ«هدف استراتيجي» يتمثل في معارضة الطلب المُقدم للمحكمة لإصدار أمر بوقف الحرب.
ولتحقيق هذه الغاية، وفقًا لموقع أكسيوس، حملت برقية الخارجية الإسرائيلية تعليمات لسفاراتها لتطلب من الدبلوماسيين والسياسيين «الاعتراف علنًا بأن إسرائيل تعمل [جنبًا إلى جنب مع الجهات الفاعلة الدولية] لزيادة المساعدات الإنسانية لغزة، وكذلك لتقليل الأضرار التي تلحق بالمدنيين، في أثناء تصرفها دفاعًا عن النفس» ضد حركة حماس. وكان على السفارات أن تعمل بشكل عاجل لصياغة هذه البيانات العامة وتوزيعها قبل الجلسة.
يضيف عبد الغني السيد أنه يتوقع أن إسرائيل ستنتهج استراتيجية استنزاف موارد المحكمة، وتركيزها على حقيقة أن فلسطين ليست دولة، وتوجيه الانتباه بعيدًا عن جريمة الإبادة الجماعية التي يجري التحقيق فيها.
لكن محامي المحاكم الدولية، ياسر حسن، يعتقد أن إسرائيل لن يحالفها حظ كبير مع هذه الحُجة، حيث إنها والدولة المُدعية وقعتا على اتفاقية الإبادة الجماعية، ما يمنح محكمة العدل الدولية اختصاصًا أوليًا للنظر في القضية، والدليل على ذلك، كما يقول حسن، أن إسرائيل سارعت هذه المرة بإرسال فريق دفاع قانوني إلى المحكمة، على عكس تجاهلها لقضية 2003-2004 ضد جدار الضفة الغربية.
يرى حسن، المتفائل، أن جنوب إفريقيا جمعت ما يكفي من الأدلة للحصول على أمر من المحكمة بوقف الهجوم العسكري الإسرائيلي، إلا أن المحكمة لا يمكنها فرض قرارها على إسرائيل. ومع ذلك، باعتبارها أعلى هيئة قانونية في الأمم المتحدة، فإن إصدار محكمة العدل الدولية قرارًا بوقف الحرب سيُعتبر إنجازًا قانونيًا كبيرًا، وسيزيد من الضغط السياسي الكبير على مجلس الأمن، الذي فشل حتى الآن في الدعوة إلى وقف إطلاق النار ثلاث مرات، بحسب حسن.
وكانت الولايات المتحدة، الحليف الأكبر لإسرائيل، أول دولة أخرى تعلن معارضتها لقضية جنوب إفريقيا. وقال المتحدث باسم مجلس الأمن القومي الأمريكي، جون كيربي، يوم الأربعاء «[إننا] نرى أن هذا التقديم بلا قيمة، ويؤدي إلى نتائج عكسية، ولا أساس له على الإطلاق». وكانت جواتيمالا والمجر أيضًا من بين الدول القليلة الأخرى التي أعربت عن دعمها الكامل للموقف الإسرائيلي.
لكن الدول الغربية الأخرى لم تسارع إلى دعم إسرائيل في هذه الحالة، فاكتفت ألمانيا بالقول إنها تدرس ما إذا كانت ستشارك وجهة نظرها القانونية بشأن هذه القضية أم لا، في حين اعترفت كل من كندا والنمسا بالقضية دون الإعلان عن أنهما ستتدخلان. وقالت فرنسا إنها ستدعم قرار محكمة العدل الدولية بشأن القضية مهما كان، بينما ذكر الاتحاد الأوروبي أنه «يدعم محكمة العدل الدولية وحقوق الدول في رفع القضايا أمام المحكمة».
في مقابل محكمة العدل الدولية، تتجاهل إسرائيل التحقيق الجاري منذ 2021 في فظائعها بغزة والضفة الغربية من المحكمة الجنائية الدولية، لأنها ترفض اختصاص تلك المحكمة. وعلى عكس محكمة العدل الدولية، التي تتولى التحكيم في المنازعات بين الدول، تستطيع المحكمة الجنائية الدولية تحميل الأفراد المسؤولية عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، كما يُنظر إليها بشكل عام على أنها محكمة أحدث وأكثر استقلالية، خاصة أنها لا تتبع الأمم المتحدة.
وتسعى المحكمة الجنائية الدولية إلى التوصل للائحة اتهام لتحديد الأفراد المسؤولين عما تعتبره فظائع ارتكبت منذ 7 أكتوبر 2023، حتى تتمكن من إصدار أوامر ضبط وإحضار ضدهم والاستعداد لمحاكمتهم وفقًا لنظام روما الأساسي، لكن إسرائيل والولايات المتحدة سحبتا توقيعهما على هذا النظام الأساسي للقانون في 2002، وترفضان بشكل متكرر اختصاص المحكمة كلما حاولت التحقيق في جرائم الحرب الإسرائيلية. وهي ليست الدول الوحيدة التي لا تعترف بالمحكمة الجنائية الدولية.
الدليل
يتمحور طلب جنوب إفريقيا حول إثبات انتهاك إسرائيل لاتفاقية الإبادة الجماعية. وعلى الرغم من عدم اختصاص محكمة العدل الدولية بمحاكمة الأفراد المُتهمين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية لأنها ليست محكمة جنائية، فإن الخطوة التي خطتها جنوب إفريقيا وحلفاؤها لإدانة إسرائيل بسبب هجومها على غزة تعتبر أعلى، لأنها تتكون من: إثبات طبيعة الإبادة الجماعية لممارسات إسرائيل.
وتُعرّف اتفاقية الإبادة الجماعية لعام 1948 الإبادة الجماعية بأنها «جريمة تُرتكب بقصد تدمير جماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية، كليًا أو جزئيًا»، كما تُلزم الدول الأطراف في الاتفاقية بمنع ومعاقبة مرتكبي جريمة الإبادة الجماعية.
وفي الطلب المُقدم إلى محكمة العدل الدولية، والمكون من 84 صفحة، تهدف جنوب إفريقيا إلى تقديم دليل على قصد إسرائيل ارتكاب إبادة جماعية، مع توضيح كيف شهدت الأشهر الثلاثة الماضية قيام الاحتلال الإسرائيلي بارتكاب أعمال «تعتبر ذات طابع إبادة جماعية لأنها تهدف إلى إحداث تدمير جزء كبير من المجموعة الوطنية والعنصرية والإثنية الفلسطينية، وهي جزء من المجموعة الفلسطينية في قطاع غزة».
ترتكز استراتيجية جنوب إفريقيا على تقديم قائمة الأدلة على حجم الاعتداء الإسرائيلي وطبيعته كممارسات يمكن اعتبارها من قبيل الإبادة الجماعية، ومحاولة إثبات وجود ركن القصد أو النية لهذه الإبادة وراء هذه الممارسات. وتولى كل من أعضاء الفريق القانوني لجنوب إفريقيا جوانب مختلفة من هذه الاستراتيجية حسب خبراتهم.
تتضمن قائمة الأدلة التي قدمتها جنوب إفريقيا في رفع القضية ما يلي:
1- قتل الفلسطينيين في غزة
تشير جنوب إفريقيا في طلبها إلى قتل أكثر من 21 ألف فلسطيني في غزة منذ أن بدأت إسرائيل هجومها العسكري. «لقد قُتلوا في منازلهم، وفي الأماكن التي لجأوا إليها في المستشفيات، وفي مدارس الأونروا، وفي الكنائس، وفي المساجد، وفي أثناء محاولتهم العثور على الطعام والماء لعائلاتهم. لقد قُتلوا عندما لم ينجحوا في الفرار، وفي الأماكن التي فروا إليها، وحتى في أثناء محاولتهم الفرار عبر الممرات الآمنة التي أعلنتها إسرائيل»، يقول الطلب. عمليات القتل واسعة النطاق لدرجة أن «الجثث تُدفن في مقابر جماعية، وغالبًا ما تكون مجهولة الهوية»، وتشير الدعوى أيضًا إلى أن «الجنود الإسرائيليين ينفذون عمليات إعدام تعسفي، من بينها إعدام عدة أفراد من نفس العائلة، رجال ونساء وكبار السن. هناك أيضًا تقارير عن مقتل أشخاص عُزل -من بينهم رهائن إسرائيليين- بالرصاص فور رؤيتهم، رغم عدم تشكيلهم أي تهديد، بما في ذلك خلال التلويح بالأعلام البيضاء».
وبشأن استخدام الأسلحة، يقول طلب جنوب إفريقيا: «يُقال إن إسرائيل تسقط قنابل 'غبية' على غزة، بالإضافة إلى قنابل ثقيلة يصل وزنها إلى 2000 رطل، والتي يتوقع أن يصل نصف قطرها المُميت إلى 260 مترًا. ومن المتوقع كذلك أن تتسبب في إصابات وأضرار بالغة على مسافة تصل إلى 800 متر من نقطة الاصطدام. وتُستخدم هذه الأسلحة في واحدة من أكثر المناطق اكتظاظًا بالسكان في العالم، حيث قُتل إلى الآن ما يقرب من واحد من كل 100 شخص».
2- التسبب في أضرار جسدية وعقلية جسيمة للفلسطينيين في غزة
يشير طلب جنوب إفريقيا إلى إصابة أكثر من 55 ألف فلسطيني منذ الهجوم العسكري الإسرائيلي على غزة في أكتوبر 2023، معظمهم من النساء والأطفال. «الحروق وبتر الأطراف هي إصابات مُتكررة، إذ فقد ما يُقدر بنحو 1000 طفل إحدى ساقيه أو كلتيهما». ويشير الطلب كذلك إلى عدم وجود مستشفيات عاملة في شمال غزة، «وبالتالي يصبح المصابون مُرشحين للموت، نتيجة العجز عن إجراء جراحة أو الحصول على علاج طبي يتجاوز الإسعافات الأولية، ويموتون ببطء، يموتون بشكل مؤلم بسبب إصاباتهم أو بسبب الالتهابات الناتجة عنها». وكذلك «تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم ومعاملتهم معاملة قاسية وغير إنسانية ومهينة في غزة. وبحسب ما ورد، تم اعتقال أعداد كبيرة من المدنيين الفلسطينيين، من بينهم أطفال، وتم عصب أعينهم، وإجبارهم على خلع ملابسهم والبقاء في العراء بالطقس البارد، قبل إجبارهم على ركوب الشاحنات ونقلهم إلى أماكن مجهولة».
3- الطرد الجماعي من المنازل وتهجير الفلسطينيين في غزة
تقول جنوب إفريقيا في الدعوى التي تشير إلى «أوامر الإخلاء» التي أصدرتها إسرائيل منذ شن الهجوم على قطاع غزة إن التقديرات تشير إلى أن «أكثر من 1.9 مليون فلسطيني من بين سكان غزة البالغ عددهم 2.3 مليون نسمة -أي نحو 85% من السكان- قد أُجبروا على ترك منازلهم. بالنسبة للعديد من الفلسطينيين، فإن الإجلاء القسري من منازلهم هو بالضرورة أمر دائم. وقد دمرت إسرائيل إلى الآن ما يقدر بنحو 355 ألف منزل فلسطيني، وهو ما يعادل 60% من إجمالي المساكن في غزة»، كما جاء في الدعوى.
4- حرمان الفلسطينيين في غزة من الحصول على ما يكفي من الغذاء والماء
وجاء في الدعوى أنه «في 9 أكتوبر 2023، أعلنت إسرائيل 'حصارًا كاملًا' على غزة، ولم تسمح بدخول الكهرباء ولا الطعام ولا الماء ولا الوقود إلى القطاع». ويدفع الحصار الشعب الفلسطيني في غزة «إلى حافة المجاعة»، في ظل استمرار إسرائيل بقطع المياه المنقولة عبر الأنابيب إلى شمال غزة وقصف البنية التحتية على نحو يجعل شبكة المياه غير صالحة للعمل.
5- حرمان الفلسطينيين في غزة من الحصول على المأوى الملائم والملابس والنظافة والصرف الصحي
وتشير جنوب إفريقيا، في الدعوى، إلى نقص حاد في «الملابس الدافئة، والمفارش، والبطانيات، والمواد غير الغذائية الحيوية، ما دفع الناس إلى الاعتماد بشكل كبير على الأخشاب والنفايات التي تم إنقاذها لأغراض الطهي والتدفئة، ما يزيد من خطر الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي»، كما يؤدي نقص المياه النظيفة إلى زيادة خطر الإصابة بالأمراض المعدية.
6- حرمان الفلسطينيين في غزة من المساعدات الطبية الكافية
يقول طلب جنوب إفريقيا إنه «قبل كل شيء تقريبًا، كان الهجوم العسكري الإسرائيلي على غزة بمثابة هجوم على نظام الرعاية الصحية الطبية في غزة، الذي لا غنى عنه لحياة الفلسطينيين وبقائهم على قيد الحياة». ومع تزايد الهجمات على المستشفيات منذ ديسمبر، تعرضت المستشفيات للحصار، وحُرمت من الكهرباء والوقود، ومُنعت من تلقي الإمدادات، واستُهدفت مولدات الكهرباء ومعدات إنقاذ الحياة، مثل أنابيب الأكسجين.
7- تدمير الحياة الفلسطينية في غزة
«لم تدمر إسرائيل بيوتًا ومجمعات سكنية بأكملها فحسب، بل دمرت شوارع وأحياء بأكملها»، تقول جنوب إفريقيا في طلبها للمحكمة، «متاجرها ومدارسها وأسواقها النابضة بالحياة ومنازل العائلات وعيادات الأطباء والشوارع التاريخية ومسجد ابن عثمان، وكل شيء كانت تعتمد عليه حياة الفلسطينيين في السابق قد تضرر أو دُمر، إلى جانب تضرر الكثير من الناس. علاوة على ذلك، ألحقت إسرائيل الضرر أو دمرت عددًا لا يحصى من المكتبات، ودور النشر، والمكتبات العامة، ومئات المرافق التعليمية. لقد استهدفت إسرائيل كل جامعة من جامعات غزة الأربع».
«إلى جانب تدميرها للآثار المادية لتاريخ وتراث الفلسطينيين في غزة، سعت إسرائيل إلى تدمير الأشخاص الذين يشكلون ويخلقون هذا التراث: الصحفيون والمدرسون والمثقفون والشخصيات العامة الشهيرة في غزة، والأطباء والممرضون، وصناع السينما، والكُتاب، والمطربون، ومديرو وعمداء جامعات غزة، ورؤساء مستشفياتها، والعلماء البارزون، واللغويون، والمسرحيون، والروائيون، والفنانون، والموسيقيون»، بحسب الطلب.
8- فرض إجراءات تهدف إلى منع الولادات الفلسطينية
يقول طلب جنوب إفريقيا إن «الإجراءات الإسرائيلية تؤثر بشدة على النساء والأطفال الفلسطينيين في غزة، حيث تشير التقديرات إلى أن 70% من القتلى هم من النساء والأطفال. وتشير التقديرات إلى أن اثنتين من الأمهات تُقتلان كل ساعة في غزة. وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 7729 طفلًا قُتلوا بحلول 11 ديسمبر 2023 فقط، كما أن 4700 امرأة وطفل آخرين في عداد المفقودين ويُعتقد أنهم مدفونون تحت الأنقاض».
«هناك روايات متعددة لشهود عيان عن مقتل نساء حوامل على يد الجنود الإسرائيليين، من بينهن مقتل نساء في أثناء محاولتهن الحصول على الرعاية الصحية. ما يُقدر بـ5500 من نحو 52000 امرأة فلسطينية حامل في غزة يلدن كل شهر، يلدن الآن في ظروف غير آمنة، في كثير من الأحيان دون مياه نظيفة، ناهيك بالمساعدة الطبية، في الملاجئ، في منازلهن، في الشوارع وسط الأنقاض، أو في مرافق صحية أصابها الإنهاك، حيث تدهورت فيها شروط النظافة العامة، مع تزايد خطر العدوى والمضاعفات الطبية. وعندما يتمكن من الوصول إلى مستشفى في الخدمة، يتعين على النساء الحوامل الخضوع لعمليات قيصرية دون تخدير».
وأضاف الطلب أنه «وبالنظر إلى عدم إمكانية الحصول على الإمدادات الطبية الحيوية، ومن بينها أطباء الدم، يضطرون إلى إجراء عمليات استئصال الرحم غير الضرورية عادة للشابات في محاولة لإنقاذ حياتهن، ما يجعلهن غير قادرات على إنجاب المزيد من الأطفال. وتشير التقارير إلى أن عددًا متزايدًا من الأطفال الفلسطينيين في غزة يموتون لأسباب يمكن تجنبها تمامًا، وهي ناجمة عن الممارسات الإسرائيلية».
وشددت جنوب إفريقيا أيضًا في الدعوى على أنه «من المهم وضع أعمال الإبادة الجماعية في السياق الأوسع لسلوك إسرائيل تجاه الفلسطينيين خلال نظام الفصل العنصري الذي دام 75 عامًا، واحتلالها العسكري للأراضي الفلسطينية الذي دام 56 عامًا، وحصارها المستمر لغزة منذ 16 عامًا».
الأدلة السابقة تمثل الركن المادي من الجريمة، لكنها تتطلب كذلك الركن المعنوي، وهو قصد أو انتواء الإبادة، والذي تشترط معاهدة منع الإبادة الجماعية وجوده. تشرح منظمة «القانون من أجل فلسطين» أن القصد «يعني ببساطة أن الأفعال المدرجة في الركن المادي يجب أن تُرتكب بقصد تدمير جماعة موجودة، إما كليًا وإما جزئيًا. مثل القتل، يجب أن تنوي ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية (أن تنوي القضاء على الشعب الفلسطيني) لتكون مذنبًا بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية».
خلال جلسة استماع الأمس، تناول أحد محاميي فريق جنوب إفريقيا إثبات هذا القصد، واعتمد بشكل أساسي على عشرات التصريحات العلنية من مسؤولين إسرائيليين على كل المستويات والتوجيهات العسكرية إلى جنود الجيش تدعو بوضوح إلى الإبادة، وهو ما ظهر واضحًا في الكثير من الفيديوهات التي نشرها جنود إسرائيليون والتي تشير بوضوح إلى قناعتهم والتزامهم بالطبيعة الإبادية لهذه العمليات العسكرية ضد الفلسطينيين.
تقارير ذات صلة
كيف اعترفت إسرائيل بصوماليلاند دولة مستقلة؟
تعود الاتصالات بين مسؤولين إسرائيليين وآخرين من صوماليلاند إلى ما لا يقل عن أربع سنوات
«ضاق المخيم»: اللاجئون الفلسطينيون في لبنان بين الحرب والحصار
بينما يتصاعد عدوان الاحتلال يعيش اللاجئون الفلسطينيون في لبنان خطر الحرب والنزوح في بيئة معقدة
«صحاب الأرض» و«أرض محرمة».. قراءة مقارنة
كلا العملين مقدم للعالم وليس مجرد استهداف محلي
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن