جدارية القرن العشرين: أوراق نايلة كامل المولودة باسم ماري روزنتال
الحلقة الثامنة من برنامج قراءة «شهود عيان»
«كوكبة» هي سلسلة برمجة أدبية وفنية، يقدّم فيها كل مرة المبرمج/ة توليفة لعدد من الأعمال الفكرية أو الإبداعية، لتكون بمثابة اقتراح لبرنامج قراءة أو مشاهدة.
راعيتُ عدة اعتبارات في برنامج القراءة الذي اخترته هنا. فليست السير العشر التي أوردتها هي أهم السير، كما أنها ليست لأهم الكُتّاب، والوقائع والأحداث الواردة في ثناياها ربما ليست هي أيضًا أهم الأحداث.
راعيتُ في المحل الأول التنوع، وأن تمتد هذه السير على مساحات زمنية مترامية وتغطي حقبا تاريخية مختلفة. ليست كلها مشهورة ومعروفة، بل ربما كان بعضها غير معروف كثيرًا، أو مضى على نشرها سنوات طويلة، لكنها مع ذلك كانت مؤثرة وجاءت في مفصل من المفاصل التاريخية الكبرى.
في الحلقة الأولى تناولت «مذكرات عباس حلمي الثاني» آخر من شغل منصب الخديوية. وفي الثانية مذكرات هدى شعراوي، وفي الثالثة «الأيام» لطه حسين التي لا يمكن تجنبها، و«مذكرات عريان يوسف سعد» أقدم سجين سياسي في الرابعة. أما في الخامسة والسادسة تناولت مذكرات خالد محيي الدين، ثم مذكرات رفعت السعيد في السابعة. أما هنا فاخترت واحدة من الجداريات الهائلة التي غطّت عقودًا من الحياة السياسية والأدبية والفنية وهي«المولودة» لنايلة كامل أو ماري روزنتال.

لا أظن أن هناك سيرة ذاتية مصرية أو عربية مكتوبة بكل هذا التنوع والامتداد والرقة والشمول لقرن كامل. هي جدارية وليست مجرد سيرة. جدارية لأجيال متتالية من البشر. شيوعيون ووفديون وليبراليون وحكام ومحكومون ومناضلون في صفوف الفقراء. مسلمون ومسيحيون ويهود مصريون. أوروبيون نازحون ومتمصرون. كتاب وفنانون وشعراء وتشكيليون، بل وراقصات من طراز تحية كاريوكا. كل هؤلاء وأولئك لهم مكان في الجدارية الهائلة: «المولودة».
أبادر إلى القول أولًا إن السيرة المُصاغة بلغة بالغة البساطة، تمتزج فيها اللغة القاهرية الدارجة، بالفصحى العربية المعروفة، لتصبح هناك لغة فنية، هي إنجاز في حد ذاتها. وعندما فازت قبل سنوات بجائزة ساويرس للرواية، اعترض البعض بسبب تلك اللغة تحديدًا، على الرغم من أن تاريخ الأدب احتفظ لنا بعملين نادرين عظيمين هما: رواية «قنطرة الذي كفر»، للدكتور مصطفى مشرفة، وسيرة دكتور لويس عوض الذاتية، عن الفترة التي أمضاها دارسًا للأدب الإنجليزي، في الولايات المتحدة عشية الحرب العالمية الثانية، وكلتاهما مكتوبتان بالعامية.
امرأة مصرية يسارية
على أي حال، من اللافت للنظر أن نايلة كامل، المولودة باسم ماري روزنتال، قبل أن تنتهي من جداريتها الضخمة «المولودة» -515 صفحة قطع كبير والصادرة عن دار الكرمة المصرية- 2018، تتوجه بالكلام لحفيدها نبيل الفلسطيني، الذي لم يكن قد تجاوز السابعة من عمره آنذاك، وتتمنى ألا تسبب له معرفته عندما يكبر، بأن جدته -التي طالما دللته وأعدّت له «البيتزا» التي يحبها- هي من أصل يهودي صدمة، بسبب مافعله الإسرائيليون بالفلسطينيين، والاستيلاء على وطنهم وطردهم منه.
وجدته لا تتنكر لأصلها اليهودي، لكنها لم تكن أبدًا إلا امرأة مصرية يسارية أمضت سنوات عمرها تدافع عن حقوق الشعب الذي انتمت له ولم تعرف سواه وطنًا لها، وتحملت في سبيل ذلك سنوات من السجن والتشريد، منذ كانت في الخامسة عشرة من عمرها.
والواقع أن جدارية نايلة كامل المولودة باسم ماري روزنتال نالت ما تستحقه من اهتمام وتعليقات وعروض غزيرة لها في الصحف والمجلات، إلى جانب إعادة طبعها وحصولها على جائزة ساويرس للرواية.
جدارية نايلة كامل ليست هي الأكبر حجمًا، والأوسع والأشمل، من نظيراتها من كتب السيرة الذاتية فقط، بل هي أيضًا الأكثر صدقًا ودفئًا، وبالتالي الأكثر تأثيرًا، وربما لم يحظ خلال العامين الأخيرين كتاب بكل تلك الحفاوة والاستقبال الحسن والدافئ مثلما حظي كتاب نايلة كامل.
من جانب آخر، لم تكتب السيدة كامل الكتاب بنفسها، بل حكت حكايتها على مدى عدة سنوات لابنتها المخرجة السينمائية نادية كامل، وقامت الأخيرة بصياغتها باللهجة العامية البسيطة، لذلك بدت قريبة من القارئ وقادرة على الاستحواذ عليه.
وكانت جلسات الإعداد للسيرة الذاتية وتسجيلها قد بدأت عام 2001 عندما كان عمر نايلة سبعين عامًا، بينما نادية في الأربعين.

قاهرة أخرى لا تُستعاد
تحكي نايلة كامل عن بلد كانت بريطانيا العظمى قد احتلته بعد غزوه عسكريا عام 1882، وعن مناطق شاسعة تضم بلدانا كانت مجرد ولايات عثمانية، ثم احتلت أغلبها القوتين العظميين آنذاك بريطانيا وفرنسا، خصوصًا بعد أن سكتت مدافع الحرب العالمية الأولى (1914 - 1918) وانتهت بانتصار بريطانيا العظمى التي بات اسمها الإمبراطورية التي لا تغرب الشمس عن أملاكها!
تستعيد كامل في حكايتها مصر أخرى وقاهرة مختلفة من العسير استعادتها الآن. مصر غنية رغم الاحتلال، اشتهرت بين بلدان المنطقة بالثراء وتوافر فرص العمل وأنها متسامحة، ليس فقط تجاه من يحملون جنسيات شتى، بل أيضا تجاه من يدينون بالمسيحية واليهودية إلى جانب الغالبية المسلمة. ومثلما كانت هناك أغلبية مصرية مسلمة، كانت هناك أقلية مسيحية مصرية، تتلوها من حيث الحجم أقلية يهودية مصرية.
على أي حال ولدت صاحبة السيرة عام 1931 في القاهرة لأم مسيحية إيطالية، غادرت إيطاليا على ظهر سفينة بصحبة شاب أحبته، ليبدآ حياتهما معًا، في بلد كان مشهورًا بتوافر فرص الحياة الكريمة والسهلة فيه، لكنها سرعان ما اكتشفت قبل أن تغادر السفينة أن الشاب لا يليق بها، ولم يكف عن ملاحقة النساء، فانفصلت عنه وعملت مربية لدى إحدى الأسر الفرنسية الموسرة، بعد وصولها بوقت وجيز من خلال إحدى معارفها الإيطاليات. وفي ثلاثينيات القرن الماضي كانت القاهرة مدينة كوزموبوليتانية بامتياز، وتعج بجاليات كبيرة العدد ومؤثرة مثل الجالية اليونانية والإيطالية والفرنسية والأرمنية.. إلخ إلخ، بل أن الباعة المصريين الجائلين في شوارع وحواري القاهرة كانوا يتحدثون بعدة لغات مع أولئك الخواجات والمتمصرين.
أما الأب فهو يهودي مصري ولد في القاهرة لأبوين يهوديين ترجع أصولهما إلى أوديسا، وهاجر جده الأكبر إلى إسطنبول حيث تزوج من تركية يهودية، كانت عائلتها قد هربت من الاضطهاد في إسبانيا. وشأن عائلة أم نايلة الإيطالية، هاجرت الأسرة اليهودية إلى القاهرة واستقرت في حارة اليهود .
أود أن أؤكد على أن التاريخ الذي تحكيه السيدة كامل تاريخ لا نجده في سائر المؤلفات التاريخية. ليس تاريخًا سياسيًا ولا حتى تاريخًا اجتماعيًا. إنه التاريخ الذي يتعرض عادة للإهمال والتجاهل، وربما نجده فقط في الأعمال الأدبية. هو تاريخ الناس والمباني التي يعيشون فيها والأعمال التي يلتحقون بها، والنوادي التي يقضون فيها ساعات لهوهم، والعلاقات الشخصية التي تربط بينهم. الحب والسياسة والسجون والتجمعات والندوات الثقافية وعالم المنظمات السرية اليسارية والكفاح السياسي والصحافة والمشتغلون والمشتغلات بالإنتاج الفكري والأدبي.
عالم لن يجده القارئ في أي من المصادر المتاحة، فهو تاريخ الناس بكل ما تحمله تلك الكلمة من المعنى، ويتم الحكي عنه من داخله، ومن خلال واحدة من صنّاعه، كما سأحاول أن أبيّن في السطور التالية.
في حديقة الأزبكية
تحكي مثلا كيف تعرف أبوها بأمها. كانت الأم تعمل مربية ومعتادة على أن تصحب طفلة مخدومها في نزهة إلى حديقة الأزبكية، وبالمصادفة كان الشاب إيليا يعمل في تركيب اللمبات الكهربائية في الحديقة نفسها، وبعد أن التقيا عدة مرات على هذا النحو، وقع كل منهما في غرام الآخر. كان الأب ماهرًا وشأنه شأن كثير من الشباب اليهودي، التحق مبكرًا بالعمل الحرفي، لكنه استطاع أن يتعلم بالمراسلة ويحصل على شهادة من مدرسة إنجليزية لإصلاح الأجهزة الكهربائية.
كانا يريدان الزواج، وبسبب اختلاف الديانة رفض في البداية أهل إيليا زواج ابنهما من مسيحية، لكن الأخير استطاع في النهاية إقناعهم وتزوجا أولًا زواجًا يهوديًا، وبعد أكثر من عشر سنوات من زواجهما وإنجابهما ماري (وهي نايلة فيما بعد) وشقيقها برتو، فاجأ الأب زوجته بإعداده لعقد زواجهما للمرة الثانية زواجًا مسيحيًا في كنيسة، كهدية للأم في عيد ميلادها. وهنا فقط انتبهت ماري إلى أن هناك أكثر من ديانة، وهي تشاهد أمها تتزوج.
إلى هذا الحد كان التسامح والعلاقات السهلة المريحة بين أصحاب الديانات المختلفة، وبين المنتمين لأصول أوجنسيات متباينة. والمثير للانتباه أن الأسرة سكنت في حيين شعبيين فقيرين، على التوالي: الأول بالقرب من حي عابدين والثاني في قلب حي بولاق، وحسبما أشارت فإن ذلك كان معتادًا، والباعة يتحدثون أكثر من لغة وليست هناك مشكلة. وإذا كان الأب يجيد الحديث بالعربية دون لكنة، فإن الأم واجهت صعوبات عديدة حيث ولدت في إحدى قرى الريف الإيطالي، ولم تسافر إلى مصر إلا بعد أن تجاوزت العشرين.
تعلمت ماري في مدرسة إيطالية، وكان هناك آنذاك عدد كبير من المدارس العريقة للجاليات الأوربية المختلفة، وحصلت على شهادة متوسطة، وتقرر أن تنزل لسوق العمل لتدخر ما يمكّنها من السفر لاستكمال تعليمها في إيطاليا. عملت أولًا كسكرتيرة في مدرسة لتعليم اللغات، وبدأت منذ عام 1946 في التردد على ناد اجتماعي وثقافي إيطالي لشباب الجالية الإيطالية، وهو الأمر الذي أدى إلى التغيير الحاسم والأشد والذي انقلبت حياتها تمامًا بعده.
أود أن أشير هنا أولًا إلى الدور الذي لعبه الأجانب وشباب العائلات الميسورة من طلاب المدارس الأجنبية في بناء المنظمات اليسارية السرية والعمل على نشر الفكر اليساري. كان الأخيرون قد تعرفوا على الماركسية من خلال اللغات الأجنبية التي يتقنونها، وكان الصراع قد بدأ بين الشباب المنتمين للفاشية والمتأثرين بالماركسية، وامتد تأثيره إلى نوادي الشباب، كما تأسست منظمات علنية للشباب اليهودي المعادي للصهيونية.
وحتى يمكن فهم مثل تلك الأجواء الغريبة، فإن من بين مؤسسي منظمات الحلقة الثانية من الحركة الشيوعية المصرية كان هناك كثير من اليهود والأجانب المعادين للصهيونية قبل حرب 1948 وتأسيس الدولة العبرية. هناك مثلا ثلاث منظمات ماركسية سرية، أسسها مناضلون ومثقفون يهود. صحيح أن التداعيات التاريخية العديدة قد أدت إلى هجرة الكثيرين منهم إلى خارج البلاد، وليس إلى فلسطين تحديدا، بل إلى دول أوروبية، كما طرح فيما بعد شعار التمصير لإزاحة القيادات الأجنبية في القيادة وإحلال المصريين بدلًا منهم، وظل هناك قسم للأجانب داخل بعض المنظمات، ومن هنا عرفت ماري روزنتال طريقها للارتباط بالحركة الشيوعية في مصر قبل أن تبلغ السادسة عشرة من عمرها.
أمسيات الرقص
كان النادي الثقافي الذي ترددت عليه أول الأمر للرقص والرحلات والندوات والرياضة، لا يغشاه إلا الأجانب الذين يعيشون في مصر. أمضت ماري روزنتال، التي كانت في بدايات سنوات مراهقتها آنذاك، أمسياتها بين الرقص وحضور الندوات والمناقشات. وعندما اجتاح وباء الكوليرا مصر عام 1947، شاركت مع أصدقائها في النادي في مقاومة الوباء، وترددت على المناطق الشعبية لتوصيل المطهرات وإعطاء التعليمات الصحية وما إلى ذلك.
لم تكن تعلم أن وراء ذلك العمل منظمة يسارية سرية يقودها اليهودي هنري كورييل هي الحركة المصرية للتحرر الوطني. تابعها رفاقها في المنظمة ووجدوا فيها خامة طيبة، ووثّقوا علاقتهم بها حتى تم مفاتحتها في الانضمام للحركة التي اندمجت آنذاك مع منظمة أخرى هي «إيسكرا- الشرارة»، وأصبح إسمها الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني (حدتو) كبرى المنظمات اليسارية وأكثرها تأثيرًا.
بعد تجنيد ماري روزنتال، عملت على الفور في الجهاز الفني، حيث تتسلم المنشورات في حقيبة معدة لحمل الخضراوات وتنتقل بها لبيت آخر تسلّم فيه المنشورات، وكانت تقوم بدور فتاة صغيرة تعطي دروس اللغة الفرنسية في البيوت الي تدخلها. وبعد تعرّض الجهاز الفني لمشاكل أمنية، اضطرت للزواج العُرفي من زميلها عبد الستار الطويلة (فيما بعد سيكون الطويلة واحدا من أشهر الصحفيين ورئيسا لتحرير إحدى الصحف) وذلك لتأمين المسكن الملائم لمركز من مراكز توزيع المنشورات. لا حاجة لأن أذكر أن زواجهما لم يكن زواجًا حقيقيًا، بل مجرد غطاء لعملهما في الجهاز الفني.
وبعد أشهر، وهي في الثامنة عشرة، وأثناء حضورها اجتماع خلية حزبية، تم ضبطها متلبسة، وأمضت عامًا كاملًا خلف القضبان. وعلى الرغم من أنها المرة الأولى التي تعرضت فيها للحبس، إلا أنها شاركت زملاءها في السجن في إضراب عن الطعام استمر أسبوعُا لتحسين شروط السجن، ثم شاركت هي وزميلاتها زملاءهن الرجال الذين كانوا في سجن مجاور لسجن النساء، في إضراب طويل استمر 16 يومًا لتقديمهم للمحاكمة، وهو بالفعل إضراب تكلل بالنجاح، وقُدّمت القضية بكاملها للمحكمة ونالوا إفراجًا بمجرد تولي حزب الوفد تشكيل الحكومة.
وبعد خروجها تعرفت على عدد كبير من الشعراء الكتاب والفناين اليساريين مثل فؤاد حداد وكمال عبد الحليم وانشغلت معهم بقراءة وترجمة قصائد لبابلو نبرودا وإيلوار وناظم حكمت وأراجون. هنا لا بد أن أشير إلى أن قيمة أساسية من قيم سيرة ماري روزنتال، هي عكوفها على التفاصيل الإنسانية البسيطة، ووصفها للأماكن التي تذهب إليها والحياة في السجن وطبيعة علاقاتها بأصدقائها ورفاقها في المنظمة، وهي الفتاة الأجنبية التي لم تكن قد أجادت بعد اللغة العربية.
بجوار تحية كاريوكا
وفي عام 1953 تعرفت على الرجل الذي ارتبطت به طوال عمرها وهو الكاتب والصحفي المعروف جدا آنذاك، سعد كامل، والذي لعب الدور الأكبر والأهم في تأسيس الفرع المصري لحركة أنصار السلام. الأخيرة كانت منظمة شعبية دولية ذات توجه يساري، وتكمن قيمتها في أنها كانت تسعى للوقوف ضد الحروب والأحلاف والتكتلات، وتقيم الصلات والأواصر بين الشعوب. نجحت الحركة نجاحًا لا مثيل له، ورسم بيكاسو شعارها وانضم لها العشرات من فناني العالم وشخصياته العامة ومفكريه وممثليه وكتابه وشعرائه.

وعندما تراجعت حكومة الضباط الأحرار في مصر عن موافقتها على نشاط حركة أنصار السلام، واعتقلت كثيرًا من أعضائها، كان من بينهم هي وسعد كامل. وبعد خروجهما من السجن تزوجا مرتين مثلما حدث مع أمها التي تزوجت للمرة الأولى زواجًا يهوديًا، وفي المرة الثانية زواجًا مسيحيًا. لم تكن هناك مشكلة في أن تتزوج ماري من سعد كامل زواجا إسلاميا وهو ماقاما به بالفعل، لكن أسرة ماري وأمها بالتحديد كانت تتمنى زواج ابنتها زواجًا مسيحيًا، الأمر الذي كان يستلزم الحصول على إذن من الفاتيكان ولا أقل! واستغرق الحصول عليه وقتًا وجهدًا، لكنهما كانا يرغبان في تحقيقة أمنية الأم، وتزوجا في نهاية الأمر زواجًا ثانيًا في الكنيسة.
وسُجنت ماري مرة ثالثة. كان قرار القبض عليها يشملها ويشمل زوجها، والعشرات ممن اتهموا بالانضمام لجبهة وطنية، تشكلت بين الشيوعيين والوفديين والكثير من أعضاء حركة أنصار السلام والعاطفين عليها. طالت مدة السجن هذه المرة واستمرت خمس سنوات، ولم تترك ماري شاردة أو واردة إلا ووصفتها بالتفصيل عن حياتها داخل السجن، الذي استضاف في القضية نفسها فنانين مثل الراقصة تحية كاريوكا إحدى عضوات حركة أنصار السلام. واعتادت كاريوكا أن تستضيف كل صباح رفيقاتها من المسجونات السياسيات على كاكاو بالحليب، وكان نفوذها داخل السجن يصل إلى ماهو أبعد من ذلك.
كما تحكي عن سيدة فلسطينية إسمها آمال زايد قابلتها داخل السجن، وكان مقررًا ترحيلها خارج البلاد. قصة آمال زايد مهمة وكاشفة وتلقي الضوء على تفاصيل مثيرة للانتباه. حكت آمال لنايلة كامل أنها وأسرتها هربوا إلى مصر من فلسطين عام 1948. كان أبوها عمدة لإحدى المدن في فلسطين. وكانت تقف مع أفراد أسرتها على الشاطئ، يشاهدون السفن الكبيرة والمئات يهبطون منها في مراكب صغيرة ويتعرضون للغرق. كان هؤلاء يهود لاجئين من أوروبا ولا يحملون أوراقًا من أي نوع بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وكان الفلسطينيون يهرعون إليهم، ينقذونهم ويساعدونهم ويستضيفونهم. وبعد إعلان نهاية الانتداب واندلاع الحرب بين الفلسطينيين وآلة الحرب الإسرائيلية، بدأت موجات هروب الفلسطينيين لأن عصابات شتيرن والأرجون بدأت في ارتكاب عمليات قتل وإرهاب الفلسطينيين لطرد الأهالي. وحسبما حكت آمال زايد فإن أباها مات، فقررت أمها أن تهرب بأطفالها الخمسة وتهرب بهم إلى مصر برًا.
وصلت أسرة آمال إلى مصر واستقرت، ودخلت آمال وأشقاؤها مدارس مصرية، بل والتحقت آمال بكلية الفنون الجميلة، حيث تعرفت بزملائها اليساريين وانضمت للحركة الديمقراطية للتحرر الوطني، وقُبض عليها لهذا السبب، وأخشى ما تخشاه أن يتم ترحيلها، فهي بلاجنسية ولا أوراق ثبوتية.
محاولة للطرد
أما سعد كامل ونايلة -فقد أُفرج عنهما معا بعد خمس سنوات، ولكن ألقي القبض عليها وحدها مرة أخرى بعد عشرة أيام فقط لترحيلها خارج مصر لأنها لا تملك جنسية مصرية. كان ذلك أقسى ما تعرّضت له على الإطلاق. كيف يقال لها إنها ليست مصرية؟ ومامعنى إنها بلا جنسية؟ وأين تذهب؟ إنها لا تعرف لها بلدًا آخر، وأمضت عمرها هنا، وأبوها مصري مولود هنا، وأمها أمضت عمرها هنا.
بعد سبعة أشهر واللجوء إلى كل المعارف والمتنفذين في الدولة، فشل الجميع مما اضطر الكاتب فتحي رضوان خال سعد كامل، وأحد الوزراء القريبين من الضباط الأحرار، لعرض الأمر على الرئيس جمال عبد الناصر شخصيًا، الذي أمر بإبقائها وعدم تنفيذ قرار الطرد.
في الوقت نفسه، كان حكم الإفراج عنها بعد سنوات خمس يتضمن وضعهما خمس سنوات أخرى تحت المراقبة، وهو ما يعني أن يمر عليهما في منزلهما أحد أفراد الشرطة، في أي وقت بعد السادسة مساء، ليتأكد من وجودهما ويدوّن ذلك في دفتر مخصوص. وإذا أضفنا إلى ذلك عدم توافر مصدر دخل منتظم، لعرفنا إلى أي مدى كانت الحياة بالغة الصعوبة.
ربما خفف عنهما أصدقاؤهما، من الكتاب اليساريين، مثل يوسف إدريس وصلاح حافظ وعبد الرحمن الشرقاوي وغيرهم وغيرهم ممن كانت العلاقة بهم علاقة عائلية حميمة. وأكرر أنني لا أظن أن هناك كتابا آخر صدر بالعربية، واستطاع أن يصوّر بكل ذلك الدفء والصدق الأجواء الثقافية والفكرية والصحفية والفنية في مصر، على مدى العقود الثلاثة التي تبدأ من الخمسينيات، فقد كانت نايلة كامل آّنذاك واحدة من أبناء ذلك الجيل.
فعلى سبيل المثال تحكي نايلة لابنتها عن رحلة شاركت فيها زوجها وابنتها إلى إيطاليا لزيارة أهلها، الذين كانوا قد عادوا إلى قرية الأم هناك، ومن هناك استقلوا قطارًا إلى باريس حيث كان في انتظارهم هنري كورييل شخصيًا، وهو -كما سلف الذكر- أحد القادة الكبار في الحركة الشيوعية المصرية، وتم طرده بقرار من الحكومة واستقر في باريس. ومع ذلك أبقى على علاقة سياسية بالوطن الذي طُرد منه، وكان هو الذي أبلغ ثروت عكاشة سفير مصر في باريس آنذاك تفاصيل مهمة من مصادره الخاصة، تتعلق باشتراك فرنسا في العدوان الثلاثي عام 1956، وسارع عكاشة بإبلاغها لعبد الناصر.
أما زيارة سعد كامل لباريس واستقبال كورييل له، فهي تتعلق بالواقع الجديد الذي انتهى إليه جمال عبد الناصر، بعد قبوله لمبادرة روجرز عام 1968، في أعقاب هزيمة يونيو. وكما هو معروف كانت تلك المبادرة التي حملت اسم وزير الخارجية الأمريكي، هي المرة الأولى التي يُشار فيها لقبول مصر لحل سلمي بكل تداعيات مثل ذلك الحل. وجاءت زيارة سعد كامل لكورييل في ذلك السياق، سياق اتصالات ما سرية للبدء في ترتيبات حل سلمي.
تواصل نايلة حكاياتها بالتفصيل حتى تعرفت ابنتها نادية على رندا شعث ابنة الأستاذ نبيل شعث (أحد القادة الفلسطينيين والعضو البارز في منظمة التحرير الفلسطينية) المقيمة في القاهرة عام 1982، أثناء اشتراكهما مع مئات الشباب في الفعاليات المقاومة للغزو الإسرائيلي لبيروت. وبدأت علاقة قوية تجمع بين الأسرتين انتهت بزواج ابنتها دينا وعلى شعث وأنجبا نبيل الذي توجه له نايلة رسالتها في نهاية الكتاب، خائفة عليه من صدمة قد يشعر بها عندما يعلم بعد سنوات أن جدته هي ماري روزنتال ذات الأصول اليهودية، وتطلب منه أن يفرّق بين الأصول اليهودية، وبين الوقوف مع هؤلاء الغزاة الذين طردوا الفلسطينيين من أرضهم، وتؤكد له إنها لم تتوقف يومًا عن الدفاع عن حق الفلسطينيين.

وفي النهاية أنقل هنا بعض سطور الرسالة التي وجّهتها نايلة كامل لحفيدها نبيل في آخر سيرتها
«حبيبي نبيل، كلمتين بس حاقولهم لك كدا. إنت عندك سبع سنين دلوقت. مش ممكن تكون مستغرب من الكلام اللي أنا بأقوله لك، مش بس عشان تفهمني وتفهم الكلام دلوقت، لا لكن علشان تسمعه لما تكبر شوية وتبتدي تفكّر في حاجات كتيرة. أنا أحب أدّيك أقولك ماعندي، بالكويس والوحش. عاوزة أؤكد لك حاجة واحدة: اللي عملته في حياتي من وأنا صغيّرة أصغر منك لغاية دلوقت ولحد ما أموت، عملته بصدق كبير، وباقتناع كبير، حتى لما كان غلط، حتى لما اضطريت أصحح وأقول دا كان غلط، كان بصدق. وممكن أقول إن أنا مبسوطة من نفسي. مش فخورة، لا، في فرق كبير، أنا ما أنجزتش أي حاجة ضخمة من الحاجات اللي تعتبر الواحد يقول أنا فخور إن عملت كدا وكدا، لكن أنا مبسوطة من نفسي وسعيدة باللي حققته في الحدود القليلة بتاعتي».
وتضيف في النهاية: «يلاّ ياحبيبي أدّيك بوسة وإلى اللقاء».
تقارير ذات صلة
ما رآه سعد زهران في الأوردي: سلخانة التعذيب لتركيع المخالفين (2-2)
الحلقة الثالثة من كوكبة «المصريون والسجن: سنوات دامية للمثقفين والجلادين خلف الأسوار»
في شهادة تأخرت ثمانين عامًا (2-2): أنا توماس راسل باشا حكمدار بوليس القاهرة
حلقة جديدة من برنامج قراءة «شهود عيان»
في أوراق أحمد عباس صالح: تغريبة بغدادية وأخرى لندنية (2-2)
الحلقة الحادية عشر من برنامج قراءة «شهود عيان»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن