تُقرأ وتُؤكل# 4| أحوال الفول الحِراتي
#جو عام
يدلنا محمد عبد النبي على وصفة طبخ نبتة متعددة الأحوال، يُمزّ بها مع الشرب وتُطلب بها البركة، وتؤكل نيئة ومطبوخة.
وصفة عبد النبي تأتي ضمن سلسلة من إعداد مي المغربي وياسر عبد اللطيف للمغتربين والأدباء وذوي الأحوال الوجودية، وتُقدم لكل مَن يقرأ ديتوكس حتى يقرأها أو يطبخها بحبات الفول الحراتي المجمدة إن أراد، أو ينتظر بشائر المحصول الجديد.
#تُقرأ وتُؤكل
يضرب نبات الفول جذورًا عميقة وراسخة في المطبخ المصري، حتى صار عمودًا فقريًا للحياة الغذائية للمصريين، ولو أنه ليس من الأطعمة الثابت تناولها في مصر القديمة، فلم ينتشر إلَّا في العصر اليوناني الروماني، وأقدمُ منه العَدس وحَبُّ العزيز والدلائل على استخدامهما مؤكَّدة.
لكن المدمّس ليس هو كل الفول، بالرغم من التنويعات اللانهائية التي يُمكِن أن يقدّم بها، هذا إذا وضعنا جانبًا مسألة الطَعمية أو الفلافل، ومعركتها القديمة المتواصلة بين الفول والحمّص، وبين المصريين والشوام. حتَّى بعد استثناء الفول المدمس والطعمية، بكل تنويعاتهما الممكنة في كل ربوع مصر، يتبقى للفول عددٌ لا بأس به من الأصناف المحتملة، مثلًا الفول النابت الذي يأخذ هذه البقول الجافة إلى منطقة نَدية ومبروكة هي منطقة المرقة. عن نفسي لستُ عاشقًا لمرقة الفول النابت، وإن كنتُ أحسنُ طبخها في الوقت الراهن، نظرًا لأنني أطبخُ لأمي بالأساس، منذ سنوات، بعد أن أصبحت غير قادرة على الطبخ بنفسها، وهو نفس السبب الذي يدعوني لطبخ أصناف كثيرة ريفية قديمة، مستمدة ممَّا تنبت الأرض وبالذات في الموسم الدقيق لكل نبتة أو خضرة.
ومع ذلك فإنَّ طعم الفول النابت بطراوته النشوية وما يكتنفه من توابل وثوم وليمون وخلافه، مستساغ عندي لأنه يذكّرني ببعض البارات الشعبية في مصر التي تقدم أطباق الفول النابت على روّادها كنوع من المزّة. حيث يُقدَّم مُصفّى من مائه، بعد سلقه جيدًا بطبيعة الحال، مع إمكانية تقديم ماء الفول النابت في كؤوس صغيرة وحتى هذا له عشَّاقه. ولم يزل الفول النابت يُقدّم في بعض البارات، أحيانًا يكون باردًا وبائتًا وتشعر كأنه مأكول من قبل، وفي أحيان نادرة وفي اللحظة المناسبة يخرج بأطباقه مُنوّرًا ناديًا فوَّاحًا يصَّاعد منه البخار، ويذوب في الفم بحرارته وفيه قرقشة خفيفة لم يضيعها بَعد الغليان المتواصل. من تلك البارات أذكر الآن هالجيان وقبرص، وحتَّى كاب دور الذي حدثوه مؤخرًا وأضافوا إلى قائمته كوكتيلات كحوليات ممَّا يوجد في فنادق النجوم الكثيرة، ولم تعد الموسيقى الحديثة الغربية والمصرية تنقطع أو تنخفض فيه، وتَغيّر بالتالي نوع وشكل رواده، فظهر عربٌ وأجانب وسيدات وفتيات وشباب من الطبقة الوسطى والعليا لا يربطهم شيء بتشكيلة الرواد القديمة، الصنايعية وصغار التجار والمثقفين والصحفيين بالطبع. لكن وسط هذا التغيير الكبير ما أن تظهر أطباق الفول النابت كأنما من العَدم حتى يمكن للزبون القديم أن يشم نفحة من رائحة الماضي العريق للمكان، نفحة قد تكون هي أيضًا مهددة بالانقراض.
كما يجمع النابت بمصادفة ساخرة بين كونه مزَّة للشاربين وكونه أحد أرخص وأطيب طبخات النذور التي اعتادها المؤمنون أو المؤمنات على الخصوص. فلم يكن من النادر أن تسمع إحداهن تقول -ولو بسخرية- إنها لو حدث هذا الأمر أو ذاك ستفرّق العيش والنابت على حبايب أم هاشم مثلًا. صحيح أنه من العسير أن تسمع نذرًا كهذا في الوقت الراهن، لكن هذا لا يعني أن العادة انقطعت، أو أنّ مجاذيب السيدة وحبايبها لن يقبلوا بأقل من رغيف حواوشي ساخن ملفوف في ورق الفويل.
في كل الأحوال النابت طبخة سهلة، يمكن لأي إنسان أن يطبخها وخصوصًا إذا اشترى الفول المنقوع جاهزًا وهذا ليس صعبًا في بعض الأسواق الشعبية حيث تعده البائعات بأنفسهن. ربما البصارة أصعب قليلًا، وهي من أهم الأكلات التي تعتمد على الفول الناشف شبه المدشوش والمتوفر لدى جميع العطّارين أو العلَّافين كما يُسمّى باعة البقوليات بكل أسف وحزن. أجمل ما في البصارة أنها تأخذ الفول لمنطقة الغموس الكريمي مثل مهروس الحمص بالطحينة الشامي والشهير كمقبلات.
لكن ليس هذا هدفنا هنا، ولنذهب الآن إلى نبتة الفول في شكلها الأوليَّ تمامًا، الأخضر النضر، أو ما يسمَّى في مصر بالفول الحراتي. لنختم بها حديثنا عن هذه النبتة الخرافية الجميلة التي صعدَ عليها أخونا جاك ذات قصة خرافية غربية إلى عنان السماء. كثيرون يتعاملون مع الحراتي كالفاكهة، فهو يُباع في بعض الأحيان فعلًا لدى باعة الفاكهة، وليس مستغربًا أن ترى بائعًا يسرح بعربة فول أخضر يبيعه في قراطيس كأنه بلح أسمر. أغلب الناس يأكلون الفول الأخضر نيئًا، يقشرونه ويتسلّون به أو إلى جانب الجبن الحادق القديم (المِش) أو الجبن الأبيض الفلّاحي (القريش)، لكن نادرًا ما تجد مَن يطبخونه، لذا إليك طبخة له، غير نادرة مع هذا، ومعروفة في مصر وبلاد عربية أخرى، بتنويعات عديدة.
(يُراعى تناسُب المقادير إلى بعضها البعض)
اشترِ الفول الأخضر في موسمه، وهو لا يتوفّر لفترة طويلة بالمناسبة. اختَر الأخضر الغض ممتلئ الحبَّات، وابتعد عن الأصفر أو ذي الأحجام الكبيرة الغريبة، أو الذي تتحسسه فتجده فارغًا وصغير الحبَّات. اشتر بزيادة لأنه بعد التفصيص سيقل دون نصف الكمية، وتسلَ بما يفيض. يعني لو اشتريت كيلو ستخرج منه بأقل من نصف كيلو من حبوب الفول.
فصَّص الفول كما تفعل مع البسلة الخضراء، ويمكنك إضافة بعض قرون الفول الخضراء نفسها، لا سيما تلك الصغيرة الغضة، فطعمها يكون معسولًا طريًا وتضفي بُعدًا خشنًا ولذيذًا على الطبخة.
سخّن الزيت في الحلة، ويمكن شيئًا من السمن أو الزبد كما تحب. عندما يسخن الزيت أضف البصل المبشور صغيرًا، قلّب البصل حتى يأخذ اللون الذهبي، ثم أضف فصي ثوم مفرومين، قلّب قليلًا، ثم أضف عصير الطماطم. بعد قليل أضف التوابل، الملح والفلفل والكمون، وممكن رشة كزبرة جافة أو شطّة أو بابريكا، حسبما تفضّل.
عندما تشعر أن الصلصة قد تسّبكت أضف مقدارًا مناسبًا من الماء الساخن، عند الغليان أضف الفول المفصص والمغسول قبل قليل.
عندما تتأكّد أنّ الفول قد نضج أو يكاد أضف مقدارًا قليلًا من الأرز، لكن احرص قبل إضافته على أن تكون الطبخة لم يزل فيها بعض الماء ولم تجف للغاية.
قُبيل نضج الأرز، يُمكن إضافة بعض الكزبرة الخضراء أو البقدونس أو الكراث (كله مُقطع صغيرًا للغاية) في هذه المرحلة، ويمكن الاستغناء عن ذلك كله.
اخفض النار بقدر الإمكان تحت الطبخة أو ضع الشياطة، حتى ينضج الأرز، قلّب المزيج إذا اقتضى الأمر لكيلا يلتصق الأرز بقعر الحلة، وأضف الماء الساخن إذا وجدته غليظًا جافًا قبل تمام النضج، وقلّب، لكن في معظم الأحوال لن تضطر إلى ذلك إذا كان مقدار الماء في الطبخة كافيًا من قبل إضافة الأرز والنار هادئة وكمية الأرز ليست أكثر مما يجب.
بعد نحو خمس دقائق ستكون الطبخة قد نضجت، ارفع الغطاء واطفئ النار.
يمكن أن يُغمَّس هذا الطبق بالخبز أو أن يؤكَل بالملعقة، ويمكن أن يؤكل بجانبه مخللات وخضروات طازجة كالجرجير والفجل والخس والبصل الأخضر.
وسلام.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن