تُقرأ وتُؤكل #10| «باساتا» ببساطة
#جو عام
تقدم مُنى محب وصفة مُستوحاة من طقوس الطليان المهاجرين، وهي وصفة لا تود بها أن تغدو إيطالية في كندا، بقدر تلاقي هذه الوصفة مع اهتمامات مُنى في المطبخ، فهي تفضل إعداد مكونات الطبخ بنفسها من الصفر/ From scratch، بدلًا من استسهال شراء البديل المُعلب.
في هذه الوصفة، تمتزج مقادير صلصة الطماطم، أو الـ«باساتا»، كما ينطقها ويعدها الإيطاليون، مع السرد الشخصي كما هو متوقع في السلسلة التي تعدها مي المغربي وياسر عبد اللطيف للمغتربين والأدباء وذوي الأحوال الوجودية، ويقدمها «ديتوكس» حتى تُقرأ أو تُطبخ.
#تُقرأ وتُؤكل
أخصص يومًا لإعداد صلصة الطماطم، مرة كل شهر أو اثنين، مُتقمصةً شخصية إيطالية، رغم عدم ارتباطي بإيطاليا بأي شكل أو جين، لكنني أفعل مثل هؤلاء الإيطاليين المهاجرين الذين ألمحهم هنا في كندا يفتحون جراجات منازلهم على الشارع ويحضّرون، بجد وبيد واحدة، صلصة الطماطم أو الباستا passata. لا يُخصص لهذا التقليد تاريخًا ثابتًا، بل تحدد كل عائلة موعدًا يناسبها لفتح جراج منزل الجد والجدة واشتراك كل أفرادها، حتى أصغر فرد فيها، في تحضير «الباساتا».
وجرت العادة أن يكون في آخر أسابيع الصيف، حين تكون الطماطم في تمام نضجها وبأجود نكهة، وأكثر احمرارًا. يأتون بسلال، تحتوي على ما يقرب من 300 لـ400 حبة طماطم، من إحدى المزارع الشهيرة بإنتاج الطماطم الإيطالية.
قبل سنوات، فُتنت حين التقيت مصادفة بذلك الطقس في عطلات نهايات الأسبوع. أسرتني الموسيقى الإيطالية الممزوجة بصوت الزحام والصخب الخارجة من حارات البيوت الصغيرة للجالية الإيطالية، بفانلاتهم ومرايلهن البيضاء المتسخة والمبطشة بلون أحمر زاهٍ، حين مررت بالقرب من المنطقة السكنية التي يُطلق عليها «إيطاليا الصغيرة» في وسط البلد بمدينة تورنتو.
و«الباساتا»، ليست صلصة طماطم مطبوخة، لكنها أقرب إلى طماطم مهروسة وطازجة. أحب تخيّل تفعيص الإيطاليين للطماطم بأرجلهم كما يُفعص العنب لعمل النبيذ، لكنهم يستخدمون بدلًا من ذلك جهازًا إلكترونيًا أو يدويًا لسحق وعصر الطماطم وتجريدها من قشرتها وبذورها، ثم تُخزن مع الريحان في برطمانات. لا أملك ذلك الجهاز لكن لديَّ خلاط عادي. ولا أحضرها مع العائلة في الجراج، بل وحدي في المطبخ، كما أنني لا أصنع «الباساتا» الطازجة، بل أطبخها قبل تخزينها في علب زجاجية بالفريزر.
لم يكن عشقي لصلصة الطماطم، أو استخدامي لها في أغلب الوصفات هو ما دفعني لاتباع ذلك الطقس، ولا ولهي باحتفالية الصلصة الإيطالية المبهجة، بل هوسي بتحضير الطعام من الصفر هو محفزي الرئيسي لإعداد الصلصة، وإعادة التجريب وإضافة مقدار وإلغاء آخر، حتى أتقنتها.
في نفس اليوم أذهب لشراء المكونات، ليس بهدف الحصول على ثمار نضرة، بل لانعدام المساحة الكافية في منزلي لتخزين الطماطم والخضراوات قبل تحضيرها. أقوم بشطف 15 ثمرة طماطم (لا أذكر متى توقفت عن تسميتها قوطة)، على أن تكون طماطم ناضجة حمراء من نوع «روما»، ثم أقطعها إلى نصفين وأشويها مقلوبة في الفرن على حرارة مرتفعة. ثلاث دقائق للشواء، وعشر دقائق أخرى كي تبرد، ثم تُجرد من قشرتها بحذر.
تُقطع وتُحمّر بقية المكونات في حلة كبيرة على درجة حرارة مرتفعة أعلى البوتاجاز. أُسْخن زيت بذر العنب، وأضيف إليه الخضراوات: ثمرة فلفل أحمر واحدة، أضفت ذلك المكون بعد تذوقي شوربة فلفل أحمر بالطماطم في أحد المطاعم هنا بكندا، وكان لونها أحمر داكنًا، مقارنة بشوربة الطماطم المعتادة، ذات اللون الباهت البرتقالي الهفتان، علاوة على التحلية البسيطة التي يضيفها الفلفل الأحمر على الصلصة. لكن اللون البرتقالي يعود للصورة مع إضافة ثمرة جزر صغيرة لزوم التحلية الطبيعية، فالسكر يُعتبر من المكونات الأساسية لصلصة الطماطم الأصلية، ونظرًا للعداوة الناشئة منذ سنوات بيني وبين هذا المكون السام المُنفر، بعد تشخيصي بمرض السكري، فلا وجود للسكر في قاموس وجباتي، حتى إن كنت أحضرها لشخص آخر، وحتى العسل، نادرًا ما أستخدمه في أي وجبة، لذلك أحاول إيجاد البدائل.
مثلًا جربت إضافة البطاطا كي تحلّيها وتمنحها قوامًا سميكًا، لكن نتج عن ذلك نسيج مقزز من الخيوط البرتقالية غير الممتزجة بالصلصة. لم أكرر ذلك الخطأ ثانيةً.
سعيًا للوصول إلى رائحة تقارب تلك التي تفوح من أزقة روما، والتمكن من النكهة الإيطالية الأصيلة، أُضيف أوراق ريحان طازجة وأخرى مجففة، اثنتان، ثلاث، أو ربما أربع، لا أعرف. عود واحد أو اثنان من الزعتر الإيطالي (الأوريجانو)، وليس ثلاثة، فالريحان أهم. يكون الزعتر طازجًا أو مجففًا أو كلاهما. على أي حال، أشتري كل من الريحان والأوريجانو طازجين، وأجففهما في المنزل. ثم البقدونس، يا سلام! الإيطالي أقرب إلى المصري (مقارنة ببقدونس آخر عديم الهوية يُباع هنا). الكمية؟ حسنًا كبشة أو اثنتان تكفيان. ثلاثة فصوص ثوم. من اللازم ثوم! ثمرة بصل حمراء أو إسبانية ليس هناك فرق، بالنسبة لي على الأقل.
يبقى هناك مكونان. لن يتفق معي الكثير على أولهما وهو الكرفس. لقد غششتُ تلك التفصيلة من ظهر علبة صلصة طماطم جاهزة كنت أحبها، قبل أن أقرر طبخها من العدم. القليل من الكرفس يجعلها أكثر إيطالية من إيطاليتها المُعتادة. أضيف عودين من الكرفس أو بعضًا من أوراقه. في كندا نستخدم العيدان، وفي مصر نستخدم الأوراق فقط، غريبة جدًا! لكن احذروا من الكرفس المصري، طعمه أقوى ويغيّر النكهة المطلوبة، القليل منه إذن.
حسنًا، هذا كل شيء فيما يتعلق بالتقطيع والتحمير، أضيف الـ15 حبة طماطم المشوية دون القشر، ثم أترك الخليط كله يغلي، ثم أهدِّئ النار مع إغلاق الحلة بالغطاء، وذلك اتباعًا للطقس المتمثل في السجع المعروف لعملية التسبيك الشهيرة «وطي وغطي».
كدتُ أنسى الإضافة الأخيرة للتخلص من اللون البرتقالي للصلصة الذي يصيبني بالاشمئزاز، ويجعلها تبدو كصلصة جزر أكثر منها صلصة طماطم، في حلة أخرى أجهز مفاجأتي للصلصة الحمراء وهي نصف ثمرة بنجر صغيرة، تُسلق بقشرتها، تقشير البنجر يجعل من أظافري تبدو كأنها خرجت توًا من مجزرة شرسة. وجدتُ أن تقشير البنجر بعد طهيه أسهل كثيرًا، وبالإضافة إلى ما يمثله هذا المكون من مادة خام لصناعة السكر كما تعلمنا في كتب المواد الاجتماعية، لكنه أيضًا يجعل الصلصة حمراء بلون الدم، وكما الكرفس، هذه الإضافة قد تكون أيضًا شائكة جدًا، إذا لم نتوخ الحذر في كميتها.
ثمرات البنجر قد تختلف في حجمها من بلد لآخر، ومن موسم لآخر، وقد وقعتُ في فخ البنجر عندما وضعتُ ثمرة كاملة في إحدى المرات، تركت لنا صبغة عنيفة من اللون الفوشيا القرمزي الصارخ، عاشت معنا شهرًا كاملًا، وهكذا، وقت العشاء، دون أن ندري، أصبحت حياتنا لونها وردي محمر. باتت الفاصوليا فوشيا، والبازلاء فوشيا، والكوسة فوشيا، وحتى المكرونة البولونييز، تلونت هي الأخرى بآخر صيحات الثمانينيات. لذلك لا تخافوا البنجر، لكن احذروه.
أضيف المكونات في الخلاط بعد أن تبرد. وتخرج الصلصة حمراء، كثيفة وعذبة. وحتى إن كانت تبعد كل البُعد عن البساطة، إلا إنني، بينما أتذوق أول خمس ملاعق منها، دون أن أخرج أي صوت مسموع، ودون أن أعترف لأحد بالأغنية التي أغنيها لها من كل قلبي: «ع الباساتا، الباساتا يا عيني ع البساطة!».
وسلام.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن