تُقرأ وتؤكل#9| عما يختلج في الصدور
#جو عام
العالم بعد دخول المطبخ غير العالم قبله، الداخل العابر غير المُحترف، وهذا ما جرى مع كريم محسن الذي أحب التعمق في تفاصيل الطهو والتحكم في مكوناته ومقاديره، وتفخيخ نظام أمه الذي يحبه، لكنه يكره دهونه ومقلياته. عن كل ذلك، وأكثر، يكتب كريم وصفته لإعداد صدور الدجاج على الجريل. وصفة سهلة، وكاشفة لأسرار البيوت والنفوس، كما هو متوقع في السلسلة التي تعدها مي المغربي وياسر عبد اللطيف للمغتربين والأدباء وذوي الأحوال الوجودية، ويقدمها «ديتوكس» حتى تُقرأ أو تُطبخ.
#دليل #تُقرأ وتُؤكل
دخلت المطبخ بعدما أُصيبت ماما بجلطة في المخ. حتى عندما أصابتها الجلطة، كانت تقضي يومها بالمطبخ في نهار رمضان الحار اللافح وهي صائمة تُعد طعام الإفطار، رغم مرضها بالسكر والضغط والقلب، كما سنكتشف فيما بعد.
كرهت رمضان وقتها من كل قلبي ولم أفهم أبدًا لماذا يتواطأ مجتمع بأكمله بمؤسساته ويسمح للمرضى بالصيام والامتناع عن الغذاء والماء والدواء لأكثر من 12 ساعة؟ حتى لو كان هناك خطاب طبي يُحذر فئات بعينها على استحياء من الصيام، ويُنظم للبعض جرعات الدواء لتناسب مواعيد الإفطار والسحور، لكن صوته منخفض جدًا، لدرجة لم تسمعه ماما التي تعتمد على التلفزيون فقط كمصدر للمعلومات يشكل رؤيتها للعالم.
كرهت نفسي وأخواتي وقتها أيضًا، وازداد كرهي لأبي أضعافًا، لأننا جميعًا اعتدنا وجود ماما في المطبخ، وبقصد أو دون قصد، ساهمنا في حدوث الجلطة.
ماما الآن بخير، انتظمت على الدواء وتوقفت عن الصيام أخيرًا، وتغيرت علاقتها بالمطبخ ومهام البيت. لكن جلطة في المخ ستغير مسار الأحداث، وتبدل في نفسي الكثير بغير رجعة.
بعد خروج ماما من المستشفى وبدء رحلة التعافي، دخلت المطبخ مع أخواتي البنات نتخبط بين الحِلل، ضائعين في المتاهة الصغيرة، نكتشف عالم ماما الأثير والسري محدود الإمكانيات والأدوات، رغم أنه لم يكن يتوقف عن إنتاج أشهى الأطباق والصواني.
سأظل أدخل المطبخ طوال فترة التعافي وفيما بعدها، للمساعدة أو طبخ الأطباق التي أصبحت أتقنها وتطلبها مني ماما بالاسم، وسأدخله بانتظام عندما انتقلت للعيش بمفردي منذ نحو سنة ونصف، لكن تدريجيًا، سيتبدل شعوري تجاه طهو الطعام كواجب نحو ماما والبيت إلى متعة تختزن داخلها المعاني والدهشة والسحر، ومهارة ضرورية لا أعرف كيف كنت أفتقدها.
من المطبخ، دخلت إلى روح البيت، وفهمت تعقيدات عن حياتنا العائلية مشفرة داخل الطعام وطرق تحضيره، صراعات تُطهى على البوتجاز لم أكن أعلم عنها شيئًا. تُفهم البيوت من المطابخ، مثلما تُفهم من العلاقات بين سكانها، فالدخول إلى المطبخ هو النفاذ إلى مساحة ترميز البيت، حيث يخبرنا الطعام بما لا تقوله الأفواه صراحة. تتجلط صراعات المنزل في المطبخ، وتتكشف لنا عندما نعمل فيه ونلتحم بمادته وشحومه، لكن إذا كنّا عابرين، ندخل المطبخ لنحضر زجاجة مياه أو لنقلي بيضتين على السريع، أو لنسخن طعام الغذاء، لن نفهم إلا الكلام المنطوق والخناقات المسموعة التي يتردد صداها في أرجاء البيت، ولا تحتاج مَن ينبش وراءَها.
عندما دخلت المطبخ، امتلكت الأدوات والمعرفة، وامتلكت أيضًا سُلطة مكنتني من ضبط الطعام ليناسب رغباتي وتطلعاتي نحو مستقبل جسدي وطموحاتي المستمرة لخفض وزني والحفاظ على أسلوب حياة شبه صحي.
منذ الطفولة وأنا أعشق وجبة صدور الفراخ البانيه والمكرونة. كان يومًا حافلًا عندما أعود من المدرسة، وتشتد رائحة قلي البانيه كلما صعدت درجة سلم مقتربًا من باب منزلنا، أخلع ملابسي وأجلس للسفرة منتظرًا دوري، آخذ طبق البانيه والمكرونة من يد ماما، وألاحظ في كل مرة قطعتين زيادة عن نصيبي، تقتطعهما ماما من نصيبها وتضيفهما لابنها الصغير الجائع دائمًا، الذي لا يفكر هل سيكفي أمه ما تبقى لها من طعام أم لا؟ إنما يجلس ويلتهم الطبق كاملًا مهما كانت الكمية.
أتذكر هذا الآن، وأنا أشوي صدور الدجاج على الجريل. الانتقال من المقلي إلى المشوي، كان أحد تقنيات التحول في حياتي وتفخيخ نظام غذاء الأم، الذي أحببته، وكرهت رموزه وشفراته مثلما كرهت دهونه وزيوته ومقلياته. ما كنت أحتاجه هو الدخول إلى تفاصيل عملية الطهو والتحكم في المكونات والمقادير، وليس مجرد استقبال الطعام من على الباب مثل أيام المدرسة.
تتميز صدور الدجاج المشوية بسهولة التحضير في وقت قياسي (لذلك ستكون وجبتي شبه اليومية عند الانتقال للعيش بمفردي)، بالإضافة إلى كونها وجبة صحية، لذيذة، وشهية. كل ما أحتاجه هو بشر البصل أو تقطيعه، ثم إضافة الملح الخفيف والفلفل الأسود والزعتر مع القليل من زيت الزيتون، ثم خلط هذه المكونات بالصدور جيدًا، وتركها في الثلاجة لساعة ونصف على أقل تقدير.
بعد مرور الوقت أدخل المطبخ ثانية، لشوي الصدور وإعداد الطبق الجانبي: بطاطس مهروسة بالزبد واللبن. في حلة يغلي فيها الماء، أضيف البطاطس المقطعة مكعبات، ثم أحضر الجريل وأسخنه حتى يجف، أمسح سطحه بقطرات الزيت، وعندما تسخن، أخرج الصدور من الثلاجة وأبدأ في عملية الشوي بعد نفضها من البصل، عند الانتهاء تكون البطاطس جاهزة، أصفيها من الماء وأهرسها بالشوكة جيدًا، ثم أضيف قطعة الزبد لتذوب في سخونة البطاطس، وقليلًا من اللبن والملح والفلفل، ثم خلط كل هذا حتى يتماسك قوامه.
في طبق كبير، تُرص قطع البانيه بجوارها معجون البطاطس، ولرفع القيمة الغذائية للطبق يمكنني تقطيع بعض الخضراوات إن وجدت. لا تستغرق عملية الطهو أكثر من 45 دقيقة وأحيانًا أقل، ونظرًا لهوسي المستمر بتنظيم وقتي ومهامي اليومية، أحاول تقليص مدة العملية مع الحفاظ على كفاءة الطبق.
وكلما وقفت أمام الجريل، أنتبه للصدور وهي تُشوى، أتذكر هذا التسلسل سريعًا في لقطات متضاربة أشبه بالومضات. وقليلًا ما أنتبه. أحيانًا أطهو وجبتي المتكررة وأنا منغمس في متاهات نفسي، أو في الجوانب التقنية للطهو حتى أدفعها إلى حدودها القصوى اختصارًا للوقت، لكن عندما أقف على مسافة بين ذاتي والجريل، يحدث الانتباه والتذكر، ولا أرى الصدور وقتها إلا ذكرى مُتجلطة.
وسلام.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن