تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
توليف الفُرجة

توليف الفُرجة

كتابة: هيثم الشاطر 12 دقيقة قراءة
تصوير: عمر مصطفى

#جو عام 

هذا الديتوكس سردية تستعيد زمن ما قبل رفاهية الاشتراك في منصات المشاهدة. يكتب هيثم الشاطر عن معاناة صاحبت الفرجة، حين كان الإنسان يشقى وراء السماوات المفتوحة ليلتقط إشارة محلية أو خارجية، وتتعلق قلوب المشاهدين بما يجلبه الهوائي، الاريال العادي أو حرامي الدش، من إشارات السماء، وما يجدونه من مفاجآت داخل علب شرائط الفيديو.

 #مشاهدة

في منتصف السبعينيات كان يتوجب عليك السفر للقاهرة للحصول على تلفزيون فيليبس ملون من الفرع الرئيسي، تدفع بالعملة الصعبة لتحجز التليفزيون، اكتشف والدي أن البائع في الفرع الرئيسي بلدياته من الإسكندرية لذا تعاطف معه وسهّل عليه الأمر بتسليمه التليفزيون بفرعهم الصغير بالإسكندرية.

في الطريق من كوبري الجامعة متجهًا للبحر تجد على يسارك سور كلية سان مارك، وعلى يمينك بيوت غير حقيقية، بيوت لا تتخيل وجودها، أسفل أحد هذه البيوت كان مقر توكيل فيليبس الصغير.

عند وصول الوالد للمقر تعرف أيضًا على السائق الذي سينقل التلفزيون من الفرع للبيت، والده لديه محل لبيع الدقيق بشارع الوزير الصالح بجانب منزله القديم، في الماضي وُجدت محلات لبيع الدقيق والردة فقط، لديها ميزان إحدى كفتيه على شكل جردل لوضع الدقيق، هاوده السائق في السعر وطمأنه، لم تتوقف عربة شركة فيليبس بجوار البيت مباشرة بشارع القاهرة، شارع القاهرة في ذلك الوقت لم يكن قد رُصف بعد، شارع القاهرة الفخيم والعلامة المميزة لمنطقة سيدي بشر قبلي بأكملها كان يُعامل كجراج مفتوح لسيارات النقل التي يمتلكها والد اللاعب عيد أحمد، لاعب نادي الاتحاد السكندري، توقفت العربة ذات الصندوق الخشبي الضخم بشارع سيف، الشارع الأسفلتي الوحيد في المنطقة كلها، حمل السائق التلفزيون 26 بوصة على كتفه، كاد أن يتعثر من حجارة شارع القاهرة ومن نظرات الناس المتلاحقة للجهاز الترفيهي النادر، تليفزيون فيليبس 26 بوصة ملون في منتصف السبعينيات.. روح وريحان وجنة نعيم.

أي تليفزيون يحتاج اريالًا لاستقبال المحطات الأرضية، تكتفي بعض الأسر بالاريال الداخلي الملحق بالتليفزيون ومحطات البث الأساسية، أسر بلا طموح. بينما تركب الأسر المحبة للحياة والمتعة اريالًا خارجيًا يُوضع بالبلكونة إذا كان لها مطلات مفتوحة أو على سطح البيت في الفراغ الكوني لالتقاط إشارة جيدة، وما الاريال سوى ماسورة معدنية رئيسية متفرع منها مواسير أصغر وتنتهي الماسورة بسلك مبطط وجاك يُوصل بالتلفزيون.

في شارع النبي دانيال بالإسكندرية، وجوار معرض «سجاد دمنهور» بمدينة دمنهور، كان يُباع إطار خشبي مستطيل مثبت في كل ركن من أركانه طبق صفيح مخروم في المنتصف، ويسير سلك كثعبان بين الأطباق الصفيح الأربعة لينتهي كالعادة بجاك، يقول البائع في النداء «اريال القناة الخامسة.. اريال القناة الخامسة»، هل كانت تأتي القناة الخامسة بعد كل هذا؟ كانت تأتي بكل مفاجآتها أتذكر قنبلة إذاعة أغنية «عيني» لهشام عباس وحميد الشاعري لأول مرة على الإطلاق في برنامج «طلباتك إيه» على القناة الخامسة، برنامج ظريف، وله تتر ظريف: «طلباتك إيه.. ميا مسا.. على القناة الخامسة»

لم يكتف الناس بالقناة الخامسة ومفاجآتها المتنوعة، فتح الاريال الخارجي وتعديلاته المتلاحقة المجال لشهوة محطات تليفزيونية جديدة، يُمكن في الليالي الحارة الصافية التقاط القناتين السادسة والثالثة، سكان الأطراف كان يمكنهم مشاهدة قناة سورية، ومعشوقة سهرات الخميس القناة الإسرائيلية الرابعة، حيث الأفلام غير المُتاحة على القنوات المحلية وبدون حذف.

التعديل الأهم والذي شهد أعلى فترات النجاح للاريال الخارجي كان ما يُعرف بالاريال التركي، قرص معدني وحيد به ثقوب دقيقة ومطلي بلون أبيض تتوسطه ماسورة يبدو عليها الأهمية، تنتهي بحلية بلاستيكية حمراء أو زرقاء للإيحاء بفرط التكنولوجيا، ويُمكن أن يدور قرص الاريال حول محوره بجهاز صغير يُوضع بجوار التليفزيون، قد يكون القرص وحركته لتكثيف وتركيز الإشارة، بعض كارهي الحياة كان يراها محاكاة لطبق الدش، تقليد ساذج وبلا منفعة حقيقية، بديل رخيص لمَن لم يمتلك دش أصلي، حرامي دش.

لا يريد أي منّا للشفقة أو الاستهانة أن تسيطر على تفكيره إذا ما أقدم على شراء اريال تركي، أؤمن بفاعليته وأكره تمسحه بالشكل الخارجي لابتكار آخر منافس، لم يكن لدي إنترنت ليمنحني ثقة الآخرين أو تعاطفهم. في ذلك الحين لم يكن الإيجو موضة كما هو الآن، مصطلحات من عينة «أنا» و«طاقتي النفسية» و«كيف يمكن للإنسان أن يحب نفسه» كانت مجهولة تمامًا، لو اشتريتَ اريالًا تركيًا إذًا أنت مثير للرثاء وانتهى الأمر، بل عليك أن تتعايش كشخص مثير للشفقة، وأن هناك مَن هم أفضل منك في المجتمع بدون أي غضاضة، كل ما كان يحدث بعد ذلك لتتمكن من العيش والاستمرار في الحياة هو أن تصنع تخيلات وتهويمات لتتمكن من الصبر حتى يفتح الله عليك بدش حقيقي، عن نفسي تخيلت أن ظهور القرص مع الماسورة هو لزيادة غموض الاريال. الاريال الغامض أحب لقلوب عشاق التليفزيون من الاريال البسيط ويفتح أبواب الأمل.

لتحصل على قناة سوريا وإسرائيل الرابعة أو القنوات المحلية تأتي بمحطة فارغة ثم تحرك الاريال حتى تلقط إشارة بث محطة ما، تحفظ تردد المحطة ثم تأتي بمحطة فارغة جديدة لتسكنها إشارة محطة أخرى، تجدها بعد أن تكون ضيعت الأولى، لعبة تستمر طوال الليل، تحفظ محطات وتنسى أخرى. وفي نهاية السهرة وبعد كفاح وطول بال وأغاني محدودة الشهرة لميادة الحناوي تجد أن وضع الاريال في مكان ما يلتقط إشارة أربع محطات دفعة واحدة، تنام بعد الإنهاك على أمل الاستيقاظ لتتمتع بالمحطات الأربع الجدد، وفي اليوم التالي تجد أن كل ما حفظته قد ضاع، انتصار مؤقت زائف، تكرر العمل مع ايريال الأمل مرة أخرى بنفس الحماسة.. آه والله بنفس الحماسة.

أتخيل أن جيمس برايدل كان سيقول في كتابه عصر مظلم جديد ماذا لو كانت تلك القصص هي التاريخ الحقيقي للاريال، سلسلة من الاخفاقات في التقاط إشارة بث واضحة وعجز مزمن عن تحديد الصدع المفاهيمي في فكرة الاريال الأصلية ووعود كاذبة بتحسين جودة الإشارة بتصميمات هندسية أفضل للاريال في الإصدارات التالية، فلنكن صادقين ماذا الذي سنفعله إذا ما التقطتَ كفرد يمتلك اريالًا حديثًا كل إشارات المحطات الممكنة، ما المتعة في أن تقلب في التلفاز فتجد كل المحطات موجودة وحاضرة بجودة صورة عالية، ما الذي يمكن أن يفعله بنا الفراغ ورفاهية الحياة؟ أو كما يقول الشاعر كيف يمكن أن أشفى من حُب الياسمين.

قريب لي كان لديه اريال يمكن التحكم فيه من خلال أزرار التليفزيون نفسه، اريال built -in بالتلفزيون، يقضي فترة ما بعد الظهيرة مُلاصقًا للتليفزيون، يعبث بأزرار الـtuning، يضع الاريال على سطح المنزل، لم يكن لسطح المنزل سلالم ليصعد للسطح لتثبيت الاريال أو تنظيفه أو التأكد من دورانه حول محوره بواسطة المحرك، لذا كان يتسلق مجموعة من الحجارة البارزة بجانب البلكونة، مغامرة غير معقولة أو محسوبة، ومتكررة بشكل لا يصدق، كنت أغمض عيني أثناء صعوده للسطح من الخوف، يضيع النهار بين التسلق والضغط على الأزرار، ولم يوقف هذا الروتين سوى أن أزرار التلفزيون عطبت، أصابها مس مثل المس الذي أصاب قريبي، تجلس لتشاهد التلفزيون فتجد أن المحطة قد تغيّرت من تلقاء نفسها، يقلب التلفزيون بين المحطات من تلقاء نفسه، في بداية الأمر كان يحدث بمعدل بطيء ثم تزايدت السرعة بمرور الأيام، شعر قريبي أنه لا يمكنه ملاحقة كل هذه التغيّرات، يتتبع الإشارات ويصلح الاريال ويتسلق الجدار للسطح ويوقف التلفزيون عن هسترته، تجاهل الاريال والتلفزيون، واستجابة لهذا الترفع مع الوقت تخلى التلفزيون عن سلوكه الغريب واختفت ظاهرة التقليب المفاجئ بين المحطات، تخلص قريبي من الاستحواذ وتفرغ لشراء الفاكهة والكفتة المشوية وسماع ميادة الحناوي بتركيز.

نحن أيضًا لدينا قصتنا مع الاريال التركي، في وقت ما بمساعدة هذا الاريال التقطنا إشارة ناصعة الوضوح ثابتة لا نعلم مصدرها، كانت لدش ما، نرى على المحطة ما يراه صاحب الدش، في الظهيرة أفلام متنوعة على قناة Dream 2، وقت العصاري مخصص لقناة المستقبل وMTV اللبنانية، وليلًا كانت لمعشوقته LBC، نتابع عليها برنامج مسابقات بين فريق نسائي قوي وفريق ذكوري مدعي للحكمة، وتتخلل المسابقات فواصل غنائية لمطرب يكون هو نجم الحلقة، حلقة هشام عباس كانت وقت صدور ألبومه «جوه في قلبي» وفيه أغنية جميلة تقول «راميني ونسيني وكاويني ومليني وساقيني من مر هوايا»

كنت أظن أني وحدي مَن يحبها، في الفاصل الذي قال فيه الأغنية اشتعل الاستوديو، وتحمس أفراد الفريقين، كان في الاستوديو فتيات أجنبيات يضربن بصورة وهمية على آلة إيقاعية تُسمى الكونجا من باب الاغراء، وجدتهن يرددن الجملة الأثيرة بنفس حماسي وحماس المتسابقين وحماس هشام عباس نفسه فعرفت أني لست وحدي. راميني ونسيني وكاويني ومليني وساقيني من مر هوايا.. أين ذهبت هذه الجمل الطويلة الآن؟

أصبحنا نكيف يومنا على يوم صاحب الدش، نسهر لساعة متأخرة ونصحو على الظهيرة، ما الذي ستفعله إذا صحوت باكرًا، تشاهد «صباح الخير يا مصر»، ليس مثيرًا بدرجة كافية، وماذا لو نمت باكرًا، سيفوتك كل ما اجتهدت الـ LBC في صناعته وكل الفتيات الأجنبيات التي تضرب على الكونجا. 

توقفت هذه السحلة مثلما حدث مع قريبي، ولكن هذه المرة بشراء جهاز فيديو، فيديو توشيبا ياباني محترم بالتقسيط من محل الصالون الأخضر.. اسم جميل للغاية. هل لدى أحد منكم قطعة أثاث من الصالون الأخضر، هل كان في مخيلة أحدكم أن يشتري فيديو من الصالون الأخضر، هل تعرف محل له اسم جميل كالصالون الأخضر، هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا؟

في احتفالية صغيرة بالمنزل شاهدنا أول شريط على الفيديو الجديد، حفل خطوبة بقاعة مناسبات نادي السكة الحديد بجوار محطة قطار سيدي جابر، فساتين الفتيات في هذه الخطوبة بسيطة، فستان سادة بجيب على اليمين أو جيب على الشمال أو وردة في المنتصف، قاعة مناسبات غامضة حولها مشتل ورد، وفي محيطها ملعب كرة قدم خماسي ترتاده فتيات بفساتين سادة وجيوب صغيرة، وقاعة مناسبات تحولت من شدة غموضها لجراج متعدد الطوابق. 

لم يكن لدي اختيارات كثيرة للاشتراك في نادي فيديو، هذه المرة عيد أحمد بذاته لاعب الاتحاد السكندري الشهير لديه محل فيديو بجوار البيت، محل متزن في اختيارات أفلامه وفي بوستراته، يحافظ على جودة الشرائط، وعليك الالتزام في مواعيدك معه، محل ملتزم ولكن ممل، لا يمكن أن تجد عنده فيلم الغجر لفيفي عبده، لا وجود لحفلات صاخبة لفيفي عبده أو لغيرها، يتجنب أفلام الحركة الآسيوية، وليس لديه صندرة تحوي أفلامًا غامضة بدون عنوان على كعب الشريط.

بعكس نادي السيد كحكة، لديه صندرة وحفلات متنوعة وبوسترات أفلام تفاحة ودانتيلا والرأس الكبيرة، عند السيد كحكة دائمًا ما تحتوي الشرائط على أفلام ليس لها علاقة بالعنوان أو الملخص المكتوب على العلبة، دائمًا ما تراهن عنده على الحظ، تحسن من علاقتك بأمك وأصدقائك في الشارع ليُكتب لك الحصول على فيلم سهرة ممتع، وإلا فمصيرك فيلم يتحدث عن نهاية عالم يسوده بشر بمؤخرات عارية. 

لا يمكنك الاشتراك في محل فيديو بعيد عن منزلك، يخاف أصحاب المحلات أن يفقدوا السيطرة على الشرائط والمنظومة بأكملها، عند اشتراكك في أي محل لأول مرة لا بد من صورة بطاقة وضامن، عميل قديم لدى المحل يكسر حاجز الجليد بينك وبين صاحب المحل.

منطقة دربالة الواقعة على السكة الحديد ما بين محطتي فيكتوريا وسيدي بشر منطقة مهيبة، غامضة، تتصدرها المساكن، بلوكات سكنية حادة الأطراف مزروع بداخلها عدد لا نهائي من كشافات الصوديوم، لكل لمبة معامل يُدعى CRI)  Color rendering index)، يأخذ رقم من 1 حتى 100 ليعبر عن قرب إضاءة اللمبة من ضوء الشمس، لترى الألوان بصورة صحيحة عليك أن تراها في الشمس أو أسفل كشاف بلمبة معامل CRI لها قريب من 100، أعمدة الإضاءة في الشوارع تحتوي على كشافات بها لمبات تُسمى «لمبات صوديوم»، لها معامل CRI منخفض، كشافات تُحيل كل الألوان حولها للون أصفر بدرجات مختلفة، كشاف ضعيف في تمييز الألوان، ولكنه ذو إضاءة قوية تحيل المكان حول بلوكات دربالة ليلًا لظهيرة مقبضة، ظهيرة بلا ألوان، صفراء، وكأنها حلبة معارك بدأت وانتهت ولم يبق منها سوى السكون والمساكن ومحل فيديو من دورين مكتوب عليه بخط سميك «أشرف دربالة». بوسترات الأفلام تغطي واجهة المحل بالكامل، طابقين كاملين من البوسترات العملاقة، يتحول كل نجوم السينما الذين نعرفهم إلى كائنات صفراء عملاقة تأتي من أعماق دربالة وتستقر بجوار المساكن، يأتي بهم أشرف دربالة ليقدم لنا متعة بلا حدود، هنا يصبح البوستر العملاق لفيلم الغجر الذي ستراه من نافذة قطار أبوقير معلقًا على المحل في قلب المساكن ليس سوى كما قال عدوية «هما هما وإحنا هما بس هما وإحنا مين» إحنا بوستر «الغجر» على واجهة محل أشرف دربالة ليلًا.

تتأكد الهالة عندما نجد اسمه على شرائط أفلام نؤجرها من محلات بجوار البيت، هل كان موزعًا، منتجًا، مقلدًا لشرائط الفيديو؟ لا أعلم، كل ما أعلمه الفواصل الإعلانية التي تسبق الفيلم كانت برعاية أشرف دربالة، فيديو إعلاني قصير عليه لوجو متحرك باِسم أشرف دربالة يحتوي ملخصات أفلام الحركة والجريمة والدلع التي تؤجر أو تُباع لدى أشرف، وفي الخلفية صوت نسائي متحمس يقول بلا انقطاع «أشرف دربالة.. أشرف دربالة» بنغمة موسيقية جذابة، أشرف دربالة بطل لا يقل عن ستيفن سيجال ودولف لندجرين، وكل الأبطال الصفراء المعلقة على واجهة محله، نجم لدرجة يستحيل معها التفكير في الاشتراك عنده.

في بدايات الألفية تعرفنا على محل يبيع نسخ بجودة متوسطة لأفلام كانت لا تزال في دور العرض، معجزة غير مفهومة، تذهب لمحطة الرمل فترى فيلم scorpion في سينما «أمير» فتؤجره ليلًا بفخر وانتصار، مَن يديروا المحل كانوا أبناء صديق والدي، لديهم صندوق خشبي في مدخل العمارة المجاور للمحل به الأفلام المسربة، بجوار محل الفيديو محل لبيع اللحوم المجمدة، في أحد أيام رمضان قبل الإفطار قامت عركة بين أحد الأبناء بمحل الفيديو ومَن كان يعمل بمحل اللحوم المجمدة وانتهت بوعيد مشترك، بعد الإفطار قذف العامل بمحل اللحوم صاحب محل الفيديو بسكين رشقت في قلبه ومات، حكاية حزينة مرعبة، أُغلق محل اللحوم المجمدة وتحول نشاط محل الفيديو لسنترال وأختفت بوسترات الأفلام من واجهة المحل وعُلقت لافتة تحمل صورة القتيل مكتوب تحتها «يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلي ربك راضية مرضية»، بمرور الوقت بهتت الصورة وأُعيد فتح محل اللحوم المجمدة.

قبل أن نأتي بالفيديو، لم يكن لدينا ذوق في الأفلام، نذهب لصديق لديه فيديو ويحضر شريط فيلم، نراه وننبهر، تقول القاعدة إن كل الأفلام التي نراها على الفيديو عند الأصدقاء ولم تُذاع في التلفزيون هي أفلام جيدة.

استمر انعدام الذوق حتى بعد الفيديو، أجهل من أين يأتي إعجابي بالفيلم، اعتمدتُ في البداية على اختيار النوع، أفلام الضرب كانت مثال سهل ومباشر، مع الاستمرارية تقرر أن تحب أفلام الضرب للممثل الفلاني ويصبح هذا ذوقك، تنتهي بك الفذلكة لتقول إنك تحب أفلام الضرب القديمة للممثل الفلاني، أو أفلام الضرب في الغابات لأي ممثل، هذا ذوقي هذا أكبر

لم يدم الاستمتاع بالفيديو ووهم تكوين الذوق كثيرًا، ظهرت الوصلة لتقضي على الأخضر واليابس.

بعد صلاة الجمعة في يوم ما وقع في يدي إعلان ورقي عن الوصلة، اشتراك شهري بـ 15 جنيهًا، يمكن من مشاهدة 30 محطة فضائية بين مفتوحة ومشفرة، لم أفهم كيف يُمكن فعل هذا وتخوفت أن يكون في الأمر ايريال جديد، ببساطة يحضر شخص بسلم يوصل سلكًا أسود من العدم للتليفزيون لتتمكن من مشاهدة الحياة، حتى ولو لم يستخدم السلم.

اكتشفتُ في الوصلة قناة الـ super movies ولم تعد رؤيتي للعالم كما كانت من قبل، منافسة قاسية تلك التي تضع نادي الفيديو في مقابل قناة تعرض أفلامًا عن الراستا فريان ولا تخلو من مناظر خلابة، منافسة فرد أمام الوصلة، أمام المستقبل الذي أفضل ما يوصف به أنه مظلم. 

ايريال ثم فيديو بعده وصلة ثم نظرة فابتسامة، وخلاص كلها بقت أشباح وبتطير.. طب سقفة للعصافير.

#وسلام.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن