تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
تهديدات الحرب التجارية بين أمريكا وأوروبا

تهديدات الحرب التجارية بين أمريكا وأوروبا

كتابة: بيسان كساب 6 دقيقة قراءة
المصدر: وكالة رويترز

بعد يومين من تراشق أمريكي وأوروبي، أعلن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، نيته فرض رسوم جمركية تصاعدية على واردات من ثماني دول أوروبية، هي: الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا وهولندا وفنلندا، إضافة إلى بريطانيا، تبدأ بنسبة 10% اعتبارًا من 1 فبراير وترتفع إلى 25% في 1 يونيو القادم، إذا أصرت هذه الدول على رفض رغبة ترامب في الاستيلاء على جزيرة «جرينلاند».

وفي المقابل، فإن ردًا أوروبيًا محتملًا قد يأتي في صورة مجموعة رسوم تجارية أوروبية على الواردات الأمريكية، يبدأ تطبيقها تلقائيًا في السادس من فبراير القادم مع انتهاء فترة تعليقها لمدة ستة أشهر. ومن المنتظر أن يجتمع عدد من قادة الاتحاد الأوروبي، غدًا، في بروكسل لمناقشة الردود الأوروبية المحتملة.

وشهدت أسواق الأسهم الأوروبية والعقود الآجلة الأمريكية انخفاضًا كبيرًا في تعاملات اليوم، بينما ينتظُر المراقبون رد فعل الأسواق الأمريكية والتي تستأنف عملها غدًا، بعد إجازة اليوم، بسبب أحد الأعياد الوطنية. 

هذه التهديدات المتبادلة قد تُنذر في حال تحققت بتراجع ملموس في النمو في الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، يرجح أن ينعكس على الاقتصاد العالمي في صورة تباطؤ في النمو العالمي، حسبما ترى شيرين الشواربي، أستاذة الاقتصاد في جامعة القاهرة، وولاء بكري، رئيس معهد الشرق الأوسط للسياسات العامة، الذي يتخذ من واشنطن مقرًا له. 

كانت «كابيتال إيكونوميكس»، وهي شركة استشارات مقرها لندن، قد حذرت من أن كل زيادة 10% في الرسوم الأمريكية على بضائع الاتحاد الأوروبي قد تخفِّض النمو الألماني/البريطاني بنسبة حوالي 0.1%، بينما قد تصل الخسارة إلى 0.2–0.3% مع رسوم 25%. 

وفضلًا عن ذلك، يُرجِح بكري أن الصدمة وتراجع اليقين في حالة تراجع النمو هذا ستنعكس على مستوى أسواق الدول النامية خاصة على مستوى أسواق الدين الحكومي، ما يؤدي لتراجع العملات المحلية، مضيفًا «في مثل تلك الحالات يميل المستثمرون سواء كانوا أفرادًا أو مؤسسات للاستثمار في معادن نفيسة أو في أسواق أخرى بخلاف الأسواق الناشئة».

المصدر وكالة روتيرز

انعكس هذا بالفعل على أسعار الذهب والفضة، والتي سجلت مستويات قياسية جديدة أمس. ارتفع سعر أوقية الذهب بنسبة 1.6% صباح اليوم، بعد أن لامس أعلى مستوى له على الإطلاق عند 4,689 دولار، كما ارتفعت العقود الآجلة للذهب في الولايات المتحدة -تسليم فبراير- بنسبة 1.7% لتصل إلى 4,671 دولار. وقفزت الفضة إلى مستوى قياسي بلغت معه 94.08 دولار للأوقية، قبل أن تستقر عند 93.15 دولار بارتفاع قدره 3.6%.

لكن أستاذ الاقتصاد في الجامعة الأمريكية، سامر عطاالله، يرى أن هذه التحركات الأخيرة على مستوى الإقبال على شراء المعادن النفيسة وتراجع الأسهم في السوق العالمي لا يمثل حاليًا إلا استجابة معتادة لحالة عدم اليقين التي تنتاب المستثمرين في اللحظات المماثلة، لكن هذا لا يعبر بعد عن تأثير تلك الإجراءات كونها لم تتجاوز حتى الآن حدود التهديدات بعد.

تتفق توقعات صندوق النقد الدولي الصادرة اليوم بشأن النمو العالمي العام الحالي والمقبل مع هذا الطرح، حيث عكست توقعات غير متشائمة بشأن استمرار النمو العالمي هذا العام عند نفس مستواه في العام الماضي، تستند إلى نمو قطاع الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا بالذات في الولايات المتحدة في الوقت الذي استعرضت فيه بيانات الصندوق ارتفاع استثمارات الولايات المتحدة في هذا القطاع إلى مستويات تاريخية، لكنها حذرت في المقابل من مخاطر «القيود التجارية» على هذا النمو.

«التأثير الحقيقي طبعًا لن نعرفه إلا في حال تحققت التهديدات وبدا واضحًا حجمها الكامل وما إن كان الاتحاد الأوروبي سيتمكن من اتخاذ قرار موحد يشمله ككيان موحد من عدمه على سبيل المثال»، يقول عطاالله.

يشير بكري إلى أن هذه التهديدات، في حالة تحققت بالفعل، قد تتسبب في تأثيرات تضخمية مباشرة على الأسواق الأوروبية والأمريكية، قد تضر بشدة بالقدرة الشرائية لدى مواطني الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وتؤدي بالتالي لتراجع الطلب أو تراجع ربحية المنتجين إذا استطاعوا امتصاص التكلفة الإضافية، مضيفًا أنه «في الحالتين، ثمة تأثيرات سلبية على النمو، بالإضافة للتأثيرات الناجمة عن تراجع اليقين وميل المستثمرين للتريث قبل اتخاذ قرار بتأسيس المشروعات من ناحية».

ويمثل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة معًا أكبر شراكة تجارية في العالم، إذ يشكلان معًا نحو 30% من التجارة العالمية و43% من الناتج المحلي العالمي. وتبعًا لبيانات المجلس الأوروبي، بلغ حجم التبادل التجاري السلعي بين الجانبين حوالي 867 مليار يورو في 2024. 

لكن هذا التبادل التجاري السلعي العملاق، ينطوي على فائض كبير في الميزان التجاري السلعي لصالح الاتحاد الأوروبي، إذ سجلت صادرات الاتحاد الأوروبي للولايات المتحدة 532.3 مليار يورو مقابل واردات من الولايات المتحدة بلغت قيمتها 334.8 مليار يورو، محققة بذلك فائضًا للاتحاد الأوروبي قدره 198 مليار يورو. 

وتشمل الصادرات الأوروبية الرئيسية للولايات المتحدة المنتجات الطبية والصيدلانية بنسبة 22.5%، ثم السيارات بنسبة 9.6%، ثم الآلات الصناعية والأجهزة الكهربائية. وفي المقابل، يأتي النفط الخام ومنتجاته في مقدمة الصادرات الأمريكية للاتحاد الأوروبي بنسبة 16.1% من الواردات، تليها التجهيزات الطبية والصيدلانية بنسبة 13.8% ثم الأجهزة المُولِدة للكهرباء بنسبة 9.2%، والغاز الطبيعي بنسبة 5.8%. 

ينعكس هذا الميزان لصالح الولايات المتحدة في حالة تجارة الخدمات، والتي تبلغ قيمتها نحو 817 مليار يورو في 2024، حوالي 334.5 مليار يورو منها من الاتحاد الأوروبي للولايات المتحدة، وحوالي 482.5 مليار يورو من الولايات المتحدة للاتحاد الأوروبي. وتشمل أهم صادرات تجارة الخدمات الأوروبية خدمات تقنية (الاتصالات والمعلومات) والاستشارية، بينما تتصدر أمريكا صادرات حقوق الملكية الفكرية والخدمات المهنية.

لكن المُحصلة تبقى ميل الميزان التجاري إجماليًا لصالح الاتحاد الأوروبي. ولهذا، فإن سبب التضييق الأمريكي على الصادرات الأوروبية عبر سلاح الرسوم قد لا يقتصر على أزمة «جرينلاند» فقط، وإنما كذلك رغبة أمريكية في «إصلاح هذا الخلل» في الميزان التجاري، وهو تحليل يتفق معه الباحث في الاقتصاد السياسي والكلي، مجدي عبد الهادي، كما أشار في حديثه إلى «مدى مصر».

وبغض النظر عن تفاصيل هذه الخلافات، تبقى الصورة الأكبر أن سياسة ترامب في التعامل مع التجارة الدولية تمثل تراجعًا عن قيم مستقرة في العلاقات الدولية فيما يتعلق بحرية التجارة التي تدعمها مؤسسات تشكل أعمدة النظام الاقتصادي العالمي بعد الحرب العالمية الثانية، على رأسها منظمة التجارة العالمية على سبيل المثال، وهي قيم لطالما دعمتها الولايات المتحدة الأمريكية نفسها.

يقول عبد الهادي إن سلوك ترامب لا يمثل، بعكس ما قد يبدو لأول وهلة، أمرًا استثنائيًا غير مسبوق، وإنما هو مجرد عودة للأفكار الحمائية التي كانت سائدة قبل استقرار قيم التجارة الحرة في منتصف القرن الماضي تقريبًا، مضيفًا أن «ما يفعله ترامب يمكن أن نجد صداه في سياسات شبيهة تبنتها الولايات المتحدة مثلًا في أعقاب أزمة الكساد العالمي في الثلاثينيات من القرن العشرين، وهو ما يشير إلى ارتباط تلك السياسات بإدراك للأزمات التي تواجهها الولايات المتحدة، وهي في الوضع الحالي أزمة مرتبطة بتراجع تنافسية الولايات المتحدة على مستوى عدد من الصناعات».

ويتفق عبد الهادي مع وجهة النظر التي ترى أن السياسات الحمائية ستؤدي مع ذلك إلى أزمات في الأسواق المالية في الولايات المتحدة نفسها على خلفية تأثر تلك الصناعات سلبًا بارتفاع أسعار مدخلات الإنتاج المستوردة عمومًا، «لكن ما يبدو أن ترامب ينطلق منه -أخذًا في الاعتبار شخصيته التي تبدو مندفعة وغير متزنة في بعض الأحيان- هو احتمال الآثار قصيرة المدى لتلك السياسات، في مقابل إعادة توطين الصناعات داخل الولايات المتحدة في نهاية الأمر»، على حد قوله. 

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن