برزت تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين مؤخرًا ككيان مدعوم من السلطة يتصدر صفوف المختارين لعضوية البرلمان بغرفتيه سواء بالتعيين من رئاسة الجمهورية، أو عبر الترشح بـ«القائمة الوطنية» المضمون نتائجها سلفًا.
فبعد أقل من عام من تدشين وجودها في 2018 في الساحة السياسية٬ اُختير ستة من أعضائها نوابًا للمحافظين، ثم حصدت 12 مقعدًا في مجلس الشيوخ، و31 مقعدًا في «النواب»، 28 منهم ضمن «القائمة الوطنية»، وثلاثة عينوا من الرئيس مباشرة، ما جعل الانضمام إليها بمثابة تذكرة عبور للقرب من السلطة وتقلد المناصب.
ذهب البعض لاعتبارها استنساخًا من الرئيس عبدالفتاح السيسي لتجربة التنظيم الطليعي التي نفذها الرئيس الأسبق جمال عبدالناصر في الستينيات لتنشئة كوادر سياسية مضمونة الولاء في السياسة وغيرها من المجالات. فيما اعتبرها آخرون مفرخة لإنتاج نخب شبابية مطابقة للمواصفات الأمنية تحل محل النخب الحالية، وإعادة تكرار ما حدث في الانتخابات البرلمانية عام 2010 من سيطرة رجال السلطة على أكثر من 90% من مقاعد البرلمان بمسميات مختلفة، لتفويت الفرصة أمام تسرب أي هوامش للحرية.
من أين جاءت؟
لم يتوقف السيسي منذ أن كان مرشحًا للانتخابات الرئاسية عن مطالبة الأحزاب السياسية بالاندماج والائتلاف مع بعضها البعض. وبعد أشهر قليلة من رئاسته للبلاد، دعا الأحزاب إلى تشكيل قائمة مشتركة موحدة، لخوض الانتخابات البرلمانية على مقاعد القوائم، ووعدهم بدعم تلك القائمة، ما تلاه فوز ائتلاف «دعم مصر»، الذي كان يضم وقتها سبعة أحزاب محسوبة جميعها على السلطة وأجهزتها الأمنية٬ بثلثي مقاعد مجلس النواب عام 2016.
بالتزامن مع اجتماعات الأحزاب وتشكيل القائمة الوطنية، عقد مدير مكتب السيسي في ذلك الوقت عباس كامل اجتماعات مع شباب الأحزاب، لتنفيذ توصيات المؤتمر الوطني الأول للشباب الذي انعقد في شرم الشيخ في 2016. وخلال تلك الاجتماعات٬ تقدم مجموعة من شباب أحزاب: الجبهة الديمقراطي، والجيل، والمؤتمر، وآخرين بمقترح لكامل وعدد من رجاله القائمين على الإعداد لمؤتمر الشباب لتأسيس كيان يكون بمثابة منصة حوار بين الدولة والأحزاب.
وبحسب عضو بـ«التنسيقية» لـ«مدى مصر»، ظلت الفكرة قيد الدراسة حتى بعد ترأس كامل جهاز سيادي تابع لرئاسة الجمهورية، وإسناد عدة ملفات من بينها الأحزاب السياسية لرئاسته. بعدها٬ أعطى القائمون على مؤتمر الشباب لأربعة من هؤلاء الشباب الفرصة للمشاركة في إدارة جلسة نقاشية جنبًا إلى جنب مع شباب من البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب للقيادة أمام الرئيس خلال المؤتمر الوطني الخامس للشباب في منتصف مايو 2018.
بعد أيام من استماع الرئيس لرؤية هؤلاء الشباب للعمل السياسي٬ حصلوا على الضوء الأخضر لتأسيس كيانهم٬ بحسب المصدر.
طلبت أجهزة أمنية من الأحزاب ترشيح اثنين من أعضائها للانضمام لهذا الكيان، وعقد ممثلو الأحزاب أول اجتماع لهم تحت اسم «التنسيقية» بمقر حزب المؤتمر، ليصدر عن «التنسيقية» في 12 يونيو 2018 بيانها التأسيسي الأول متضمنًا تعريفهم بمجموعة من شباب الأحزاب والسياسيين من مختلف التوجهات والآراء أخذوا على عاتقهم «الاصطفاف خلف الوطن لتحقيق الأهداف الوطنية وتحقيق الصالح العام».
وحدد البيان الثاني تشكيل الكيان الجديد من ممثلي 19 حزبًا هم: الإصلاح والتنمية، والإصلاح والنهضة، والتجمع، والجيل، والحركة الوطنية المصرية، والحرية، والشعب الجمهوري، والغد، والمحافظين، والمصري الديمقراطي، والمصريين الأحرار، والمؤتمر، والناصري، والنور، والوفد، وحماة الوطن، ومستقبل وطن، ومصر الحديثة، ومصر بلدي٬ إلى جانب خمسة شباب «سياسيين».
بعد هذا التأسيس٬ أصبحت «التنسيقية» ضيفًا دائمًا ليس في كل مؤتمرات الشباب التي يدعو لها الرئيس فحسب وإنما كذلك في كل الفعاليات التي تدعو لها أجهزة الدولة المختلفة. فشارك أعضائها في جلسات الحوار المجتمعي التي عقدها البرلمان لمناقشة مقترح التعديلات الدستورية في مارس 2019، وقبلها في جلسات الحوار المجتمعي التي نظمتها وزارة التضامن لتعديل قانون الجمعيات الأهلية في يناير 2019، حتى جاءت لحظة اعتمادها رسميًا كذراع سياسي شبابي يمثل الدولة.
«حركة المحافظين هي شهادة ميلاد للتنسيقية ككيان تابع للسلطة» يقول عضو «التنسيقية»، موضحًا قبل تسمية السيسي لستة من أعضائها ضمن حركة المحافظين، «كنا نمارس عملًا حزبيًا وسياسيًا، بموافقة أجهزة الدولة. كان أقصى آمالي كممثل عن أحد الأحزاب المدنية المشاركة في التنسيقية ألا يتم القبض علي أو مضايقتي أمنيًا كما يحدث مع الآخرين الذين لم ينضموا للتنسيقية ولكن بعد القرار الرئاسي تحول كل شيء وأصبحت التنسيقية هي بمثابة بوابة للعبور إلى السلطة».
أصدر السيسي في 27 نوفمبر 2019 قرارًا جمهوريًا بتعيين 16 محافظًا و23 نائبًا، ما تلاه إعلان «التنسيقية» تضمن الحركة اختيار ستة من أعضائها نوابًا للمحافظين هم؛ إبراهيم الشهابي نائبًا لمحافظ الجيزة، ومحمد موسى لـ«المنوفية»، وبلال حبش لـ«بني سويف»، وحازم عمر لـ«قنا»، وعمرو عثمان لـ«بورسعيد»، إضافة إلى هيثم الشيخ نائبًا لمحافظة الدقهلية.
الحالة المشابهة للتنسيقية هي الأكاديمية القائمة على تدريب المتقدمين لـ«البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب للقيادة»، الذي أطلقه السيسي في سبتمبر 2015، لـ«إنشاء قاعدة شبابية من الكفاءات القادرة على تولي المسؤولية السياسية والمجتمعية والإدارية في الدولة»، وهو ما تبعه مكافأة هؤلاء الشباب بمناصب حكومية وبرلمانية. في نفس حركة المحافظين الأخيرة٬ عين الرئيس تسعة من خريجي البرنامج الرئاسي بينهم محافظ وثمان نواب. أما عضوية البرلمان بغرفتيه٬ فجاء شباب البرنامج الرئاسي في المرتبة الثانية بعد أعضاء «التنسيقية» بإجمالي 12 مقعدًا في مجلسي النواب والشيوخ.
التشكيل
«عددنا قبل حركة المحافظين كان لا يزيد عن 60 أو 70 عضوًا بالأعضاء الاحتياطيين ولكن بعدها تضاعف العدد ليتجاوز الـ200 في أشهر قليلة جدًا»، يوضح عضو «التنسيقية» الذي يمثل حزبه في البرلمان بغرفتيه الآن بأكثر من عشرة مقاعد. «بات الجميع يروج للتنسيقية ككيان يجمع الشباب المرضي عنهم من السلطة تمهيدًا لتوزيعهم على المناصب التي تحتاج إلى تمثيل شبابي».
ويدلل المصدر بانضمام عدد من الشباب المحسوبين على السلطة لعضوية «التنسيقية» خلال الاستعدادات لانتخابات مجلسي الشيوخ والنواب. هناك محمود بدر٬ مؤسس حركة تمرد وعضو مجلس النواب السابق عن قائمة «في حب مصر» التي أشرفت الأجهزة الأمنية وقتها على اختيار أعضائها. وهناك زميله في البرلمان السابق وفي القائمة نفسها طارق الخولي٬ أمين عام حزب مستقبل وطن. وإلى جانبهم محمد عبدالعزيز٬ عضو حركة تمرد والمجلس القومي لحقوق الإنسان، ومي كرم جبر٬ نجلة رئيس المجلس الأعلى للإعلام وغيرهم ممن انضموا لـ«التنسيقية» ومن بعدها لبرلمان 2020.
يتيح الموقع الإلكتروني لـ«التنسيقية» عبر شبكة الإنترنت استمارة للراغبين في الانضمام لعضويتها، تقتصر على طلب البيانات الشخصية للراغب في الانضمام، والإجابة على سؤال بشأن أسباب رغبته في الانضمام إليها، وإرفاق ورقة تسمى «السياسات العامة» يبدي فيها المتقدم رأيه تجاه سياسات الدولة.
ويقول المصدر إن الانضمام لـ«التنسيقية» لا تحكمه معايير واضحة، فبدأ الأمر بانضمام ممثلين للأحزاب السياسية ومجموعة من الشباب المهتمين بالسياسة، ثم أصبح للموظفين المرضي عنهم في الوزارات المختلفة، ثم للصحفيين المقربين من الأجهزة الأمنية.
غير أن أعضاء «التنسيقية» يؤكدون منذ سبتمبر الماضي على وجود ضوابط للانضمام لـها، ومنها؛ «الحفاظ على الثوابت الوطنية، وحماية مقدرات الوطن، وكشف المخططات الإرهابية». كما يوضحون أيضًا أن شروط العضوية وهي: «ألا يزيد سن المتقدم على 40 عامًا، وألا يكون قد سبق اتهامه في قضايا مخلة، وألا يكون خلق سابقًا مشكلة مع حزب في الأمور المالية».
«نبلغ عبر جروب الواتس آب الذي يجمع الأعضاء يوميًا بانضمام أعضاء جدد»، يوضح عضو «التنسيقية»٬ مضيفًا أن «التنسيقية» ليس لها مدير وإنما ثلاثة أمناء سر هم: عمرو يونس٬ عضو مجلس النواب عن «القائمة الوطنية»، وسها سعيد٬ عضو مجلس الشيوخ عن «القائمة الوطنية» أيضًا، وإلى جانبهم صابرين حجازي، والثلاثة هم المسؤولون عن التنسيق مع أجهزة الدولة والتنسيق مع المسؤول الأمني عن «التنسيقية» بشأن قائمة أعمالها، وإضافة الأعضاء الجدد والدعوة للاجتماعات.
وإلى جانب أمناء السر٬ يضم الهيكل الإداري لـ«التنسيقية»، كذلك مجلس أمناء وفيه الأعضاء الست الذين عينوا نوابًا للمحافظين، وإلى جانبهم مركز إعلامي يضم عددًا من المتحدثين باسم «التنسيقية»، غالبيتهم يعملون في المجلس الأعلى للإعلام. مهمتهم هي التواصل مع وسائل الإعلام لنشر البيانات الصادرة عن «التنسيقية»، ومقالات أعضائها، فضلًا عن تحديد أعضائها الذين يسمح لهم بالظهور في البرامج التليفزيونية أو المداخلات الهاتفية، إضافة إلى لجان تضم جميع الأعضاء. «يطلب منا أن نكتب مقالات ونسلمها للمركز الإعلامي ليراجعها أمنيًا مع أمناء السر ثم توزيعها بعد ذلك على الصحف»، يحدد عضو التنسيقية آلية التعامل مع وسائل الإعلام.
ويفسر أحد الصحفيين الذين يتابعون ملف الأحزاب السياسية بإحدى الجرائد القومية لـ«مدى مصر» تلك الآلية٬ في نشر كافة الأخبار والبيانات والمقالات الواردة للصحف والمواقع الإخبارية الخاصة بأعضاء «التنسيقية» كما هي دون تحرير أو مراجعة أو حذف أو إضافة.
آلية جديدة - قديمة
العبور للتقرب من السلطة من خلال «التنسيقية» يتمثل في التعيين بالوظائف العليا٬ كما وضح السيسي: «هل فيه حد النهاردة من الأحزاب طالب الدولة بأن يكون فيه شباب عندها في الوزارة أو نواب محافظين أو محافظين، لأ، محصلش، إحنا عملنا كده عشان كفكرة نقول من خلالها للأحزاب يلا تعالوا معانا، البلد بلدنا كلنا».
إشراف السلطة ودعمها لتصدر شباب «التنسيقية» للمشهد، يراه عماد حمدي٬ عضو المكتب السياسي لحزب تيار الكرامة٬ استنساخًا من النظام الحالي لتجربة عبدالناصر في تأسيس ما يعرف بـ«التنظيم الطليعي».
أسس عبدالناصر عام 1963 التنظيم الطليعي ككيان (سري) تابع للاتحاد الاشتراكي، أشرف عليه وقتها الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل وعدد من الضباط بينهم مدير مكتب عبدالناصر، سامي شرف، وأوكل له مهمة اختيار العناصر التي تراها السلطة صالحة للقيادة. ثم تعيينهم في الوزارات والهيئات والمؤسسات والمحافظات والجامعات والمصانع وغيرها. ويقدر البعض عدد أعضاء التنظيم وقتها بـ30 ألفًا وصل غالبيتهم لمراكز قيادية في الدولة بعد ذلك، ومنهم رئيس مجلس الشعب الأسبق أحمد فتحي سرور، ووزير الخارجية الأسبق عمرو موسى، وآخرين.
وأضاف القيادي في حزب تيار الكرامة٬ الناصري الهوى٬ أن «التنسيقية» وإلى جانبها الأكاديمية الوطنية لتدريب وتأهيل الشباب هما بمثابة «مفرخة» لإنتاج كوادر شبابية تحت سيطرة أجهزة الأمن في مختلف التخصصات، وذلك لتنفيذ الاستحقاقات الدستورية الخاصة بتمثيل نسب معينة من الشباب في البرلمان بغرفتيه وباقي أجهزة الدولة التي تطلب تمثيلًا شبابيًا٬ لعدم ترك هوامش حرية قد يتسرب من خلالها أحداث مشابهة لما شهدته البلاد عام 2011.
يتفق ناصر عبدالحميد٬ العضو السابق في ائتلاف شباب الثورة وجبهة الإنقاذ وحزب الدستور، مع رؤية حمدي لـ«التنسيقية» كـ«كيان الدولة عملته و بتبروزه»، ولكنه يؤكد أن مقارنتهم بـ«التنظيم الطليعي» ظالمة للتنظيم الناصري، مفسرًا بأن «التنسيقية» هي كيان يضم مجموعة شباب مرضي عنهم ليس لديهم لائحة تنظم عملهم ولا انتخابات داخلية ولا فعاليات أو اقتراحات سياسية. لا يستطيعون عقد مؤتمر جماهيري يشرحوا للناس خلاله «هم مين ورؤيتهم في القضايا المختلفة إيه»، مضيفًا «هم فقط شباب اختيروا لحضور مؤتمرات الشباب».
تقارير ذات صلة
«الجبهة الوطنية».. ليه الدولة محتاجة حزب جديد؟
تمكن الحزب من جمع نصف مليون توكيل
هل تكون انتخابات الرئاسة فرصة خروج المعارضة من الهامش؟
«من المكاسب المحتملة لمعركة الانتخابات: فتح مسار تفاوض سقفه أعلى من الحوار الوطني»
بودكاست| «المحتمل الأول»: حوار مع أحمد الطنطاوي
أسئلة عديدة للمرشح المحتمل للانتخابات الرئاسية
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن