تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
تميز بالضالين

تميز بالضالين

كتابة: عمر شرارة 6 دقيقة قراءة
تصوير: مهرة

#جو عام

يعود عمر شرارة لأيام الشقاوة وطرق كل شلة لصناعة سطوتها. يذكرنا بلذة اكتشاف العالم، وما فيها من جرأة وطيش، محاولات كل مراهق لإبراز تميزه عن غيره، وإعلاء سماته الفردية عن مجايليه، أنه فرد مميز لا يشبه الآخرين. ولنرى كيف حاولت شلته بالضالين تمييز نفسها.

#دليل

أردتُ شراء بعض الكتب والروايات الورقيّة لأن القراءة الإلكترونية أرهقت عينيّ، فانخفضت نسبة قراءاتي. أحب الغوص في طيّات كتاب تُمسكه يدي في هدوء الليل.. هكذا قررت الذهاب إلى سور الأزبكية باعتباره أحد أرخص أماكن بيع الكتب. وبينما لم يكن على بالي عنوان محدد أريده، اكتفيت بأن قلتُ لنفسي: سأتجول بين أزقة الأزبكية مفتّشًا في أكوام كُتبها القديمة المستعملة عمّا يعجبني. لعلني أعثر على بوصلتي.

داهمتني الذكريات حينما خطت قدماي أعتاب الأزبكية. فقد رأيت شابًا في أواخر عشرينياته، يضع ملاءة سرير في رقعة متوسطة الطول والعرض. يمكن تخيّلها بيضاء اللون في سابق عهدها. فوقها مجموعة من روايات الجيب والقصص المصورة التي يبيعها. يهتف الشاب مروّجًا لبضاعته: «ميكي بعشرة.. ميكي بعشرة»، بصوت جهوري.

ماسورة الذكريات التي انفجرت بصدري من فئة الذكرى غير المُستحب سردها. لكنني أتذكرها بمنطق طيش الشباب. لذا، سأحكيها كما حدثت دون مواربة.

ففي أحد الأيام، كوّنت مع مجموعة من أولاد مدرستي الإعدادية المشاغبين عصابة سطو. ولله الحمد لم نكن قوة مسلحة. غزت عصابتنا أرض الأزبكية أكثر من مرة. بعد أن خطط عقل العبدلله للعمليات من الألف إلى الياء. في محاولة طائشة لنيل تميز واهٍ، لكنني اقتنعت في النهاية أن كل شيء قسمة ونصيب.

***

في 2012، كنت لا أزال طالبًا بالصف الأول الإعدادي. أنتمي إلى شلّة مشاغبة تفعل أي شيء، وكل شيء، لتبدو كأنها صُحبة لم تأت الدنيا بمثلها من قبل، ولن تأتي بمثلها فيما بعد. إذ كنّا نقضي نهارنا الدراسي هاربين من المدرسة؛ واقفين عند الكشك الكائن على أعتاب ناصيتها التي سمَّيناها الصالون.

غالبية أولاد مدرستي كانوا يفتعلون نوشًا من أجل النوش. وكي يظهروا بهيئة الرجال الأشداء، كانوا يُتخِّنون أصواتهم الناعمة، مسقطين بنطلونات الجينز المهلهلة، مصففين شعر الرأس مثل عُرف الديك؛ باعتباره نوع من الطيور المستأنسة التي تُربّى من أجل رهانات المصارعة، باستخدام مثبت شعر ذي رائحة ولمعان ذهبي. تلك القَصّة كانت الدلالة الوحيدة على أصالة وجدعنة ورجولة الفتيان.

كل الديوك، وشلّتي من بينهم، اتفقت ضمنًا على تشغيل موسيقى المهرجانات الشعبية التي خرجت إلى النور من منطقة دار السلام، بأعلى صوت تستطيعه موبايلاتنا الصينية. كما شمل اتفاقنا الدق على أنغام أي مهرجان نسمعه في أي آن؛ أي الرقص عليه بأداء يراه المتفرج وكأن الراقص يضرب نفسه بنفسه. وسط هذه الأجواء نشأت صُحبتي.

لكن ذات مرة، ونحن جالسين القرفصاء في صالوننا على ناصية المدرسة نخمس سجائرنا من ماركة بوسطن، قررنا ألا ننساق وراء إيقاع الصالون اليومي، بكل ما فيه من ديكَّة بنطلوناتها ساقطة بينما هم مسحُّولون شرّ السحلة في الدق على «مهرجان السلام» الصاخب من البداية حتى النهاية. 

لازم حاجة تميّزنا يا جدعان، قُلنا في نَفَس واحد.

عقدنا اجتماعًا على مستوى القمة؛ اهتدت الصحبة في نهايته إلى التمرد على كافة مسارات التميز الاعتيادية، سالفة البيان، مبتكرة شيء خارج عن المألوف، حيث ارتأينا أن تأسيس عصابة سرقة مجلات مصورة من إحدى مكتبات سور الأزبكية، سيُميزنا عما سوانا من شلل الناصية.. هكذا سيطرت تلك الفكرة على تفكيرنا.

وضعنا خطة لا تَخر منها المياه أبدًا، محسوبة بالورقة والقلم والمسطرة. شخصان يُلهيان بائع المكتبة الذي سينشغل بهما دون ريب. ما يتيح فرصة إلى ثالثنا لنشل مجلة أو أكثر، «اللي يجي في إيدينا» كما قال فرد من العصابة. ثم إدخالها في شنطة ظهره المدرسية. ومَنْ سيُشتتا صاحب المكتبة؛ لا بُد من ظهورهما أمامه وكأنهما لا يعرفان الثالث، ولّا حتى بعضهما. سنتسلل الواحد تلو الآخر بين ازدحام الناس. وكأننا قراء عاديون؛ سنمسك إحدى المجلات، سائلين عن سعرها.

جميعنا أدّينا ذات الخطوات، خطوة بعد أخرى.

مخططات سرقتنا للمجلات المصورة من المكتبات تمت بكفاءة اللاعبين الموهوبين بالفطرة. مما دفعنا لتكرارها. وجاءت تلك السرقات أو أفعالنا الصبيانية؛ بمنطق استعراض قوتنا تجاه المكتبة بشكل جريء وعبثي، ليس إلا. فقد كان مصروفنا اليومي الذي نأخذه من آبائنا يسمح لنا -إن أردنا- بشراء ما نودّ شراءه

لكننا فضّلنا التباهي بما فعلناه من إثارة، مغامرة، ومكسب مادي؛ قائلين: معانا حكاية يا جدعان. كي نحدث جدل صالونات فيسأل أحدهم: إيه الكلام، هكذا نبدأ حكي سرقتنا جملة وتفصيلًا على الناصية. على عكس عشاق النوش، كنّا عشاق حكايات. حكيناها بتلقائية فجّة مضحكة تدمج الآخر الذي يسمع، ربما عكس الذي يقرأ الآن، مع مشهد سريالي يرسم كل أفراد العصابة أثناء تنفيذ الخطة. وكنا نشير لأداء الواحد منّا بصورة نقدية ترصد أخطاء الحركة والكلام والملاغيّة. بالتالي، اللقطات المميزة كانت فخر صاحبها.

ولم نكن نعلم أن ما بدايته كفتة، بالضرورة، نهايته سيخ.

***

ظلت عصابتنا ملتزمة بالخطة التي وضعناها ليومين. وفي الثالث لم تَدُم حكايتنا؛ إذ خرق أحدنا مبادئ سرقتنا المُنظّمة. 

كنا متفقين على أن صاحبَي سيُغرقان الرجل الستيني، مالك المكتبة، في أمواج أسئلتهما السعرية، شرط ألا تنتهِ. لكن أحدهما، بدلًا من أن يلتزم بتعليمات الخطة، ويؤديها بحذافيرها ودّ أن يأخذ دور النشّال الذي سيخفي المجلات بصنعة لطافة في شنطة ظهره.

وبسبب لهوجة صاحبي وقلة رزانته ثارت ريبة مالك المكتبة. فأدار لنا ظهره، عدة ثوانٍ، وكأنه يرتب شيئًا ما داخل مكتبته. ثم استدار إلينا فجأة مثل أسد ينقض على فريسته. دا انتوا مخولتوا نفوخي.. واحد من هنا دي بكام، وواحد من هنا دي بكام.. انتوا شوية كلاب ولاد كلب حرامية، قال البائع في أثناء إمساكه بصاحبي ذاك بيمناه، وتلابيبي بيسراه، فيما ركض ثالثنا عملًا بقاعدة «الجري نُص الجدعنة».

ثم أضاف، والغضب يقدح من عينيه، حينما أراد أحد العابرين صدفة إنقاذنا من براثنه؛ أن عقب مراجعته بضاعته، أمس، وأول أمس، اكتشف غياب مجلات كثيرة، في إشارة إلى أن عصابتنا هي مَن سرقتها.

***

أدرك كاتب السطور مع استدارة البائع الماكرة أننا كُشفنا. والحق أقول، ربما لم نكن موهوبين من البداية. فنحن لم نُدرك أن البائع كان منقوعًا في مياه العفاريت. 

ويجب الاعتراف أن إلغاء الخطة لم يكن باستطاعتنا، فإن دفعت الرياح طواحين الهواء، فهل باليد حيلة؟ لقد استطاع البائع أن ينصب لنا فخًا محكمًا، بصنعة العارف بما يدور من أمور داخل الصدور. ورغم أنني منذ الصغر كنتُ متكلمًا ومتفلسفًا إلى حد بعيد، إلا أنني التزمتُ الصمت من هول قبضته والورطة.

وكي لا نُسلّم إلى شرطة الأزبكية؛ اشتركت مع زميلي في ثمن مجلة واحدة، بعدما أعطى أحد أبناء الحلال مبلغًا -لم أعرف قيمته- إلى الرجل حتى تهدأ سورة غضبه. إذ كان منظرنا بين أنيابه لا يسر عدوًا أو حبيبًا. وحين لم يتبقَّ مع أيًّ منّا جنيهًا واحدًا، عدنا إلى ناصية مدرستنا مشيًا على الأقدام. 

ونشلتُنا الأخيرة تلك لم نحكِها كعادتنا في الصالون، من أجل ألا نتميّز بالمصير الأسود الذي انتهينا إليه. لكنني أحكيها الآن، بعد كل هذه السنين، لعلها تصبح دليلًا أو عِبرة لكل الذين يبحثون عن حكاية وإن كانت بالضالين. 

وسلام.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن