تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
«تلات ستات»: عن تصوراتهما عنهن 

«تلات ستات»: عن تصوراتهما عنهن 

كتابة: مي المغربي 5 دقيقة قراءة
تصميم مهرة شرارة

هذا النص ضمن العدد #01 من «مُنتهى الأدب».

-1-

يحسب لـ«تلات ستات» عدم تلميحه بأي شكل من الأشكال إلى أن العمل بالجنس هو مرض اجتماعي ويجب مقاومته بخلاف الكثير من الأدبيات التي اشتبكت مع هكذا ملف، نجح الكتاب في الابتعاد عن أي لغة توصم بطلاته المشتغلات في الجنس. لكن في نفس الوقت اختزل الكتاب حياتهن وتجاربهن في العمل بالجنس فقط، كما جرى اختزالهن في بيوت الدعارة والمجتمع كأداة جنسية. كأن لا أبعاد أخرى يمكن رؤيتها سوى الجنس وأجساد النساء، سواء من زاوية القواد أو/و متلقي الخدمة، أو من عدسة المثقف أو الباحث.

لا نعرف على أي أساس جرى اختيار عينة البحث، وما هو الهم أو الأسئلة التي حفزت كاتبا «تلات ستات» وطاردتهما لفتح ملف العاملات بالجنس. لكن نعرف أنهما شُغلا -كأداة أولية للاختيار- بمقدار ما تكسبه العاملات في الجنس. ففي المقدمة، يخبرانا «بعض مَن قابلناهن لم يتعد دخلهن في أفضل الأحوال بضعة آلاف الجنيهات شهريًا، والبعض الآخر يتحصلن على هذا المقابل من زبون واحد.» نجد أن العريان وسعيد أعطونا «هِنتًا» بسيطًا عن سبب اختيار بطلات كتابهما، أن اختيارهن كان سريعًا، وأنهن فقيرات جدًا، ومثلن ثلاثة نماذج مختلفة من حيث السن.

caption

-2-

المرأة التي تعمل في الجنس التجاري، هي على الهامش وغير مسموح لها سوى أن تكون على الهامش، لكن لديها القدرة على الدخول والخروج للمركز، فقط لتخدمه. والمركز هنا هو الطبقات الاجتماعية والاقتصادية لمتلقي الخدمة/ الجنس. 

في الثلاث قصص انتظرت الاطلاع على انطباعاتهن عن عالمهن، وعالم الآخر الذي يزورهن ساعة أو تزوره ساعة. لكن ما وجدته هو انطباعات النساء عن مقدار المال الذي يتلقونه، وعن أجساد الرجال وأجسادهن التي يحضّروها من أجل الرجال. 

 في المقدمة، يصف الصحفيان كم كان صعبًا العمل مع دفاعهن المتكرر عن سبب اشتغالهن بالجنس التجاري. وأنه أيضًا كان من الصعب عليهن التحدث لأنهن «اضطررن لاستجرار صدمات عشنها من عقود زمنية والتمعن فيها بأم العين، حد أن بعض المواقف كن يدركن معناها في اللحظة التي يروين فيها تفاصيلها» رغم وعيهما، ومحاولتهما لتفادي الدفاعية، لكن حدث انزلاق، وتم التركيز بشكل كبير على علاقتهن مع أهلهن والبيئة الفقيرة أو بيئة الحرمان التي أتين منها،كمبرر لعملهن في الجنس التجاري. وهي المبررات التي يتم قراءة وتفكيك سلوك البشر -خاصة النساء العاملات بالجنس أو/و المجرمين- عبرها.

حتى أننا لا نقف كثيرًا داخل اللحظة التي قررن فيها وبإرادة حرة الاستمرار كعاملات جنس، أو اللحظة التي قررن فيها بإرادة حرة أيضًا أن يهربن من هذا العالم، لأن هذا ضد منهج التبرير الذي سيقدم للقارىء.

-3-

caption

مثلًا نعرف أن انشراح أم، ومنة ابنتها غالبًا تعرف تاريخها. أيضًا مثلها عفاف التي عرف عيالها الشبان بتاريخها الجنسي ولكن لم يصدقوا، وسمرا كانت على وشك أن تكون أمًا بل هي أكثرهن كلامًا عن الأمومة. لماذا لم نقف أمام لقطة الأمومة سوى بالصعبنيات؟ هل ليس من حقهن التعبير عن تصوارتهن عن الأمومة أو التحدث عن كيف اجتهدن ليصبحن أمهات مختلفات عن أمهاتهن؟ أو كيف رغم حياتهن المهددة والعنيفة حرصن على وجود عيال وتكوين أسرة؟

خط الأمومة مهدر، خصوصًا ونحن نقابلهن كأمهات، ونقابل أمهاتهن. رغم أن تحدث عاملة بالجنس عن أمومتها متسق نظريًا مع منهجية التعاطف والدفاع الذي انزلق فيها الكتاب، إلا أن الدخول فيه يحتاج شجاعة لأن الكتاب سيصطدم لا محالة مع نمط الأمومة الضيق، والمقبول اجتماعيًا. ولكن أليس هذا ما يحاول الكتاب تصديره؛ وهو أنهن آدميات، لكن الدنيا جارت عليهن بسبب الفقر، وبسبب هذا الفقر تم اختيارهن للكلام عن حياتهن؟

نجد الأمومة في الكتاب لتؤكد خطاب التروما/ الصدمات النفسية التي تجعلنا بلا إرادة لنختار الطرق الخطرة في الحياة، وهذا الخطاب يقابله أو بديله القديم خطاب الجوع والحرمان في الأدبيات التي تم تأكيدها في زمنها كمبرر عاطفي/عقلاني للعمل في الجنس. مثل صدمتنا وتألمنا من عملية الختان التي تعرضت لها انشراح، ليس فقط بسبب قسوة الختان، إنما لأن أمها تنتقم منها؛ فانشراح وهي طفلة أخبرت العائلة بخيانة أمها لأبيها. فكأن الأم تحاول حرمانها من المتعة التي حرمتها منها انشراح الطفلة، بعد أن فضحتها، وكأن انشراح بعدما كبرت تتحدى هذا الحرمان من حب أمها والختان بالغرق في علاقات جنسية بحثًا عن الحب والقبول. لكن ظهور منة  -ابنة انشراح- الخفيف يجعلنا نلاحظ أن انشراح أم صديقة لبنتها، وأم حامية لها من بطش الأب البخيل. أيضًا، نتألم مع سمرا وهي تبتلع شريط ترامادول لتسقط بنتها حتى لا تعيش مثلها، بل تستمر في زيارة قبر ابنتها لتعتذر وتشرح لها لماذا لم تتمسك بها، ولماذا تخلت عن فكرة الأمومة.

-4-

كان هناك تداعي وبوح من سمرا وعفاف وانشراح، ويجعلك متحمس لدخول عالمهن بشكل أكثر اتساعًا. لكن السرد كان يوجهنا ناحية نقطة واحدة فقط: خبرات العمل في الجنس التجاري، وهو ما يضمن تعاطف القارئ وعدم وجود أسئلة، بل أنه يقترب من الأدب، وهذا يحيلنا إلى اللغة الرصينة المليئة بالمجازات التي استُخدمت لرمسنة الأحداث، دون أن نشعر أن علينا طرح أسئلة.

وعلى الرغم من ذلك انتظرت طويلًا لغة وتعبيرات وتلعثمات تخص هذا العالم، لغة نحاول تفكيكها. بل كان حضور اللغة الأدبية طاغيًا، ليخفي أكثر مما يترك فسحة للخيال، أو يشتبك مع شيء صعب أن نكتبه بلغة تقريرية، خصوصًا في قصتي سمرا وانشراح اللتين كتبهما العريان. تغيب اللغة الأدبية في قصة عفاف التي كتبها سعيد وتبرز أكثر القسوة والتفكك العائلي بشكل صادم في قصة عفاف التي يُحسب لكاتبها إضفاء حركة حيوية فيها خارج إطار ممارسة الجنس، فنجدها تتحرك بين طرقة عمارتها وهي صغيرة، وفي مشاغل الخياطة ومسارح ومقاهي وسط البلد، وفي ليبيا، وعلى الحدود.

لكن رغم ذلك نلاحظ أن سمرا وانشراح قُدمت لهما مبررات بلغة رصينة ورومانسية، ولكن عفاف التي عرفنا تاريخ شجرة عائلتها «النجس» -حسب وصفها- جرى تركيز المبرر على انحلال أخلاق العائلة والترومات التي تلقتها عفاف بسبب هذا الانحلال، كبُعد كاف للبكاء على عفاف.

هل اختيار اللغة الأدبية كان مهمًا؟ نعم، لاجترار التعاطف. قصص «التلات ستات» فيها قدر كبير من الكلاشيه كما في قصة أي عاملة في الجنس تظهر في أفلام الثمانينيات، وفيها صدمات أيضًا. لكن هل الصدمات يجب أن توجع قلبي، وتجعلني أبكي لكي أتفهم ما مررن به و/أو احترمهن؟ هل هن فقط عبارة عن أجساد بندولية تتأرجح بين التعاطف والاشمئزاز، أو بين التشريح النفساني والقانوني بسبب عملهن؟

كل ذلك يخبرنا أن الكتاب موجه للذين لا يرون في العاملات بالجنس أي ملمح للآدمية، ولمحبي تجديد المبرر المتماسك بل والموجع حتى لا يرمونهن بحجر.

لقراءة اشتباك آخر مع الكتاب ضمن العدد نفسه من «مُنتهى الأدب» اضغط هنا.

عن الكاتب

مي المغربي

كاتبة وصحافية من مصر. تخرّجت في كلية الآداب من جامعة الإسكندرية - قسم علم نفس عام 2019، وتفرّغت للكتابة بعد عملها لعامين كأخصائية نفسية. كتبت عددًا من المقالات والنصوص والحوارات…

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن