تعيين «معلمي الحصة».. فرصة استقرار تهددها شروط المسابقة
حين أعلنت وزارة التربية والتعليم، الشهر الماضي، عن سلسلة جديدة من مسابقات تعيين معلمين مساعدين، أدرك أمين*، معلم الرياضيات الشاب المتخرج حديثًا، والذي يعمل بنظام الحصة في إحدى المدارس الحكومية بمحافظة بني سويف، أن فرصته في الحصول على عقد دائم تتلاشى.
إلى جانب عمله ذي الأجر الزهيد، كان أمين يدرس للحصول على دبلوم التأهيل التربوي، مثل آلاف من معلمي الحصة، على أمل أن تؤهلهم الشهادة للمشاركة في مسابقة التعيين التي طال انتظارها.
لكن عندما أُعلنت شروط المسابقة، اكتشف أن أحدها يحرمه حتى من فرصة التقدم لوظيفة بدوام كامل في مدرسة حكومية، لأنه كان لا يزال يؤدي امتحانات الدبلوم، في حين تشترط لمسابقة الحصول على شهادة إتمامها. «أنا امتحاناتي هتخلص يوم 3 يوليو، وآخر موعد للتقديم يوم 5. وكيل الكلية هيرضى يطلع لي النتيجة في الوقت ده إزاي؟»، قال أمين حينها لـ«مدى مصر»، مضيفًا: «كده المسابقة راحت عليّ، وأنا مستحمل سنة كاملة بدي حصص بـ40 جنيه، وأنا فاتح بيت».
أمين ليس حالة فردية؛ هناك عشرات الآلاف من معلمي الحصة ممن واجهوا العقبة ذاتها، ووجدوا أنفسهم عاجزين عن التقديم، ضمن آخرين منعتهم عقبات مختلفة.
في ظل تجميد التعيينات الحكومية منذ جائحة كورونا، استجابة للقيود المفروضة على الموازنة العامة، لجأت وزارة التربية والتعليم إلى سد العجز في أعداد المدرسين بدوام كامل في المدارس الابتدائية والإعدادية والثانوية، والذي يُقدر بنحو 470 ألف معلم، عبر التوسع في الاستعانة بمعلمين بعقود نظام الحصة.
ومنذ اعتماد هذا النظام في 2020، شهد عدد المتقدمين له تزايدًا مطردًا، وصولًا إلى تعيين 50 ألف معلم بنظام الحصة على مستوى الجمهورية، خلال السنة الدراسية الماضية، غير أن هشاشة أوضاع مدرسي الحصة، بما يشمل تدني الأجور، وساعات العمل غير المدفوعة، وانعدام الأمان الوظيفي، دفعت الكثيرين إلى تعليق آمال كبيرة على المسابقات الحكومية بحثًا عن قدر من الاستقرار.
وفي ظل خطاب رسمي عن اعترافها بجهود معلمي الحصة وخبراتهم، وافقت الحكومة، العام الماضي، على تنظيم مسابقات لتعيين مدرسي الحصة كمدرسين مساعدين، منفصلة عن مسابقات تعيين 30 ألف معلم سنويًا، التي بدأت مع إعلان رئاسي في 2022 بتعيين 150 ألف معلم خلال خمس سنوات، غير أن جروبات المعلمين على وسائل التواصل الاجتماعي غصّت بموجات من الغضب بعد الإعلان عن شروط تلك المسابقات، التي اعتبروا بعضها غير واقعي وطالبوا بتخفيفه.
في أواخر يونيو، تدخل النائب عبد المنعم إمام نيابة عن معلمي الحصة، وتقدم بطلب إحاطة إلى وزارة التربية والتعليم ورئيس الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، الجهة المنظمة للمسابقة، طالب فيه بإعادة النظر في شرط تقديم شهادة الدبلوم، بينما طالب المعلمون بقبول إثبات القيد في الدبلوم كبديل للشهادة، في حين لم تصدر الوزارة حتى اللحظة أي رد رسمي أو قرار واضح بشأن هذه المطالب.
كما طالبت المناشدات بإتاحة فرصة التعيين أمام جميع معلمي الحصة، في ظل قصر الوظائف المتاحة ضمن المسابقات المتتالية التي أُعلنت خلال يونيو، على معلمي المواد الأساسية فقط؛ اللغة العربية والرياضيات واللغة الإنجليزية والعلوم والدراسات الاجتماعية، مع إقصاء مواد سبق وطُلب مدرسوها للتعيين في مسابقة سابقة، مثل: التربية الدينية ومواد الأنشطة: التربية الرياضية والموسيقى.
وفي حين طلبت مسابقات يونيو معلمين ابتدائي وإعدادي فقط، اعتبر معلمو الحصة لمواد مثل الفلسفة وعلم النفس والجيولوجيا، أن استبعادهم من المطلوبين في مسابقات التعيين، بعد استبعاد موادهم من منهج الثانوية العامة العام المقبل، بمثابة إمعان في التهميش بعد سنوات من العمل في المنظومة التعليمية.
كذلك استُبعد من المسابقة المعلمون الأكبر سنًا، ممن تجاوزوا 45 عامًا، والذين شددوا، عبر عدة بيانات، على أحقيتهم في التعيين بعقود دائمة، بالنظر إلى سنوات خبرتهم الطويلة وعملهم في ظروف هشة، مطالبين المسؤولين، وعلى رأسهم وزير التربية والتعليم، بـ«رد الجميل»، في ظل استجابة سابقة من الوزارة، في مايو الماضي، رفعت سن قبول معلمي الحصة في وظيفة معلم مساعد من 35 و40 إلى 45 عامًا، تقديرًا «لدورهم المهم في سد العجز في صفوف المعلمين خلال الفترات الماضية».
في أحد بياناتهم، ذكّر المعلمون أن شريحة واسعة منهم تنتمي إلى الجيل الذي تضرر من قرار عام 1998، حين ألغت الدولة نظام التكليف الذي كان يضمن تعيين خريجي كليات التربية تلقائيًا في المدارس الحكومية. وكان رئيس الوزراء الأسبق، كمال الجنزوري، برر القرار حينها بأن الموازنة العامة لم تعد تتحمل تكلفة التعيينات.
وبعد ما يقرب من ثلاثة عقود على هذا القرار، تعكس أوضاع معلمي الحصة اليوم تدهورًا كبيرًا في الاستقرار الوظيفي.
أسماء*، معلمة رياضيات تعمل بنظام الحصة منذ أربع سنوات وتقدمت للمسابقة الأخيرة، قالت لـ«مدى مصر»: «أول ما اشتغلنا في 2022، كانوا بيحسبولنا الحصة بـ20 جنيه. بس بعد الخصومات وكده، كانت بتنزل لـ14 جنيه»، مشيرةً إلى أن صرف الأجور حينها كان يتم مرة واحدة في نهاية كل فصل دراسي. «السنة دي الوضع اختلف شوية، وبقينا نقبض شهريًا.. مش شهريًا قوي، بس بنقبض شهر بشهر يعني، والحصة زادت لـ50 جنيه، وبعد الخصومات وكدا، بتتحسب لنا 37.5 جنيه».
كان مجلس الوزراء أقر هذه الزيادة في أغسطس من العام الماضي، والتي وصفها نقيب المعلمين حينها بـ«خطوة جيدة في تقدير جهود المعلمين [بالحصة]».
لكن بالنسبة لأمين، لا تعني هذه الزيادة الكثير في ظل احتياجاته المعيشية. «القبض قليل. يعني أنا حد فاتح بيت وياخد 40 جنيه في الحصة؟ 40 إيه؟ ما تعملش حاجة يعني»، قال، مشيرًا كذلك إلى تأخر صرف المرتبات كأحد أبرز عوامل انعدام الاستقرار في العمل، «مرتب أبريل ممكن تقبضه في يونيو. كده كده هناخده، بس بيتأخر».
بسبب تلك الأوضاع، لا يستطيع أمين الاعتماد على عمله كمعلم فقط، فيضطر لإعطاء دروس خصوصية مساءً، وأحيانًا يعمل في الزراعة.
مشكلة أخرى تواجه معلمي الحصة، هي الحصص غير المدفوعة، إذ أشارت أسماء إلى أن عدد الحصص التي يُكلف بها المعلم أسبوعيًا يعتمد على حجم العجز في كل مدرسة، رغم أن الجدول الرسمي يحدد سقفًا أقصاه 20 حصة أسبوعيًا، ولا تدفع المدرسة مقابل أي حصص إضافية. «بنشتغل أكتر فعليًا»، قالت، مضيفة: «أنا السنة دي كان جدولي 24 حصة في الأسبوع، يعني 96 حصة في الشهر»، إلا أن مرتبها كان لـ80 حصة فقط.
كما تحدث أمين أيضًا عن حصص «تطوعية» يُجبر المعلمون على إعطائها دون مقابل، رغم أنها في الحقيقة جزء من التزاماتهم المفروضة بموجب الاتفاق مع المدرسة.
وتزداد هشاشة أوضاع معلمي الحصة بسبب حرمانهم من الأجر خلال الإجازات الرسمية، على عكس زملائهم المعينين بعقود دائمة في القطاع الحكومي. فرغم أن متوسط رواتبهم الشهرية يقدر بنحو ثلاثة آلاف جنيه، فإن هذا الرقم قد يتراجع بشكل ملحوظ في الأشهر التي تتخللها عطلات رسمية.
«لو فيه مثلًا أجازة رسمية في الدولة، موظفين الحكومة طبعًا يتحسب لهم يوم لأنه أجازة»، قال أمين، «لكن إحنا لأ. جيت يومك؛ تاخده، ما جيتش؛ لأ ده مخصوم لك».
في ظل تلك الأوضاع الصعبة، يرى معلمو الحصة أن الحل هو التعيين بعقود دائمة. وهو الطرح الذي أيّده أمين صندوق نقابة المعلمين في الجيزة، كمال عبد الله، مؤكدًا أن التعاقد الكامل لا يصب فقط في مصلحة المعلمين، بل في مصلحة العملية التعليمية ككل.
بحسب عبد الله، وهو مدير إحدى المدارس الخاصة، فإن منح معلمي الحصة عقودًا دائمة من شأنه تحسين جودة التعليم للطلاب، نظرًا للدور الأساسي الذي يقومون به في مواجهة النقص الحاد في أعداد المعلمين. فمن غير عدد كافٍ من المعلمين تتحول الفصول المزدحمة بدون مدرس إلى فوضى، «والعيال في الآخر بتبقى مش فاهمة حاجة»، يقول لـ«مدى مصر».
كما يرى معلمو الحصة أن التثبيت بمثابة «تعويض» عن سنوات طويلة قضوها في العمل تحت ظروف صعبة، دون أمان وظيفي أو دخل مستقر، وهو ما كان حافزًا لاستمرارهم في مطالبة الحكومة على مدار سنوات مضت، بمنحهم عقودًا دائمة مباشرة، بدلًا من إجبارهم على الدخول في مسابقات التوظيف السنوية، التي باتت وزارة التربية والتعليم تعتمد عليها لسد العجز.
وبدأ اعتماد الوزارة على هذا النموذج في 2019، حين أطلقت الدولة خطة للتوظيف عبر المسابقات، توالت بعدها مبادرات عدة، من بينها مبادرة عام 2022 التي تهدف إلى تعيين 150 ألف معلم على مدى خمس سنوات، لسد العجز في معلمي رياض الأطفال والمرحلة الابتدائية.
لكن الخطة تعرضت لانتقادات واسعة من جانب المعلمين من مختلف الفئات، بسبب طبيعة تلك المسابقات ومعايير القبول فيها، وأعرب كثيرون عن اعتراضهم على اشتراطات مثل اختبارات اللياقة البدنية و«كشف الهيئة» في الكلية الحربية، واصفين هذه المعايير بأنها غامضة ومنحازة.
ويأسف عبد الله لكون الدولة لم تتجه حتى الآن إلى أبسط حل. «المشاكل جاية من كل حتة، لكن علاج الموضوع ده هو التعيين. عيّن المدرس والتعيين هيدي له خبرة و يدي له وضع»، يقول.
*أسماء مستعارة
تقارير ذات صلة
بين القذائف والأقلام.. صراع آخر يخوضه طُلاب غزة لأجل التعليم
لموا الكراريس.. التعليم مجال آخر للمعاناة في غزة
يعني إيه الـUSAID يقف في مصر؟
نلقي نظرة سريعة على بعض آثار القرارات التنفيذية التي أخذها ترامب لتقليص المعونة الأمريكية على مصر
الوعود الإنشائية في الخطة الحكومية
وصفت اللجنة البرلمانية البرنامج بأنه جاء متضمنًا «المحددات العامة لأية برامج حكومية».
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن