تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
تعديلات «الضرائب العقارية».. استهداف «العدالة» لا يعرف «الجهات السيادية» ولا «أسعار السوق»

تعديلات «الضرائب العقارية».. استهداف «العدالة» لا يعرف «الجهات السيادية» ولا «أسعار السوق»

كتابة: بيسان كساب 10 دقيقة قراءة
وزير المالية أحمد كجوك

استهداف أكفأ لمناطق تركز الثروة العقارية، دون تعديلات جذرية تثير حفيظة أصحاب الثروات الكبيرة، هذا هو ملخص تعديلات قانون الضريبة العقارية المقترحة من الحكومة، التي كان أبرز ما تضمنته، إلزام إدارات المجتمعات العمرانية المسوّرة «الكومباوند» بتقديم بيانات الثروة العقارية التي تضمها، لزيادة الحصيلة الضريبية منها، مع تسهيل إجراءات السداد.

غير أن ما جعل التعديلات بمثابة خطوة مترددة في اتجاه العدالة، كان تجاهلها التعامل مع مشكلات أساسية في القانون القائم، مثل الحد الأقصى الحالي لإعادة تقييم العقارات من أجل تقدير الضريبة عليها، والذي لا يعكس الواقع الفعلي لارتفاع أسعار العقارات، وكذلك الإعفاء من الضريبة الساري على ممتلكات الدولة الخاصة، وعلى رأسها ملكية القوات المسلحة.

وبينما سبق وأكد مسؤول حكومي بارز لـ«مدى مصر»، في أبريل الماضي، أن الحكومة تعمل على إصدار تعديل تشريعي يضمن ارتفاعًا كبيرًا في الحصيلة المتوقعة من الضرائب العقارية، يناقش مجلس الشيوخ حاليًا مشروع قانون حكومي، بتعديلات على قانون الضريبة على العقارات المبنية، 196 لسنة 2008، بلغت 12 تعديلًا، وافق «الشيوخ» عليها مبدئيًا، فيما تنتظر الموافقة النهائية استكمال المناقشة خلال الأسبوع المقبل، حين يعود المجلس للانعقاد في 18 يناير الجاري.

وانصب أغلب التعديلات على تيسير عمليتي السداد، والطعن على التقدير والحصر، مع السماح بحالات إضافية لإسقاط الضريبة، بجانب رفع حد إعفاء المسكن الخاص، ليصل إلى 50 ألف جنيه سنويًا كقيمة إيجارية، بدلًا من 24 ألف جنيه حاليًا، وهو الحد الذي أصر نواب المجلس على رفعه إلى 100 ألف جنيه، رغم اعتراض وزير المالية.

في صدارة تلك التعديلات الحكومية، ألزمت المادة 14 إدارات القرى والمنتجعات السياحية، والمجمعات السكنية، بتقديم بيان لمأمورية الضرائب العقارية المختصة، بأسماء أصحاب الحق في ملكية العقارات الخاضعة لأحكام هذا القانون، الكائنة في تلك القرى والمنتجعات والمجمعات، أو أصحاب حق الانتفاع بها أو استغلالها، والرقم القومي لكل منهم، ومحل إقامته، ومساحة كل عقار، وأية بيانات أخرى تحددها اللائحة التنفيذية.

بخلاف إدارات تلك المجتمعات والقرى، ألزمت المادة شركات الكهرباء، والمياه والصرف الصحي، والغاز الطبيعي، ووحدات الإدارة المحلية وغيرها من الجهات الحكومية والهيئات العامة، «بموافاة المصلحة بالبيانات والمستندات التي تطلبها لإجراء حصر العقارات الخاضعة لأحكام هذا القانون وتقدير قيمتها الإيجارية التي تتخذ أساسا لحساب الضريبة».

مصدر برلماني مقرب من وزارة المالية أوضح لـ«مدى مصر» بعدما طلب عدم ذكر اسمه، أن استهداف الإيرادات من الكومباوندات كان أولوية أساسية في إعداد الحكومة لهذا التعديل التشريعي، فيما رأى مصدر بارز في «المالية»، مرتبط بالضرائب مباشرة، أن إلزام إدارات تلك التجمعات بتقديم البيانات العقارية، هدفه محاولة التغلب على أزمة نقص العمالة في مصلحة الضرائب العقارية، وارتفاع متوسط أعمار العاملين فيها، وما تنتجه من ضعف إمكانيات حصر وتقدير الثروة العقارية، والذي يفسر جانبًا هامًا من تدني حصيلة الضريبة العقارية عمومًا في مصر، حسبما قال المصدر لـ«مدى مصر»، بعدما طلب بدوره عدم ذكر اسمه.

وتستهدف الحكومة زيادة لافتة في حصيلة الضريبة العقارية خلال السنة المالية الجارية مقارنة بالسنوات السابقة، تصل لـ128% من مستهدف السنة المالية الماضية، وهو ما يظهره الشكل التالي، الذي يستعرض إيرادات الضريبة العقارية خلال خمس سنوات. 

تطور الإيرادات من الضرائب العقارية

حصيلة الضرائب العقارية المتوقعة في السنة المالية الجارية، بقيمة 18 مليار جنيه، تشمل عشرة مليارات تمثل ثمرة إصلاحات ضريبية في تلك الضريبة، حسبما يوضح تقرير المراجعة الرابعة لاتفاق الحكومة مع صندوق النقد الدولي، والذي يكشف أيضًا أن تلك الحصيلة الإضافية تمثل نحو 5% من إجمالي الحصيلة المتوقعة من قائمة طويلة من الإصلاحات الضريبية عمومًا، والتي تتجاوز 195 مليار جنيه، تمثل 0.98% من  الناتج المحلي.

استهداف التعديلات رفع الحصيلة لا يقتصر على محاولة تحسين آليات الحصر والتقدير، وإنما يشمل إصلاحات إجرائية، على رأسها أن يكون «سداد الضريبة ومقابل التأخير من خلال وسائل الدفع الإلكتروني، وفقا لما يصدر بتنظيمه قرار من الوزير. ويعد إيصال السداد الصادر وفق هذا التنظيم حجة على آداء المبالغ المستحقة»، بنص المادة 23، مع سماح المادة 14 بالتحول لتقديم الإقرارات الضريبية إلكترونيًا.

كان المسؤول الحكومي الذي تحدث مع «مدى مصر» في أبريل الماضي، أشار إلى احتياج الممولين للتوجه لمصلحة الضرائب لسداد الضريبة العقارية، يعد إحدى أبرز الصعوبات الإجرائية التي تعيق الكثيرين عن سدادها.

أما التعديل الأبرز في السياق الإجرائي، فهو نص المادة 27 على «ألا تتجاوز قيمة مقابل التأخير أصل الدين الضريبي المستحق»، والذي «سيدفع الكثيرين لتسديد مقابل تأخير عن الضريبة، لأن النص هنا يضع سقفًا لهذا المقابل» بحسب المصدر البارز، وإن أوضح أن «الاندفاع في تسديد المتأخرات هذه المرة، سواء بسبب التيسير من خلال التسديد بوسائل دفع مميكنة، أو بسبب تخفيض الحد الأقصى لمقابل التأخير، قد يرفع الحصيلة بشكل استثنائي فقط مع تسديد تلك المتأخرات».

الإغراءات الإجرائية في التعديلات شملت أيضًا، في المادة الثالثة، إعفاء «المكلف من الضريبة من مقابل التأخير حال سداده دين الضريبة المستحق عليه حتى اليوم السابق على تاريخ العمل بهذا القانون وذلك خلال ثلاثة أشهر من هذا التاريخ»، مع السماح لوزير المالية بمد هذه المدة مرة واحدة.

غموض مصير إعفاءات القوات المسلحة

بالرغم من صدور قانون إلغاء الإعفاءات من الضرائب والرسوم المقررة لجهات الدولة في الأنشطة الاستثمارية والاقتصادية، رقم 159 لسنة 2023، والمعروف بقانون معالجة التمييز الضريبي بين الجهات التابعة للدولة والكيانات الخاصة، ثم صدور لائحته التنفيذية في فبراير من العام التالي، إلا أن مشروع تعديلات «الضرائب العقارية» لم يتضمن إلغاء الإعفاءات الممنوحة للقوات المسلحة وللملكية الخاصة للدولة.

وينص القانون القائم على إعفاء «أندية وفنادق القوات المسلحة ودور الأسلحة والمجمعات والمراكز الطبية والمستشفيات والعيادات العسكرية والعقارات المبنية في نطاقها وغيرها من الوحدات التي تقترحها هيئة عمليات القوات المسلحة على أن يصدر بتحديدها قرار من وزير الدفاع بالاتفاق مع الوزير المختص، وفي جميع الأحوال لا تخضع أياً من هذه الجهات لأعمال لجان الحصر والتقدير وفقاً لما تقتضيه اعتبارات شؤون الدفاع ومتطلبات الأمن القومي». 

كما ينص القانون على ألا تخضع للضريبة العقارية «العقارات المبنية المملوكة للدولة والمخصصة لغرض ذي نفع عام. وكذا العقارات المبنية المملوكة للدولة ملكية خاصة».

ثلاثة مصادر في «المالية»؛ المصدر البارز في الإدارة الضريبية، وآخر يرتبط عمله بشكل مباشر بإعداد التعديلات الجديدة، وثالث عضو بالمكتب الفني في مصلحة الضرائب العقارية، أجمعوا على أن قانون «الضرائب العقارية» القائم لا يحتاج أن يتضمن النص على إلغاء تلك الإعفاءات ليتماشى مع قانون «معالجة التمييز الضريبي»، لكون الأخير قانونًا خاصًا تجب أحكامه القانون العام، ما يعني أن الإعفاءات الممنوحة للقوات المسلحة والجهات المملوكة للدولة في قانون الضريبة العقارية تعد ملغاة بالفعل منذ صدور قانون معالجة التمييز الضريبي.

ومع ذلك، لم تظهر أية إيرادات من الضرائب العقارية في التقرير الصادر من وزارة المالية في أكتوبر الماضي، عن الضرائب المسددة من الجهات العامة فى إطار الحياد التنافسى، والذي استعرض الإيرادات الضريبية من إسقاط الإعفاءات الممنوحة للجهات العامة، وشمل أنماطًا متعددة من الرسوم والضرائب على جهات الدولة من ضمنها ما أسماها بـ«الجهات السيادية» والقوات المسلحة، والذي صاحبه احتفاء من وزير المالية بترسّيخ مبدأ المساواة أمام القانون وقواعد المنافسة الحرة وتكافؤ الفرص، في ظل التحولات العميقة التي يشهدها الاقتصاد المصري، ضمن توجّه الدولة نحو تحقيق الحياد التنافسي.

المصدر في المكتب الفني قال لـ«مدى مصر» إنه منذ صدور قانون «معالجة التمييز الضريبي»، لم تحصل مصلحة الضرائب العقارية أية ضرائب من تلك الجهات الحكومية أو التابعة للقوات المسلحة، لأن المصلحة «تحتاج للاستفسار حول بعض التفاصيل في ظل حساسية هذا الأمر قبل تطبيقه»، على حد قوله، مضيفًا: «بالفعل أرسلنا للجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع في مجلس الدولة، لطلب تفسيرات معينة حول تفاصيل التطبيق، لكن لم نتلق ردًا حتى الآن، وهو ما جعل التطبيق معلقًا حتى الآن في ما يتعلق بالضرائب العقارية»، دون أن يوضح طبيعة تلك التفاصيل غير الواضحة.

أما المصدر الذي يرتبط عمله بإعداد التعديلات، فأكد بدوره على عدم تحصيل الضرائب العقارية من تلك الجهات الحكومية ومن القوات المسلحة، قائلًا إن وزارة المالية ستبدأ التنسيق مع «تلك الجهات استعدادًا لبدء حصرها، لأن حصرها يعد أمرًا حساسًا»، دون أن يعقب في حديثه لـ«مدى مصر» على ما أشار إليه المصدر السابق، من غياب بعض التفاصيل التي تحتاج تفسيرًا من مجلس الدولة.

نقطة ضعف رئيسية

وفي حين لم تكن هناك حاجة للنص في التعديلات على إلغاء إعفاء القوات المسلحة، حسبما أوضحت المصادر، لكنها تجاهلت كذلك إحدى أبرز نقاط الضعف في القانون القائم، وهي نصه على حد أقصى لزيادة تقدير الوحدات السكنية والتجارية، والذي يجعل تقييم مصلحة الضرائب للعقارات بعيدًا تمامًا عن الأسعار السائدة في السوق، ما يساهم في تدني حصيلة الضرائب العقارية قياسًا إلى الارتفاعات الكبيرة في الأسعار. 

وتنص المادة الخامسة من القانون على أن «لا يجوز أن يترتب على إعادة التقدير الخمسي زيادة القيمة الإيجارية للعقارات المبنية المستعملة في أغراض السكن على (30%) من التقدير الخمسي السابق، وعلى (45%) من التقدير الخمسي السابق بالنسبة للعقارات المبنية المستعملة في غير أغراض السكن». والتقدير الخمسي هو إعادة تقدير قيمة العقارات في العام التالي للحصر العام للعقارات، الذي يجري كل خمس سنوات.

تبعًا للمادة، يفترض أن ترتفع أسعار العقارات بمتوسط سنوي قدره 6% و9% للعقارات السكنية وغير السكنية على الترتيب، وهي النسب التي يرى عضو سابق في المكتب الفني في مصلحة الضرائب العقارية أنها بعيدة تمامًا عن الأسعار الفعلية ومعدلات ارتفاعها في السوق، موضحًا: «في أحيان كثيرة كنا نتمكن من الحصول على عقود فعلية للعقارات، ونضطر للتغاضي عمّا تتضمنه من مؤشرات للأسعار، لأنها تتجاوز الحد الأقصى المسموح لزيادة التقدير»، حسبما قال لـ«مدى مصر».

كمثال على معدلات الزيادة السنوية، يظهر الشكل التالي متوسط الزيادة في أسعار عقارات أحياء عدة مدن في مناطق مختلفة من الجمهورية، خلال 12 شهرًا، بناءً على بيانات محرك البحث في القطاع العقاري «عقار ماب»، والتي يزيد أقلها عن الحد الأقصى القانوني.

الزيادة الفعلية في أسعار عقارات أحياء عدة مدن بالجمهورية خلال 12 شهرًا

يرى المهندس والباحث المعماري، إبراهيم عز الدين، أن النص على حد أقصى لزيادة التقدير بصيغته الحالية، يسمح بتدني الضريبة العقارية على نحو يفصل بين الضريبة وأي دور اجتماعي مفترض لها في ضبط السوق العقاري وعرقلة نشاط اكتناز العقارات، لكونها لا تشكل أي عبء يجبر أصحاب العقارات المغلقة على بيعها أو تأجيرها، خاصة أن الضريبة لا تختلف على الوحدة المطروحة للإيجار والوحدة المغلقة، بعكس تجارب دول أخرى في تخفيف الضريبة على العقارات المطروحة للإيجار، لتشجيع الملاك على تأجير وحداتهم.

بدوره، يعتبر المهندس والباحث العمراني، يحيى شوكت، أن الضريبة بصورتها الحالية «لا تعبر عن فلسفة واضحة، لأنها ليست ضمن سياسة إسكان متكاملة. والدليل تراكم الوحدات المغلقة والارتفاع الكبير في تكلفة الإيجار». ويطرح شوكت فكرة الاستغناء عن الحد الأقصى لإعادة تقدير قيمة العقارات، واستبداله بمؤشر رسمي لقياس الأسعار، تتيحه مصلحة الضرائب العقارية والشهر العقاري معًا، استنادًا لعقود البيع.

وبينما يعتمد تحديد القيمة الإيجارية على جداول مرفقة بالقانون، تربطها بالقيمة السوقية التي تقدرها مصلحة الضرائب، تحتسب الضريبة العقارية بواقع 10% من صافي القيمة الإيجارية السنوية، بعد خصم 30% مصروفات صيانة، ثم خصم حد الإعفاء بالنسبة للسكن الخاص.

فإن قُدرت القيمة الإيجارية السنوية بـ36000 جنيه، يُخصم 30%، ليصبح الصافي 25200، تكون الضريبة عليها 2520 جنيهًا سنويًا إن لم تكن مسكن خاص، أو يخصم حد إعفاء المسكن الخاص، 24 ألف جنيه حاليًا، ليصبح الوعاء الضريبي 1200 جنيه، وقيمة الضريبة 120 جنيهًا سنويًا.

كان قانون الضريبة العقارية صدر عام 2008، ليغطي كل العقارات في أراضي الجمهورية للمرة الأولى، بعد قانون صدر من الخمسينيات كان يغطي العقارات داخل كردونات المدن فقط، وفقًا لخرائط تعود إلى القرن التاسع عشر. وبدأت عمليات الحصر والتقدير طوال 2009 و2010، قبل تعطيل حكومة عصام شرف للقانون عقب ثورة يناير 2011، ليعود العمل به إثر تعديل تشريعي في ديسمبر 2012، على أن يستمر حتى يوليو 2013 الاستناد لتقديرات تعود للفترة ما بين 1991 و2000.

وفي 2014، عُدِّل القانون ليستمر العمل بتقديرات يوليو 2013 حتى 2018، قبل أن تطلب الحكومة في العام المحدد لنهاية العمل بالتقدير، مده حتى 2020، زادها مجلس النواب حتى ديسمبر 2021.

تلك التعديلات أسفرت عن عدم زيادة تقدير عام 2022 إلا بنسبة 30% و45% عن تقدير 2013 بالنسبة للعقارات السكنية وغير السكنية بالترتيب، بالرغم من أن تلك الفترة شهدت تحرير سعر الجنيه في 2016، وهو ما سيتكرر بالالتزام بـ«السقف» في تقدير العام المقبل، رغم تحرير سعر الجنيه مجددًا في 2024، والذي انعكس بشدة على أسعار العقارات.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن