ترشيحاتنا لأهم أفلام الدورة الـ18 لبانوراما الفيلم الأوروبي
من 27 نوفمبر إلى 6 ديسمبر
يتطلّع محبو السينما الأوروبية هذه الأيام إلى انطلاق الدورة الـ18 من بانوراما الفيلم الأوروبي، التي تُقام بين 27 نوفمبر و6 ديسمبر في سينمات زاوية والزمالك ونايل سينما. البانوراما تعود هذا العام بباقة من أحدث الإنتاجات الأوروبية التي نالت تقديرًا واسعًا خلال العام، لتمنح الجمهور فرصة استثنائية لاكتشاف أحدث اتجاهات السينما العالمية ومتابعة أبرز ملامح مشهدها المتجدّد.
هنا نقدم لكم ترشيحاتنا لأبرز أفلام الدورة، لتستعدوا جيدًا وتخطّطوا لجدول مشاهدات ممتع ومتنوع.
إضافة إلى الترشيحات أدناه، نرشح لكم برنامج «إعادة اكتشاف يواكيم تريير» وثلاثيته أوسلو، ويمكنكم قراءة مقالنا عنها هنا.
الأفلام الروائية
«جافاجاي GAVAGAI » (ألمانيا، فرنسا)
إخراج: أولريش كولر

من الشائع جدًا في مهرجانات الأفلام مُصادفة مواقف تحمل العديد من أوجه التشابه مع تلك التي يحكيها أولريش كولر في فيلمه «جافاجاي». في الواقع، قد يعتقد المُشاهد أن المخرج الألماني نفسه ربما استوحى جزئيًا من فيلمه «الشر النائم» (2011)، المصوَّر في إفريقيا. سواء كان هذا مصدر الإلهام أم لا، فإن ما يرويه هنا تجربة ممثليْن، أحدهما ألماني والآخر سنغالي، أثناء التصوير في بلد إفريقي، وفي مهرجانٍ سينمائي ألماني (مهرجان برلين، بالطبع، ولكنه لم يُسمَّ).
يبدأ كل شيء في خضم تصوير نسخة غير عادية من «ميديا»، للمخرجة الفرنسية كارولين ليسكوت (ناتالي ريشارد) في السنغال، وهو فيلم مليء بالصراعات. المخرجة الحادّة والعصبية، التي تبدو مستوحاة من كلير دينيس، من خلال مظهرها وشخصيتها، الموقع الذي تستخدمه، تتجادل مع الجميع، ولكن علاقتها متوتّرة بشكل خاص مع بطلتها، الممثلة الألمانية ماجا تيرفورين (مارين إيجرت)، التي تلعب دور ميديا نفسها والتي يبدو أنها على علاقة سيئة معها في جوّ من العدوانية السلبية.
الضلع الثالث للقصّة، نورو سيسوكو (جان كريستوف فولي)، الممثل الفرنسي السنغالي الذي يلعب دور جيسون، زوج ميديا في هذه التراجيديا الإغريقية، ويحاول تهدئة الأمور لأنه، كما يتضح، مهتم بماجا، التي تمرّ بتجربة بطلاق مؤلمة. بعد نقاشٍ طويل حول نهاية الفيلم، والتي عُدّلت عن الأصل لأسباب غريبة نسبيًا، تنتقل الأحداث إلى برلين، حيث يصل نورو للمشاركة في «المهرجان إياه». بمجرد وصوله، يتعرّض لمعاملة عنصرية من قبل أمن الفندق، وتتدخّل ماجا لمساعدته، رغم إصراره على أن ذلك ليس ضروريًا.
سيركّز «جافاجاي»، منذ ذلك الحين، على العلاقة بينهما، وعلى العرض الإشكالي للفيلم في المهرجان، وعلى بعض المواقف الغريبة الأخرى التي مرّ بها نورو، الذي يُعتبر نجمًا في سياق المهرجان، ولكن بمجرد أن يخطو بضعة أمتار من السجادة الحمراء يُعامل كمهاجر عادي. ستكون هذه المراوحات، والتي ستتضمّن أيضًا مشاهد من الفيلم المصُوّر في السنغال، محور فيلم يقع في مكان واضح وغير مريح في ما يتعلق بتجارب صانعي الأفلام الأوروبيين الذين يصوّرون في دول العالم الثالث، والأفكار المرتبطة بالاستيلاء الثقافي والاستعمار، والارتباك الذي يولّده، والدور الغريب الذي تلعبه مهرجانات الأفلام في هذه الدائرة من المعاني.
نورو مَن يختبر هذا الأمر بنفسه، حيث يصبح الموقف مع حرّاس أمن الفندق معقدًا، بينما على الجانب الآخر كارولين، التي لا تبدو مستعدة لقبول النقد بشأن مكانة منظورها الأوروبي المركزي في فيلم مُصوَّر في قلب إفريقيا. تعيش ماجا، في خضم كلّ هذا، مأساةً شخصيةً بينما تحاول في الوقت نفسه مساعدة نورو بطريقةٍ تنتهي بنتائج عكسية، تُشبه إلى حدٍ ما ما فعله المخرج في إفريقيا. بغموضه وشخصياته التي يصعب تصنيفها كضحايا أو مُعتدين، يُقدم أولريش كولر عملاً مُلتبسًا ومُقلقًا حول تلك الاختلافات غير الواضحة بين الفنّ والواقع، وما نظنّ أننا نعرفه عن العالم لكننا لا نعرفه في الواقع.
مشكلة الفيلم الوحيدة أنه يخصّص وقتًا طويلًا للنسخة المُؤَفلمة من «ميديا»، وهي نسخة سخيفة وعبثية ومضحكة. ربما يُمكن لفيلمٍ ليس بسخافته أن يأخذ فرضية الاستعمار الثقافي التي يسائلها كولر إلى أبعد من ذلك. الطريف في هذه النسخة أنها تحظى بمراجعات وإشادات ممتازة في المهرجان، رغم جلاء أنها أقرب لمهزلة حداثية وكلاسيكية في آنٍ، مزيج من بازوليني وفيلم ملحمي هوليوودي مثل «النمر الأسود».
إذا تحمّلتَ المشاهد الطويلة في هذا الفيلم السيئ عمدًا، فستتمكّن من الانخراط أكثر في غموض العلاقة بين الممثلين، الذين يتمتّعون بحماسة وفضول جنسي يضيفان إلى هذا المزج بين الثقافات والأعراق، مع تجارب نورو في شوارع برلين، والأهمّ، مع المنطق الغريب لمهرجانات الأفلام، خاصةً عندما تدعو أشخاصًا «أصليين» من دول العالم الثالث دون أدنى فكرة عن طبيعة التجربة بالنسبة لهم. بطل الفيلم - فرنسي أكثر منه سنغالي، وهو رجل راقٍ ومثقف - أكثر فضولًا، لأن الكثيرين يعاملونه كمهاجر غير شرعي، وهو أبعد ما يكون عن ذلك. يعمل هذا الفيلم الألماني المزعج والذكي ضمن هذا المزيج من الافتراضات الخاطئة والإشكالية.
«حادث بسيط It Was Just an Accident» (إيران، فرنسا)
إخراج: جعفر بناهي

يُظهر لنا المشهد الأول عائلة تسافر ليلًا بسيارة متهالكة على طريق مليء بالحفر. ينتهي الأمر بأن يدهس السائق إقبال (إبراهيم عزيزي) كلبًا، ما يتسبّب في حزن ابنته الصغيرة. تحتاج السيارة لإصلاح، فيتوجه هو وزوجته والفتاة الصغيرة إلى ورشة ميكانيكي. ولكن في المكان نفسه، يظهر وحيد (وحيد مباسري) الذي يرى في هذا الأبّ ذي الساق الاصطناعية معذّبه خلال فترة سجنه بعد إدانته بمطالبة مادية بسيطة. يتبعهم، وفي اليوم التالي يختطف إقبال. يأخذه إلى أرض خالية وينوي دفنه حيًا في انتقام يائس. لكن الرجل يتوسّل إليه ليُبقيه على قيد الحياة، مُصرًّا على أنه غير مسؤول عن الانتهاكات المُتّهم بها وأن الساق الاصطناعية نتيجة حادث أخير. يتردّد وحيد ويقرّر إحضار إقبال ليتأكّد آخرون ممن قضوا عقوبة في السجن نفسه من أنه هو مَن عذَّبهم. أولهم مُصوِر، يصادف أنه يُصوّر زوجين قبل حفل زفافهما، سيشهد بأنه هو بالفعل «الساق الخشبية»، اللقب الذي كان يُعرف به في السجن.
من هذه البداية، المطبوعة بالمصادفة والحظّ والاندفاع، يكتسب الفيلم كثافة متزايدة، وتقلبات، وأبعادًا جديدة في مناخٍ تشويقي يتضمّن معضلات أخلاقية حول كيفية التعامل مع الماضي عندما يبدو مبدأ العين بالعين هو الخيار الوحيد. بموارد محدودة (يدور جزء كبير من الفيلم في شاحنة، وباستثناء عزيزي، بقية الممثلين غير محترفين)، يبني بناهي حكاية ذات قوة وتأثيرات، تصوّر انحدارًا حقيقيًا في جحيم مجتمع مُفكك (كما تقول إحدى الشخصيات: كلما تعمّقت، غرقت). إنه، بالطبع، فيلم شخصي للغاية، نظرًا لقضاء المخرج نفسه محكومية وتعامله مع سجّانيه عدة مرات، ولكنه به أيضًا العديد من لحظات الفكاهة الجسدية والحوار الحادّ، -الحقيقة أنه فيلم كوميديّ رائع- وهي لحظات تتناغم تمامًا وترفع القصة إلى ما هو أبعد من مجرد التنديد.
في النهاية، يعتبر الفيلم، المتوّج بجائزة السعفة الذهبية بمهرجان كانّ 2025، استكشافًا قاسيًا لمآسٍ وتناقضات وقلاقل تُفسد روح إيران المعاصرة، يرويها فنان فريد وذكي وموهوب، يواصل - بعد أن تحمّل أشدّ الضغوط - الاستجواب والاستفزاز والتأثير.
«صِراط Sirāt » (إسبانيا، فرنسا)
إخراج: أوليفر لاكس

أحدث أفلام المخرج الفرنسي الإسباني أوليفر لاكس، يقدّم رحلة سينمائية تتأرجح بين تأمّل عميق وفوضى عارمة. تدور أحداث الفيلم في الصحراء المغربية، المنطقة نفسها التي صوّر فيها المخرج فيلم «ميموزا» (2016)، حول لويس (سيرجي لوبيز)، أبّ عنيد، وابنه إستيبان، في بحث يائس عن مار، ابنته المفقودة، وسط حفلات صاخبة سرّية.
يبدأ الفيلم كدراما حميمة، ثم يتحوّل تدريجيًا إلى رحلة هلوسة، حيث تتلاشى الحدود بين الجنّة والجحيم تحت آشعة الشمس الحارقة. يبني لاكس سردًا من التناقضات: من جهة، اتساع الصحراء، الذي صوّره ماورو هيرس بكاميرا تتأرجح بين الهدوء والحركة العنيفة، ومن جهة أخرى، حربٌ كامنة، توحي بها عمليات البث الإذاعي والتواجد العسكري المتقطّع. هذه الخلفية المروّعة لا تعمل كسياق فحسب، بل أيضًا كمحفز لأزمة وجودية.
تُحدد الموسيقى التصويرية، المؤلفة من نبضات تكنو، إيقاع هذه الرحلة الغامضة، جامعة نشوة الرقص مع ديستوبيا صوتية. يعبّر هذا الإيقاع عن مجتمع زائل من مُحبي الحفلات الرُحّل Rave، يُجسّده فنانون غير محترفين تمتزج سيرهم الذاتية بالمتخيّل السينمائي. مُوحَّدين بالبقاء والهروب اللحظي من الألم، تُشكّل هذه الشخصيات عائلةً مؤقتةً تعيد تعريف فكرة الانتماء.
يكمن الجوهر العاطفي للفيلم في التوتّر بين الأبطال وهذه المجموعة. يجد لاكس مساحة من الحقيقة هناك، حيث يكون للجسد والصمت وزنٌ أكبر من الكلمات. ورغم معاناة الفيلم من قطيعة شكلية وسردية في ثلثه الأخير، إذ يتخلّى عن نبرته المُنوّمة لينغمس في دوّامة من العنف، الذي، وإن كان فعالًا من حيث التعليق الاجتماعي، إلا أنه يُزعزع استقرار القوس الدرامي الذي بُني حتى تلك النقطة. تحوّل النهاية، المتسمة بوحشية صريحة، تركيز السرد المبدئي: إذ يُهمَّش البحث عن مار لصالح استعارة سياسية عن الهجرة، وتجريد الإنسان من إنسانيته، والأجساد المستعملة.
تقنيًا، «صراط» عمل رائع. تصميم الصوت غامر، والتصوير السينمائي يُحوّل المشهد الطبيعي بطلًا، والمونتاج يُقدّم إيقاعًا مُجزّأ يُعزّز فكرة العبور الذي لا رجعة فيه. إلا أن طموح لاكس لتكثيف فيلم الطريق، والدافع الروحي، والواقعية التسجيلية، والاستعارة السياسية، يخلق احتكاكًا بين الشكل والمضمون.
في الأخير، لا يقدّم الفيلم إجابات قاطعة. هل هو تأمّل في قدرة الإنسان على الصمود أم صورة لانهيار حتمي؟ مثل أمثولة مفتوحة على التاويل، سيستنتج المتفرّج أنه يتحدث عن السعي الروحي، أو التخلص من الأعباء المادية والعاطفية كوسيلة لتبديد القلق الوجودي، أو أيًا كان. مثل إيقاع موسيقى تكنو في نهاية العالم، أو مثل صراط لا تؤمَن نهايته. ربما تكمن قوّته في تلك النقطة العمياء: عمل يتأرجح بين النشوة والهزيمة، كما لو أن كلّ لقطة معلّقة على حافة الهاوية.
«شاعر A poet» (كولومبيا، ألمانيا، السويد)
إخراج: سيمون ميسا سوتو

الفيلم الروائي الثاني للكولومبي سيمون ميسا سوتو الذي يخوض أرضًا خطرة سرديًا، لكن المخرج يعرف كيف يكبح جماح نفسه، فينحرف في اللحظة المناسبة تمامًا لتجنّب الوقوع في هاوية الانغماس في الشفقة والسادية، وبعض الكليشيهات حول انحدار الفنانين المُساء فهمهم إلى الحضيض. وهكذا، ينتهي به الأمر إلى بناء كوميديا سوداء غير مريحة في البداية، لكنها في الوقت نفسه مُحبَّبة ومحبوبة في نهايةٍ تُرضي المتفرّج.
صُوّر «شاعر» بكاميرا 16 ملم، في خيارٍ فنّي واعٍ، ويؤدّي أوسكار ريستريبو (أوبيمار ريوس) دور الخاسر النموذجي: مُطلّق، سكّير، أبّ غائب لابنته المراهقة، يعيش مع والدته المريضة في ميديلين، ولا يملك قرشًا واحدًا في جيبه. هو، بالطبع، شاعرٌ نشر ديوانين وفاز ببعض الجوائز عندما كان شابًا واعدًا. اليوم، يرفض هذا الرجل الخمسيني قبول وظائف ثابتة، ولكنه أيضًا لا يُنتج أعمالًا جديدة. وأخيرًا، ولأن ابنته تستعد للجامعة ويريد مساعدتها ماليًا، تولّى وظيفة مُدرّس في المدرسة الثانوية، حيث التقى بطالبة تُدعى يورلادي (ريبيكا أندرادي) تتمتع بموهبة شعرية غير عادية. أصبح أشبه بعرّابها الأدبي، إلى أن، ومرّة أخرى، كما هو الحال دائمًا في حياته، ينتهي به الأمر إلى ما هو أسوأ بكثير. الحقيقة أنه، ودون الخوض في التفاصيل، سيواجه شكوى بسلوكٍ غير لائق.
يُبدع المخرج في جعلنا نُعجب بهذا الكائن الغريب، هذا الرجل الصغير الباهت الذي يحمل في طيّاته شيئًا محببًا حتى في سلسلة مِحنه المتواصلة. وكما سلف، غالبًا ما يكون الفيلم على بُعد خطوات من الشفقة، لكن لحسن الحظّ، لا يفقد منظوره الإنساني أبدًا حتى عندما يُضطر بطلنا الضدّ النموذجي إلى مواجهة شرور وبؤس الحياة الحضرية المعاصرة وعالم فنّي بائس (عالم الشعراء).
بإنتاج مُلحّ وعميق، مُجرّد من أي حذلقة، ولكنه دائمًا ما يكون عمليًا لما يُريد قوله، ينتهي الأمر بميسا سوتو إلى ابتكار كوميديا مأساوية غنية بالفكاهة السوداء، وقوة استفزازية، وقلب كبير.
«كريستي Christy» (أيرلندا، إنجلترا)
إخراج: برندان كانتي

«كريستي» فيلمٌ صادق لا يُنجَز إلا بمقاربة شخصية. في هذه الحالة، يجسّد الأيرلندي بريندان كانتي، قصّة الحياة في شمال كورك، جنوب أيرلندا. ممثلون من هناك، أطفالٌ بلا خبرة تُذكر. تبدو الشخصيات؛ كريستي نفسه، وشقيقه شين، وزميله تريفور، وستيسي، وتروي؛ أصيلة، لكن مجسّدوها الشباب هم مَن يأسرون الانتباه. مجموعة، إن لم تكن قد أسرت قلبك بالفعل في تترات النهاية، تُبدع أيضًا في الموسيقى معًا في الحياة الواقعية باسم «كابين كرو».
يُعد أول فيلم روائي طويل لكانتي تكملة لفيلمه القصير الذي حمل الاسم نفسه عام 2019، والذي ضمّ طاقم التمثيل نفسه تقريبًا. يوازن كانتي، والكاتب آلان أوجرمان، بين الحياة المنزلية الكئيبة، وحياة الشارع النابضة بالحياة، ودفء الأصدقاء. يتجلّى الشعور بالانتماء للمجتمع بوضوح. هي قصّة عن القبول والتغيير والاعتذار والتسامح. أحيانًا تسير الأمور على ما يرام، وأحيانًا أخرى لا تسير على ما يرام.
لا يكشف الفيلم كل شيء فورًا، لكن الصورة العامّة تتضح تدريجيًا. دون الخوض في تفاصيل كثيرة، يقدّم الفيلم سياقًا كافيًا لفهم الجوانب المقلقة في طفولة كريستي وشين الصعبة. قبل أسابيع قليلة من بلوغ كريستي الثامنة عشرة، طُرد من دار الرعاية واضطر للبحث عن مأوى مع أخيه. شقيقان مفترقان عاشا طفولتين متقلبتين داخل نظام الرعاية الرسمي، وأصبحا فجأة يسكنان البيت ذاته. الآن، عليهما أن يتصالحا مع الماضي ويتخذا قرارات بشأن المستقبل.
المكان، البيئة، الأشخاص، والأحداث؛ كلّ شيء متناسق. قصّة شخصية، وعالمية، متماسكة عن النضج، عن أشخاص يهتمون ببعضهم البعض، وعن أولئك الذين يستغلون الآخرين لمصلحتهم الخاصّة.
«أحلام (جنس، حب) (Dreams Sex, Love)» (النرويج)
إخراج: داج يوهان هاوجيرود

يمكن اعتبار ثلاثية المخرج النرويجي داج يوهان هاوجيرود، التي بدأت أوائل العام 2024 بالجزء الأول، «جنس»، المعروض في قسم بانوراما في مهرجان برلين 2024، وعُرض جزأها الثاني، «حبّ»، في مهرجان فينيسيا 2024، ظاهرة مهرجانية إلى حدّ ما. مطلع العام الحالي جاء دور الجزء الثالث، «أحلام». فيه، يروي هاوجيرود قصة اكتشاف الرغبة الأولى، رغبة يوهان (إيلا أوفيرباي)، وهي مراهقة تفهم معنى الوقوع في الحب، أولًا من خلال القراءة عنه في كتاب، ثم مع وصول معلمة جديدة إلى مدرستها.
ينقسم الفيلم إلى جزأين: الأول يصف عملية انجذاب الشابّة، عبر سجلٍ مكتوب لما يلمّ بها يرويه تعليق صوتي؛ فيما يركّز الثاني على ردود أفعال الكبار، الأمّ والجدّة وأخيراً المعلمة، تجاه ما كتبته الشابة في مذكّراتها.
الفيلم إشكالي في حرفيته. فهو فيلم عن الرغبة، لكنه لا يجرؤ في أي نقطة على التحقيق بدقة في تلك الحدود بين ما هو مرغوب فيه وما حدث، بين ما يختبره المرء وما يلاحظه الآخرون، بين ما يُعرض في الخيال وما يتحقّق بين الأجساد. قرب نهاية الفيلم، هناك مشهد حاسم، حيث تتحدّث الأمّ يوهان مع المعلّمة. هناك، في ما اعتقدته المعلمة أو فهمته أو خبرته، ثمة منطقة غير مؤكدة لاستكشافها، لكن يبدو أن هاوجرود غير مهتم بهذا، لأن ما يُتخيَّل أو يُقترَح مدفون تحت حرفيته.
إجمالاً، عملٌ معقّد ومتعدد الطبقات ولكنه مع ذلك يحتفظ بنظرة سينمائية مثيرة للإعجاب. إنه تأمّل في الفنّ والحياة، وفي الإخلاص والعملية الإبداعية، وهو نتاج مؤلف أدبي يقدّم نفسه للسينما عبر اتحاد حميم بين شكلي الفن.
أبّ أمّ أخت أخّ Father Mother Sister Brother» (أمريكا، أيرلندا، فرنسا)
إخراج: جيم جارموش

يتألفّ الفيلم الجديد لجيم جارموش من ثلاث أفلام مستقلة متوسطة الطول، ويضمّ طاقمًا من الممثلين المحنكين الثِقال، من بينهم آدم درايفر، وكيت بلانشيت، وتوم وايتس، وفيكي كريبس، وشارلوت رامبلينج، ومايم بياليك.
جارموش ليس جديدًا على عالم الأفلام المتسلسلة. ففي 1989، أصدر المخرج القادم من أوهايو فيلم «قطار الغموض»، عبارة عن مجموعة قصصية ثلاثية الأبعاد تجمعها بيئة مشتركة، تمثّلها مدينة ممفيس. وبعد عامين، كرّر جارموش الفكرة نفسها في فيلم «ليلة على الأرض»، الذي توسّع نطاقه ليشمل العالم كلّه، حيث تدور أحداثه في خمس سيارات أجرة في ظُلمة الليل، في خمس مدن رئيسية: لوس أنجلوس، ونيويورك، وباريس، وروما، وهلسنكي. إلى هذه المجموعة البارزة من الدراما الكوميدية المتسلسلة، يُمكن إضافة فيلم «قهوة وسجائر» (2003)، الذي جمع مجموعة من الأفلام القصيرة عن أزواج يتجاذبون أطراف الحديث أمام فنجان قهوة، وهو فيلم أخرجه جارموش منذ العام 1986. وهكذا نصل إلى الحاضر، حيث يُقدم لنا فيلمه المتوّج بجائزة الأسد الذهبي بمهرجان فينيسيا 2025؛ عملٌ ثلاثي جديد، ذو نطاق عالمي أيضًا، ويركّز هذه المرة على عالم العلاقات الأسرية المعقّد.
جارموش من المخرجين الذين صاغوا أسلوبًا مميزًا رافقه منذ بداياته. تشترك جميع شخصياته في هالة من الصمت، وميل إلى الصمت (إلا إذا جسّد أحدها روبرتو بينيني)، وفي كثير من الأحيان، ميل إلى التمرّد والغرابة. علاوة على ذلك، غالبًا ما تمتد أفلامه بفضل وفرة لحظات السكون المبهجة التي تتشارك فيها الشخصيات، في أجواء صامتة، لحظات حميمية غامضة وكاشفة. كلّ هذه السمات، التي تربط جارموش بصانعي أفلام مثل جان فيجو، وجان بيير ميلفيل، وآكي كاوريسماكي، تتجلّى مجددًا في «أبّ، أمّ، أخت، أخّ»، الذي ينحرف أحيانًا عن النموذج المتجوّل والهالة البوهيمية التي ميّزته، ليستكشف، بهدوء وحكمة كبيرين، تباين الألوان في الحياة الأسرية والأجواء المنزلية.
«مدينة لا تنام Sleepless city» (إسبانيا، فرنسا)
إخراج: جييرمو جالوي

قد يبدو فيلم روائي طويل أول بحجم ونطاق ومدى «مدينة بلا نوم» مفاجأة أو اكتشافًا أو كشفًا، ولكنه في الواقع استمرار وتوسّع وتعميق للقضايا الاجتماعية وقصص الحياة التي استكشفها جييرمو جالوي بالفعل في فيلمه القصير «رغم أنه ليل» (2023).
في «مدينة بلا نوم»، يعود أنطونيو فرنانديز جاباري بدور تونينو (أو توني، كما يناديه معظم الناس)، فتى يبلغ من العمر 15 عامًا يعيش مع عائلته الغجرية الكبيرة في لا كانيادا ريال، أكبر مستوطنة غير رسمية في أوروبا، حيث لم يعد هناك كهرباء أو ماء وأصبحت مكبّ نفايات مدريد. وسط جيش من الجرّافات يدمّر المساكن المتداعية، وضغط السلطات المتزايد للانتقال إلى مجمّعات سكنية عامّة أقرب إلى المدينة، مع قدرٍ من الراحة يليق بحياة عصرية، يُبدي جدّ تونينو استعداده لمقاومة الإخلاء حتى الموت.
بدلا من تقديم مواجهة واضحة بين القانون والغجر، يُركّز جييرمو جالوي على إظهار ديناميات المكان (في هذه الروائي طابعٌ تسجيلي قوّي، أو ربما لمسة من الروائية في تعليقه الاجتماعي)، وعلى تسليط الضوء على الاختلافات بين الأجيال: فبينما يُغرى السكّان الأصغر سنًا بالرحيل، يرفض الأكبر التخلّي عن أرضهم. أما الحبكة التي تُوتر علاقة توني وجدّه، فهي بسيطة: يبيع الجدّ أتوميكا، كلب الصيد السريع الذي لطالما كان رفيق الصبي. لكن ما يهمّ اختلاف وجهات نظرهما، وفي الوقت نفسه، الحبّ الذي يجمعهما.
اللافت، دون منظور أبوي أو استعطافي، تقدير خصائص مكانٍ تدهورت حالته بسبب القمامة ومجاري الصرف الصحي، بالإضافة إلى العمل اليومي لجامعي الخردة في منطقةٍ يتورط فيها بعض أفراد هذه العائلات الكبيرة في تجارة المخدرات والحيوانات. وسط الأطفال وكبار السنّ، ودوريات الشرطة في الشوارع، ونداءات الشرف والتقاليد، والخيول الطليقة، مثلما السحالي والثعابين، ينقلنا الفيلم إلى عالمٍ له دينامياته وجمالياته ورموزه الخاصّة.
يُجسّد التصوير السينمائي للمصوّر البرتغالي المتميّز روي بوكاش (الذي تعاون كثيرًا مع ميجيل جوميز، وجواو بيدرو رودريجيز، وإيرا ساكس، ولوكريثيا مارتِل) جوهر هذه القصّة الكئيب، بل الخالد، والتي لولا شاحنة بيك أب أو هاتف محمول من حين لآخر، وإشارة تيك توك أو بلاي ستيشن، لكانت أحداثها قد وقعت قبل عقد أو ثلاثة أو خمسة عقود. مدينة بلا أحلام، ولكن أيضًا بلا زمن.
«فتيات المتاعب little trouble girls» (سلوفينيا، إيطاليا، صربيا، كرواتيا)
إخراج: أورشكا ديوكيتش

تدور أحداث القصة حول لوسيا (جارا صوفيا أوستان)، فتاة انطوائية في السادسة عشرة من عمرها، تنضم إلى جوقة مدرستها الكاثوليكية الصارمة. لا تتمتّع بصوتٍ عذب، لكن هذه البيئة الجديدة تتيح لها مقابلة فتياتٍ أخريات أكثر خبرة، وخاصةً آنا ماريا (مينا شفايجر) الأكثر انفتاحًا وثقةً بنفسها. عندما يسافر أعضاء الجوقة في عطلة نهاية الأسبوع إلى دير ريفي ناءٍ لتكثيف تدريباتهم، يزداد شغف لوسيا بآنا ماريا. إلا أن وجود مرمّمين يعملون في المنطقة يزيد من توتّر وتناقضات الوضع.
قد لا يكون الكون الذي اختارته ديوكيتش (الفضول، واكتشاف المراهقة وهويتها، والتلقين الجنسي، والانضباط الموسيقي، والإخصاء الديني) أصيلًا تمامًا، بل وفي بعض اللحظات، ثمة لمسة من إحساس الديجا فو (لا بد أن فيلم لوكريثيا مارتِل «الفتاة المقدّسة» (2004) كان مصدر إلهام)، لكن «فتيات المتاعب» (عنوان مستوحى بوضوح من أغنية تحمل الاسم نفسه تقريبًا لفرقة سونيك يوث، تُعزف في تتر النهاية) أحد تلك الأفلام التي تركّز على التفاصيل والأحاسيس والحالات المزاجية بصدق ودقّة وحساسية. في هذه الاستطرادات، هذا الوجه الآخر من الاكتشافات السينمائية العظيمة، يكمن جوهره الحقيقي وسحره الخاص.
«نينوNino» (فرنسا)
إخراج: بولين لوكيه

يذهبَ نينو (ثيودور بيليران) إلى الطبيب بسبب التهاب في الحلق وحكّة متكرّرة في المريء. لكنه لم يتوقّع قطّ أن تشخيصه الطبّي ورمٌ خبيث ناتج عن فيروس الورم الحليمي البشري. ورغم أن لديه فرصة جيدة للشفاء، إلا أنه، في الثامنة والعشرين من عمره، وحياة مليئة بالتحديات تنتظره، عليه أن يبدأ جلسات العلاج الإشعاعي والكيميائي في غضون ثلاثة أيام.
ولزيادة الطين بلّة، يحذّره الأطباء من أن الأدوية ستُسبب له العقم على الأرجح، فينصحونه بتجميد عيّنة من السائل المنوي قبل بدء العلاج، سيحتاجها إذا أراد يومًا ما أن يكون أبًا. كما يُطلب منه مرافقة شخص ما إلى الجلسات، وهذه مشكلة كبيرة لأنه لا يريد إعلام والدته أو أصدقائه بالخبر السيئ.
يروي الفيلم الأول للمخرجة الفرنسية بولين لوكيه رحلة نينو، المتردّد، الحالم والمثقل بالحزن والنوستالجيا، خلال الأيام الثلاثة السابقة. فترة اتسمت بإعادة تواصله مع نفسه ومحيطه، شملت حوارات مع والدته، ومحاولات لمعرفة المزيد عن والده المتوفى، وتحذيرًا لحبيبته السابقة بإجراء فحص فيروس نقص المناعة البشرية، ولقاءً بزميل دراسة سابق، وحتى عيد ميلاده الذي يمرّ كما لو أن كلّ شيء على ما يرام.
بعيدًا عن الأجواء الدرامية المعتادة في أفلام المرض، يبقى «نينو» قريبًا من بطله، يرافقه في مخاوفه وأحزانه، وفي لحظات فرحه العابرة. كل حوار يحمل معانٍ جديدة، وهو جانبٌ يصوّره لوكيه بحساسية ودقة لافتتين، واضعًا كل ثقته التفسيرية في بيليران، الذي يضفي على شخصيته جوًا من الحزن المؤثر، مُلمّحًا إلى ما قد يكون بداية نهايته.
«قيمة عاطفية Sentimental value» (النرويج، ألمانيا، الدنمارك، فرنسا، السويد، إنجلترا)
إخراج: يواكيم تريير

قصة قصر/منزل على مدى عقود، وتطوّر عائلة متعددة الأجيال، أجداد، آباء، أبناء، أحفاد، والعلاقة المتوترة بين رجل سبعيني وبناته البالغات، وعالمي السينما والمسرح... كل هذا، وأكثر بكثير، يُعالجه المخرج النرويجي في أكثر من ساعتين هما فيلمه الجديد، والذي، استنادًا إلى بعض جوانب سيرته الذاتية (مع أن السيناريو من تأليف شريكه الدائم إسكيل فوجت)، يبني قصّة مليئة بالمنعطفات والانحرافات والحبكات الفرعية والذكريات والألعاب (إنه تراجيكوميدي حيث الكوميديا أكثر من التراجيديا).
نورا بورج (ريناتي راينسف) ممثلة مسرحية مرموقة. في المشهد الأول، نراها في خضم نوبة هلع قبل العرض الأول لمسرحيتها الجديدة أمام جمهور غفير، لكنها سرعان ما تقتحم المسرح وتحقق نجاحًا باهرًا. لم تنشئ عائلة بعد، هي على علاقة غرامية مع مخرج المسرحية، المتزوج، يؤدي دوره أندرس دانييلسن لي، بينما أختها الصغرى أجنيس (إنجا إبسدوتر ليلياس)، التي مثّلت في طفولتها في أحد أفلام والدها، مكرّسة الآن لشيء آخر، متزوجة، ولديها ابن ساحر. يكتمل مثلث البطولة بجوستاف بورج (ستيلان سكارسجارد)، مخرج سينمائي مرموق لم ينجز فيلمًا منذ 15 عامًا، نراه يفرط في الشرب، ويغازل كلّ امرأة بالقرب منه، ويحضر عروضًا استعادية لأفلامه.
رغم علاقته المتوتّرة، والبعيدة نوعًا، مع نورا، يخبرها جوستاف أنه كتب لها خصيصًا نصًا بناءً على قصّة زوجته ووالدة الفتاتين (اللتين انتحرتا في المنزل المذكور). لا ترغب نورا في أن تكون بطلة الفيلم، وأخيرًا، خلال عرض أحد أفلامه الكلاسيكية المُرمَمَة في مهرجان دوفيل السينمائي، يلتقي المخرج النجمة الأمريكية الصاعدة رايتشل كيمب (إيل فانينج) ويعرض عليها الدور.
مصير ذلك المنزل العريق، وقصّة تلك الأمّ المنتحرة، والعلاقة الحميمة بين هاتين الشقيقتين اللتين سلكتا مسارين مختلفين تمامًا، وحضور جوستاف المزعج والمتلاعب والمغري في آنٍ، وديناميات مجموعة عائلية تحاول حلّ الخلافات والضغائن، وبؤس وتقلّبات عالم الفن، كلّ ذلك يعالجه ترير بحساسية وسحر وروح دعابة عالية في فيلم يتناول قضايا معقدة بخفّة وعفوية تُقدّر ويُحتفى بها.
صحيحٌ أن الفيلم في بعض مقاطعه يُقارب الدراما النفسية إلى حدٍّ كبير، وأن تلك الدقائق الـ 135 تبدو أحيانًا فائضة بعض الشيء، لكننا أمام أفضل أفلام ترير، مخرجٌ يزداد إقناعًا بالمواضيع التي يتناولها، والأهمّ، كيفية قيامه بذلك. وفي هذه الحالة، علاوةً على ذلك، بفضل مساهمة ثلاثة أبطال يتمتعون بمهارات تمثيلية رائعة.
الأفلام التسجيلية
«من الأفضل أن تجنّ في البرية Better go mad in the wild» (التشيك، سلوفاكيا)
إخراج: ميرو ريمو

«لستُ مضطرًا لإثبات أي شيء للعالم»، إحدى العبارات التي تعلق في الذهن بعد مشاهدة هذا الفيلم الغريب والجميل والآسر، المتوّج بالجائزة الكبرى لمهرجان كارلوفي فاري 2025.
نشعر دائمًا برغبة ملحّة في أن تُخلّد ذكرانا، أن نثبت أنفسنا، أن نترك شيئًا ما وراءنا، أن نفعل شيئًا ما، لكن في الواقع، ليس لدينا أي التزام من هذا القبيل، ولا حاجة لمثل هذه المهمّة. ينجح الفيلم في إيصال هذا الشعور تحديدًا، في تصويره شخصين على شفا الجنون.
يتشارك التوأمان فرانتا وأوندرا كلّ شيء في جبال سومافا. ورغم تشابههما، تختلف روحاهما: فرانتا يسعى للحرية بينما أوندرا يبحث عن الروتين والاستقرار. تواجه علاقتهما الراسخة اختبارًا صعبًا، سيفتح الباب أمام مراوحات وحوارات فلسفية وشاعرية. شخصيات قليلة تسكن القلب مثلما يفعل فرانتا وأوندرا. مستلقين على العشب، ممسكين بسيجارة تنطفئ بطيئًا بين أصابعهما، في مروج مشمسة ينعكس دفئها على مرآة مستديرة كبيرة، وفي فصول تتغيّر على مهلها؛ سيجد المتفرّج شيئًا من السلام والسكينة.
شعرٌ لروحٍ جامحة. دمعةٌ تنسال على الخدّ في ذلك الصمت. فيلمٌ يجمع بين سحر الحياة وجنونها وطزاجة صناعة الأفلام. يودّ المرء لو أنه ترك المزيد من المشاعر والأسئلة، ولكنه بالتأكيد يظلّ تجربة جامحة ومختلفة.
«لا أحد ضد بوتين Mr. nobody against putin» (الدنمارك، التشيك، ألمانيا)
إخراج: ديفيد بورنستاين، بافل تالانكين

كيف تُحوّل الأطفال إلى «مواطنين شرفاء»؟ يعرف بافيل تالانكين، وهو مُعلّم روسي يعيش الآن في المنفى بجمهورية التشيك، الإجابة. فقد صوّر هذا الفيلم التسجيلي عن تأثير الحرب في أوكرانيا، كاشفًا عن المعضلات الأخلاقية التي يواجهها المعلمون في خضمّ الدعاية الحكومية والعسكرة.
يعمل بافيل تالانكين، المعروف لدى الجميع باسم باشا، في أكبر مدرسة في بلدة كاراباش الروسية الصغيرة. في المدرسة نفسها التي درس فيها سابقًا، يعمل الآن منسقًا للأنشطة ومصوّر فيديو، يلتقط جميع اللحظات المميزة للحياة المدرسية، من حفلات عيد الميلاد إلى حفلات التخرج. يُعدّ فصله الدراسي الصغير، حيث يقوم بتحرير مقاطع الفيديو المدرسية، ملاذًا للعديد من الطلاب والزملاء. تغيّر كل ذلك مع غزو روسيا لأوكرانيا. منذ ذلك الحين، أصبحت الدعاية الحكومية جزءًا من المنهج الدراسي، وكان على باشا توثيق كل شيء ثم تحميله على المواقع الحكومية كدليل على تطبيق المنهج الجديد.
ينتابه غضبٌ من الدعاية الحكومية الجديدة في المناهج الدراسية، ناهيك عن استخدام المدرسة كساحة تجنيد عسكري. لكنه يجد طرقًا للاحتجاج على النظام بطريقة مرحة؛ والأهمّ، أنه يُصبح مُبلّغًا عن تلك المخالفات، ويُصوّر سرًّا هذه التحوّلات المُقلقة مُتخفيًا وراء ستار عمله كمصوّر فيديو مدرسي. يُخاطر بحياته لإرسال اللقطات إلى الخارج إلى المخرج ديفيد بورنستاين، بينما يُخطّط في الوقت نفسه لهروبه. فاز الفيلم بجائزة لجنة التحكيم الخاصة لأفضل فيلم وثائقي في مهرجان صندانس السينمائي، وهو تعاون جريء ونبيل، ويُعدّ أحد أبرز الأفلام التسجيلية لهذا العام.
«الحياة بعد سهام Life after siham» (فرنسا، مصر)
إخراج: نمير عبد المسيح

وعدَ المخرج الفرنسي المصري، نمير عبد المسيح، والدته سهام بإخراج فيلم معها. لكن وفاتها المفاجئة جعلت هذا الأمر مستحيلًا، فشرع نمير في رحلة بحث عن تاريخ عائلته، من خلال حوارات مع والده، وعبر السفر إلى موطن والديه، مصر. في هذا السياق، يمزج نمير بين موضوعات الحزن والهوية وقوة السينما وأسرار العائلة وسؤال دور والدته في القصّة.
بعد 14 عامًا من فيلمه البارز، «العذراء والأقباط وأنا»، يُنجز نمير فيلمًا شخصيًا حميمًا. يظهر على الشاشة كثيرًا، متحدثًا مع عائلته، وخاصّة والده. هناك لحظات فكاهية وأخرى عاطفية، ومساحة ثالثة يمنحها الفيلم للجمهور للتعبير عن أفكارهم. فيلمٌ مؤثر، ومضحك، رحلة شخصية للمخرج تعكس خلفيته الثقافية المزدوجة، وتصارعه مع صدمة الفقد، ولكن بلمسة فكاهية ساخرة غير متوقعة.
«أورويل: 2+2=5 Orwell: 2+2=5» (أمريكا، فرنسا)
إخراج: راؤول بِكْ

كل عمل جديد للمخرج الهاييتي راؤول بِكْ واجب المشاهدة. في أحدث أعماله، يُلقي بِكْ نظرة على جورج أورويل: حياته، وإرثه، وروايته الرائدة «1984»، الصادرة عام 1949. مستوحيًا من كلمات أورويل نفسه بصوت الممثل داميان لويس. يجمع الفيلم بين مجموعة كبيرة من المواد الأرشيفية واللقطات المُعاصرة، بما في ذلك تمرّد مبنى الكابيتول، وإيلون ماسك، وأوكرانيا اليوم.. صور تعكس تحذيرات أورويل المرعبة بشأن الحقيقة والسيطرة والاستبداد. في الوقت نفسه، نتابع رحلة أورويل، من شبابه وصحوته السياسية إلى أيامه الأخيرة، ، ليقدم المخرج قراءة متبصّرة لعبقرية أورويل الاستباقية والدروس الجوهرية التي تحملها أعماله لحاضرنا ومستقبلنا. هذا العمل، من إنتاج أليكس جيبني، تأمّل جريء ومثير للتفكير في السلطة واللغة وهشاشة المجتمع المعاصر.
تقارير ذات صلة
محمد رشاد عن «المستعمرة»: أن تحكي حكاية تشبه الناس بطريقة تشبهك
تحاوره ناهد نصر عن الفيلم وحكايته وأبطاله
نادي المنتجين المصريين: أن تسبح خارج البحر
بروفايل للنادي من خلال حوار مع مؤسسه محمد تيمور
سينما صيفي| فقراء في المنيو
بيحاول بسام مرتضى يخلينا نفكر في البني الآدمين
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن