تحذير: الأرباح ضارة جدًا بـ«الصحة»
استكمالًا للمقال السابق الذي نشره «مدى مصر» عن الاستثمار في التعليم الخاص في مصر واللامساواة في الحصول على الفرص التعليمية، يتابع محمد رمضان هذا الأسبوع النقاش لينتقل للحديث عن المستشفيات الخاصة في مصر، والسباق المحموم نحو الاستثمار في المستشفيات الخاصة من القطاع الخاص والحكومة ممثلة في الصندوق السيادي، وكيف ينعكس ذلك على النفاذ للخدمات الصحية الجيدة بين الفقراء والأغنياء وبين القاهرة وبقية المحافظات.
منذ ما يقرب من عامين، تصاعد النقاش في مصر حول جشع المستشفيات الخاصة بعد رفض بعضها إدخال مرضى كوفيد-19 إلا بعد دفع مبالغ كبيرة وصلت فيها أسعار الليلة الواحدة إلى 50 ألف جنيه. دفع هذا وزارة الصحة للإعلان عن تسعيرة إجبارية لعلاج مرضى كوفيد-19. وصلت تلك التسعيرة الجبرية التي وضعتها الوزارة عشرة آلاف جنيه في اليوم الواحد في غرفة العناية المركزة. لكن تلك التسعيرة الجبرية –والتي تدور شكوك كبيرة حول ما إذا تم تطبيقها فعلًا– لم تكن محل رضا كبير من مستثمري القطاع الخاص الصحي، والذين سارعوا بالدفع أن ذلك سوف يعرّض المستشفيات الخاصة للخسائر.
لم نكن بحاجة للوباء لندرك حقيقة أن أسعار المستشفيات الخاصة في مصر مبالغ فيها. لكن الوباء سلّط الضوء عليها وعلى الممارسات التي تقوم بها. ما يثير الغرابة فعلًا عند التدقيق في محاولات المستشفيات الخاصة المستميتة للفكاك من التسعيرة الجبرية أن ذلك غير حقيقي. ببساطة، استمر توسع نشاط القطاع الصحي الخاص، ونمت أرباحه.
كما استمرت خطط الاندماجات والاستحواذات على أصول في القطاع الصحي. خلال العامين الماضيين، نشطت وتيرة الاندماجات والاستحواذات في القطاع الصحي الخاص في مصر. كان هذا النشاط مدفوعًا بجاذبية القطاع لدى عدد كبير من المستثمرين، سواء المصريين أو العرب، والذين رأوا في الاستثمار في القطاع الصحي في مصر فرصة لجني عوائد كبيرة خاصة مع حجم السوق الكبير نسبيًا مقارنة بالدول القريبة في الشرق الأوسط. في 2020، جاء قطاع الرعاية الصحية في المركز الثاني من حيث صفقات الدمج والاستحواذ بواقع 19 صفقة. وفي 2019، تمت عشر صفقات أخرى في القطاع، ليحتل المركز الثاني بعد قطاع البنوك والخدمات المالية.
ذلك النشاط المحموم لا يعود فقط إلى معدلات الربحية العالية لتلك المستشفيات والمؤسسات الصحية الخاصة، ولكن لاختلال هيكلي مستمر في السوق منذ سنوات بفعل ضعف الإنفاق الحكومي على القطاع الصحي، الأمر الذي أنتج مشكلات كبيرة في الخدمات الصحية العامة وتشوهات في أنماط التداوي في مصر مستمرة منذ عقود. النتيجة كانت إنفاق المصريين الكثير على الصحة من جيوبهم الخاصة بسبب ضعف التغطية التأمينية بشكل عام. أيضًا، أنتج ضعف الإنفاق وسوء جودته مشكلة كبيرة في سوق مقدمي الخدمات الصحية، حيث عزف الكثير من الأطباء والممرضين عن العمل في المستشفيات الحكومية واتجهوا للهجرة لأوروبا والخليج.
يمثل الاستثمار الخاص في الرعاية الصحية في بلد مثل مصر حالة معقدة تتداخل فيها العديد من العوامل والأهداف والدوافع، لتسهم معًا في إنتاج الوضع الحالي. ومن ثم يسعى هذا التقرير للإجابة على تساؤلات قد تبدو للوهلة الأولى بديهية فيما يتعلق بالقطاع الخاص الصحي مثل: لماذا تتزايد شهية المستثمرين في القطاع الصحي؟ وهل يمكن لذلك فعلًا أن يرفع من مستوى الخدمات الصحية في بلد يعاني كثيرًا من تردٍ مستمر فيها؟ من يُعالج في المستشفيات الخاصة؟ وكيف كانت الدولة عاملًا أساسيًا في طفرة الاستثمار الخاص في القطاع الصحي في السنوات الأخيرة؟
لسنوات، كانت الخدمات الصحية الخاصة في مصر شديدة التفتت. ارتبطت الرعاية الصحية الخاصة في مصر في البداية بالعيادات الخاصة. اعتمدت هذه العيادات، في الريف والمدينة على حد سواء، كل الاعتماد على حواضن محلية توفر لها السمعة الجيدة من خلال الدعاية المجانية من فم إلى فم.
ظل الوضع هكذا حتى نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات عندما بدأت نواة الاستثمار الخاص في الصحة تظهر مع تجمع بعض الأطباء لإنشاء مستشفى صغير أو عيادات شاملة في المدن المكتظة بالسكان، وخاصة في القاهرة. وبدأت نواة القطاع الصحي الخاص تكبر وتكبر، وبدأت دائرة الخدمة العلاجية في الاتساع لتشمل خدمات ما بعد الاستشارة وإجراء العمليات الجراحية البسيطة. لكن أموال الأطباء لم تكن سوى «تحويشة العمر»، رأسمال صغير نسبيًا. جعل هذا تلك المستشفيات ضعيفة الإمكانيات هي الأخرى. في المقابل، تمتعت المستشفيات الحكومية الكبرى والجامعية بالتقنيات والأجهزة المتطورة، واقتصرت العمليات الجراحية الكبرى والمعقدة عليها.
لكن، فقط في السنوات العشر الأخيرة، اختبر هذا القطاع توسعًا من نوع جديد مع تراجع الإنفاق على الصحة بشكل كبير جدًا. يمكن الجدال بأن العقد الأخير هو العقد الأهم للقطاع الخاص الصحي في مصر. خلال هذه الفترة، بدأ القطاع يتغير هيكليًا بشكل كبير من حيث كفاءة إدارة المستشفيات ومدى ارتباطها بقوى السوق ومعدلات الربح والخسارة. تحولت الشريحة العليا من المستشفيات الخاصة من مشاريع لأطباء أو مشروعات عائلية إلى مشروعات استثمارية تدار وفق منطق السوق بطرق احترافية، بل وتُطرح في البورصة لجذب المستثمرين. ذلك التحول الهيكلي كان يعني في جزء منه جذب استثمارات أجنبية وعربية، وخاصة من دول رائدة في هيكلة قطاع صحي خاص واسع كالسعودية والإمارات، نحو السوق المصري المكتظ، وصاحب المعدلات المرتفعة من الأمراض المزمنة التي تتطلب رعاية صحية شبه دائمة لا توفرها المستشفيات الحكومية.
بين عامي 2005-2018، تقلص عدد المستشفيات الحكومية بنسبة 40.7%، بعدما انخفض عددها من 1167 إلى 691 مستشفى فقط، بحسب تحقيق نشرته شبكة «أريج» العام الماضي.
وبين 2009-2019، ارتفع عدد مستشفيات القطاع الخاص من 941 إلى 1130، مقابل انخفاض عدد المستشفيات العامة في مصر من 658 إلى 652 مستشفى. كذلك ارتفعت عدد الأسرة في مستشفيات القطاع الخاص من حوالي 21 ألف سرير إلى 36 ألف سرير (أي زيادة تقارب 70%). بينما انخفض عدد الأسرّة في المستشفيات الحكومية من 103 آلاف في 2009 إلى ما يقرب من 92 ألف في 2019 (بمعدل انخفاض يقارب 10%).
لكن تلك الزيادة في أسرة القطاع الخاص، والتي كان من المفترض نظريًا أن تعوض النقص في كم وجودة الخدمات الصحية العامة لم تفعل ذلك، بل أتاحت نمطًا من الإزاحة لأعلى مرتبطًا بأصحاب الدخول الكبيرة والتي أصبح بإمكانهم الحصول على رعاية صحية جيدة شرط دفع مبالغ كبيرة من المال. لم يكن توسع القطاع الخاص لسد الفجوة في الكم والجودة في الخدمات الصحية الحكومية، وإنما بحثًا عن أرباح يمكن أن تُنتزع من جيوب الطبقة الوسطى والطبقات الأعلى في مصر.

تتعلق الفجوة في الحالة المصرية بشكل واضح بالإنفاق على الصحة. تخبرنا الأرقام بحقائق مرعبة. يبلغ المتوسط العالمي للإنفاق على الصحة كنسبة من الناتج المحلي حوالي 7% بينما لم تتجاوز تلك النسبة في مصر في السنوات الأخيرة حاجز 2% من الناتج القومي الإجمالي (رغم التحديد الدستوري لها بنسبة 3%). وفي حين تستحوذ الصحة على متوسط 20% من الإنفاق الحكومي في دول العالم الأخرى، لا تزيد تلك النسبة في مصر عن 5%. أما بمقياس متوسط نصيب الفرد فالمشكلة أكبر. فالمواطنون المصريون يحصلون على 176 دولار سنويًا من الإنفاق الحكومي على الصحة، وهو خُمس المعدل العالمي المقدر بـ904 دولارات عالميًا.
كذلك، هناك انعدام مساواة وتفاوتات كبيرة في مستوى الخدمات الصحية بين الريف والحضر، وبين حضر المحافظات والقاهرة وبين المناطق الفقيرة ومناطق الطبقة الوسطى والطبقات الأغني في القاهرة. العاصمة وحدها لديها في المتوسط 2.9 سرير لكل ألف مواطن، وهو أكثر من أربعة أضعاف محافظة مثل الفيوم مثلًا. أيضًا تعاني الوحدات الصحية في الريف من نقص مزمن في الأطباء والأطقم التمريضية، بالإضافة لضعف الإمكانات وغياب المخصصات التمويلية والاستثمارية اللازمة لتلك الوحدات والمستشفيات الصغيرة في الريف. تلك الأوجه العديدة للتفاوت في الخدمات الصحية يُعيد القطاع الخاص إنتاجها، بل وتعميقها بشكل مباشر عن طريق الاستثمار في المناطق الجديدة للطبقة الوسطى العليا. بالتالي، سوف يحصل هؤلاء فقط على خدمات صحية سريعة بفضل ما يدفعونه من أموال، في حين سيضطر ملايين الفقراء للانتظار لكي يحصلوا على أدنى قدر من الرعاية الصحية.
تؤثر اللامساواة بشكل مركب على مستوى الأُسرة. ففي مصر، والتي تصل فيها نسبة المشاركة في قوة العمل لما يقارب 47% (أي أن كل مصري في عمر بين 15-64 سنة مطالب بإعالة فرد آخر خارج قوة العمل)، فإن المصروفات الصحية تشكل ضغطًا كبيرًا على الأسر المصرية، وخاصة فيما دون 15 وما فوق 64 سنة. ففي ظل عدم وجود مظلات تأمين اجتماعي كبيرة تتيح للمواطنين من كبار السن الحصول على خدمات صحية جيدة، خاصة مع حالات الأمراض المزمنة مثل السكر والضغط وغيرها، فإن تكلفة تلك الرعاية الصحية غالبًا ما تقع على عاتق الأبناء المطالبين بتوفيرها. وبالتالي، ومع صعوبة النفاذ لخدمات الصحة الحكومية الجيدة، فإن ذلك يجعل نسبة أكبر من دخل الأبناء تذهب للرعاية الصحية على شكل مدفوعات من الجيب سواء لشراء الأدوية أو للحصول على استشارات طبية في العيادات والمستشفيات الخاصة، ناهيك عن التكاليف الطارئة للعمليات الجراحية.
ذلك الضعف المستمر في الإنفاق الحكومي كان يعني اضطرار كل المواطنين المصريين للإنفاق من الجيب على الصحة. في معظم دول العالم، يتوزع الإنفاق على الصحة بنسبة 75% للحكومة و25% للإنفاق الخاص على الصحة. في مصر، يحدث العكس. يشكل الإنفاق الحكومي قرابة 35% من الإنفاق على الصحة، بينما يشكل الإنفاق الخاص 65%. يرجع ذلك في مصر لتخطي نسبة المدفوعات من الجيب لنفقات العلاج والرعاية الصحية نسبة 62% بينما المتوسط العالمي لتلك النسبة حوالي 19%. وحتى في دول قريبة جغرافيًا لنا ولديها نفس الظروف الاقتصادية، تظل نسبة المدفوعات من جيوب المصريين للرعاية الصحية مرتفعة للغاية (في الأردن لا تتعدى 36% وفي تونس 40%). ولهذا احتل الإنفاق على الصحة المرتبة الثالثة بعد الطعام والسكن بنسبة حوالي 9.9% من الدخل سنويًا، أي حوالي 5095 جنيهًا، وفقًا لبحث الدخل والإنفاق في 2018.

تخبرنا أرقام بحث الدخل والإنفاق حقائق مفزعة حول التباين في إنفاق المصريين على الصحة بين شرائح الدخل المختلفة. ففي حين ينفق الفرد من أفقر 10% في مصر متوسط 386 جنيهًا للفرد سنويًا على الرعاية الصحية، ينفق الفرد من أغنى 10%، في المتوسط، 3484 جنيهًا، أي أكثر من 10 أضعاف الرقم تقريبًا. وفي حين يصل متوسط إنفاق الفرد في الشريحة العشرية الأدنى من الإنفاق على خدمات العيادات الخارجية حوالي 106 جنيهات سنويًا، فإن الفرد في الشريحة الأغنى ينفق حوالي 931 جنيهًا أي حوالي تسعة أضعاف.

تلك الأرقام رغم فجاعتها، إلا أن الواقع يمكن أن يكون أسوأ بكثير، لأن أرقام بحث الدخل والإنفاق تقيس الأغنى أو الأكثر إنفاقًا في مصر بمتوسط إنفاق 79.8 ألف جنيه سنويًا وما فوق. لذلك فهي تعتبر متوسط الدخل الشهري عند 6600 جنيه ومن يصل دخله لمليون جنيه سنويًا شريحة واحدة ضمن الأغنى في مصر. لذلك يمكننا القول إن هذه الأرقام هي صورة مخففة عن واقع أكثر مرارة.
هناك أيضًا عامل مهم جدًا في سوق الخدمات الصحية المصري، وهو ضعف التغطية التأمينية بشكل عام في مصر. يبلغ عدد من يتمتعون بتأمين صحي عام أو خاص في مصر ما يقرب من 55 مليون فقط. نصف هؤلاء تقريبًا هم طلاب المدارس، ولا يغطي التأمين الصحي لهم أي شيء ذو قيمة تقريبًا.
ضعف التغطية التأمينية وتقلص الإنفاق الحكومي على الرعاية الصحية، خصوصًا مع زيادة الطلب على الخدمات الصحية الخاصة بفعل معدلات النمو السكاني، يمثل فرصة كبيرة للقطاع الخاص.
مع تطور معدلات ربحية القطاع الصحي الخاص، زادت شهية المستثمرين تجاه ضخ الاستثمارات في القطاع الصحي. لكن هذه الاستثمارات ترتكز بشكل أساسي على الاستحواذ على الأصول الصحية القائمة (المستشفيات الصغيرة، والتي تتراوح عدد أسرتها بين 10 -70 سريرًا) لبناء كيانات أضخم يمكنها لاحقًا جذب مستثمرين محتملين من أجل التوسعات وزيادة رأس المال والقيام بموجة استحواذات جديدة أو ضخ رأسمال في بناء مستشفيات جديدة.
تمثل تلك الحالة من البحث عن التركز من أجل التوسع حالة كلاسيكية في بدايات أي قطاع اقتصادي. في النهاية يجب تحجيم المنافسين وقدرتهم المستمرة على خفض الأسعار من خلال المنافسة في السوق. وتعبّر موجة الاستحواذات الحالية، والتي تترافق مع اهتمام متزايد من رأس المال الخليجي بالقطاع، عن طبيعة تلك الشهية المتزايدة للمستثمرين في القطاع الصحي في مصر.
ما يجعل صفقات الاستحواذ رائجة أكثر هو طبيعة القطاع الصحي في مصر، والذي تسيطر على أغلبيته مستشفيات صغيرة مملوكة لأطباء.
في المجمل، تمتلك مستشفيات القطاع الخاص حاليًا 36 ألف سرير، وهو ما يزيد قليلًا عن ربع عدد الأسرة في القطاع الصحي في مصر. تتوزع هذه الأسرة على 1484 مستشفى خاص بحسب أخر الأرقام في 2021. تستحوذ خمس مجموعات اقتصادية فقط على 25% من أسرة القطاع الخاص. (مجموعة كليوباترا، 8% من الأسرة العلاجية الخاصة في مصر، وهي بذلك صاحبة أكبر حصة سوقية، تليها مستشفيات ألاميدا بنسبة 7% من الأسرة العلاجية، ثم المستشفى السعودي الألماني، ومركز العلاج الطبي بنسبة 4% لكل منهما، ومستشفى أندلسية بنسبة 2%) الباقي، 75%، يتوزع على حوالي 1480 مستشفى (أي بمتوسط 18 سريرًا تقريبًا لكل مستشفى).
تؤثر خارطة التوزيع الجغرافي على هذا النشاط الاستثماري. تعمل كلٌ من مجموعتي كليوباترا وألاميدا داخل القاهرة الكبرى. يعني هذا أن مجموع نسبتهم من الأسرة العلاجية في مصر كلها 15%، تتركز داخل القاهرة فقط.
تبدو معركة السيطرة على السوق الصحي الخاص في مصر إذًا معركة للسيطرة على القاهرة. فالسوق الصحي في القاهرة هو الأكثر تطورًا وسكان القاهرة وخاصة التجمعات العمرانية الجديدة على أطرافها والأقدر على دفع تكلفة العلاج في تلك المستشفيات الخاصة. كذلك فإن نسبة التغطية التأمينية في القاهرة أكبر من باقي المحافظات، فالقاهرة هي مركز الشركات الكبرى في القطاع الخاص التي توفر تأمينًا صحيًا لموظفيها، بما يسمح لسكانها والعاملين فيها بالاستمتاع بخدمات تأمينية أكثر من مثيلاتها خارج القاهرة. كما تمثل التوسعات العمرانية الجديدة على أطراف القاهرة فرصة جيدة جدًا للاستثمار في المستشفيات. فمن ناحية، هناك وفرة في الأراضي وسهولة في التخصيص، وبالتالي تكلفة إنشاء المستشفى أقل منها في المحافظات. ولهذا تستحوذ القاهرة الكبرى بمفردها على 36% من إجمالي أسرة القطاع الخاص في مصر.
كما يمتد هذا التفاوت الجغرافي ليصبح سمة أساسية في مصر كلها. تستحوذ المناطق الحضرية على 92% من عدد الأسرة العلاجية الخاصة تقريبًا، مقابل 8% فقط في الريف، بحسب أرقام الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء 2019. هذا رغم أن أكثر من نصف عدد السكان في مصر مازال يعيش في الريف.
هذا التركز في القاهرة وضواحيها الجديدة يضع أمام القطاع الصحي الخاص فرصة ذهبية للتوسع خارجها في المناطق التي ما زالت تعاني من نقص المستشفيات الخاصة. لكن النظر في طبيعة الخدمة الصحية المقدمة يكشف عن صعوبات كبيرة أمام هذه الفرصة.
تعتمد المستشفيات الخاصة على نمطين من الخدمات الصحية، يمكن أن نقسمهما كالتالي: الأول هو العمليات الجراحية، والتي لا تستفيد منها المستشفى بشكل جيد لأن الطبيب الذي يقوم بالعملية يحصل في كثير من الأحيان على الجزء الأكبر من الأجر. والثاني هو تقديم الخدمات العلاجية المستدامة في العيادات الخارجية لتلك المستشفيات، وما يرتبط بتلك الخدمات من إجراءات الفحص والأشعة والتحاليل وغيرها.
تشكل العيادات الخارجية في تلك المستشفيات، والتي تعتمد علي سمعة الطبيب لا المستشفى، جزءًا مهمًا من إيرادات تلك المستشفيات. توفر تلك العيادات مناخًا أفضل لتقديم الخدمات الصحية من العيادات الخاصة العادية، لأن لديها ما يكفي من الإمكانيات الملحقة بالمستشفى مثل الأشعة ومعامل التحاليل وغيرها، دون اختلاف كبير في الأسعار.
تعتبر العيادات الخارجية شريان الدخل المستدام للمستشفيات الخاصة. يمكننا أن نلحظ أهمية العيادات الخارجية في مصر من خلال مقارنة أرقام المترددين عليها في المستشفيات الخاصة ونسبتهم من الإيرادات في 2019، بحسب نشرة الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء. مثلت إيرادات العيادات الخارجية في المستشفيات الخاصة حوالي 3.4 مليار جنيه في 2019، بالإضافة لما يقرب من 1.9 مليار جنيه إيرادات الأشعة والتحاليل في تلك المستشفيات. أي أن الاثنين معًا شكلا حوالي 5.3 مليار جنيه في مقابل 6.2 مليار كانت مجمل إيرادات المستشفيات من العمليات الجراحية.
لكن هناك اختلاف في توزيع هذه الخدمات بين المدن الكبرى وبقية المحافظات. فمن خلال مقارنة الأرقام يمكننا أن نلحظ أن المستشفيات الخاصة في المحافظات تعتمد بشكل أكبر على العمليات الجراحية كمصدر لتوليد الدخل. بلغت إيرادات العمليات الجراحية في مستشفيات القطاع الخاص في المحافظات حوالي 1.3 مليار جنيه في 2019، وهو الرقم الذي يمثل تقريبًا ضعف الإيرادات من العيادات الخارجية المقدرة بحوالي 766 مليون جنيه في 2019. تمثل إيرادات العيادات الخارجية في المستشفيات الخاصة في القاهرة حوالي 28% من الإيرادات، في حين تقل تلك النسبة في المحافظات لما يقرب من 19٪ فقط.
تعتمد المستشفيات الصغيرة في المحافظات غير الحضرية على العمليات الجراحية لوجود نقص حاد في الخدمات الطبية طويلة الأمد والتي تتطلب المكوث تحت الرعاية لمدد زمنية، وانخفاض نصيب المواطن من الأسرة العلاجية في تلك المحافظات. ففي حين تصل نسبة الأسرة لكل مواطن حوالي 2.9 سرير لكل ألف مواطن في القاهرة، فإنها تنخفض لما دون السرير واحد في معظم محافظات الصعيد، بينما في القاهرة ذات التغطية التأمينية الأفضل فإن العيادات الخارجية مصدر مهم للدخل بجانب العمليات الجراحية لكن الاعتماد عليها كبير في توليد دخل مستدام للمستشفيات الخاصة في القاهرة.
يجعل ذلك التوسع المنشود للمستشفيات الخاصة في المحافظات مرتبطًا بالتوسع في توفير الأسرة العلاجية والمستشفيات المتخصصة في إجراء العمليات الجراحية لتعويض فجوة السوق فيها. ولكن، العمليات الجراحية -رغم أهميتها- لا يمكنها أن توفر دخلًا مستدامًا لتلك المستشفيات لكي تبقى وتتوسع في السوق. على الأقل ليس مقارنة بالدخل الذي توفره العيادات الخارجية.
هذا هو أحد أسباب عدم انطلاق طفرة المستشفيات الخاصة في المحافظات خارج القاهرة. من الصعب للمستشفيات الخاصة خارج القاهرة والإسكندرية تحقيق نفس معدلات الربحية المنشودة.
إلى جانب هذا، هناك نقص كبير في الأطباء والأطقم التمريضية في تلك المحافظات، وخاصة إذا كانت المحافظة لا تمتلك كليات طبية فيها. وبالتالي، فإن عملية نقل الأطباء والممرضين من محافظات أخرى تكون مكلفة في الغالب بالنسبة لتلك المستشفيات، لأنها تتطلب في أحيان كثيرة دفع أجور أكبر للأطباء وغيرهم من مقدمي الخدمات الصحية عند استقدامهم من محافظات أخرى.
دفعت تلك المعضلات إلى تكريس مكانة القاهرة الكبرى والإسكندرية كمركزين للخدمات الصحية في مصر. آلاف المرضى يتوافدون يوميًا على القاهرة من أجل تلقي العلاج أو الكشف سواء في المستشفيات الحكومية أو الخاصة.

تجلب شهية المستثمرين في الصحة أيضًا شهية الصندوق السيادي المصري. منذ ما يقرب من عام، أعلن الصندوق السيادي عن عزمه تأسيس منصة للاستثمار في سوق الرعاية الصحية بالشراكة مع شركة كونكورد للاستثمارات. الصندوق المزمع تأسيسه هدفه تأسيس كيان الغرض منه تنفيذ صفقات الاستحواذ على مستشفيات وكيانات تعمل في الرعاية الصحية في مصر. لم يكن الصندوق السيادي هو من اكتشف البيضة الذهبية التي يمتلكها قطاع الرعاية الصحية في بلد مثل مصر، لكن مستثمري القطاع الخاص من أصغر طبيب لديه عيادة خاصة وحتى مجموعات الأطباء الذين يمتلكون مستشفيات صغيرة، كانوا أسبق في البحث عن تلك البيضة الذهبية. المثير للاهتمام -في الصحة كما في التعليم- هو كيف يتم استغلال موارد عامة، تدعي الحكومة أنها كانت مستغلة عبر الصندوق لتمويل طفرة للاستثمار في الرعاية الصحية، في الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة عن إصلاح شامل للمنظومة طبقًا لقانون التأمين الصحي الشامل.
يستهدف القانون الجديد أن يتم تطبيقه على مدار 15 عامًا في المحافظات المختلفة بشكل تدريجي وعلى مراحل. لكن ورغم جودة القانون التي يشير إليها الكثير من الخبراء، إلا أن هناك مشكلات متعلقة بعملية تمويل الخدمات الصحية الحكومية في مصر بشكل عام. بالتالي، لا يمكن الحديث عن إصلاح جذري للمنظومة الصحية السيئة في بلد مثل مصر بدون الحديث عن ضعف التمويل الحكومي.
تلك اللامساواة في الحصول على الخدمات الصحية تعيد إنتاج لامساواة أكبر مستقبلية في الحصول على الدخل، وحتى في كسر دائرة الفقر والارتقاء بمستويات المعيشة للأجيال القادمة. فمن المؤكد أن أطفالًا يحصلون على رعاية صحية جيدة سوف يكونون أكثر نشاطًا وقدرة على التحصيل الدراسي. كما أن إرهاق كاهل الأسر الفقيرة والمتوسطة بأسعار خدمات المستشفيات المرتفعة يدفع تلك الأسر لتبديد مدخرات كثيرة في حال مرض أحد أفرادها لمرض يحتاج لرعاية طبية في مستشفى جيد.
إذن يمكن القول إن استثمارات القطاع الخاص في الرعاية الصحية، والتي غالبًا ما يروج لها أنها بسبب سوء الخدمات الصحية في البلاد، تعيد إنتاج أنماط مركبة من اللامساواة في الحصول على الخدمات الصحية. يدفعنا هذا للتساؤل عن خطط الإصلاح الحالية للقطاع الصحي الحكومي، والتي لا يمكنها أن تمر سوى عبر إنفاق متزايد كفء وفعّال على المستشفيات الحكومية لتقدم خدمة صحية شبيهة بما يمكن أن تقدمه المستشفيات الخاصة، وهي بالمناسبة حالة من المستحيل أن تحدث دون أن يُكبح جماح الاستثمار الخاص والحكومي حاليًا في المستشفيات الخاصة، وجعلها أكثر ملائمة لتعويض فجوة الرعاية الصحية وليس البحث عن الربح.
تقارير ذات صلة
الضريبة على «المشروبات المُحلاة».. بحثًا عن صحة أفضل أم موارد أكثر؟
مصدر: وزارة المالية متحفظة على إقرارها تجنبًا لأية إجراءات قد تغذي صعود التضخم الذي بدأ في التحسن
تطوير مستشفى هرمل لم يصل إلى المرضى بعد
تستمر معاناة المرضى بشكل يومي، في انتظار إجراءات «التطوير»
«التصرف السياسي» يحكم مصير إمبراطورية «بلبن»
إمبراطورية «بلبن» من «آسفين عشان جامدين» إلى «لو في غلط متقتلنيش».. فلم يقتلوا
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن