بعد مقتل السادات: زيارة إجبارية لسجن المرج
الحلقة الثانية عشر من برنامج قراءة «المصريون والسجن»
بالطبع ليس المصريون وحدهم هم الذين لعب السجن والمعتقل وآلات التعذيب والمحاكمات دورًا أساسيًا في حياتهم، فالقمع والانفراد والاستغلال وصراع الطبقات أمور لا تحتاج للتأكيد، بل هي واقع عاشته وتعيشه سائر المجتمعات منذ قرون وسوف يستمر أيضًا، وإن كنت أتمنى ألا يستمر حتى النهاية.
برنامج القراءة الذي أقترحه هنا يطمح للاقتراب من تلك التجربة المخيفة بكل ما فيها من بسالة وانكسار لمن عاشوا خلف الأسوار، من تعذيب وتنكيل اقترب في أحيان كثيرة من القتل، ناهيك عن أن هناك من قُتلوا فعلًا وتم تعذيبهم حتى الموت. ويطمح للاقتراب أيضًا من مستعمرات العقاب ذاتها ومعسكرات الاعتقال في سائر بقاع المحروسة. ومن بين ما يسعى إليه برنامج القراءة الذي أقترحه الكشف عن دهاليز وخفايا نظام التحقيقات والمحاكمات الذي أتاح وسمح بمساخر لا حصر لها، لا تتعلق فقط بإهدار سنوات طويلة من عُمر المعتقلين داخل مستعمرات الاعتقال، بل أتاح أيضًا وسمح بأن تعيش مصر ومثقفوها وقواها الاجتماعية عدة عقود متوالية، في أوهام وضلالات الحكم العسكري المطلق منذ عام 1952 وحتى الآن.
في الحلقة الأولى تناولت مؤامرة شبرا، التي اتهم فيها شباب بالتخطيط لقتل الجناب الخديو عام 1912. وفي الثانية والثالثة اخترت كتاب سعد زهران «الأوردي .. مذكرات سجين» عن التجربة الدامية في «أوردي» أبو زعبل كنقطة انطلاق. وفي الرابعة والخامسة تناولت تجربة «الواحات»، منطلقًا من كتابين هما «يوميات الواحات» لصنع الله إبراهيم، وكتاب «الحياة الثقافية في سجن الواحات» لعلي الشوباشي. وبالموازاة اخترت للحلقتين السادسة والسابعة «مذكرات إنجي إفلاطون التي سجلّت التجربة المتزامنة مع تجربة «الواحات»، في سجن آخر هو سجن القناطر للنساء، وحوله وبجواره عدد لا بأس به من الشهادات. وللحلقة الثامنة تناولت تجربة نادرة لم تتكرر، حين قام اثنان من السجناء بالهروب من معتقل الواحات. وفي الحلقة التاسعة تناولت شهادة لآخر قادة التنظيم الخاص للإخوان المسلمين.
وخلال سبعينيات القرن الماضي، شهدت الحركة اليسارية نهوضًا واضحًا، وأعقبها بطبيعة الحال حملات اعتقال طالت العديد من المثقفين والأدباء والفنانين. فاخترت للحلقة العاشرة كتاب «رسوم الزنزانة» لعز الدين نجيب، ثم في الحلقتين الحادية والثانية عشر عدتُ لكتابي «الإمساك بالقمر».
قُتل السادات -كما هو معروف- ظُهر السادس من أكتوبر عام 1981 أثناء العرض العسكري. قبل مقتله بشهر بالضبط، كانت أجهزته ألقت القبض على 1500 من الكتاب والمفكرين والمشتغلين بالسياسة من التيارات والاتجاهات كافة في ما سُمّي بالتحفظ. وبعد مقتله قبضت الأجهزة نفسها على عدة آلاف ممن ينتمون لجماعات الإسلام السياسي، ومن أجل التوازن! -كما قيل أيامها- بادرت الأجهزة بالقبض على عدد لا بأس به من اليساريين.
وهكذا بدا لي أن أغلب الناس في السجن! وليس من المنتظر حدوث موجة أخرى، والمفاجأة أن الأجهزة قامت بحملة أخرى فجر 4 نوفمبر 1982 كنت أنا وعائشة من بين معتقليها.

قبل ذلك بأكثر من عامين، وأثناء وجودي في الوادي الجديد الذي نُفيت إليه بسبب اتهامي في أحداث انتفاضة الطعام في يناير 1977، تم اعتقالنا -عائشة وأنا لعدة أشهر في يناير 1980، ومن المثير للدهشة أنهم وافقوا على نقلنا للقاهرة في أول حركة لتنقلات وزارة التربية والتعليم التي نعمل في مدارسها.
سكنّا في الوراق وأنجبنا ابنتنا الأولى لينا في آخر فبراير 1982. وبسبب سلسلة الاعتقالات السابق الإشارة لها، استبعدتُ تمامًا اعتقالنا. وكنا أحيانا نمضي يومًا أو يومين عند حماتي في روض الفرج، وفي فجر 4 نوفمبر جاءوا، وفوجئت أن قرار الاعتقال يشمل عائشة أيضًا وهو ما لم نكن فكّرنا في تداعياته مثل ماذا نفعل في لينا.
*
الضابط الذي اعتقلنا أوضح لنا أنه من المسموح به ترك طفلتنا أو أن تصطحبها عائشة. لم نكن قادرين على الاختيار، بل لم نستطع حتى إن ينظر كل منا للآخر. كانت هي مكلومة ومقهورة أيضًا، بل ومهزومة، من قرب انفصالها المفاجئ عن ابنتنا التي كانت لا تزال في أشهر الرضاعة. في النهاية اضطررنا للمغادرة دونها، على الرغم من أن ظروف حماتي الصحية لم تكن على ما يرام، ولو لم تبادر أمي في الصباح (كانوا قد هاجموا بيت أمي في الهرم في نفس التوقيت) في الذهاب إلى روض الفرج، وتولّت رعايتها طوال الأشهر التالية وحتى خروج عائشة، لو لم يحدث ذلك، لكان من المؤكد أن تواجه لينا الموت.
ركبنا معا سيارتهم الميري وحولنا المخبرون. توجهوا إلى قسم الساحل المجاور لكنيسة سانت تريز، حيث أنزلوني ومضوا بها دون أن يتاح لنا الكلام. لم أدخل القسم، بل ركبتُ سيارة ميري أخرى إلى قسم شرطة السيدة زينب. ألقوا بي في الحجز، ووجدت عددًا قليلًا من الوجوه اليسارية المعروفة، وعددًا أقل من الرفاق، ولم أكن أعرفهم إلا بأسمائهم الحزبية، فاضطررنا لأن يكشف كل من نفسه للآخرين.
في الصباح دعانا جنائيو الحجز على شاي أعدوه على عجل بواسطة« تَوْ تَوْ»، وهو عبارة عن كمية مربوطة ومضغوطة من أكياس البلاستيك على شكل شريط، ويمكنها بعد إشعالها أن تسوّي لنا الشاي. استبدت الدهشة بزملائنا الجنائيين من مظهرنا، فنحن بلا لحى ونختلف كثيرًا في سلوكنا عمن عرفوهم من السياسيين. فهمتُ منهم أنهم معروفين في دائرة القسم، وتم جمعهم من بيوتهم وأماكن ترددهم في أعقاب اغتيال السادات وحبسهم ليمضوا لياليهم في الحجز، مثلما فعلوا مع النساء في الزنزانة المجاورة، وفي الصباح يغادر الجميع بعد كنس ومسح القسم، ويعودون في مساء اليوم نفسه.
لم تكن هناك أحكام مراقبة تقضي بمبيتهم، وكانوا يأتون طبقًا لاتفاق تم إبرامه مع ضباط القسم، بدلًا من استخدام قانون الطوارئ المعمول به واعتقالهم. هم هجامون ونشالون وبلطجية ومشتغلون في دواليب المخدرات والمسجلون خطر. وخلال الأيام الثلاثة أو الأربعة التي أمضيناها معهم قبل ترحيلنا، كانت العلاقة بيننا وبينهم ممتازة، وساعدونا في حقيقة الأمر، فقد كان بعضنا تمكن من تسريب نقود، فكانوا يشترون لنا طعامًا من الخارج عند عودتهم مساءً، فالقسم لم يكن يصرف لنا إلا جراية أي عيش حاف.
وبعد ظُهر أحد الأيام قيّدونا وشحنونا في سيارة لوري، مضت تقطع الطريق نحو المجهول كنا نراقب الطريق من النوافذ الصغيرة المغطاة بشبكات حديدية. خُيّل لنا في البداية أننا في طريقنا لسجن «أبو زعبل»، لكن من سبق لهم أن سُجنوا فيه سرعان ما اكتشفوا أننا نسير في طريق آخر.
*
كنا مجموعة صغيرة ربما لا تزيد عن عشرة، ممن كانوا في حجز السيدة زينب. أما باقي الحبسة ، كما تبين في ما بعد، فقد جاءت من أماكن أخرى. وصلنا إلى سجن جديد تمامًا فشلنا في التعرف عليه. وبعد أن انتهت إجراءات تسليمنا، مضوا بنا إلى زنازيننا. أوقفونا في منتصف الطريق، وبدأوا في تغميتنا بأقنعة سوداء. رفضنا بالطبع بل سخرنا منهم، وقال أحدنا ما معناه إننا سياسيون، ولن نسمح لأحد بتغميتنا. كرر الصول الذي كان يتولى قيادة الطابور كلامه، وكررنا الرد نفسه.
بعد دقيقتين أو ثلاثة، انشقت الأرض عن ثُلّة من الجنود بالشدة الثقيلة المعتبرة، يتقدمون نحونا بأدواتهم. كان عددهم أضعاف عددنا، فضلًا عن تسليحهم. بدا أننا مقبلون على تجربة مختلفة، وأن هناك جوا من الإرهاب كان يُراد فرضه من اللحظة الأولى بسرعة وحسم.
على أي حال لم نقاوم ولم يكن ممكنا لنا أن نقاوم.
وهكذا تمت تغميتنا وساقونا نحو زنازيننا، ولم ينزعوا العصابة إلا بعد أن خطوتُ داخل الزنزانة بالفعل. كانت زنزانة حديثة وفق مواصفات حديثة، قياسًا لزنازين أخرى استضافتني في أكثر من حبسة. كانت معدّة لمسجون واحد، لكنهم ألقوا بي مع زميل آخر لم أكن أعرفه، ولم يكن قد تجاوز العشرين، قُبض عليه في أسوان.
أما ما جرى في اليوم التالي لوصولنا، فقد أكّد لنا أننا في سجن وتجربة مختلفين. في الليل سمعنا أصوات مروّعة قوية جدًا تجعلك أنت تشعر بالألم. استطعنا بعد مراقبة من النظارة واستفسارات وتلصص العلم أن هناك شابين يُعذبان بواسطة أمن الدولة، وهو جهاز ممنوع بحكم القانون أن يتردد على السجون، ناهيك عن تعذيبه لمتهمين تحت التحقيق. ما زلت أذكر اسم أحدهما وهو مجدي عبد الحافظ، ومن المحتمل أن يكون اسم الثاني سيد عبد الخالق. زملاؤنا الذين كانت زنازينهم قريبة من الممر، شاهدوهما أثناء عودتهما، كما أتيح لي شخصيًا أن أشاهد مجدي عبد الحافظ، وعسكريان يكادان يحملانه، وهو يصرخ من الألم بعد أن نال وجبة تعذيب.
لم نستطع إيقاف التعذيب في وقته، وإن كانوا هم أوقفوه بعد ليلتين أو ثلاث، وربما يكون ذلك بسبب الاتصالات التي كنا أجريناها عبر الزنازين، لتنظيم إضراب لوقف التعذيب.
كان سجن المرج هو السجن الحقيقي، فأنت ملقى في زنزانة ضيقة مع زميل لك، بالرغم من أنها معّدة لمسجون واحد. لا تُفتح الزنزانة، فدورة المياه جزء مقتطع من الزنزانة ، ولا يفتحون عليك إلا مرتين ليُدخلوا لك في قروانة حساءَ مقززًا وخبزًا، وعلى الرغم من الجوع الشديد، لم يكن ممكنًا إجبار النفس على ازدراد ذلك الحساء، ولكن يمكن التهام الخبز مهما كانت حالته سيئة.
وعلى مدى عدة أيام اعتادوا أن يفتحوا الزنزانة فجأة، ويطل أحد الضباط. ربما لا يتبادل الأخير كلامًا معنا، ويكتفي بالنظر أو السخرية أو السباب. ثم جاء المأمور، وكنا جالسين -زميلي وأنا- فأمرنا بالوقوف وسأل كلا منا: بتشتغل إيه يا ولد؟ أجبته وأنا أشعر بالهوان، وربما خفف المسألة أن هيئته كانت كوميدية للغاية وملامحه نسخة طبق الأصل من الممثل الكوميدي حسن مصطفى. ولما كان المأمور يعلم ذلك، أضاف إلى مظهره طريقة الممثل في الحديث.
ذلك المأمور كان الأكثر خبرة ودراية وشرًا، وما فعله معنا في الحبسة هو الدليل.
*
مضت عدة أيام.. وإذا كان تعذيب زميلينا توقف، إلا أن ما خلّفه من رعب وشعور بالعجز والمهانة استمر، إلى جانب اقتصار طعامنا على ما يقدمه السجن، وعدم فتح الزنازين مطلقًا لطابور الشمس، وعدم التعامل مع كانتين السجن.. إلخ. باختصار الحرمان من كل حقوق المسجون تحت التحقيق. كذلك لم يكن سجن المرج معروفًا لأحد، وربما كنا نحن أول دفعة من السياسيين، وكانت الزيارات ممنوعة، وهو ما أسهم في تأجيلنا للإضراب عن الطعام، كنا قد اقترحناه عبر الزنازين لوقف تعذيب زميلينا، لأن الإضراب يلزمه مساندة من الخارج، خصوصًا أن حالتنا الصحية كانت سيئة.
وبدا أن خطة المأمور تقوم على الوصول بنا إلى الحد الأقصى من المنع والزجر والحصار والسخرية، وقبل أن نبدأ في المقاومة، ونتفق عبر الزنازين على إجراء ما، ويصله بالطبع ذلك الاتفاق من العيون المبثوثة طوال الليل، يسمح لنا بأقل القليل، فتشعر بأنك حصلت على مغنم كبير.
وعندما جاء موعد نزولنا للتحقيق رأينا وجها آخر للنيابة لم نكن قد رأيناه من قبل. ساقونا في جُنح الليل، وقاموا بتغميتنا قبل أن نخرج من باب السجن. ركبتُ لوريًا مع عسكري مقيّد معي. وكان هو نفسه مرعوبًا، ولم يتوقف عن زغدي بدبشك الرشاش. لم يكن مرعوبًا فقط، بل كان غبيًا أيضًا. وكانت العصابة على عيني تزيد الأمر تعقيدًا. وبسبب رعب العسكري لأنه مقيّد مع إرهابي -أنا طبعًا- كان يدفعني ويضربني ضربات طائشة تزداد ضراوتها لأنها مفاجئة.
كانت نيابة أمن الدولة في شارع زكي بالتوفيقية في قلب القاهرة، لكنني لم أر شيئًا بطبيعة الحال بسبب العصابة المحكمة على عيني. أما صعود سلالم البناية التي تقع فيها مكاتب النيابة، فقد كان مأساة أخرى. بالطبع لا ينبهك العسكري الهلوع المرعوب لاقترابك من السلالم لتصعد، بل يجرّك جرًا، وعندما تتعثر، وهو ما تكرر طوال الصعود الطويل الذي بدا وكأنه لا ينتهي، يكاد أن يتعثر لأنه مقيّد معك فيبادر بضربك كيفما اتفق. ثم أنك تسمع أصواتًا عالية وشتيمة وزجرًا وأنت مغمّى لا تتبين شيئا.
قلتُ لنفسي إن دخولي للتحقيق بعد قليل سينهي كل الأمور. سوف أطالب وكيل النيابة بفتح تحقيق فوري في تعذيب زميلينا، وأطالبه أيضا بالتدخل لتطبيق القانون الذي يمثّله لنحصل على حقوقنا بوصفنا مساجين تحت التحقيق، والأهم سوف أطلب منه كوب شاي ساخن وسيجارة أيضًا، وهو ما سبق لي أن جرّبته في حبسة سابقة.. هكذا كنت أفكر وأنا جالس على الأرض كما أمرني العسكري.
وعندما دفعني الأخير لدخول حجرة ما، سمعت صوتًا توقعت أنه لوكيل النيابة، وقبل أن أتبين ما يقوله بادرته: أنا فين الأول؟ مش النيابة برضه؟ أمر حضرتك بفك الكلبش وشيل اللي على عيني..
أكّد لي أنه النيابة، ورفض فك الكلبش والعصابة، بل طالبني بالركوع على ركبتيّ، فرفضت التحقيق على الفور بحسم وشجاعة لم أتصور أنني أملكهما.
أمر بإعادتي محبوسًا على ذمة التحقيق طبعًا، وتكرر المسلسل نفسه من الجرجرة والسب والصراخ والمناوشة بدبشك الرشاش الذي يحمله العسكري المقيّد معي. شعرتُ أنهم أكثر خوفًا مني. وعندما أتأمل الآن ما جرى، أفهم أن الجو والمناخ الذي أعقب اغتيال السادات كان يشبه فيلمًا من أفلام الرعب، لأنه قُتل رغم إجراءات التأمين المعقدة لعدة أجهزة مدرّبة، وفي قلب العرض العسكري.
*
استمر إغلاق الزنازين وحرماننا من طابور الشمس وتردد المأمور أحيانا للسخرية، لكننا استجمعنا قدرًا من التماسك بعد تجربة العرض على النيابة. بدأنا في التعارف ليلًا، وكم كانت سعادتي عندما عرفت أن صديقي محمد المخزنجي محبوس معنا. كانت الإذاعة وسيلتنا لرأب الصدع ومقاومة الخوف، وسرعان ما اكتشفتُ أن بيننا فنانين متحققين وليسوا مجرد هواة، من بينهم مجموعة من بورسعيد قدّموا مسرحيات قصيرة إلى جانب الأغاني، وبادر المخزنجي بإلقاء أقاصيصه التي يحفظها، وبدأنا في إذاعة الأخبار التي حصلنا عليها بسبب نزول بعضنا للتحقيق مرة أخرى في النيابة.
قادنا ذلك للتقدم خطوة في اتجاه الاتفاق على مطالبة إدارة السجن بحقوقنا. وعندما بدا أننا في الطريق للمواجهة فعلًا، بادرت الإدارة الذكية بالسماح لنا بأقل القليل.
*
حتى ذلك الوقت لم أكن قد توصلت لأي أخبار عن عائشة أو عن ابنتنا لينا التي تركناها وراءنا، فالزيارات ممنوعة ولا أحد في الخارج يعلم مكاننا. ومن جانب آخر لا يمكن وصف ما جرى لها بعد أن حُرمت من طفلتها ذات الأشهر الثمانية، لكن هناك حادثة واحدة أسوقها لأبيّن ما تعرّضت له بعد مرور 40 يومًا على حبسها. استند المحامون على مادة في القانون توجب الإفراج عن أحد الأبوين، إذا تم حبسهما في القضية نفسها، وتركا وراءهما طفلًا رضيعًا. اضطرت النيابة للامتثال لتلك المادة وأصدرت قرارها بالإفراج على ذمة القضية. بالطبع فرحت عائشة وهيّصت عندما أبلغت بالقرار، بل وتم الإفراج عنها من سجن القناطر، واستقلّت سيارة إلى مقر أمن الدولة في لاظوغلي لاستكمال الإجراءات، وهناك أبلغوها بصدور قرار جديد باعتقالها وفقا لقانون الطوارئ.
*
كانت تلك ضربة موجعة وقاسية حقًا ومدبّرة بعناية بين النيابة وسلطات الأمن، ولم يستغرق الإفراج عنها وإعادة اعتقالها وإعادتها للسجن أكثر من ساعتين. كانت آنذاك نزيلة المستشفى في سجن القناطر، وانقسمت الحبسة إلى قسمين معزولين. في القسم الأول من تم اعتقالهن في حملة سبتمبر التي سمّاها السادات على سبيل الدلع« تحفظ»، وضمّت رموزًا كبرى مثل لطيفة الزيات وأمينة رشيد ونوال السعداوي وصافيناز كاظم وغيرهن. أما القسم الثاني فكان يضم الأصغر سنًا ممن تم حبسهن على ذمة قضايا وهمية لم يُنظر فيها أصلا، وأفرج القضاة عنهن كالعادة على دفعات بعد أشهر كانت كافية لإحداث الفوضى في حياتهن.
ومع ذلك فإن بالإفراج عن عائشة تم في ظروف مغايرة وعلى نحو استثنائي. فعندما تسلم مبارك الحكم خلفا للسادات، بدأ عهده بمحاولات لرأب الصدع والتخفيف من الصدمات العنيفة التي كان السادات مولعا بها. بادر باستقبال معتقلي حملة سبتمبر على دفعات تمهيدًا للإفراج عنهم، وكان من بين الوفد الأستاذة صافيناز كاظم، وأصرّت على إبلاغه بالأمر وطالبته بتنفيذ القانون عندما جاء دورها في مصافحته، وناولته ورقة صغيرة تتضمن البيانات الضرورية، وبعد ما يقرب من أسبوع تم الإفراج عن عائشة بتدخل رئاسي.
*
لم أعلم أنا بما جرى إلا في ما بعد، فقد كنا في سجن المرج المعزول والزيارة محظورة، إلا أننا مع ذلك التقطنا أنفاسنا، وأسهمت الإذاعة التي بدأت بثها ليلًا في استعادتنا لقدرتنا على المقاومة. وفي اللحظة التي كنا فيها على وشك تنفيذ الإضراب، تم ترحيلنا فجأة إلى سجن القناطر حيث كانت الأمور مختلفة تمامًا، فقد حصلنا منذ اللحظة الأولى على حقوق المسجون تحت التحقيق، والسماح لنا باستلام تعيينا وإعادة تصنيعه على هوانا والتعامل مع الكانتين، والأهم السماح بالزيارات، والأكثر إدهاشًا بدء الإفراج عن عدد محدود منا، كان من بينهم محمد المخزنجي. أغلب الظن أن تلك الانفراجة سببها المباشر سعي النظام الجديد -نظام مبارك- لتخفيف القبضة قليلًا، وتم بالفعل الإفراج عن معتقلي سبتمبر ونشرت في الصحف صور للرئيس الجديد وهو يستقبل ممثليهم.
*
هناك واقعة أخرى أود أن اختتم بها التجربة.
لدي أولًا التباس في المكان الذي جرت فيه، فـأنا لا أتذكر جيدًا هل كان ذلك في سجن القناطر أم في سجن طُرة. لكن المؤكد أننا كنا في زنازين تأديب أحدهما، وفوجئنا بضجيج وصخب وزنزانة تٌفتح بعد منتصف الليل، وفي الصباح علمنا أن الضيف الجديد هو الحاج رشاد عثمان، أحد نجوم عصر السادات.
صعد الحاج من القاع، لكنه امتلك امبراطورية ضخمة في الإسكندرية، لم تقتصر على الميناء الذي بدأ منه، والتحق بالحزب الوطني، ورتّب له صديقه وصهر السادات الحاج عثمان أحمد عثمان، صاحب امبراطورية المقاولون العرب، لقاءَ مع الرئيس الذي كان يمضي إحدى سهراته في الإسكندرية. وقبل أن يغادر رشاد مجلس السادات ، قال له الأخير وهو يصافحه: إسكندرية في رقبتك يا حاج! وصعد الحاج رشاد بقوة، وسرعان ما أصبح واحدًا من نجوم الحزب الوطني ومتنفذيه..
تلك الوقائع المتناثرة كانت شبه معروفة ومتداولة دون أن يتحقق أحد منها، وسألنا الحاج رشاد عن الواقعة الأخيرة تحديدًا -واقعة لقائه بالسادات ووصيته، فاكتفى بهز رأسه مبتسمًا.
وكان مبارك قد بدأ عهده بالإفراج عن المتحفظ عليهم وإعلان أن الكفن مالوش جيوب، وفي ذلك السياق تم إلقاء القبض على عدد من الفاسدين الذين كانت رائحة فسادهم تزكم الأنوف مثل عصمت السادات ورشاد عثمان.
وعندما جاء إلى عنبرنا أفردت له زنزانة وحده. في اليوم الأول رفض الخروج من زنزانته والجلوس معنا في الشمس، لكنه خرج في نهاية اليوم وراح يتجول في العنبر مرتديا جلبابا صوفيا فوقه الروب دي شامبر وينتعل شبشبًا فاخرًا. لاحظتُ أنه كان مكفهرا يغلي من الغضب يروح ويجئ، وهو يكلّم نفسه بصوت عال ويدخن بعصبية شديدة.
مع الأيام بدأ ينخرط معنا، ولما كانت احتفالاتنا وصخبنا لا ينقطعان مثل ذكرى توقيع معاهدة كامب ديفيد، أو ذكرى انتفاضة 1946 وغيرها، فضلا عن تنظيمنا لمحاضرات في التاريخ والسياسة إلخ، فقد فوجئنا به وهو يجلس بيننا على الأرض خارج الزنازين في شمس الشتاء، وينتهز أي فرصة ليحيينا بتوزيع سجائره، أو يهرع إلى زنزانته ويأتي بصندوق تفاح أمريكاني، ويقوم بتوزيعه على الحاضرين، ولم يكن التفاح الأمريكاني في ذلك الزمان أمرًا عاديًا، بل كارثة ولا يقربه إلا أعداؤنا الطبقيون!
الحقيقة أن الرجل لم يكن غبيًا ولا متنفجًا ولا ثقيل الدم. كان ابن بلد ويتميز بالذكاء فعلًا. كان يجلس مصغيًا ومستمعًا جيدًا وحريصًا على الود. بالطبع كان البعض منا «أسياخا» أي نرفض تفاح البورجوازية وسجائرها الأجنبية بإباء وشمم، وأنا منهم، وكان يتقبل رفضنا بأريحية ويتغاضى عن حماقاتنا.
على أي حال، أمضى الرجل معنا وقتًا طيبًا، وعندما صدر أمر ترحيله من السجن، كان حريصًا على مصافحة الجميع وتوديعهم كابن بلد حقيقي.
*
هنا اختلطت عليّ الأمور، فبعد أن زارتني عائشة ومعها لينا واطمأنت عليهما، وبعد أن حصلنا على كثير من الامتيازات التي تفوق حقوق المساجين تحت التحقيق، دخلتُ في نوبات نوم طويلة بلا أحلام ولا كوابيس، وبدا وكأن الذاكرة قد توقفتْ، فلا أتذكر إلا لمحات قليلة. منها مثلا ترحيل من تبقى إلى سجن طرة حيث أقمنا عدة أسابيع وربما عدة أشهر، فقد فقدتُ الأوراق التي تساعدني على التذكر بالضبط، ثم أفرج عني دون قضية ودون أوراق تفسّر تلك الأشهر التي أمضيتها في السجن.
تقارير ذات صلة
ما رآه سعد زهران في الأوردي: سلخانة التعذيب لتركيع المخالفين (2-2)
الحلقة الثالثة من كوكبة «المصريون والسجن: سنوات دامية للمثقفين والجلادين خلف الأسوار»
في شهادة تأخرت ثمانين عامًا (2-2): أنا توماس راسل باشا حكمدار بوليس القاهرة
حلقة جديدة من برنامج قراءة «شهود عيان»
في أوراق أحمد عباس صالح: تغريبة بغدادية وأخرى لندنية (2-2)
الحلقة الحادية عشر من برنامج قراءة «شهود عيان»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن