بعد فرض قيود على صور الحرب.. س&ج حول شركات الأقمار الصناعية
أعلنت «Planet Labs»، إحدى كبرى شركات صور الأقمار الصناعية، قبل أسبوع، عن فرض قيودٍ على صور معظم المناطق التي طالتها الحرب الأمريكية -الإسرائيلية على إيران حتى الآن، وذلك بعدما كشفت صورها طبيعة الدمار الذي لحق بالقواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة.
وبحسب بيان الشركة، تمثلت القيود في أن «كل الصور التي تُجمع فوق دول الخليج والعراق ومناطق النزاع المجاورة ستخضع لتأخير إجباري لمدة 96 ساعة قبل إتاحتها» في أرشيف الشركة.
وأوضحت «Planet Labs» أن القرار يعود إلى «التزامنا بضمان سلامة الأفراد الأمريكيين وحلفاء الولايات المتحدة وشركاء الناتو والمدنيين على الأرض».
بعدها بأيام، لحقتها شركة أخرى، هي «Vantor»، إذ أعلنت عن فرض قيودٍ على صورها فوق الشرق الأوسط.
أكدت كلتا الشركتين على أن قرارهما لم يأت استجابة لطلبات أو ضغوط حكومية أمريكية. لكن كلتيهما تستفيدان من عقود دفاعية حكومية، كما لاحظت تقارير صحفية. وسبق أن اتخذت «Planet Labs» خطوة شبيهة بخصوص الصور الواردة من غزة بعد أسابيع من بدء الحرب عليها.
من أجل فهم طبيعة عمل هذه الشركات، ونموذج عملها، والدور الذي تلعبه عند تقاطع عملها مع أجندات الحكومات، أجرى «مدى مصر» مقابلة سريعة مع مصطفى أحمد، باحث المصادر المفتوحة ومحرر مدونة «Egypt Intel».
مدى مصر: بداية ما هي شركة Planet Labs وما هو نموذج عملها؟ ومن هم عملاء هذا النوع من الشركات؟
مصطفى أحمد: شركة Planet توفر نموذجًا لمراقبة الأرض (Earth Observation)، حيث تتيح صورًا للأقمار الصناعية بشكل منتظم لمعظم مناطق الكرة الأرضية. وتهدف الشركة أساسًا إلى تحقيق الربح، إذ تقدم مجموعة متنوعة من البرامج والحزم التجارية لعملائها.
ويتنوع العملاء المحتملون لمثل هذه الخدمات، سواء من «Planet» أو من غيرها من الشركات العاملة في المجال. فعلى سبيل المثال، تستفيد شركات الطاقة والتعدين، والشركات العاملة في القطاع الزراعي، وكذلك شركات التأمين من هذه الصور. كما تشمل الجهات المستفيدة أيضًا هيئات حكومية مختلفة، ومنظمات غير ربحية، إضافة إلى المؤسسات المعنية بأبحاث البيئة والتغير المناخي.
م.م: تقنيًا، كيف تعمل شركات التصوير بالقمر الصناعي؟
م.أ: باختصار، تمتلك هذه الشركات أقمارًا صناعية مزودة بعدسات تصوير خاصة يجري إطلاقها إلى الفضاء. ولكل عدسة دقة تصوير مختلفة، كما أن لها عمرًا تشغيليًا محددًا، ما يعني أنها تحتاج إلى الاستبدال بعد مدة معينة. وبناءً على ذلك، تختلف جودة الصور التي يلتقطها كل قمر صناعي.
تتكون الصورة الملتقطة من وحدات صغيرة تُسمى بيكسل/ Pixels، ويحتوي كل بيكسل على معلومات محددة عن جزء صغير من سطح الأرض، تمامًا كما في التصوير العادي باستخدام الهاتف أو الكاميرا. وتختلف جودة الأقمار الصناعية أساسًا في حجم المساحة التي يمثلها البيكسل الواحد على سطح الأرض.
تُصنَّف الصورة على أنها عالية الجودة إذا كان البيكسل الواحد يمثل مساحة قدرها 0.5 متر × 0.5 متر. أي أن كل بيكسل يحتوي على معلومات عن قطعة من الأرض بهذا الحجم. فعلى سبيل المثال، إذا كانت هناك سيارة بطول 1.5 متر، فإنها ستظهر في صورة الأقمار الصناعية عالية الجودة على شكل نحو ثلاثة بيكسلات.
تتنافس الشركات في تحسين دقة البيكسل الواحد. واستطاعت بعض الشركات استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحسين جودة الصور لتصل إلى حوالي 15 سم × 15 سم للبيكسل الواحد، وهو ما يُعرف بالصور فائقة الجودة. وتتيح هذه الدقة، على سبيل المثال، إمكانية تقدير عدد الأشخاص الموجودين داخل مساحة محددة.
وبالإضافة إلى الصور عالية وفائقة الجودة، توجد أيضًا صور متوسطة ومنخفضة الجودة. ففي الصور المتوسطة تتراوح مساحة البيكسل الواحد بين ثلاثة وعشرة أمتار، فيما قد تصل في الصور منخفضة الجودة إلى حوالي 30 مترًا للبيكسل الواحد.
يُعد توفير الصور عالية وفائقة الجودة أمرًا مكلفًا للغاية، كما أنه شديد الحساسية في كثير من المناطق لأسباب أمنية وتنظيمية، ولذلك لا تتوفر هذه الصور على نطاق واسع.
كل ما سبق يتعلق بالتصوير بهدف التحليل البصري المباشر. لكن في الواقع، تلتقط الأقمار الصناعية البيانات بطرق أكثر تعقيدًا من مجرد الصور المرئية. فعلى سبيل المثال، يمكن للأقمار الصناعية التقاط أطوال موجية مختلفة من الضوء، وهو ما يساعد في تحليل خصائص سطح الأرض، مثل تقييم حالة المحاصيل الزراعية.
كذلك تعتمد بعض الأقمار الصناعية على استخدام موجات الراديو بدلًا من الضوء لإنتاج ما يُعرف بصور SAR (اختصار Synthetic Aperture Radar). وتمتاز هذه الصور بأنها لا تعتمد على وجود ضوء، ما يعني إمكانية التقاطها ليلًا أو في ظروف السحب الكثيفة. كما يمكن استخدامها في تطبيقات متعددة، مثل رصد المعدات ذات الطبيعة العسكرية أو متابعة حركة السفن في البحار.
م.م: هل هناك شركات غير أمريكية تقدم هذه الخدمات؟
م.أ: نعم، توجد شركات ومبادرات أخرى في هذا المجال. فعلى سبيل المثال، يوجد برنامج Copernicus الذي تموله المفوضية الأوروبية ويتبع لوكالة الفضاء الأوروبية. ويعتمد هذا البرنامج على أقمار صناعية من سلسلة Sentinel التي تصور الكرة الأرضية بمعدل يقارب مرة كل خمسة أيام في المتوسط، وتُتاح هذه الصور مجانًا، لكنها غالبًا تكون منخفضة الدقة مقارنة بالصور التجارية عالية الجودة.
كذلك تقدم شركة Airbus خدمات في مجال صور الأقمار الصناعية. وهي ليست شركة أمريكية، بل نتاج تعاون أوروبي بين عدة دول، وتوفر خدمات تجارية لبيع وتحليل صور الأقمار الصناعية.
وفي الآونة الأخيرة، ظهرت شركة جديدة تُدعى «MizarVision»، وهي شركة صينية. ومع ذلك، لا تزال طبيعة خدماتها التجارية ونطاق أنشطتها غير واضحين بشكل كامل حتى الآن.
م.م: متى بدأ دخول الشركات الخاصة هذا النوع من الأعمال التي كانت قديمًا مقتصرة على الحكومات؟ كيف يمكن الموازنة بين الشركات الخاصة والطبيعة الاستخباراتية لأعمالها؟
م.أ: على سبيل المثال، بدأت شركة Planet في بناء أرشيفها الخاص من صور الأقمار الصناعية منذ عام 2016 تقريبًا. في المقابل، توفر «Airbus» صورًا تعود إلى عام 2002، فيما توجد صور أقدم منخفضة الدقة تعود إلى عام 1972 ضمن برنامج Landsat التابع لوكالة ناسا. ويُتوقع أن يشهد قطاع صور الأقمار الصناعية التجارية مزيدًا من النمو، خاصة مع تسارع وتيرة تدفق المعلومات وزيادة رغبة الشركات والمؤسسات المختلفة في الوصول إلى البيانات.
ومع ذلك، فإن وجود شركات خاصة في هذا المجال لا يعني بالضرورة ارتباطها بأنشطة استخباراتية. بل على العكس، فإن انتشار هذه الشركات وإتاحة بياناتها يساهمان في جعل الوصول إلى المعلومات متاحًا للباحثين والمتخصصين، بل وحتى لعامة الناس، بدلًا من أن يظل حكرًا على الأجهزة الاستخباراتية.
ومن المنطقي، في ظل سباق التسلح العالمي، أن تمتلك أجهزة الاستخبارات أقمارها الصناعية الخاصة ومصادرها المستقلة لصور الأقمار الصناعية. ولذلك من غير الواقعي أن تعتمد هذه الأجهزة على مزود خدمة تجاري للحصول على معلومات حساسة.
بناءً على ذلك، لا ينبغي النظر إلى الشركات التجارية في هذا المجال باعتبارها أدوات محتملة للعمل الاستخباراتي. بل يمكن القول إن وجودها يسهم في كسر احتكار المعلومات الذي كانت تفرضه الأجهزة الاستخباراتية في السابق.
وقد أثبت مجتمع المصادر المفتوحة خلال السنوات القليلة الماضية أن إتاحة المعلومات للجميع تؤدي إلى قدر أكبر من الفحص والتحليل، وإلى استنتاجات أقوى، فضلًا عن تمكين الجمهور والباحثين من التدقيق في الروايات المتضاربة ومساءلتها من أجل الوصول إلى الحقيقة.
وتُعد إسرائيل من أكثر الدول إدراكًا لحساسية إتاحة صور الأقمار الصناعية للعامة. ومن المرجح أنها من الدول التي قد تفضّل قصر الوصول إلى هذه الصور على أجهزة الدولة الاستخباراتية باعتباره «أقل الضررين». فعلى سبيل المثال، مع بداية الحرب على غزة، كان هناك تعتيم كبير حول حجم ومواقع الحشد العسكري الإسرائيلي حول غلاف غزة، ولم يكن من الممكن التحقق من تلك المعلومات إلا عبر صور الأقمار الصناعية، وهو ما اتاحته بالفعل عدة حسابات من مجتمع المصادر المفتوحة، إلى جانب عدد من المنصات الإخبارية.
في النهاية، لا يتمثل التوازن الحقيقي في النقاش حول ما إذا كانت الشركات الخاصة تؤدي دورًا استخباراتيًا أم لا، بل في الموازنة بين إتاحة المعلومات عبر هذه الشركات واحتكارها من قبل الأجهزة الاستخباراتية. وحتى الآن، يمكن القول إن ما تقدمه هذه الشركات يسهم بدرجة كبيرة في كسر احتكار المعلومات.
م.م: هل يوجد إطار محدد يسمح لهذه الشركات بتغيير سياساتها بهذا الشكل كما فعلت «Planet Labs»؟
م.أ: نعم، تستطيع الشركات العاملة في مجال صور الأقمار الصناعية تعديل سياساتها المتعلقة بتوقيت إتاحة الصور، ودقتها، وإمكانية نشرها أو تداولها.
فعلى سبيل المثال، خلال فترة الحرب على غزة، قيدت شركة Airbus توفير صور الأقمار الصناعية لبعض المناطق الحساسة. إذ امتنعت عن إتاحة صور لمناطق داخل إسرائيل أو خارج نطاق غلاف غزة، كما منعت لاحقًا نشر أو تسليم صور مواقع داخل قطاع غزة كانت تتمركز فيها قوات الجيش الإسرائيلي.
في المقابل، لم تفرض شركة Planet قيودًا مماثلة على صورها المتعلقة بقطاع غزة أو بالمناطق داخل إسرائيل خلال الفترة نفسها. وأثار هذا التباين تساؤلات حول طبيعة الجهات التي ربما مارست ضغوطًا على بعض الشركات لتقييد خدماتها أو تأخير إتاحة بياناتها في الحرب الجارية.
م.م: كيف تتأثر الأعمال المختلفة من قرار مثل هذا؟ وكيف تؤثر هذه القرارات على أعمال الصحفيين وخبراء التحقيق مفتوح المصدر؟ وهل الهدف هو تقليص الوصول العام إلى المعلومات؟
م.أ: المتأثر الرئيسي من هذه القرارات هو مجتمع المصادر المفتوحة والصحفيين والباحثين. وكما ذكرت سابقًا، فإن أجهزة الاستخبارات لدى أطراف الصراعات تمتلك في العادة أقمارًا صناعية استخباراتية خاصة بها، حتى إن كانت قدراتها تتفاوت من حيث الجودة والدقة. لذلك فإن قرارات الحجب لا تهدف في الواقع إلى منع المعلومات عن الجهات الاستخباراتية، بل تؤدي عمليًا إلى حجبها عن مجتمع المصادر المفتوحة والصحفيين، وهو ما يحدّ من قدرتهم على التحقق من الأحداث الجارية والتحقيق في الانتهاكات العسكرية أو استهداف المدنيين، وكذلك متابعة تطورات العمليات العسكرية على الأرض.
ظهرت أهمية صور الأقمار الصناعية في عدد من الحالات. فعلى سبيل المثال، لم تُعلن الولايات المتحدة رسميًا عن تعرض بعض الرادارات العسكرية التابعة لها في قواعد في دول الخليج والأردن للتدمير، إلا أن صور الأقمار الصناعية وتحليلات مجتمع المصادر المفتوحة ساعدت في الكشف عن ذلك. كما أن صور الأقمار الصناعية كانت من بين الأدلة التي أظهرت حجم الدمار وطبيعة الاستهداف الذي طال مدرسة شجرة طيبة في ميناب، وهي الواقعة التي أقرّ الجيش الأمريكي لاحقًا بقصفها اعتمادًا على معلومات وصفها بأنها «قديمة».
أرجح أن قرار الحجب الذي اتخذته الشركة جاء نتيجة ضغوط خارجية ومن جهات حكومية. مثل هذه القرارات تؤثر بشكل مباشر في عمل الصحفيين وخبراء التحقيقات مفتوحة المصدر، أكثر مما تؤثر في الأطراف العسكرية نفسها، التي تمتلك بالفعل مصادرها الاستخباراتية الخاصة.
وبالتالي، فالهدف العملي لمثل هذه القيود قد يكون تقليل مستوى التدقيق العام والإعلامي في العمليات العسكرية، وليس فقط منع الاستخدام التكتيكي للصور من قبل أطراف معادية، كما تذكر الشركات عادة في بياناتها الرسمية.
تقارير ذات صلة
تأخَّر من أجل مكالمة هاتفية لم تحدث.. واشنطن تُعلن وقف إطلاق النار في لبنان
أُعلن وقف إطلاق النار، مساء أمس، دون أن يتم الاتصال بين عون ونتنياهو
كيف تهبٌّ علينا عواصف الاقتصاد العالمي؟ | حوار مع عمرو عدلي
يبدو من المناسب التوقف للتساؤل عن الدروس المستفادة من تجربتنا مع الحرب التي لم نكن طرفًا فيها
ما تحتاجه المفاوضات ويفتقر إليه ترامب: تقييم الجولة الأولى للمباحثات مع إيران
حتى وصول الوفد الإيراني إلى إسلام آباد ثارت شكوك حول إمكانية انعقاد المحادثات من الأساس،
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن