تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
بعد دمار الحرب والحصار.. «كورونا» يهاجم غزة

بعد دمار الحرب والحصار.. «كورونا» يهاجم غزة

كتابة: شريف عبد القدوس 7 دقيقة قراءة
فنانون فلسطينيون في مدينة غزة يطلون أقنعة واقية لتشجيع الناس على ارتدائها

تسببت جائحة فيروس كورونا المُستجد في شل الدول في أنحاء العالم كافة، بعد أن أصاب أكثر من 745 ألف شخص وأدى إلى وفاة أكثر من 35 ألف آخرين. ومع استمرار ارتفاع عدد الضحايا، انكفأت دول العالم على نفسها في محاولة للحد من انتشار العدوى. جرى تقييد الحياة الاجتماعية بطرق غير مسبوقة، وتوقفت الحركة الاقتصادية، وأُغلقت جميع الحدود، كما أصبح السفر شبه مستحيل، ليجد الناس في كل مكان أنفسهم فجأة معزولين ومتباعدين. 

في قطاع غزة، سادت القطيعة عن العالم لما يقرب من عقد ونصف. فُرضت نفس التدابير التي تُستخدم في الوقت الراهن لحجر السكان حول العالم على غزة بطرق مختلفة، على مدى سنوات. منذ عام 2007، أدى الحصار الخانق الذي تفرضه إسرائيل، وكذلك مصر، إلى خنق جميع جوانب الحياة اليومية تقريبًا للفلسطينيين في القطاع. ولهذا السبب، كثيرًا ما توصف غزة بأنها أكبر سجن مفتوح في العالم. 

ربما أدى الحصار والقيود الخانقة على الحركة إلى تأخر انتشار الفيروس في غزة، إذ لم تُكتشف الحالات الأولى إلا الأسبوع الماضي. ولكن بعد وصول المرض، تجد غزة نفسها في وضع لا يؤهلها للتعامل مع الآثار المدمرة المحتملة لتفشي الفيروس.

أدت ثلاثة عشر عامًا من الحصار وثلاثة اعتداءات عسكرية كبرى، إضافة إلى عامين من الاحتجاجات شبه المستمرة، إلى خلق ظروف مثالية لانتشار الوباء على نحو كارثي: مزيج قاتل محتمل من الفقر المدقع والبنية التحتية المتداعية والكثافة السكانية العالية والنقص الشديد في الطاقة، والقيود على الإمدادات الأساسية، ونظام الرعاية الصحية الذي يوشك على الانهيار.

«لن يسلم أحد من هذا الوباء في العالم بأسره»، يقول طارق لوباني، طبيب الطوارئ الذي يعمل في مستشفى الشفاء في غزة وفي مركز لندن للعلوم الصحية في أونتاريو بكندا، مضيفًا لـ«مدى مصر»: «لكن الاحتلال وتبعاته المدمرة على نحو مُمنهج، ستجعل التفشي أسوأ بمراحل في غزة».

لا يزال عدد الإصابات المؤكدة بفيروس كورونا في غزة منخفضًا، إذ أُعلن رسميًا أن نتائج اختبارات تسعة أشخاص كانت إيجابية، وفقًا لوزارة الصحة في غزة. وفي الوقت ذاته، اتخذت حكومة حماس بعض التدابير في محاولة للحد من انتشار الوباء.

منذ يوم 15 مارس، جرى عزل الوافدين إلى القطاع من مصر وإسرائيل لمدة 14 يومًا في واحد من 23 مرفقًا صحيًا إجباريًا جرى إنشاؤها في المرافق الصحية والمدارس والفنادق في جميع أنحاء القطاع، ويوجد أكثر من 1600 شخص في الحجر الصحي حاليًا. وخضع 1200 شخص آخرين، كانوا قد دخلوا غزة قبل 15 مارس، لتدابير الحجر الصحي في منازلهم قبل التأكد من خلوهم من العدوى، بحسب بيانات لوزارة الصحة في غزة حصل «مدى مصر» على نسخة منها. 

أُغلقت المؤسسات التعليمية في 6 مارس، لكن جوانب أخرى من الحياة اليومية استمرت كالمعتاد حتى اكتُشفت الحالات الأولى في 22 مارس، ما دفع السلطات إلى إغلاق جميع قاعات الزفاف والأسواق الأسبوعية والمطاعم والمقاهي، وفرض قيود على المناسبات العامة وصلاة الجمعة.

بعد تأكيد الحالتين الأولى والثانية، أُنشئت مستشفى ميداني في رفح لعزل وعلاج الحالات. وقالت وزارة الصحة إن الحالات السبع الإضافية التي أُعلن عنها الأربعاء الماضي كانت جميعها من مسؤولي الأمن في الحجر الصحي في هذا المرفق.

«أُصيب الناس بالذعر. في البداية استخفوا بالأمر، لكن الوضع اختلف الآن. الشوارع خالية تقريبًا. يقبع الناس في منازلهم بشكل عام»، تقول الطبيبة منى الفرا، الرئيس السابق لجمعية الهلال الأحمر في غزة ومديرة تحالف أطفال الشرق الأوسط في غزة، موضحة لـ«مدى مصر»: «هناك تضامن اجتماعي كبير في غزة. يتجول المتطوعون لكنس الشوارع وتقديم مستلزمات النظافة، وتوزيع المنشورات. يذكرني هذا بالانتفاضة الأولى». 

ومع ذلك، يخشى أطباء ومتخصصون في الصحة من أن السيطرة على تفشي الوباء شبه مستحيلة. 

تقول وزارة الصحة، في بياناتها التي حصل «مدى مصر» على نسخة منها، إنها اختبرت 339 شخصًا حتى الآن، على الرغم من عودة مئات الفلسطينيين إلى القطاع خلال الأسابيع القليلة الماضية.

تُعد غزة واحدة من أكثر المناطق كثافة سكانية في العالم، حيث يعيش فيها أكثر من مليوني شخص على مساحة 360 كيلومتر مربع، ما يجعل فكرة الحجر الصحي المناسب، ناهيك عن التباعد الاجتماعي، أمرًا شاقًا.

«ليس لدينا أماكن كافية لهؤلاء الأشخاص، نحن نرسلهم إلى المدارس والفنادق. إنها مشكلة كبيرة»، تقول الفرا. «كيف نطعمهم ونمنع انتشار العدوى بينهم؟ لدينا ما يصل إلى ثمانية أشخاص في غرفة واحدة». 

تتفاقم المشاكل التي تواجه غزة بسبب فيروس كورونا، بسبب نظام الرعاية الصحية المتداعي. 

تعاني المستشفيات من نقص حاد في الإمدادات والمعدات، ومن بينها نحو 40% من الأدوية الأساسية التي تحتاجها، ولا يتوافر سوى 56 جهاز تنفس صناعي و40 سريرًا مُجهزًا بوحدات العناية المركزة للبالغين، وفقًا لتصريحات الفرا. كل تلك المعدات ضرورية لعلاج المرضى الذين يعانون من كوفيد-19. 

وتضيف: «هذا رقم صغير جدًا مقارنة بالوضع الذي سنواجهه. ما زلنا في البداية، ولكن الأوقات العصيبة مُقبلة».

هناك أيضًا نقص حاد في معدات الحماية الأساسية للعاملين في مجال الرعاية الصحية، من بينها القفازات والكمامات. وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، فإن «نسبة كبيرة من الأطقم الطبية معرضة لخطر التلوث، وإذا أصيب مقدمو الخدمة الصحية، فإن ذلك يؤثر سلبًا على الاستجابة الصحية بأكملها. وفي الوقت الراهن، لا يتوفر في القطاع سوى 700 مجموعة معدات حماية شخصية فقط». 

يوم الخميس الماضي، وجهت وزارة الصحة نداءً عاجلًا إلى المجتمع الدولي للحصول على أجهزة تنفس صناعي ومعدات لوحدات العناية المركزة وأدوية ومستلزمات للمختبرات وأجهزة اختبار، بقيمة 23 مليون دولار. وقال المتحدث باسم وزارة الصحة، أشرف القدرة، في بيان إن «الاحتلال الإسرائيلي يمارس عنصرية ممنهجة في حق الشعب الفلسطيني، ويضع حياة مليونَي مواطن في قطاع غزة على المحك في مواجهة وباء كورونا المستجد». 

بالإضافة إلى الافتقار للإمدادات الأساسية، فقد تحمّل نظام الرعاية الصحية أيضًا وطأة ثلاثة اعتداءات عسكرية مدمرة على غزة وسنتين من احتجاجات مسيرة العودة الكبرى التي أصيبت خلالها آلاف الفلسطينيين على أيدي القناصة الإسرائيليين. هذا فضلًا عن أن النقص الحاد في الكهرباء، نتيجة الحصار الإسرائيلي والعقوبات التي فرضتها السلطة الفلسطينية للضغط على حماس، يعني هذا أن المستشفيات يجب أن تعتمد في إنتاج الكهرباء على مولدات مُتهالكة بالفعل. 

المتحدثة باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر في غزة، سهير زقوت، تقول لـ«مدى مصر»: «لم يتعاف النظام الصحي بعد العمليات العسكرية المتعاقبة، وأكثر من عامين من المظاهرات. لقد أصبح ضعيفًا بالفعل، وأي عبء إضافي عليه سوف يؤدي إلى عواقب وخيمة على السكان».

من جهة أخرى، يفتقر الأطباء في غزة إلى التدريب والخبرة الكافية للتعامل مع الوباء.

«لا يمكن لأي بلد تدريب الأطباء على تلبية المعايير الأساسية للرعاية حتى، في ظل القيود القائمة في غزة»، يقول لوباني. «هذا ليس وضعًا طبيعيًا. إنه موقف عصيب حقًا، ويضع نظام الرعاية الصحية في اختبار شديد». 

وبحسب لوباني، فإن أي استجابة للوباء تعتمد على ثلاث ركائز رئيسية: التشخيص، وحماية العاملين في مجال الرعاية الصحية من العدوى، والعلاج. «في غزة، لم تنجح أي من هذه الركائز الثلاث، فقد تدهورت على نحو مُمنهج بمرور الزمن»، يقول لوباني. 

لوباني عضو مؤسس في مشروع «جليا»، وهو مشروع لصنع أجهزة طبية مفتوحة المصدر. يعمل «جليا» في الوقت الراهن على التخفيف من النقص في المعدات الوقائية لأطباء غزة من خلال الاستعداد لإنتاج دروع للوجه باستخدام تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد. يأمل القائمون على المشروع أن يتمكنوا من إنتاج ما يصل إلى 500 درع في اليوم، على الرغم من أن لوباني يقول إن هناك حاجة إلى 10 آلاف على الأقل.

«القول إن نظام الرعاية الصحية في غزة ليس لديه القدرة على التعامل مع تفشي المرض يشبه القول إن القنبلة النووية هي مجرد انفجار»، يقول لوباني. «أعلم أنه قد يبدو مُبالغة، ولكنه لن يبدو كذلك في مدى 30 يومًا. لهذا السبب يشعر جميع العاملين في القطاع الصحي في غزة بالذعر في الوقت الراهن. لأننا نرى برميل البارود الذي امتلأ على مدى العقد ونصف العقد الماضي، ونرى الشرر يتطاير نحوه». 

وللوضع الاقتصادي المتردي في غزة نتيجة الحصار الإسرائيلي، حيث بلغت نسبة البطالة 43% وبطالة الشباب 64% وأكثر من نصف السكان يعيشون تحت خط الفقر وفقًا للأمم المتحدة، آثار مباشرة كذلك على مدى سرعة تفشي الفيروس، مع صعوبة توفير الحد الأدنى من النظافة العامة. 

«هناك صعوبة في الحصول على المياه النظيفة، وشراء مطهرات اليد، وشراء الكمامات، وشراء ما يكفي من الطعام إذا فُرض حظر. كل هذا يجعل من الصعب احتواء الفيروس، حتى مع فرض العزل الذاتي. لقد تحدثت مع بعض الناس الذين أخبروني أن بعض أفراد الأسرة يستخدمون نفس الكمامة، لأنهم لا يستطيعون شراء أكثر من واحدة»، يقول طارق باقوني، محلل الشؤون الإسرائيلية/الفلسطينية في مجموعة الأزمات الدولية، مضيفًا لـ«مدى مصر»: «يصنع القطاع الصحي المتردي للغاية والفقر المدقع وغياب الإمدادات الطبية مزيجًا كارثيًا للغاية. إن مصير غزة مشابه للمجتمعات الأكثر عُرضة للخطر في أماكن أخرى -مخيمات اللاجئين وعديمي الجنسية والسجناء- والذين ستقع عليهم وطأة هذه الجائحة». 

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#فيديو

دور برد

أربع سنوات بعد ظهور جائحة كورونا، يسترجع إسلام زونا مادة تسجيلية صوّرها في الزاوية الحمراء

مدى مصر 1 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن