تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
بعد الدولة؟

بعد الدولة؟

الفصل الثاني من كتاب «غَيِّر العالم دون أن تستولي على السلطة: معنى الثورة اليوم» لجون هولواي

كتابة: جون هولواي 14 دقيقة قراءة

في الذكرى العاشرة للثورة المصرية، كنت أتمنى لو أنني قرأت هذا الفصل عقب تنحي حسني مبارك عن السلطة، كنت سأعلم ما الذي لا يتوجب عليّ عمله، بدل الانشغال بالسؤال اللينيني بما يجب عمله، اﻵن أعرف إجابة السؤال الشهير: «ما العمل؟» وهو أن نكف حرفيًا عن العمل.

لقد عالج جون هولواي في هذا الفصل من كتابه «غَيِّر العالم دون أن تستولي على السلطة: معنى الثورة اليوم» (2002) كثيرًا مما عانت منه تيارات سياسية متعددة في مصر، تيارات سعت إلى الوصول إلى السلطة وخاب سعيها جميعًا، بما فيها التيار الوحيد الذي استطاع اﻹمساك بالسلطة لفترة وجيزة: اﻹخوان المسلمون. كل ما يذكره هولواي عن «أسباب الخيانة» و«تطهرية النضال» سمعناه بآذاننا في سنوات الثورة، اﻵن يمكننا أن نعرف معناه الحقيقي، وهو أن السياسة الموجهة نحو الدولة تقود نحو خضوع المعارضة التدريجي لمنطق الرأسمالية، وليس نحو إحداث تغيير جذري في المجتمع. - المترجم

* جون هولواي (1947 - ): مُنّظِّر ماركسي أيرلندي من تيار الماركسية الاستقلالية الذاتية. هنا ننشر الفصل الثاني من كتابه، والذي نشرنا سابقًا فصله الأول، «الصرخة». الترجمة منشورة بإذن المؤلف.

 

في البدء كانت الصرخة، ثم ماذا بعد؟

تنطوي الصرخة على حماس معذب لتغيير العالم. لكن كيف يمكن تغييره؟ ما الذي يمكن أن نفعله كي نجعل من العالم مكانًا أفضل وأكثر إنسانية؟ ما الذي يمكن أن نفعله كي نقضي على الشقاء والاستغلال؟

1

هناك إجابة جاهزة وهي حقق التغيير باستخدام سلطة الدولة. انضم إلى حزب سياسي، وساعده في نيل السلطة، غيّر بلدك بهذه الطريقة. أو إذا كنت أقل صبرًا، أكثر غضبًا، أكثر تشككًا حول ما يمكن تحقيقه عبر الوسائل البرلمانية، انضم إلى تنظيم ثوري، ساعده في نيل السلطة، عبر الوسائل العنيفة أو السلمية، ثم استعمل الدولة الثورية في تغيير المجتمع.

تغيير العالم من خلال الدولة: هذا النموذج الذي هيمن على الفكر الثوري ﻷكثر من قرن. إن الجدال بين روزا لوكسمبرج وإدوارد برنشتاين1 الذي جرى منذ مائة عام حول قضية التغيير عن طريق «اﻹصلاح أم الثورة» أسس الشروط التي ستسيطر على التفكير في الثورة ﻷغلب القرن العشرين. فمن جهة هناك طريق اﻹصلاح، ومن جهة أخرى هناك طريق الثورة. اﻹصلاح هو التحول التدريجي إلى الاشتراكية، يتحقق بالفوز في الانتخابات وتحقيق التغيير عبر الوسائل البرلمانية، والثورة طريق أسرع للانتقال إليها، يتحقق بالسيطرة على سلطة الدولة وإنفاذ التغيير الجذري باستخدام الدولة الجديدة. أخفت حدة الخلافات نقطة أساسية من الاتفاق: كلا الطريقتين تركزان على الدولة باعتبارها الموقع الأمثل الذي يمكن تغيير المجتمع منه. وبرغم كل الاختلافات، كلاهما يهدفان إلى نيل سلطة الدولة. وهذا ليس حصريًا بالطبع، فمن وجهة النظر الثورية والطرق الراديكالية، يُنظر إلى نيل سلطة الدولة باعتبارها مرحلة من تصعيد التمرد الاجتماعي، لكن على أية حال، يظل هذا النيل مرحلة أساسية في العملية الثورية والمحور الذي سيطلق التغيير الثوري. وصمت الطرق التي تقع خارج ثنائية اﻹصلاح والثورة بكونها أناركية (وهو فارق حاد ترسخ في اﻷذهان أثناء جدال إدوارد برنشتاين وروزا لوكسمبورج2). وحتى وقت قريب، هيمنت هذه التصنيفات الثلاثة، الطريق الثوري واﻹصلاحي واﻷناركي، على الجدال النظري والسياسي، على اﻷقل داخل التقليد الماركسي.

لم يهيمن نموذج الدولة، أي فرضية أن نيل سلطة الدولة مركزية للتغيير الجذري، على النظرية الثورية فحسب بل على التجارب الثورية أيضًا لأغلب القرن العشرين: ليس على تجربة الاتحاد السوفيتي والصين وحدهما، بل على حركات التحرر الوطني والمقاومة المسلحة في الستينيات والسبعينيات.

إذا كان نموذج الدولة قاطرة اﻷمل لأغلب القرن، فقد أصبح يومًا بعد يوم قاتل اﻷمل كلما مضى القرن. إن استحالة الثورة البادية في بداية القرن الحادي والعشرين تعكس في الواقع الفشل التاريخي لهذا المفهوم للثورة، المفهوم الذي طابق الثورة مع السيطرة على الدولة.

كلا الطريقين «اﻹصلاحي» و«الثوري» فشلا في أن يحققا توقعات أنصارهما المتحمسين. بالتأكيد رفعت الحكومات «الشيوعية» في الاتحاد السوفيتي والصين وغيرهما مستويات اﻷمان المادي وخفضت قدر اللامساواة الاجتماعية في المناطق التي سيطرت عليها تلك الدول، على اﻷقل بصورة مؤقتة، لكن لم تكد تفعل شيئًا في خلق مجتمع ذاتي التوجيه أو تفي بعهد الحرية الذي كان دائمًا في القلب من الطموح الشيوعي3. وفي حالة الحكومات الاشتراكية الديمقراطية أو اﻹصلاحية، لم يكن وضعها أفضل: فرغم أن هناك بعض الحالات حققت ارتفاعًا في مستويات اﻷمان المادي، فإن سجلها في الواقع لم يختلف كثيرًا عن الحكومات المناصرة للرأسمالية علنًا، وأغلب الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية تخلت منذ زمن بعيد عن أي إدعاء يفيد بأنهم حاملو اﻹصلاح الاجتماعي الجذري.

ﻷكثر من مائة عام، توجه الحماس الثوري للشباب إما لبناء أحزاب أو لتعلم حمل البنادق، وﻷكثر من مائة عام، تبقرطت أحلام أولئك الذين أرادوا عالمًا ملائمًا للإنسانية أو تعسكرت من أجل نيل سلطة دولة عن طريق حكومة يمكن اتهامها بعد ذلك بـ«خيانة» الحركة التي مكنتها من السلطة. كانت «الخيانة» كلمة مفتاحية لليسار خلال القرن الماضي عبر اتهام حكومة تلو اﻷخرى بـ«خيانة» أهداف أنصارها، حتى أصبحت فكرة الخيانة ذاتها مستهلكة اﻵن لدرجة أنه لم يبق شيء سوى امتعاضة وجه تقول: «هذا ما توقعناه».4 عوضًا عن البحث بين الخيانات الكثيرة عن تفسير، ربما علينا أن نراجع فكرة إمكانية تغيير المجتمع عن طريق نيل سلطة الدولة.

2

للوهلة اﻷولى يبدو واضحًا أن نيل سلطة الدولة هو مفتاح تحقيق التغيير الاجتماعي، ﻷن الدولة تدعي أنها ذات سيادة مستقلة وتمارس السلطة داخل حدودها، وهذا في القلب من الفكرة العامة للديمقراطية: أن تنتخب حكومة من أجل أن تحقق إرادة الشعب عبر ممارسة السلطة في حدود الدولة. تمثل هذه الفكرة قاعدة اﻹدعاء الاشتراكي الديمقراطي القائل إنه يمكن للتغيير الجذري أن يتحقق بالوسائل الدستورية.

تقول الحجة ضد هذه الرؤية الدستورية إنها تعزل الدولة عن بيئتها الاجتماعية، فهي تنسب إلى الدولة استقلالية في الفعل لا تملكها حقًا، ففي الواقع ما تفعله الدولة محدودًا وتشكله حقيقة أنها مجرد عقدة في شبكة من العلاقات الاجتماعية، وتتمركز هذه الشبكة من العلاقات الاجتماعية بشكل حاسم في الطريقة التي تُنظم بها اﻷعمال. تعني الحقيقة القائلة إن العمل يُنظم على أسس رأسمالية أن ما تفعله الدولة وما يمكن أن تفعله تشكله الحاجة إلى الحفاظ على النظام الرأسمالي التي هي جزء منها، ويعني ذلك على نحو ملموس أن اتخاذ أية حكومة إجراء خطير موجه بصورة مباشرة ضد مصالح رأس المال نتيجته وقوع أزمة اقتصادية يتسبب فيها هرب رأس المال خارج حدود الدولة.

لطالما كانت الحركات الثورية المستلهمة من الماركسية واعية بالطبيعة الرأسمالية للدولة، فلماذا إذًا ركزت على نيل سلطة الدولة باعتبارها وسيلة لتغيير المجتمع؟ هناك إجابة تقول إنه عادة ما نظرت هذه الحركات إلى الطبيعة الرأسمالية للدولة نظرة «أداتية»، وبصورة أساسية ترى تلك الحركات الدولة بصفتها أداة للطبقة الرأسمالية. تنطوي الفكرة «اﻷداتية» أن العلاقة بين الدولة والطبقة الرأسمالية هي علاقة خارجية، مثل المطرقة، اﻵن تحملها الطبقة الرأسمالية من أجل مصالحها، لكن بعد الثورة ستحملها الطبقة العاملة من أجل مصلحتها. تعيد إنتاج هذه الرؤية -ربما بصورة لاواعية- انعزال الدولة أو استقلاليتها عن بيئتها الاجتماعية، وهو النقد الذي مثل نقطة البدء للسياسات الثورية، وكي أستعير مفهومًا سأطوره لاحقًا، فهذه النظرة تجعل من الدولة صنمًا [fetishises]، ﻷنها تجردها عن شبكة علاقات السلطة التي تنغرس فيها. تظهر الصعوبة التي تختبرها الحكومات الثورية في توجيه الدولة لمصلحة الطبقة العاملة أن انغراس الدولة في شبكة العلاقات الاجتماعية الرأسمالية أبعد بكثير وأكثر دقة مما تقترحه الفكرة اﻷداتية. إن خطأ الحركات الثورية الماركسية ليس في إنكار الطبيعة الرأسمالية للدولة، بل في الاستهانة بدرجة اندماج الدولة في شبكة العلاقات الرأسمالية.

هناك جانب مهم في هذه الاستهانة، وهو إلى أي مدى تميل تلك الحركات الثورية (وأكثر منها اﻹصلاحية) في اعتقادها بأنه يمكن فهم «المجتمع» باعتباره مجتمع قومي (أي تحدده الدولة). إذا فُهم المجتمع بصفته إنجليزي أو روسي أو مكسيكي، فهذا يعطي ثقلًا للرؤية القائلة إن الدولة يمكن أن تكون مركز التغير الاجتماعي. لكن يفترض هذا الاقتراح تجريدًا مسبقًا للدولة والمجتمع من وسطهم المكاني وعزل مفاهيمي للعلاقات الاجتماعية على حدود الدولة. وطبقًا لهذه الرؤية، فالعالم مشكل من مجتمعات قومية كثيرة، ولدى كلٍ منها دولة، وكل منها ترعى علاقتها باﻵخرين في شبكة من العلاقات الدولية. كل دولة إذن تمثل مركز عالمها الخاص ومن الممكن تصور ثورة قومية ونرى الدولة بصفتها محرك التغيير الجذري في «مجتمعها».

تكمن المشكلة في هذه الرؤية أن العلاقات الاجتماعية لم تتطابق أبدًا مع الحدود القومية. إن النقاشات الجارية حول «العولمة» تكاد تسلط الضوء على ما كانت دائمًا هي الحقيقة، أن العلاقات الاجتماعية الرأسمالية بطبيعتها دائمًا ما تتمدد خارج الحدود اﻹقليمية. في حين أن العلاقة بين السيد اﻹقطاعي والقن كانت دائمًا علاقة إقليمية، تمثل السمة المميزة للرأسمالية في أنها حررت الاستغلال من مثل تلك الحدود اﻹقليمية بفضل حقيقة أن المال اﻵن أصبح وسيط العلاقة بين الرأسمالي والعامل. يعني توسط المال للعلاقات الاجتماعية انتزاع إقليمي كامل [de-territorialisation] لتلك العلاقات، فما من سبب يوجب على رب العمل والموظف والمنتج والمستهلك أو العمال الذين تجمعهم نفس عملية اﻹنتاج أن يكونوا من نفس اﻹقليم. لم تكن العلاقات الاجتماعية الرأسمالية يومًا مقيدة بحدود الدول، لذا دائمًا كان من الخطأ أن نفكر في العالم الرأسمالي باعتباره مجموع المجتمعات القومية المختلفة. إن شبكة العلاقات الاجتماعية التي تندمج فيها الدول القومية القطرية لهي شبكة كونية (ولطالما كانت كذلك منذ بدء الرأسمالية).

يتضمن إذًا تركيز الثورة على نيل سلطة الدولة تجريدًا لها من العلاقات الاجتماعية التي هي جزء منها. تُعزل الدولة من كتلة العلاقات الاجتماعية التي تحيط بها بصورة مفاهيمية، وتُقام بمظهر الفاعل المستقل. يرتبط الاستقلال بالدولة، إذا لم يكن بالمعنى المطلق للنظرية اﻹصلاحية (أو الليبرالية)، فعلى اﻷقل بمعنى أن يُنظر إلى الدولة بصفتها مستقلة بصورة ممكنة من العلاقات الرأسمالية التي تحيط بها.

قد يظهر اعتراض يقول إن هذا تمثيل خاطىء وقاس للاستراتيجية الثورية، ﻷن الحركات الثورية المستلهمة من الماركسية نظرت إلى نيل سلطة الدولة عمومًا بصفتها عنصرًا واحدًا ضمن عملية أوسع من التحول الاجتماعي، وهذا صحيح بكل تأكيد، لكن دائمًا ما نظر إليها باعتبارها عنصرًا مهمًا على وجه الخصوص، وبؤرة في عملية التغيير الاجتماعي5، تتطلب تركيز الطاقات المخصصة للتحول الاجتماعي. يعطي هذا التركيز امتيازًا للدولة بصفتها موقعًا للسلطة.

سواء يُنظر إلى نيل سلطة الدولة باعتباره طريقًا حصريًا لتغيير المجتمع أو مجرد مركزًا للفعل، فهناك حتمًا توجيه للتمرد. تؤخذ حماسة أولئك الذين يناضلون من أجل مجتمع مختلف وتوجه نحو اتجاه محدد، ألا وهو نيل سلطة الدولة. «إذا استطعنا الاستيلاء على الدولة (سواء بالوسائل الانتخابية أو العسكرية)، سنكون قادرين على تغيير المجتمع. من أجل ذلك علينا، أولًا التركيز على هدف رئيسي وهو الاستيلاء على سلطة الدولة». وهكذا تُقام الحجة، ويُدفع بالشباب إلى ما يُقصد بالاستيلاء على سلطة الدولة، فيدربون بصفتهم جنود أو بيروقراطيون، وفقًا للطريقة التي يقصد بها الاستيلاء على سلطة الدولة. «سنبني الجيش أولًا، سنبني الحزب أولًا، هذه هي الطريقة التي سنتخلص بها من السلطة التي تقمعنا». ثم يبتلع بناء الحزب (أو الجيش) كل شيء آخر. يتحول ما كان سلبيًا في البداية (رفض الرأسمالية) إلى شيءٍ إيجابي (بناء المؤسسات وتأسيس السلطة)، ويصبح الانضمام للاستيلاء على السلطة انضمامًا للسلطة نفسها. يتعلم العضو الجديد لغة السلطة ومنطقها وحساباتها، يتعلم أن يستخدم تصنيفات علم اجتماعي يشكله تمامًا هوسه بالسلطة، والاختلافات داخل التنظيم تصبح صراعاته من أجل السلطة، والتلاعب والتحايل من أجل السلطة يصبح أسلوب حياته.

ليست القومية سوى مكونًا حتميًا لمنطق السلطة، لأن فكرة الدولة بصفتها موقعًا للسلطة تتضمن تجريد للدولة القطرية من السياق العالمي لعلاقات السلطة. وبصورة حتمية، مهما كانت فكرة الثورة العالمية وجهت اﻹلهام الثوري، فإن التركيز على الدولة القطرية كموقع لتحقيق التغيير الاجتماعي الجذري تتضمن إعطاء اﻷولوية لجزء من العالم تشمله الدولة على بقية أجزاء العالم. حتى أكثر الثورات أممية التي تتوجه نحو سلطة الدولة نادرًا ما نجحت في تجنب الامتياز القومي لـ«دولتها» على اﻵخرين أو التلاعب الواضح بالحس القومي من أجل الدفاع عن الثورة حقًا. ترتكز فكرة تغيير المجتمع عبر الدولة على فكرة أن للدولة سيادة مستقلة، أو يجب أن تكون كذلك. تمثل سيادة الدولة شرطًا أساسيًا لتغيير المجتمع عبر الدولة، لذا يتحول النضال من أجل التغيير الاجتماعي إلى النضال من أجل الدفاع عن سيادة الدولة، ثم يصبح النضال ضد رأس المال نضالًا مناهضًا للإمبريالية ضد السيطرة اﻷجنبية يختلط فيه كلا من القومية ومعاداة الرأسمالية6. يلتبس كلا مفهومي تقرير المصير وسيادة الدولة، في حين أن حقيقة وجود الدولة بصفتها شكل من العلاقة الاجتماعية ليس إلا وضعًا مناقضًا لتقرير المصير.

مهما تشدقنا بالكلام عن الحركة وأهميتها، فإن هدف الاستيلاء على السلطة يتضمن تحولًا أداتيًا للنضال، فيصبح للنضال هدفًا واحدًا: الاستيلاء على السلطة السياسية. وما للنضال من غاية إلا بلوغ هذا الهدف. وأي عناصر للنضال لا تساهم في تحقيق هذا الهدف إما أن تصبح ثانوية أو يجب تجاوزها تمامًا، وهكذا تقوم تراتبية النضالات، لكن هذه اﻷداتية والتراتبية هي في نفس الوقت إفقارٌ للنضال. كثير من النضالات، وكثير من الطرق للتعبير عن رفضنا للرأسمالية، وكثير من الطرق للكفاح من أجل أحلامنا بمجتمع مختلف تمت تصفيتها وظلت غائبة عن اﻷنظار ببساطة عندما نُظر إلى العالم عبر عدسة الاستيلاء على السلطة. تعلمنا تخطيها، ومن ثم أن نتخطى أنفسنا. وعلى رأس التراتبية تعلمنا أن نضع هذا الجزء من نشاطنا الذي يساهم في «بناء الثورة»، وفي أسفلها وضعنا اﻷنشطة الشخصية المرحة مثل العلاقات العاطفية والحسية واللعبية والضحك والحب. أصبح النضال الطبقي تطهريًا: يجب تجاوز المرح ﻷنه لا يساهم في تحقيق الهدف. تراتبية النضال تعني تراتبية حياتنا ومن ثم تراتبية أنفسنا.

ليس الحزب سوى الشكل التنظيمي الأكثر تعبيرًا بوضوح عن هذه التراتبية. يفترض شكل الحزب، سواء كان طليعيًا أو برلمانيًا، توجهًا نحو الدولة ولا يعني شيئًا بدونها. في الحقيقة، الحزب شكل من ضبط النضال الطبقي، ومن إخضاع اﻷشكال المتعددة للنضال الطبقي إلى الهدف الرئيسي في حيازة السيطرة على الدولة. وعادة ما يعبر عن إصلاح تراتبية النضالات في صورة البرنامج الحزبي.

ليس هذا اﻹفقار اﻷداتي للنضال مجرد سمة ﻷحزاب معينة أو تيارات بعينها (الستالينية والتروتسكية وغيرهم)، بل هي جوهرية في الفكرة القائلة إن هدف الحركة هو الاستيلاء على السلطة السياسية. لقد خسرنا النضال من البداية، من قبل أن يستولي الحزب أو الجيش على سلطة الدولة و«يخون» وعوده، لقد خسرناه عندما تسربت السلطة ذاتها داخل النضال، بمجرد أن أصبح منطق السلطة هو منطق العملية الثورية، وبمجرد أن تحول الرفض السلبي إلى تأسيس السلطة اﻹيجابي، وعادة لا يراها أولئك المنخرطين فيها، فلا يرى المنضمون حديثًا للسلطة أبدًا مدى انجذابهم إلى منطق السلطة وعاداتها، ولا يرون أنه إذا ثرنا ضد الرأسمالية، فإننا لا نريد نظامًا مختلفًا من السلطة، بل لأننا نريد مجتمعًا تذوب فيه علاقات السلطة، إنك لا تستطيع بناء مجتمع علاقات اللاسلطة عن طريق الاستيلاء على السلطة، فمتى تبنيت منطق السلطة، فإنك خاسر النضال ضد السلطة مسبقًا.

وهكذا تنتهي فكرة تغيير المجتمع عن طريق الاستيلاء على السلطة بتحقيق عكس ما أرادت تحقيقه، فبدلًا من أن يصبح الاستيلاء على السلطة خطوة نحو إلغاء علاقات السلطة، تتضمن المحاولة في الاستيلاء على السلطة توسيع مجال علاقات السلطة داخل النضال ضد السلطة. ما بدأ بصفته صرخة اعتراض ضد السلطة، ضد تجريد الناس من إنسانيتهم، ضد معاملة البشر بصفتهم وسائل لا غايات، تحول إلى نقيضه، إلى تقلد منطق السلطة وعاداتها وخطابها في قلب النضال ضد السلطة.7 لكن القضية في التحول الثوري للعالم ليست من في السلطة بل وجود السلطة ذاتها، والمسألة ليست في من يمارس السلطة، بل في طريقة إقامة عالمًا مؤسسًا على الاعتراف المتبادل بالكرامة اﻹنسانية وعلى تشكيل علاقات اجتماعية ليس من بينها علاقات السلطة.

قد يبدو أن الطريقة اﻷكثر واقعية لتغيير المجتمع هي التركيز على نيل سلطة الدولة وإخضاع النضال لهذه الغاية. لنمسك أولاً بالسلطة ثم سنخلق عالمًا جديرًا باﻹنسانية. هذه هي حجة لينين الواقعية القوية، خصوصًا في كتابه «ما العمل؟»، وهو منطق يتبعه جميع القادة الثوريين الكبار في القرن العشرين، من روزا لوكسمبرج إلى تروتسكي وأنطونيو جرامشي وماو تسي تونج وتشي جيفارا. لكن تجربة تلك النضالات تقترح أن الواقعية المقبولة لهذا التقليد الثوري خيالية تمامًا.8 هذه الواقعية هي واقعية السلطة ولا تستطيع فعل شيء غير أن تعيد إنتاج السلطة، وليست واقعية السلطة مركزة ومصوبة إلا لغاية وحيدة، أما واقعية ما هو ضد السلطة، أو بتعبير أفضل، خيال ما هو ضد السلطة يجب أن يكون مختلفًا تمامًا إذا أردنا تغيير العالم، وما علينا سوى تغييره.

1 راجع كتاب إدوارد برنشتاين «الشروط اﻷساسية للاشتراكية ومهمات الاشتراكية الديموقراطية» ورد روزا لوكسمبرج في كتاب «إصلاح اجتماعي أم ثورة».

2 راجع مقال ستالين «أناركية أم اشتراكية» (1905)

3 كوبا هي الحالة اﻷكثر جاذبية (أو اﻷقل نفورًا) من الثورة المتمحورة حول الدولة. لكن حتى هناك، إنجازات الثورة بعيدة عن طموح الثوريين، وليس بسبب الضغوط الخارجية (الحصار والاعتماد على الاتحاد السوفيتي حتى سقوطه) بل بسبب الفارق بين الدولة والمجتمع وفقدان تقرير المصير الاجتماعي. ليست تبعات هذه الحجة بالطبع أن تُدمج بلدان الدول الاشتراكية الباقية نفسها في السوق العالمي ببساطة، بل أن قوة الثورة تعتمد على درجة اندماجها في المجتمع وتتوقف عن النظر للدولة بصفتها محورًا لها. من أجل مراجعة حول ذلك الموضوع من وجهة نظر كوبية انظر آكاندا Acanda

4 منذ كتاب تروتسكي «الثورة المغدورة»، أصبح مفهوم «الخيانة» تصنيفًا مفتاحيًا للحركة التروتسكية.

5 راجع الفصل التاسع من كتاب روزا لوكسمبرج «إصلاح اجتماعي أم ثورة» حيث تقول: «لقد كان الاستيلاء على السلطة السياسية هدف كل الطبقات الصاعدة منذ أن ظهرت المجتمعات الطبقية التي يكون الصراع الطبقي المحتوى الجوهري لتاريخها».

6 في بلاد عديدة، يسوغ للجمع بين القومية والثورة تحت راية مناهضة اﻹمبريالية. ومهما كان التبرير، فإنه دائمًا ما يعتمد على فرضية أن العلاقات الاجتماعية لا تأسس إلا إقليميًا. لمتابعة النقاش في هذه القضية اتصالاً بانتفاضة الزاباتيستا انظر REDaktion

7 «إن تنشأ في بيت السلطة يعني أن تتعلم طرقها، وتتشبع بها.. بعادة السلطة وصوتها ووقفتها وطريقتها في التواجد مع اﻵخرين. إنها مرض يصيب كل من يقترب منها. إذا دهسك القوي، فستصاب عن طريق نعاله» (سلمان رشدي، رواية اﻵيات الشيطانية)

8 قد تظهر حجة تقول أن تجربة الحركات التي رمت إلى تغيير المجتمع بدون الاستيلاء على السلطة تقترح أن تلك المحاولات أيضًا غير واقعية. لكن ليست الحجة لاستكشاف إمكانية تغيير المجتمع بدون الاستيلاء على السلطة قائمة على تجربة تاريخية بل أيضًا على تأمل نظري في طبيعة الدولة.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن