تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
بطاطا في الخُبز.. هكذا خططت «التموين» ثم تراجعت

بطاطا في الخُبز.. هكذا خططت «التموين» ثم تراجعت

كتابة: شمس الدين عصام، ندى عرفات 9 دقيقة قراءة

بهدف تقليل 10% من استهلاك مصر من القمح، أعلن وزير التموين، على المصيلحي، الشهر الماضي عن خطة لاستخدام البطاطا الحلوة مع الدقيق كبديل أقل سعرًا لإنتاج الخُبز المُدعم، وذلك بعدما تخبطت الحكومة في توفير القمح منذ بداية العام الجاري تقريبًا، بفشلها في جمع كميات من تلك الحبوب المزروعة محليًا، وصعوبة توفير نظيرتها المستوردة في ظل ارتفاع الأسعار عالميًا.

بعد ساعات من تصريحات الوزير بدأت الصحف والبرامج الحوارية تسونامي تحليلات عن فوائد خبز البطاطا الصحية والاقتصادية، وسط إشادة الخبراء بالخطة الجديدة التي تعتمد على نوع بطاطا حلوة جديد مُهجن ليناسب صناعة الخبز.

لكن، وكما ظهرت فجأة، انحسرت موجة الترويج لخبز البطاطا بعد أسبوع، وكان المصيلحي نفسه خلف توقفها، حسبما يقول مصدران منفصلان لـ «مدى مصر» اللذان يشيران إلى أن الوزير أمر مسؤولي «التموين» بالكف مؤقتًا عن الإدلاء بتصريحات عن خبز البطاطا في الإعلام، حتى يُتخذ قرار نهائي بشأن التجربة، وكيفية تنفيذها. 

لاحقًا، وفي تصريحات لم تنتشر بكثافة رغم أنها قيلت ردًا على سؤال لرئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، أكد المصيلحي نفسه أن الفكرة ما زالت تحت الدراسة، وقد تحتاج لسنوات حتى تُطبق بشكل عملي. فيما تؤكد مصادر بـ «التموين» لـ «مدى مصر» أن تراجع الوزير عن تصريحاته الواثقة الأولى أتى بعد موجة انتقادات لاذعة من داخل الوزارة وخارجها، خاصة بعدما أُشيع أن تطبيق الخطة سيكون خلال شهور.

في الوقت نفسه، ترجع مصادر مختلفة في قطاعات المخابز والمطاحن واﻷغذية، توقف التصريحات إلى إدراك مسؤولي التموين أن الخطة -التي تسرّع الوزير بإعلانها- غير مدروسة فضلًا عن كونها غير مجدية اقتصاديًا. تؤكد تلك المصادر أن الوزارة انتبهت إلى الصعوبات التي تواجه تنفيذ تلك الخطة؛ بدءًا من كيفية توفير البطاطا نفسها، وحتى مدى قبول المستهلك للخبز الجديد.

مع إعلان وزير التموين أن خطة استخدام البطاطا لإنتاج الخبز عادت إلى منطقة «تحت الدراسة» التي قد تستمر سنوات، دون أن يوضّح أسباب تراجعه عن الفكرة التي أوشك على تنفيذها، سألنا عددًا من المصادر داخل الوزارة وفي القطاعات المرتبطة بإنتاج الخبز، عن كواليس ظهور تلك الخطة في الصدارة، واﻷسباب العملية لصعوبة الاعتماد عليها في إنتاج الخبز على نطاق واسع.

في أعقاب أزمة القمح التي تلت غزو روسيا ﻷوكرانيا، فكرت وزارة التموين في إضافة الشعير للدقيق المُستخدم في الخبز المدعم، ثم استبعدت الفكرة لعدم كفاية الإنتاج المحلي من الشعير الذي يصل إلى 220 ألف فدان فقط، يبلغ إنتاجها 200 ألف طن، ويُستخدم معظمها في المشروبات، وذلك وفقًا لتصريحات المصيلحي. 

كما استُبعد استخدام الذرة البيضاء التي أدت إلى نتائج سلبيًا سابقًا، حسبما يوضح عضو بغرفة مخابز القاهرة، مضيفًا أن الحكومة كانت تضيف الذرة البيضاء أحيانًا للخبز المدعم في أوقات نقص القمح، خاصة خلال أزمة الخبز في 2008، لكن تأثيره كان سيئًا على جودة الخبز «كان العيش لو بِرد ما يتاكلش. بيبقى زي الطوبة. فكان بيهدر كتير وبيترمي في الزبالة»

لم تكن فكرة استخدام البطاطا في صناعة الخبز وليدة اﻷزمة اﻷخيرة. منذ 1994 يعمل أستاذ البحوث الزراعية، عبد المنعم الجندي، رئيس بحوث بمركز بحوث سخا، على تهجين أنواع من البطاطا الحلوة وتغيير خصائصها، لتقليل السكر بها ورفع نسب الفيتامينات لإتاحة استخدامها في صناعة الخبز. 

يوضح الجندي لـ «مدى مصر» أنه نجح مع مطلع اﻷلفية في الوصول لنوع البطاطا «الجنداوي»، لينتقل لاحقًا إلى تجربة إضافة معجون تلك البطاطا بعد سلقها إلى دقيق الخبز، بنسبة: 40% بطاطا و60% دقيق قمح لإنتاج رغيف خبز أقل اعتمادًا على القمح وذي قيمة غذائية أعلى. 

استمر الجندي في تجاربه لضبط معايير الخبز الجديد على نطاق ضيق خلال السنوات الماضية، سواء في مركز البحوث الذي يعمل به، أو بالتعاون مع بعض المخابز. وفي خضم أزمة القمح العالمية، وتأثر مصر المباشر بها، سمحت محافظة الوادي الجديد رسميًا للجندي - قبل ثلاثة أشهر- بتجربة دقيق البطاطا لإنتاج الخبز المُدعم في عدة مخابز لمدة أربعة أيام. كان الخبز المنتج مشابهًا للعادي، وحاز على إعجاب المستهلكين، وفقًا للجندي.

لتقليل استهلاك القمح، يمكن نظريًا استخدام البطاطا الحلوة كبديل لجزء من دقيق القمح، بشرط ألا تقل نسبة هذا الدقيق عن نسب محددة لكي لا تتغير مواصفات الرغيف وبالتالي على قبول المستهلك له، حسبما يوضح أستاذ الاقتصاد الزراعي جمال صيام لـ «مدى مصر». وبحسب الأستاذ في معهد تكنولوجيا التغذية، عبد العزيز الجندي، تُحدد نسبة الخلط بناءً على نتائج دراسات وتجارب التذوق والصحة التي يجب تنفيذها على أرض الواقع قبل تعميم التجربة.

بعيدًا عن الشق النظري، فإن استبدال البطاطا بالقمح في صناعة كميات الخبز التي تحتاجها منظومة الدعم، يحتاج إلى خطوات كثيرة ومعقدة، تؤكدها الدراسات التي بدت غائبة عن وزير التموين قبل «تسرعه» بإعلان المشروع الجديد، بحسب تصريح مصدر بقطاع المخابز لـ «مدى مصر»، كما يشير مصدر آخر بقطاع البحوث الزراعية إلى أن الوزير أعلن حل خبز البطاطا دون انتهاء مركز البحوث الزراعية من دراسة الفكرة والموافقة عليها أو رفضها بحسب طلب سابق للوزير.

«ممكن يبقوا عملوا تجربة معملية وكانت نتيجتها كويسة، واتجربت على نطاق ضيق ونجحت وطلعت عيش جميل. بس لو هنطبق دا على نطاق أكبر لازم يكون فيه منظومة واضحة وممسوكة تتضمن الخطوات كلها؛ من الزراعة والتوريد والصناعة والتوزيع. هل عملنا منظومة لدا؟ ولا زي كل مرة، قرارات من غير دراسة وبروباجندا تنزل على مفيش؟» يقول المصدر من قطاع المخابز.

غياب المنظومة الواضحة هو المشكلة الأساسية في إدارة وزارة التموين لأزمة القمح الأخيرة، وهو ما يجعل القرارات تنتهي إلى الفشل كل مرة، وتضطر الوزارة للبحث عن حل بديل في اللحظات الأخيرة لإنقاذ ما يُمكن إنقاذه، يقول مصدر بقطاع المطاحن مشترطًا عدم ذكر اسمه.

ما تشير إليه المصادر من غياب التفاصيل الدقيقة عن وزير التموين يظهر في تصريحه أن البطاطا المُستهدف استخدامها في الخبز المدعم هي البطاطا البيضاء وليست الحمراء التي يتم شوائها، وهو ما ينفيه الجندي لـ «مدى مصر» قائلًا إنه «أخبرت الوزير أكتر من مرة إن التجربة هتكون بالبطاطا الجداوي، وهي بطاطا حمرا مش بيضا. لكن، هو مصمم برضه يقول إنها بيضا. مش عارف ليه» 

أول معوقات التوسع في تطبيق تجربة استبدال جزء من القمح بالبطاطا المُهجنة، هو وجود تلك البطاطا في الأساس «هل تزرع مصر ما يكفي من البطاطا الجنداوي، أو حتى البطاطا العادية لاستخدامها كبديل للقمح؟» يتساءل وليد دياب، الرئيس الأسبق لشعبة المطاحن. 

البطاطا محصول صيفي، ووفقًا للجندي تزرع مصر 35 ألف فدان بطاطا حلوة عادية، بمتوسط إنتاج يبلغ حوالي 15 طنًا للفدان الواحد، ما يعني أن كامل إنتاجية مصر من البطاطا الحلوة لا يتعدى 500 ألف طن سنويًا. لكن وفق أكثر من مصدر بقطاع المخابز والأغذية، لن تصلح البطاطا الحلوة العادية لصناعة الخبز لأنها ستكون خطيرة على نحو تسعة مليون مريض سكر في مصر، فضلًا عن أنها ستغيّر طبيعة الرغيف.

أما البطاطا الجنداوي فلا يوجد مساحات مزروعة بها إلا في نطاق ضيق للغاية لصالح تجارب الجندي. إذًا لتنفيذ مخطط المصيلحي بخفض استهلاك القمح بنحو مليون طن اعتمادًا على تلك البطاطا، يتعيّن على الحكومة زراعتها أولًا. 

وفقًا للجندي تصل إنتاجية فدان البطاطا الجنداوي إلى 20 طنًا. وخلال عملية سلق البطاطا تفقد نصف وزنها، ما يعني أن خطة إنتاج مليون طن معجون تحتاج إلى مليوني طن «بطاطا جنداوي»، ما يتطلب مساحة تصل إلى 100 ألف فدان، من إجمالي 9.7 مليون فدان مزروعة، بحسب التقديرات الحكومية.

خلال الحملة الترويجية لخطة البطاطا لم يشرح أي من المسئولين مصدر حصول الوزارة على مستهدفاتها من البطاطا، وإن كانت ستطلب من الفلاحين زراعة المساحات الجديدة المطلوبة على حساب زراعات أخرى صيفية، أو تتوجه لزراعة تلك المساحات على أراضٍ جديدة.

«طب ما نزرعهم قمح أولى» يقول مصدر بغرفة المطاحن، مشيرًا إلى أن زراعة 100 ألف فدان بالقمح ستنتج نحو 300 ألف طن من محصول القمح «إذا كانت الدولة ستنفق على زراعة آلاف الأفدنة، طب ما نزرعها سلعة استراتيجية»

اجتياز عائق زراعة البطاطا الجنداوي بأي شكل، يضع الحكومة في مواجهة عائق آخر أثناء الحصاد وتوريد المحصول اللازم لإنتاج الخبز المُدعم.

في حالة القمح، تجمع وزارة التموين القمح المحصود من الفلاحين وتخزنه في شوّن وصوامع. بالمثل، تحتاج إلى منظومة لجمع البطاطا. «هل الحكومة هي اللي هتزرع الفدادين اللي محتاجينها وبالتالي هتضمن جمعها وتوريدها كلها؟ ولاّ هتعمل زي القمح وترجع تحفى علشان تلم البطاطا برضه من الفلاحين ويبقى ما عملناش حاجة؟» يقول مصدر بقطاع الحبوب لـ «مدى مصر»

بعد جمع المحصول، تظهر مشكلة إنتاج الدقيق. في حالة القمح، وبعد جمعه وتخزينه، تعيد وزارة التموين توزيعه على المطاحن لإنتاج الدقيق ثم توريده إلى المخابز. أما في حالة البطاطا، فتنفيذ تجربة الجندي يستند على سلق البطاطا وتحويلها لمعجون يُضاف إلى عجين دقيق القمح. لذلك، ووفقًا للجندي، ستكون «التموين» مسؤولة عن سلق البطاطا ثم حفظها مجمدة بشكل جيد ثم توزيعها مباشرة على المخابز.

لكن دراسات ومصادر متنوعة بقطاعات المخابز والمطاحن والتغذية تقول لـ «مدى مصر» إن سلق البطاطا دون تجفيفها يعرضها للإصابة بالفطريات، ما سيخرب العجين كله، وهي الاتهامات التي يرفضها الجندي ويصر على أنها غير دقيقة.

ورغم نفي الجندي، فإن وزير التموين نفسه كان قد تراجع عن خطوة سلق البطاطا، وأشار بدلًا منها إلى البطاطا المجففة. وعلى مدار أيام، بدأ الوزير في دفع مسؤولي وزارته، وحتى الجندي نفسه، للتحدث مع الإعلام عن استخدام البطاطا المجففة بدلًا من المسلوقة، أو عدم التحدث مع الإعلام من الأصل، وذلك عقب توجيه انتقادات لمسألة سلق البطاطا، حسبما يقول مصدران منفصلان لـ «مدى مصر»

إن كانت خطوة تجفيف البطاطا مهمة وتقلل فرص إصابة العجين بالفطريات، إلا أن عملية التجفيف نفسها تحتاج إلى مجففات صناعية، ما يكلف الدولة أضعاف تكلفة صناعة الخبز التقليدي، بما فيها تكلفة شراء القمح «يبقى إحنا كده استفدنا إيه؟» يقول مصدر بقطاع المخابز. 

لا تقتصر التكلفة على التجفيف فقط، تزيد عملية التجفيف نفسها من فاقد البطاطا الذي يصل إلى نصف الوزن في حالة السلق، ويرتفع إلى نحو 90% في حالة التجفيف وفقًا للجندي، وهو ما يضاعف كميات البطاطا المطلوبة لإنتاج نفس الوزن من الدقيق، وبالتالي مساحات البطاطا المطلوبة زراعتها. فبدلًا من الحاجة إلى زراعة 100 ألف فدان، ستحتاج الحكومة إلى أكثر من نصف مليون فدان لتوفير عشرة مليون طن بطاطا، لتنتج فقط المليون طن المطلوبة من دقيق البطاطا.

اجتياز كل العقبات السابق ذكرها لن يكون حلًا للأزمة، فالتوسع في تغيير منظومة صناعة الخبز المُدعم في مصر يحتاج إلى استثمارات جديدة لتأهيل البنية التحتية للمطاحن لطحن البطاطا وتحويلها إلى دقيق، وهي الاستثمارات التي لن تتمكن الدولة من التكفل بها بمفردها، لذا ستحتاج مساعدة القطاع الخاص، بحسب أستاذ اقتصاد زراعي بجامعة القاهرة تحدث لـ «مدى مصر» مشترطًا عدم ذكر اسمه. 

في قطاع المطاحن الخاصة تزداد الشكوك حول مدى دراسة الحكومة لخطة خبز البطاطا قبل طرحها، وجديتها في التنفيذ: «طيب هعمل مطحن مخصوص علشان البطاطا وهكلفه قد كده وبعد سنة تيجي تقول ليّ التجربة مَنفعتش، واقفل ليّ عيش البطاطا دا. طب هنعمل إيه في المطحن؟» يقول وليد دياب، الرئيس الأسبق لشعبة المطاحن لـ«مدى مصر»، مؤكدًا أن الوزارة إذا لم تقدم ضمانات قوية لاستمرار التجربة لن تجد مَن يستثمر فيها.

التغيير ليس سهلًا بالطبع، يحتاج وقتًا للتعود عليه وقبوله، خاصة في الخبز باعتباره وجبة أساسية في غذائنا كمصريين، لكن مصر، بل العالم في ظرف استثنائي ويجب البحث عن حلول عملية «لكن مَعتقدش إن البطاطا حل عملي أو حتى منطقي» حسبما يقول محمود أحمد، صاحب سلسلة مخابز بالقاهرة.

عن الكتّاب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن