تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
بالضبط والحنين

بالضبط والحنين

كتابة: يوحنا وليم 6 دقيقة قراءة
تصوير: عمر مصطفى

#جو عام

إذا فقدنا ما نعزه، نعلم أن ما نفقده يكون غالبًا أكبر من قدرتنا على الاستيعاب، لدينا حنين نعرف مصدره، وتخالطه مشاعر لا أول لها من آخر. البعض يستسلم لألعاب الذاكرة، تمحو، تبدل، تمزج، تصنع أحلامًا، ومع الوقت كل مُر سيمرّ، والبعض يحايل الذاكرة، وينشطها لتمنح مكانًا عزيزًا حياة فيها، وهو ما فعله يوحنا وليم مع حنينه لبيت جديه الراحلين، وبعد محاولات كتابة، وتحرير، كثيرة اكتشف أن الحكاية «أكبر من إني أجيب لها سيرة» كما تغني سعاد حسني، وحين يفاوض الذاكرة يغلبه الحنين، وهذا الديتوكس اعتراف بذلك.

#دليل

دعني أدلك عل حكايتي مع الذاكرة، كثيرًا ما يُقص عليّ موقف لا أتذكره، لكن حين تُذكر تفصيلة محددة أستعيد الموقف بأكمله بشكل قد يكون أفضل من راويه، كأن تلك التفصيلة مفتاح شغّل الذاكرة التي تختار بعناية فائقة ما ترغب في حفظه، وتمسح تلقائيًا ما تعتبره غير مفيد، مُفسحة مكان تخزين ذكريات جديدة فوق القديمة. ومع ذلك يمكننا تلقينها ما تحفظه عبر إدخال أشياء بسيطة: رسالة، صورة، آخر زيارة لمكان، حتى تظل الذكرى حاضرة للأبد. 

أعتقد أنه هناك نوعين من الذاكرة: واحدة عملية، نعتمد عليها بشكل مباشر في أشْغالنا وعاداتنا الروتينية، بينما الثانية تعتمد على التفاصيل الصغيرة والتي يمكن عبرها استرجاع تفاصيل وذكريات أكبر، وإذا غُذيت بتفاصيل صغيرة يمكن تدريبها على استرجاع مكان عزيز عليك مثلًا، وتريد حفظه في الذاكرة وهذا تمريني المُفضل مؤخرًا، مستعينًا بالتفاصيل لصناعة صورة حيّة للبيت الذي قضيت به أجمل ذكريات حياتي المكونة من خمسة وعشرين خريفًا، وبيع مؤخرًا. 

جمعت تلك الصورة، عبر زيارة أخيرة لبيت جدي الراحلين في صباح أحد الجُمع، فترتي المفضلة منذ كبرتُ ولم أعد مُجبرًا على الذهاب إلى الكنيسة. لكن زيارة ما قبل البيع لم تخل من حنين، استمر معي، ولا يزال يشتت الكتابة. 

*

أمام الباب أدرت المفتاح سامعًا التكتين، مُهيئًا نفسي للتركيز على التفاصيل بدلًا من الاستسلام للحنين، خلعت حذائي على السجادة الصغيرة المجاورة للمدخل. برودة السيراميك تحت قدميّ الحافيتين تنعش ذاكرتي بالتغييرات الكثيرة التي طرأت على البيت بعد رحيلهما؛ سيراميك بدلًا من الباركيه، بعد غرق البيت إثر نسيان صنبور مياه مفتوحًا، وطُرح وقتها موضوع البيع للنقاش، وتبديل لون الدهان من البني الفاتح إلى وردي فاقع بعض الشيء بعد نزع أوراق الحائط الذهبية اللون. 

توجهت للمطبخ الواسع الموجود في قلب البيت، وفتحت النافذة لتهوية المكان. استرحت جالسًا على كرسي بلاستيكي محاولًا تخيّل جدتي جالسة مع كوب شايها بالنعناع ذي الرائحة النفاذة، الذي لا أحبه، متحدثة مع أمي وهي تغسل الصحون.  

ومن المطبخ رُحتُ الصالة. توقفت أتأمل الطاولة الخشبية الضخمة المجاورة للصالون ذي النجفة الكريستالية والمقاعد القطيفة العتيقة. اقتربت ببطء من المزهرية الزجاجية لبنية اللون ذات الزهور الصناعية وانتزعت من المنتصف وردة حمراء باهتة مغلفة بالكرتون وفي نهايتها رسالة. بلهفة فتحتها، ولمحت خط يدي حين كنت صغيرًا، متمنيًا لجدتي عيد حب سعيد نقضيه معًا إلى الأبد في سعادة.

عبرت بجوار باب غرفة النوم التي اكتشفت بها معنى الحب وأنواعه، وبمجرد فتح بابها هلت رائحة الكمكمة، فهويتها بفتح ألوميتال البلكونة. وألصقت وجهي بسلك الألوميتال ليصنع مربعات متناهية الصغر في جبهتي، متأملًا ظهر البنايات، التي تخيلتها صغيرًا جبالًا مستمتعًا بحضرة الصمت كأنني في مكان مقدس. كانت مخبأي المُفضل في الاستغماية، وداخلها كنت أشعر أنني في كهف جبلي معزول عن العالم متمنيًا أن ينساني الجميع فلا ينتشلني أحد من هدوء تلك البلكونة.. تركت الأتربة تداعب أنفي غير عابئ بالحساسية التي قد تصيبني.

تخيلت لوهلة أنني خارج الزمن، وساعدني صوت الصفير مجهول المصدر على ذلك. تمنيت من قلبي أن أدير ظهري فأجد جدتي مستلقية على السرير الكبير كما كانت تفعل ظهيرة كل جمعة، حين كنّا ننام سويًا عليه. رحلت جدتي، وبقى السرير، وملصقات شخصيات كارتوني المُفضل أستريكس وأوبليكس مجاورة لآية «الله محبة»، على ظهره. وفوقه لا أزال أبحث عن الحب غير المشروط الذي عرفته من جدتي، وكدت أتذوق الحب مع حبيبة سابقة. 

هجرتني الاثنتان، إحداهما إلى الحياة الأخرى والثانية لحبيب آخر تاركة إياي في حيرة بين مفهومي الحب والتعلق. أجد صعوبة في تذكر ملامح وجه الأخيرة في أحيان كثيرة مؤخرًا، بينما الأولى كلما شعرت ببوادر نسيانها أفتح الصور التي تجمعنا معًا.

لمحت  صورة زفاف جدي وجدتي فوق المكتب الخشبي في برواز، تظهر جدتي بها مماثلة في العمر لجدي وإن كانت في حينها تصغره بسبع سنوات، وفستانها الأبيض مغلق عند الصدر وأكمامه طويلة، ومعها بوكيه زهور ناصعة البياض يصل إلى قدميها. ثم استلقيتُ على السرير، متذكرًا كل خيبات أملي التي دفنتها مؤخرًا بالنوم هُنا؛ كلما واجهت إحباطًا أهرب لهذا السرير  مُعتقدًا أني عند فتح عيني سأجد كل شيء على ما يرام أكيد.

غفوت قليلًا، وحين فتحت عيني ، قررت ما أرغب في أخذه من هنا. 

*

رنت ساعة الحائط الذهبية المعلقة في الصالة والتي يشبه رنينها صوت الموسيقى التي تسبق المعلن بمحطات القطار. أدركت أن لحظة توديع البيت حانت مثلما كان يحدث في طفولتي حين ترّن إحدى عشرة مرة. آمّنت على غلق المحابس، منعًا لغرق محتمل أو تسريب غازي مستقبلي، اتجهت إلى الغرفة التي يوجد بها برواز صورة الزفاف فأخذته، وذهبت للطاولة الخشبية لأخذ الوردة البلاستيكية. أشارت الساعة إلى الثامنة صباحًا، وإن كان الوقت يقارب من الحادية عشرة صباحًا. لم تتحرك العقارب، فأدركت أن الساعة معطلة عن كل وظائفها عدا إصدار رنة كل ربع ساعة.

التقطت أيضًا مجموعة من الصور في محاولة للاحتفاظ بكل جوانب البيت في ذاكرتي. عدوت إلى الخارج ضامًا هاتفي والبرواز والوردة بقوة إلى صدري، وكأنني أحمل كنزًا ثمينًا أخشى سرقته مني.

*

أخبرتني أمي أنها تشعر بما أمر به بعد بيع البيت. لكنها لم تلتقط له صورًا أو تأخذ شيئًا منه، بل اكتفت بزيارتها الأسبوعية لمقابر العائلة لتتحدث مع والدتها عن حزنها إثر ما جرى، واستعادة ذكرياتها بالبيت. وفي أحيان أخرى، تعاتب خالتي الصغرى على بيعه، لأنها ترى أنها كانت خطوة بلا لزوم، أو تسترجع معها بعض التفاصيل الصغيرة كالسجادة التي كان يفضلها جدي. كما خلقت طقسها الاستعدادي للبيت؛ استعانت بالشغالة التي كانت تنظف بيت جديي، وخلال ترويق بيتنا يكون حديثهما عن البيت المفقود.. تلك طريقتها للحفاظ على البيت في ذاكرتها، مُستعينة بالحديث مع الآخرين. لكني لا أفضل تلك الطريقة، بل واظبت على تمارين الذاكرة، رغم كل ما فعله الحنين بها. 

ملحوظة: تحتاج التمارين لتثبيت كل فترة، وذلك برؤية الصور التي طبعتُها، والبرواز الذي وضعتُه في غرفتي، وقراءة الرسالة المشبوكة في الوردة. ومع استمرار التمارين، مررتُ بشارع البيت ومع دنوي منه أخرجتُ مفتاحه من جيبي، ووجدت أن صوت خشخشة المفتاح مع رؤية المكان لهما مفعول يضبط الذاكرة، أما الحنين فلن يختفي فهو المحرك الرئيسي لذاكرتنا عن الأمكنة، لكن مع الوقت يُمكن تحجيمه أو التعود عليه.

#وسلام.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن