بالسر إن باحوا
#89 | دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
#جو عام
في #89 من ديتوكس، يكشف لنا محمد العتر محاولات كانت دائمًا منهكة له للتغلب على رهاب الكلام/ البوح، هي رحلة حلت الكتابة فيها محل الكلام كزورق النجاة من رهاب التعبير. لكن العوق جاء، فيما بعد، ليعطل الكتابة. وخلال هذه الرحلة أيضًا، يقدّم العتر دليلًا مختصرًا، قد يكون صالحًا لوضعنا على سكة البوح بالأسرار التي يصعب التعبير عنها. ونتمنى أن يُحل عطلان الكلام / البوح عند كل مَن يقرأ هذا الديتوكس.
#دليل
يقف كل ما أريد التعبير عنه عند حافة عقلي. كالعادة، أدركت ذلك متأخرًا، عندما أمسكت بنفسي متلبسًا، غيرَ واعٍ تقريبًا بما يحدث حولي وأنا أمشي في شارع يفترض أنه مرصوف لولا عمليات الحفر العشوائي؛ أردد في ذهني، بصوت مسموع جدًا بالنسبة إليّ فقط، كلامًا أريد قوله بشدة حين أقابل ذلك الشخص الفلاني.
كنت متحفزًا وشبه غاضب، وغير واعٍ إلى أنني بشكل ما أنفس عن مشاعر مكبوتة بكلام واضح ومرتب، لكن في ذهني فقط. وحين تعثرت بزلطة صغيرة انتبهت.
بالطبع، حين قابلتُ الشخص الفلاني لم يستطع لساني استدعاء كل الكلام الذي رددته في ذهني سابقًا، وقلتُ كلامًا آخر يجاهد للاقتراب مما أريد حقًا التعبير عنه، ويفشل، وينتهي اللقاء، وأنزعج، ويتكرر الأمر طوال حياتي تقريبًا.
مرّات قليلة التي تمكنت فيها من خلق رابط وثيق بين ذهني ولساني. في هذه المرات، لسببٍ ما، أتجاوز حواجز القلق؛ لا داعي للخوف من أثر ما تريد التعبير عنه كما هو.
وحين لم أكن ملمًا كفاية بمسألة القلق الذي يبدو أنني أربيه بدأب منذ الطفولة المبكرة، لجأتُ إلى أساليب أخرى لأفرغ حمولتي. كنت أشخبط وأصنع بالمكعبات جريندايزر وحصان، أخبئهما أسفل الوسادة، أستلقي على ظهري، وأسرح طويلًا مُشكّلًا أحلامًا في اليقظة تهدئ عقلي حتى أنام. بعد وقتٍ استبدلت الكتابة بالمكعبات.
إحدى المرات وأنا طفل لم أتجاوز السابعة تقريبًا، أردت مصالحة أمي. لم أكن أعرف ماذا عليّ أن أقول. حين تتملكني نوبة غضب أصل بها لأقصى الحدود دون قدرة على التراجع إلا بعد الانهاك الكامل. عند ذلك تتعقد الأمور. لحظات الغضب إحدى المرات القليلة التي أتمكن فيها من خلق الرابط بين ذهني ولساني. المشكلة أن عقلي يكون مشوشًا إذ ذاك. لذا، حين أردت مصالحتها انعقد لساني، فكتبت لها رسالة في ورقة مطوية، مررتها أسفل باب غرفتها.
تقريبًا كانت هذه المرة التي اكتشفت فيها أن الكتابة أسهل من الكلام. لم أكن أستوعب بعد أن الكلام لا يصل من عقلي إلى لساني بسلاسة، كل ما في الأمر أنني ارتحت أكثر لاستخدام القلم كوسيلة لهذا العبور.
كنت أرسم أيضًا، ثم بدأت أخلط الكتابة بالرسم، ثم صنعت لوحة بمساحة 16 مترًا مكعبًا تقريبًا، هي شخبطة ملأت جدران غرفتي الزرقاء، رسمتها على مدار أربع سنوات تقريبًا، وكنت خلالها، وقبلها، أمارس إحدى هواياتي المفضلة السرية (لم تعد كذلك): الحلم يقظةً في الحمام لساعة وساعتين في المرة الواحدة، أفرغ كل ما أردت وأريد قوله.. هكذا يهدأ عقلي قليلًا، وأتلقى توبيخًا معتبرًا من والدي، ينعقد لساني عن الرد عليه بأي تبرير. كنت في سن المراهقة على أية حال، وشكوك الأهل تحاصرني.
كان هاجس الموت في سنٍّ صغيرة يسيطر عليّ. ظننتُ أنني إذا لم أتمكن، بسرعة، من تحقيق معظم الأحلام التي صنعتها في الحمام وفترات السرحان على الوسادة -التي أخبئ تحتها جريندايزر وحصان ثم أي شيء قررت خلق رابط بيني وبينه لسبب ما- فلن أحققها أبدًا لأنني سأموت بسرعة أيضًا.
لم أتخلَّ، نسبيًا، عن هاجس الموت المبكر إلا في شهور ثورة 2011، حين رأيت -عدة مرات- الموت يتجاهلني قاصدًا جيراني. في المقابل، أسهبتُ في الكتابة. وعملًا بنصيحة أحدهم، بدأت كتابة ما أراه كما رأيته، أو كما أظن أنني هكذا رأيته. حينها كتبت كثيرًا عن تلك المشاهد -حيث يتجاهلني الموت لسببٍ ما- لأنني لم أكن قد توالفت مع الدم. لاحقًا توالفت بعض الشيء، ثم تراجعت خطوتين للوراء؛ أفزع منه تمامًا الآن.
حين تخليت عن هاجس الموت المبكر، تخففت قليلًا من العجلة، وساعدتني الكتابة في ذلك: أكتب على عجلة من أمري ما رأيته (أو ظننتُ أنني هكذا رأيته) وأتنفس الصعداء. وأحيانًا أخرى أتأنّى جدًا، ربما أكثر من اللازم، في كتابة ما رأيته. هذه المرة أعلم أنني أكتب ما أظن أنني هكذا رأيته، وأنني تأنيتُ حتى التبس الأمر على ذاكرتي، عمدًا تقريبًا.
صرت أكثر وعيًا بأنني حين أكتب أهدأ ولو بعض الشيء، وأنني في المقابل لا أحسن التعبير بالكلام، بالأحرى أخشى من تكرار تجارب الحرج بالكلام أمام آخر/ين. أتوتر جدًا وأنا أحاول استدعاء كل الأفكار، الجمل والفقرات الكاملة التي شكّلتها في عقلي. يرتبك لساني، ويتوه الكلام، وأتوه معه، في الجمل الاعتراضية.
لكن حين أكتب، تصبح كل الأمور واضحة، بالنسبة إليّ على الأقل. وببعض علامات الترقيم، يمكن أن تصبح أكثر وضوحًا لمَن أتكلم معه كتابةً: سأُغرق المتن بالفواصل لأفصّل وأحدد الجمل والأفكار، وسأحاصر كل هذه الجمل الاعتراضية في حياتي بشرطتي الجملة المُعترضة. ستتوه بعضها بالفواصل. لا بأس، يمكن إعادة قراءة المكتوب بتأنٍّ. ما علامات الترقيم سوى صوت الكاتب في كتابته!
بعد وقتٍ، انتقلت عدوى رهاب التكلم إلى الكتابة نفسها. ليست لديّ أسباب محددة وواضحة لذلك. أحيل الأمر أحيانًا إلى العمل في الصحافة؛ صرت متخمًا بالكتابة عبر قصص وتقارير أحررها، حتى جزّعت نفسي. أحيانًا أخرى أحيل الأمر إلى الخوف من النقد، رغم أنه كان بإمكاني أن أكتب لنفسي كما كنتُ أفعل دائمًا. قد يفسِّر ذلك أنني كتبت لهذا السرد عدة مسودات: أكتب، أحذف، أضيف، أحذف مرة أخرى. وفكرت فيما سأكتبه عشرات المرات، لم تفلح أيًا منها في الانتقال إلى الورق كما هي، رغم أنها بدت، بالنسبة إلي أفكار رشيقة جدًا!
وسط هذه الحيرة، هناك دائمًا موقف مستقر في ذهني كخيال، يستدعيه عقلي مباشرة حين أفكر في مسألة الكتابة، ولسبب ما لا أحب الإحالة إليه منفردًا، مجرَّدًا عما أظنه سياقٌ كامل دفعني لرهاب الكتابة.
كنتُ غرًا مبسوطًا بإشادات هواة وأشباه محترفين بكتاباته، حين أرسلت لأحد أساتذتي قصة كتبتها وأنا فخور بها جدًا، ليسألني بجدية مربكة: «القصة مترجمة؟». شعرتُ بالزهو فجأة، وأجبت بنفس الزهو: «لأ، أنا اللي كتبتها»، ثم «إيه الخرا ده» منه، عطّلتني عن الكتابة لفترة معتبرة.
حاولتُ استدراك الأمر. عدتُ مرة أخرى للكتابة على استحياء شديد، ثم انفجرت ماسورة الكتابة التي ساعدتني على التخفف من العجلة وهاجس الموت المبكر. ثم توقفتُ تمامًا لسنوات، عن نوع معين من الكتابة رغم أنني لم أتوقف عن صنعة الصحافة. ثم ارتحتُ جدًا أن توفرت فرصة العمل في الـ Editing. كأنني تخلصت من عبء حقيقي.
لم أعد مجددًا لمحاولات الكتابة سوى في عام الوباء 2020. كنتُ شخصًا متحفظًا عن السرد، يتمثل «بالسر إن باحوا تُباح دماؤهم»، يعرف، نظريًا، أن في الكتابة بوح، وأن هذا البوح كما هو فعل خلاص، هو ممارسة، قد تكون مقننة، للتعري.
كل هذه الهواجس التي كبرت معي، وتآلفت مع هواجس أخرى اكتسبتها بمهارة فائقة؛ تدفعني لأن أخبئ بحرص شديد كل ما يمكن أن يفلت في الكتابة.
بحذر وارتباك شديد عدت للكتابة، مدفوعًا بفراغ العمل من جهة، والرغبة في التخفف من جهة أخرى.

عندما كنت في السجن، خلال النصف الأول من 2020، اعتقدت أن الكتابة ستكون المُخلّص الوحيد. وحين تسنّ لي الحصول على قلم وورقة، عِطلت، فشخبطتُ مجددًا. ربما كان عقلي ونفسي مليئان بهذه الشخبطة. ربما لم تكن هذه الشخبطة اعتباطية.
ما تمكنتُ من كتابته آنذاك: رسالتان لدليلة، ابنتي؛ واحدة أخذها المحققون، والثانية سرّبتها خلال إحدى عروض النيابة. ونص طويل نسبيًا، أبقى مستيقظًا للعاشرة صباحًا كي أتمكن من كتابته في هدوء نادر، مستغلًا نوم الزملاء. أسند ظهري لباب العنبر، وأضيء الكُرّاس بأشعة الشمس التي قسمتها القضبان لثلاثة خطوط.
استيقظت يومًا، أخرجت الكراس من الفارغة [حافظة بلاستيكية معلقة بحبل في مسمار]، ومزّقته.
يبدو أنني شعرت أن في هذا الكراس أثقل مما ينبغي البوح به. كتبته وهدأت بعض الشيء، ثم عدت لقرائته بتأنٍّ ففقدت الاهتمام به، ومزقت الكراس. تعاملتُ مع نفسي كآخر، سردت له مخاوفي وهواجسي في صورة ملاحظات عن السجن والسجناء.
لاحقًا انتبهت إلى أنني لطالما فعلت ذلك: أفقد اهتمامي بما أكتبه بمجرد أن يطّلع عليه ولو شخص واحد. ربما إذًا أنا في حاجة إلى أن يطلع ولو شخص واحد على ما أكتبه، أي على كل الكلام العالق في ذهني.
لكن في المقابل، حين أنتبه لذلك، يتجدد خوفي من الكتابة، يتعاظم الإحساس بأنني على وشك خلع برقع الحياء، وممارسة تعري أمام آخر/ين. عند ذلك تُفعّل نفسي ترسانة ألاعيبها. تحفّز عقلي على التمسك بـ«الستر». تشوشه. لا أستطيع حتى التعبير، براحة، بالكتابة.

هذا ما حدث في هذا الديتوكس، لأجدني مع اقتراب الديدلاين، وبشكل لا واعٍ، أضع لنفسي دليلًا لأتمكن من الكتابة، بالأحرى الهرب من ألاعيب النفس. هكذا حدث الأمر:
-راعيتُ الـOCD، فرتبت المكان، وغسلت المواعين بلا هدف. بهذه الطريقة أمنع نفسي من اختلاق أي أعذار تدفعني للتحرك من مكاني؛ كل شيء مرتب ونظيف، كل شيء في مكانه.
-دخلت على الساوند كلاود. كتبت في شريط البحث Music for writing. وبدأت في الكتابة.
-عِطلت، فقلت لنفسي سأقرأ إذًا ما كتبته لأتتبع تدفق السرد. في منتصف الطريق انتبهت إلى أن اللمبة الليد البيضاء مضيئة. قمت وأطفأتها، وأضأت الصفراء الصغيرة في آخر الغرفة. الإضاءة لا تكفي، حسنًا، سأفتح التلفاز على الراديو حيث الشاشة زرقاء بلا حركة. تنقصني قهوة، أعددتها.
-كل شيء جاهز، ولا تزال الكتابة عطلانة. سأقرأ أي شيء من باب تخفيف التوتر الذي أشعر به. -سأذهب إلى البلكونة لاستنشاق الهواء.
-سأتمشى في المنزل لأن الحركة بركة.
-سأنهار على السريع.
-هل عليّ الاتصال بمحرر ديتوكس والاعتذار عن فشلي في الكتابة؟ ربما بعد نشر الغسيل.
-كم كلمة كتبتُ حتى الآن؟ أخشى أنني حين أكتب عن الكتابة سأتخفف من الكتابة نفسها. ماذا سأفعل حينها!؟
في النهاية، استسلمت تمامًا لإنهاكي، وشعرتُ برغبة في التعبير عن ذلك. لم أستطع البوح بالكلام، وفعلتُ أشياء أخرى مثل التوتر، الغضب، الزعيق. وحين أنهكت تمامًا، كتبت عن ذلك. هذا هو إذًا دليلي للتخفف من رهاب البوح بالكتابة.
#سلام.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن