تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
بارتلبي وغيره.. عن الطب النفسي والأدب

بارتلبي وغيره.. عن الطب النفسي والأدب

هذا النص ضمن تقليب 15# «مُنتهى الأدب»

كتابة: أحمد فتحي 12 دقيقة قراءة

عندما بدأتُ العمل في إنجلترا كطبيب نفسي حديث التخرّج، تطلّبت وظيفتي توثيق كل كبيرة وصغيرة تحدث بين أي من أعضاء الفريق العلاجي -على اختلاف اختصاصاتهم- والمريض. التسجيل المستمرّ في ملف المريض الإلكتروني هو العمود القانوني الأهم، ولا يتوانى المدراء عن التذكّير بشعارهم الأثير: إذا لم تُوثّق ما جرى فإنه لم يحدث قط. ما تكتبه سيكون طوق نجاتك إذا حدث أي إهمال وأدّى إلى مصيبة لا قدّر الله. كأن العمل تدوين يوميات ممتد.

في أروقة المستشفى لاحظتُ كل أعضاء الفريق العلاجي من أطباء وتمريض ومُشرفي المرضى وأخصائي العلاج الوظيفي والأخصائيين النفسيين والصيادلة والإداريين، لا يتحركون إلا ومعهم تابلت أو لابتوب، يكتبون عليه ما يحدث بينهم وبين المرضى في كل نقطة تلاقٍ رسميّة، خلال فترة حجز المريض.

يشمل التوثيق كل التدخّلات العلاجية، ابتداءً من الملاحظات الدوريّة التي يُجريها التمريض والمشرفين، مرورًا بكل مقابلة علاجية يقوم بها أفراد الفريق. ليست هناك قاعدة تحكم طول أو قصر ما يُكتب؛ فمُشرف عاكف على ملاحظة مريضة، قد يكتب فقط في الملف الإلكتروني «نائمة» أو «تشاهد التلفزيون في القاعة الكبيرة». تلي هذه الكلمات البسيطة، ملاحظات تفصيليّة عن كل ما حدث خلال ورديّة ليليّة سابقة. أمّا المقابلة مع الاستشاري فقد تنتهي بكتابة ثلاث صفحات هي محتوى الحديث الذي دار. 

تختلف طريقة كتابة الأطباء عن بعضهم. اتّسمت أساليب الجميع بمفردات وقوالب ثابتة، ومع ذلك تباينت طبقًا للخبرة. قد يفرّق بينهم المَيل للإيجاز أو للإسهاب، ومنهم مَن يمتلك ذاكرة حادّة فيُعيد كتابة ما دار بينه وبين مريض خلال ساعة كاملة، دون أن ينسى حرفًا مما قيل. في فترات الراحة والنميمة، يتحدث الأطباء الصغار عن هذا الطبيب أو ذاك المتميّز في الكتابة مقارنة بالذي يعتمد كليّا على متدرّبيه. مع الوقت صرتُ أفضّل الطبيب الذي يصف وصفًا صحيحًا، متناهي الدقّة للحالة العقليّة، يشبه أوصاف كتّاب الأدب الذين أحبهم براعةً. مثل جوجول الذي وصف الذُهان بدقّة في «مذكرات مجنون» قبل أن يقع هو نفسه فريسة لهوس ديني حاد، وڤيرجينيا وولف في وصفها لتقلبات مزاجية متطرّفة تمثّل شقّي اضطراب ثنائي القطب في اليوميات.  

كطبيب صغير (چونيور) وقع جزءٌ كبيرٌ من ذلك التوثيق على عاتقي. كان بعضه منطقيّا كالفحص العضوي في متابعة شكوى جسدية، أو فحص الحالة العقليّة إذا كنتُ مُحاورًا رئيسيًا، وبدا الآخر دخيلًا، لا علاقة له بالممارسة الطبيّة، فأُسند بالمُعتاد إلى الطبيب الصغير بسبب تقشفهم مؤخرًا في تعيين السكرتيرات في النظام الصحي البريطاني. ولأن الاستشاري لا يجد وقتًا من كثرة مسؤولياته، يصحبك معه أثناء مروره على المرضى، للتعلّم والمناقشة بلا شك، لكن أيضًا لكي تكون آلته الكاتبة.

في البداية وجدتُ ذلك صعبًا، خصوصًا لأن الاضطرابات النفسية الشديدة تؤثّر بشكل كبير على عملية التفكير وبِنْيَة الكلام الذي يتراوح في تدفقه وصياغته بين اندفاع وتطاير وبطء وجمود وتشظّي ودمج وحذف، فضلًا عن اختراع كلمات في أحيان نادرة. هذا في لغة ليست لغتي الأم وبلكنات لم أعتدها، ولم يشفع لي كوني قضيتُ أعوامًا أقرأ بالإنجليزية وأسمعها.

أثناء مناظرة المرضى خفتُ أن يفوتني كلامٌ مهمٌ، وكنت أسارع للّحاق بما يقوله المريض. في النهاية أجد ملف الوورد مكتظًا بالملاحظات، وعليّ أن أحرّره وأجعل له معنىً قبل وضعه على الملف الإلكتروني. ينقسم يوم العمل إلى نصف إكلينيكي طبي أقابل فيه المرضى كل حسب متطلباته، والنصف الآخر أجلس فيه إذا لم يكن هناك طوارئ، لأنتهي من توثيق اليوم في السجلّات. 

مرّت الأسابيع الأولى وأنا مشغول بهذا الجانب داخل وخارج العمل، واعيًا بمعاناتي، وبطء وركاكة لغتي مُطاردًا بهواجس الكتابة. كنت معزولًا ولم أكن أكلّم أحدًا، مُتلمّسًا طرق التعامل مع شهور الاغتراب الأولى بارتباك وتجريب وكثير من الإخفاق. بدأت أحسُّ باشتياق للعربيّة، خاصة مع كل مجهود أبذله في الكتابة والتحدّث بالإنجليزية فارتبطت معي بإحساس مُطبق من الإرهاق.

وقتها كنت أسكن في مدينة شيفيلد، أكثر مدن بريطانيا اخضرارًا، التي تحاوطها البساتين والغابات من كل جانب، لكني رغم شغفي بالطبيعة وجدتُ أقدامي تقودني إلى المكتبات أولًا.  فُوجئت يومًا وأنا داخل إحداها بنسخة عربية من ألف ليلة وليلة طبعة دار صادر، مجاورة لترجمة بورتون الإنجليزية المفضّلة عند بورخيس، اشتريتها فورًا.

لم يكن عندي طاقة ذهنيّة بعد انتهاء العمل للقراءة، فداومتُ على استحضار جملٍ وفقرات أُحبّها، مما قرأتُ في الماضي، مع ترديدها بتأثرٍ بالغ.  ليس مفهومًا لماذا تبقى جُملٌ بعينها في ذهن الواحد وتبدأ في إضفاء سحر غريب عليه بمجرد تذكّرها، كما قال نجيب محفوظ عن سحر البلاغة في أصداء السيرة الذاتية «تذكرت كلمات بسيطة لا وزن لها في ذاتها مثل أنت .. فيم تفكّر.. طيب… يا لك من ماكر..»

قضيتُ مساءات كثيرة أتأمل أمل دنقل في قصيدته الطيور: «إن اليد الآدمية واهبة القمح تعرف كيف تسنّ السلاح» وقول ياسر عبداللطيف في إحدى قصصه: «ربما لو أدركتُ مثل ذلك الحب في صدر مراهقتي لأُعفيت من الخوض في طرق مظلمة ساهمت في تخريب روحي»، والكثير مما كتبه المخزنجي مثل «لقد غطّى الثلج العش والنسمة الباردة تؤرجحه مهجورًا». وكنت أحن أحيانًا كالسابق، للإمساك بمعجم عربي في يدي والتقليب فيه بلا تركيز ونطق الغريب -مثلي- من الكلمات التي نُسيت، وصار لها وقع مغاير في ذهني كلما خطرت لي فجأة، فأرددها كالتمائم في الصباح، وأنا ذاهب للعمل حين تغمرني الكآبة.

وكنت أستعيد الأعمال القصصية التي تُروى بضمير المتكلم الجمع «نحن»، الصوت المفترض أنه يحكي من منظور مجموعة لكنه صوت واحد يقول «فكّرنا، نظرنا، ارتبكنا...» لطالما هُوست بذلك الصوت، وكنت في سن أصغر أتخيل نفسي مستترًا مع ضمير الجمع، وأستشعر ولو بإيهام حركة بشر من حولي، أصواتنا فيها تقارب. في ليالي شيفيلد القارسة والدنيا ساكنة، طبعًا رأيتني مرة أخرى مع رواة وردة من أجل إيميلي - قصة ويليام فوكنر  «فى البداية شعرنا بالسعادة لأن إيميلى وجدت أخيرًا من يسلّيها ويثير اهتمامها». ومع رواة ربيع جابر القرويين المحاصرين في البرد، في روايته الأولى «سيد العتمة»: «ولقد خُيّل إلينا أننا سمعنا حوافر أحصنة قوية تخب مبتعدة فوق الأرض الصلبة، ووقفنا دون همسة، وانقطعنا عن التنفس، وأصغينا جيدًا لندرك أن ذلك كان مجرد وهم أيضًا. فالأرض كانت موحلة وعزف الريح يصم الليل حتى أننا للحظة مشعة عند الفجر الجليدي تركنا تلك الفكرة تتبادر إلى أذهاننا .. أي أننا كنا نعيش حلمًا فقط، وأنه كان حلمًا خاطفًا وجميلًا وحافلًا بالقمح». 

وبين أولاد مراهقين في المشهد الختامى فى قصة المخزنجي «أمام بوابات القمح»: «ظهرتْ تفاجئنا ونحن فى شوق إلى المفاجأة. نظرت إلينا نظرة لم نر مثلها من قبل. ثم عبرتنا وراحت تكتسح الأولاد والبنات بقُلتها إلى الرجال العطاش. وعندما كان طبقها يمتلىء بالقمح، تبينا أننا لم نعد نحسدها، ولم نعد عليها حانقين، لقد كنا نبصرها ونبصر رؤوس الأولاد والبنات من فوق، وشعرنا بخجل من هذه القلل التى كنا نحمل، ولم نتصايح ولم نزاحم. فكرنا لو يمكننا أن نملأ طبقها بالقمح، وكنا نرنو إلى الرجال العطاش لو نغدو معهم».

caption

بعد فترة فكرتُ أن أقتفي ذلك الأثر في لغة العمل، أن أعتاد رتابتها بالبحث في جمالياتها. يومًا ما كنتُ أراجع التقارير السابقة عن مريضة ما، ووجدتُ تقريرًا كتبته واحدة ممَن قيّموا المريضة، ضمّنت فيه الحالة العقلية بوصف فريد، راصدة أنماطٍ سلوكية ونفسية دون الالتزام بالقالب المختزل الذي يُضيّع الكثير. وجدته مكتوبًا كأنه أدب، واندهشت لأني رغم ملاحظتي لِما ذُكر فيه، لم يخطر في بالي أن أكتبه كما كان في التقرير الذي جعلني أرى المريضة حيّة أمامي كأني لم أتركها بعد. يعتمد فهم باثولوجيا المرض النفسي في جانب كبير منه على التوصيف المباشر لما يقوله المريض بلا تحريف، مع احترام تجربته الذاتية التي يسردها، لذا تكون الملاحظة الدقيقة عامل حاسم ومهم.

رحتُ أنصت بانتباه، ومع الاعتياد واكتساب الخبرة، قلّ إحساسي بالضغط وسيطر عليّ التفكير في الكتابة غالب الوقت. بدأتْ تمكث بعض الجُمل في رأسي، ليست ذات أهمية في ذاتها لكنها تركت فيّ انطباعًا لازمني. كنت أركّز مع أوصاف الحالات المزاجية الغريبة، ألاحظ الاستخدام المختلف للمفردات بين أخصائي ماهر وآخر، أندهش أن جملة قصيرة بإمكانها إيجاز مقابلة طويلة بجزالة، وصرت أتذكّر كلامًا بليغًا كما قاله بعض المرضى نصًا، وأُذكّر الآخرين به عند الحاجة. يومًا ما عبّرت مريضة عن حالتها المزاجية واصفة شعورها  بأنها dispassionate observer لكل ما يجري حولها، وأخرى كانت تسمع «أصداءً كونية» وتحس أنها وُلدت في مسار زمني خاطىء.  

وكلما سمح الوقت، حاولت القراءة في العلاقة الممتدة بين الأدب والطب النفسي، فأتذكّر بعض الكتّاب الذين انطوت كتابتهم على دلالات نفسية ثقيلة، وألهمت فرويد الذي رأى أن الأدب يسبق التحليل النفسي، فأقرأ تعليقًا عن حالة الإطناب المرضي الطويل في نثر دستويفسكي مقابل التكثيف الحيادي عند كافكا. وأطالع بعض تحليلات يحيي الرخاوي لأحلام نجيب محفوظ وآرائه المخالفة لفرويد التي تستند إلى الرمز والدواخل المكبوتة في حين أن أحلام محفوظ لها طابع إبداعي، لا تمتد فقط من اللاوعي، بل من وعي يصوغ الحلم كتابة، له بنية فنية ويرتبط بتجربته الذاتية، ربما ذلك ما يجعلني أرى فيها مزيج من الغرابة والألفة لهما تأثير مهدىء بل وأحيانا أحس أن تلك الأحلام  فيها مساحات لانهائية وحاضنة من الفراغ، الخلاء الممتلىء بالدفقات كما وصفه في الحرافيش. وخطر لي وأنا أقرأ لعبة الحجلة مدى تشابه تداعي كورتاثار الحر وبطله أوليبييرا مع تداعي أنيس زكي في «ثرثرة فوق النيل»، وإن كان الأول يميل في آخر الرواية إلى التفكك الكامل. محفوظ نفسه كتب سنة 1935 عن السيكلوجية واتجاهاتها وطرقها القديمة والحديثة.

كلما نقّبت في ذاكرتي أجدني أحيل إلى نصوص أكثر فأتذكر وصف الهلاوس البصرية والحسيّة في «قانون الوراثة» لياسر عبد اللطيف، وتتبع مدهش لطبيب تمسّه لوثة اكتئاب ذُهانية في قصة السملّات للمخزنجي الذي يحافظ على رقة لغته دائمًا. في حين تتخذ اللغة طابعًا مضطربًا لشكل التفكير في رحلة يوسف إدريس الذي يتحدث راويها تحت وطأة إحساس عميق بالذنب يتراوح مع الارتباك والغضب. وعند راهب تشيخوف الأسود، بانت معاناة البطل من ضلالات عظمة مرضيّة، حيث يظهر له سراب الراهب مؤكدًا له مدى تفرّد تفكيره وتميّزه، في سياق درامي عن ميل الإنسان إلى الراحة في الوهم. بينما في قرافة خيري شلبي للسيارات، يتحرك الراوي الجالس في سيارته في الزمن ويمس الأفكار مسًا خاطفًا يتنقل إثره إلى فكرة وزمن آخر هكذا دواليك، ولا تخلو تجربته من هلاوس. وينتهي بي الحال مع ضوء حسين البرغوثي الأزرق: «كنت أيامها في برنامج الماجستير في الأدب المقارن في جامعة واشنطن، سياتل، على الأقل خارجيًا كنت كذلك، لكن، داخليًا، كنت على حافة الجنون، أعني يهيمن علي رعب أنني سأفقد عقلي» فيحكي عن بعض مظاهر ذلك الجنون وإرهاصات ذهنه على امتداد الضوء الأزرق، والذي حللته إيمان مرسال في دراسة مدهشة بعنوان الضوء الأزرق: الوقائع مصيدة الذاكرة.

يمكن ببعض التجاوز القول أن غالبية رواة الأعمال الأدبية قد يُظهرون درجة ما من اضطرابات أشكال التفكير، الشكل بمعنى الفورم، كما نقول في الشكل الأدبي. والكاتب يستخدم ذلك كأداة وأسلوب للسرد يتسق مع ما يريد حكيه ولحاجة في نفسه، وقد شطح كُلًا من بيكيت وجويس-مثلًا- كثيرًا في هذا السياق، فلا يعني هذا بالضرورة وجود مرض نفسي، فالبشر عُصابيين بطبعهم، والعُصاب يشتبك مع الإبداع الذي يحاول تطويعه وتقليل حدته. يرصد تيري إيغلتون هذه العلاقات المشتبكة مع التحليل النفسي في إحدى فصول كتابه نظرية الأدب. كما دفعتْ تلك الروابط الكثيرة فيمي أويبودي، مؤلف مرجع سيمز لباثولوجيا الأمراض النفسيّة، إلى تحرير كتاب شامل عن الأدب والطب النفسي.

كنت أحاول إخماد قلقي بالتفكير في كل ذلك، و بتضفير هذه الإحالات في حياتي العملية بأي وسيلة، وصرتُ كالبطل في إشارات ورموز نابوكوڤ الذي يحوّل كل شيء إلى دلالات على وجوده. أرى نمطًا صعبًا ونمطًا مخيفًا يومضان مع هذه الممارسات؛ أرى المشاهد والكلمات التي لاحت لي أولًا في ذهني ترتبط بشكل أو بآخر، تمامًا بلا قصد، بالقمح فأفكّر أن لاوعيي لا بد يتدفق في اتجاه ما، لا أعرف بعد منبعه ولا مصبه. وأمام فرويد -المُخيف- بدا لي حقيقيًّا بلا مغالاة أني دفنت نزوعي إلى الأدب، أو بالأحرى كبتّه بداخلي، لفترات طويلة حتى تفجّر في العنابر من مؤثرات بسيطة، في صورة استشفاف ظامىء.

caption

 ساء وضعي في العمل لما وقعتْ ضمن واجباتي كتابة ما يجري في اجتماعات الفريق العلاجي الدوريّة. ينبغي أن يُوثق هذا النقاش كمسوّدة مُحَدّثة للخطّة العلاجية. كانت مهمة ثقيلة جدًا على قلبي مع كثرة الحاضرين واحتدام النقاش. قلّما كانت تلك اللقاءات عن أمور طبية، بل كثرت فيها الاستطرادات المملة، فأجد نفسي محتقنًا بالضجر إلى حدّ الرغبة في الصراخ، لكني لم أنطق وقتها. 

في البداية كنت أهلع لأني بالتأكيد لم ألحق بكل ما يُقال، وأثناء فترات الحضور الطويلة أسهم، وربما انشغلتُ مع فراشة ترتطم بزجاج الحجرة أو غراب هبط ليلتقط رزقه في جنينة العنبر، لأعود من سرحاتي وهم مازالوا يتحدّثون في أمر لن يقدّم أو يؤخّر.

عند عودتي للبيت كان الصداع يفتك بي ويغيّم عقلي فلا أجد سبيلا سوى النوم، والانغماس مرة أخرى في الروتين. ككل شيء، اعتدتُ هذه الاجتماعات رويدًا بعد إدراكي أنه ليس ضروريًا كتابة كل ما يُقال، ويكفي أن أصل إلى استنتاجات مختصرة من النقاش، أهمّها نقاط التنفيذ التي ينبغي أن يحقّقها كل فرد من الفريق.

صرتُ بالتدريج لا أقابل صعوبة في الفهم وكتابة النقاش والمشاركة فيه، لكن ظلّ الموضوع مملًا ومُهينًا، لايطابق آمالي في العمل كطبيب نفسي، وكثيرًا ما راجعت نفسي بشأن قرار السفر. 

في تلك الأيام، تذكّرت وأنا أقوم بنسخ ما يحدث، بارتلبي، موظّف هرمان ملڤيل المجتهد الذي كان يعمل بمثالية بلا كلل في النسخ، ثم فجأة سيتوقف «مُفضّلًا ألا يفعل» دون تفسيرات واضحة. صار بارتلبي كلما طُلب منه شيئًا يقول أفضّل ألا أفعل، وبدا مستسلمًا ليأسٍ غامض حتى نعرف لاحقًا أنه عمل في مكتب الرسائل الميتة التي لا تصل إلى أصحابها.   

 بدأتُ أتخيّل نفسي كبارتلبي، متعلّقا بأي شيء يربطني بعالم الأدب فيُهوّن عليّ بطبيعة الحال. اتخذتُ من ذلك سلوى؛ كون أن جانبًا من عملي في جوهره كتابة، فإن لم أكن أجد وقتًا للكتابة خارج العمل، فإني مازلت أكتب أثناء العمل. حتى لو كانت كتابة بلا رونق، كتابة بيروقراطية، فإن فيها متسع للتأمل والتعلم، ومن هنا والآن يمكنني أن أعمل سريًّا كناقد بذائقة أدبية، أحكم بها على طريقة كتابة الأطباء المختلفين، خاصة لفحص الحالة العقلية، طامحًا أن أكتبها كأفضلهم في لغته.

في إحدى المرات كانت هناك مريضة لا تتحدث الإنجليزية، وعندما جاء المترجم، بدأتْ بكلمة سلام ثم أكملت باللغة التيغرينية. سألني الاستشاري فور خروجها إذا كانت لغتها عربية لأنه يعرف كلمة سلام، فأجبتُ نافيًا بثقة واندفاع كبيرين أن لغتها ليست عربية، ووجدتني أقول بعد لحظة صمت، اللغة العربيّة جميلة.

وددتُ أن أقول إن اللغة التي تحدّثتها المريضة لغة خشنة، وإن كانت لغة ساميّة تشترك مع العربية في بعض الجذور مثل سلم، وبدا حينها من الاستماع فقط أن نطاق كلماتها ضيّق جدًا وأبجديّتها محدودة. كان ذلك انجرافًا شعوريًا بداخلي لا يُعوّل حكمه على تلك اللغة، كما إني كنت مختنقًا إثر شهور من الاستماع والتحدّث بالإنجليزية، وما إن ذُكرت العربية وجدتها فرصة استثنائية لأقول أي شيء عنها. ثار الدم في عروقي بلا سبب، وغابت عني كل وسائل التأقلم التي وصلت إليها، وأردتُ أن أخبره، برغم جمال الإنجليزية التي أحبّها فعلًا، ما معناه أن كل ما يقولونه هراء، وما أملّها من لغة، لكنّي فضّلت ألا أفعل، مثل بارتلبي، وتركتُ الحجرة حتى يهدأ قلبي قليلًا.  

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن