بابا الأول والثاني
#264| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
#جو عام
تستعير مريم عرابي مفاهيم عملها كمترجمة مثل الاقتباس والأصل والترجمة، لتشريح أبعاد ومعاني الحياة والموت والتربية، بل ندخل معها دوامة سردية ممتعة عن الأبوة والبنوة والأخوة، وتفكك معاني هذه العلاقات الفريدة المتشابكة كبيت العنكبوت التي لا ننتبه لما فيها من تعقيد جميل لأننا اعتدناها.
#قراءة
اكتسبتُ خلال نشأتي طريقةً للتعامل مع المشاعر الثقيلة؛ أضعها في سردٍ ما في مخيلتي، أي سرد، لتصير حدثًا داخل قصة، أنا بطلتها لكنَّها تظلُّ مجرَّد قصة. سردٌ يحاكي الواقع دون أن يصيره. هكذا أراوغ أهوال الحياة. تكرَّرت هذه المراوغة بلا وعي منِّي حتى انتقلت إلى أحلامي. تأتيني أغلب أحلامي في سياق فيلم أكون فيه البطلة والمتفرجة في آن واحد؛ أقترب من الحدث بما يكفي لأصدِّق أنه يخصني وأبتعد مسافةً تحميني من التعامل معه.
حين مات بابا وأنا في الخامسة عشرة، حرصت على وجود مسافة كافية تفصل بيني وبين الحدث، مسافة لا تمنع الألم لكنها تُخفِّف وقعَه. تعودت أن أحكي عنه كشخص داخل سرديةٍ أخرى، فلا أتفاعل مع الكلام أكثر من تفاعلي مع شخصية داخل رواية أو فيلم، فهو شخصية مُقتَبسة.
كبرت لأعمل في مجال الترجمة. أنقل كلمات غيري بينما أكون في مأمن من أن أكون كاتبتها. الترجمة واقتباس الآخر يحافظان على المسافة الآمنة التي تجنِّبني التعامل مع تبعات كلماتي؛ خضوعها للأحكام، والشعور بالفشل والعجز عن صياغة أفكاري، ثم مواجهة أثرها في نفسي بعد أن تتجسَّد أمامي مكتوبة.
كنتُ ذات سنواتٍ أربعة حين مات بابا تاركًا زوجةً وثلاث بنات وجنينًا. قرر أخوه، بابا الثاني، الذي كان شابًا لم يسبق له الزواج، أن يتزوج أرملة أخيه ويكون أبًا لأطفاله. صاروا يقولون له بابا وصار يؤدي دور ومهام الأب وتناسوا جميعًا، باتفاق ضمني، أنهم من صلب رجلٍ آخر. اقتبس حياة أخيه لتتداخل الحياتين، لكنه لم يقف عند هذا الحد ولم يُبقها على وضعها، بل حرص على تجهيز شقة جديدة وعلى رفع مستوى معيشتهم والاهتمام بتعليمهم. أنجب من أرملة أخيه ثلاث بنات ليصبح مجموع أولاده وأولاد أخيه سبعة؛ ست أخوات وأخ يشكلون معًا عائلة واحدة لا تختلف عن أي عائلة أخرى، إلى أن مات في الثلاثينيات في نفس العمر الذي مات فيه أخوه.
أفكر هل كانت هذه طريقته للتعامل مع الموت؟ أن يتابع حياة أخيه متظاهرًا بأنه لم يمت؛ بالإبقاء على كل شيء كما هو وتغيير كل شيء في الوقت نفسه. هل كانت محاولة لمنح حياته معنى، ومن أجل ذلك المعنى ضحَّى بحياته نفسها لتصير امتدادًا لحياة أخيه، بل وليصبح هو نفسه ذلك الميِّت. هل كانت محاولة لتغيير مصير أخيه أم مصيره؟ في كل الأحوال منح هذا الامتداد شعورًا للجميع أن الأخ لم يمت.
طالما فكرتُ أن بابا الثاني ضحَّى تضحيةً كبيرة، تضحية محورها أسرة أخيه؛ أنا وإخوتي وأمي. صار لنا أبًا حتى إنَّني لم أكن أذكر أنَّه لم يكن بابا من البداية إلَّا حين يسألني أحد وأنا أتكلم عن بابا سؤالًا سخيفًا لا أستوعبه لوهلة: «مين فيهم؟» كنت أستنكر السؤال لأن هناك بابا واحدٌ فقط، إلى أن مات هو الآخر. الآن، بعد مرور ستَّ عشرة سنة على موته، لا أستطيع الجزم مين فيهم. هل كان أحدهما حقيقيًا أكثر من الآخر؟
يُعرِّف الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين الترجمة، في نص «مهمة المترجم»، بأنها الحياة الآخرة للعمل الأصلي الذي يُحقِّق من خلالها ازدهاره واستمراره. الترجمة تدين بوجودها للعمل الأصلي، فهي توجد من خلاله، بينما لا يدين لها الأصل بوجوده أو بأهميته. لكن الترجمة ليست نسخة للأصل وإنما امتداد له، فهي وضعية مستقلة بحد ذاتها. بل إن الترجمة مستحيلة إذا كان هدفها الجوهري هو التشابه قدر الإمكان مع الأصل.
أشعر أحيانًا أن ما فعله بابا الثاني طمس ذكرى أخيه وسلبه حقه في أن يظل، رغم موته، أبًا لأطفاله وحق أطفاله في الحصول على خاتمة لحياة أبيهم. لكن، في أحيان أخرى أكثر منها، أشعر أنه طمس وجوده نفسه ليحافظ على وجود أخيه.
يُفرِّق بنيامين بين الشيء المقصود وكيفية القصد؛ ففي حين تبقى العناصر الفردية في اللغات المختلفة غريبة عن بعضها، كالكلمات والجمل والبنية، تُكمِّل هذه اللغات بعضها في مقاصدها. تختلف العلاقة بين المضمون واللغة في الأصل عنها في الترجمة. ففي حين يشكل هذان العنصران نوعًا من الوحدة في الأصل، كالثمرة وقشرتها، تُغلِّف لغة الترجمة المضمون كثوب ملكي مليء بالطيات والثنايا.
رغم امتناني لأبوته، أتساءل هل ما حدث كان يجب أن يحدث؟ ربما كان يُفترض أن تنتهي حياة الأول وحسب دون أن تكتمل داخل حياة أخرى. لكن هل هذا هو ما حدث حقًا؟ أفكر مؤخرًا أن حياة الثاني ربما هي التي احتاجت أن تكتمل داخل حياة الأول. ربما لم يعرف بابا الثاني كيف يعيش الحياة. مات أبوه في طفولته قبل أن يشتد عوده. قرر أخوه، من بين الكثير من الأخوة والأخوات، أن يصير لهم جميعًا امتدادًا لأبيهم. كبر بابا الثاني وتخرج في الجامعة وسلك حياته الخاصة، بينما تزوج أخوه، بابا الأول، وكوَّن أسرة صغيرة جديدة، لكنه استمر في لعب الدور الذي كان قد عيَّنه لنفسه. ثم باغتته حمى غير معروفة المصدر لتأخذ حياته خلال أيام ويترك بموته دورين خاليين.
تحكي ماما عن زواجها من بابا الثاني فتقول لم يحتمل موت أخيه، أحبه كثيرًا إلى درجة أنه عجز عن التماسك في الدفنة وفقد وعيه. وقت أن عرض عليها الزواج، بعد موت أخيه بوقت قصير، رفضت ماما في البداية. ألحَّ في الطلب ثم أرسل عمتي الكبرى لتقنعها؛ أخبرتها أنه لن يهدأ إلا إذا تمت الزيجة، وأن روحه في العيال. قالت ماما إن بإمكانه زيارتهم طوال الوقت لكن هذا لم يكن كافيًا له. صارحها بابا بعد زواجه منها أنها لو كانت صممت على الرفض لكان قد مرِضَ. أسألها هل كان ينوي الزواج من أخرى بعد زواجه منكِ كما يحدث في المسلسلات حين يتزوج الأخ أرملة أخيه ثم يتقدم لأخرى ويقول إن زواجه الأول كان لضرورة أو حتى كان صوريًا؟ تقول أبدًا، لم يفكر في ذلك.
ربما قرر بابا الثاني أن يُكمل حياة أخيه التي كانت قد بدأت مسبقًا لأنها الطريقة الوحيدة التي عرفها للعيش؛ أن يوجد ويكتمل من خلال الآخر، أن تكتسب حياته أهميتها من أهمية حياة أخيه. لكن من الآخر هنا؟ من وُجِد خلال من، وأي حياة اكتسبت قيمتها من الأخرى؟ من هو بابا بينهما؟ هل يشترط في الأصل أن يُوجد أولًا؟
أحيانًا، حين نقرأ ترجمة للغة لا نتكلمها أو لغة مُندثرة، تكون الترجمة هي كل ما نعرفه عن العمل وهي الهيئة التي وصلنا بها، هي الأصل الخاص بنا؛ حيثُ يوجد الأصل وقتها من خلال الترجمة، وحيث ربما لا نهتم بمعرفة الأصل.
حين مات بابا الأول لم أكن قد عرفت الموت بعد، فلم يكن له وقتها ذلك الأثر المؤلم الذي تركه موت بابا الثاني الذي كانت حياته وموته صدىً لحياة وموت الأول؛ جعلني موت الثاني ألتفت إلى حياة وموت الأول. تعلَّمت أنني حتى أتعامل من جرح موت الأخير لا بد أن أتعامل مع موت الأول.
تواصلتُ مؤخرًا مع صديق لأبويَّ؛ كان صديقَ الأول وكانوا جيرانًا وأصبح مع الوقت صديقًا للثاني وتوطدت علاقتهما بعد موت الأول. سألته عن صور لهما، تمهيدًا لسؤاله فيما بعد عن الجوابات التي تبادلها مع الاثنين طوال فترة إقامته في الخارج. ما أثار انتباهي أنه لم يذكر في كلامه سوى الأول رغم أن سؤالي تضمن كليهما؛ لم يأت على ذكر اسمه حتى. اكتشفت بعدها أنه بموت الثاني أصبح من يعرف الاثنين يحيل كلمة بابا إلى الأول بالضرورة، رغم عهدي الدائم بإحالتها للأخير. جعلتني هذه الفكرة مُضطربةً وحزينة. لا أفهم كيف تجاهلوا حياة شخص كاملة لمجرد أنها اكتملت في حياة غيره.
أسأل ماما، الآن بعد مرور سنوات كثيرة على موت الاثنين، بطريقة غير مباشرة اعتدناها في الكلام مع بعضنا: حاسة إن بابا الأول كان رقيق أكتر. ترد نافية: هو كان حنين بس بابا التاني كان حنين أوي على فكرة، حتى إن أمه كانت تقول: شوفي ابني الكبير حنين قد إيه؟ أهو ابني الصغير أحن منه. أعود لأسألها ألم يكن أحدهما أفضل من الآخر؟ تصمت لثوان ثم تقول إن مرة سألتها صديقة العمل: تحبي تبقي مع مين في الجنة؟ تقول ماما: أحببت الاثنين بالقدر نفسه. لتضيِّق الأولى عليها بالسؤال: أكيد في واحد حبيتيه أكتر. تقول لي ماما: لا والله، كل واحد كان فيه من الصفات الطيبة ما أحببته. أسألها: هل كانا متشابهين في صفاتهما؟ تقول: لا، لكلٍ شخصيته.
رآها بابا الأول وأحبها واختارها زوجة له. تشاركا الأيام جميلها وقبيحها، وكان كلما عرف أنها تحب شيئًا تأكد أن يوفره لها؛ ملأ البيت بأُصُص الريحان والياسمين والفل والنعناع لأنها تحب الزرع واشترى قفص عصافير لأنها أحبّتهم. وعن بابا الثاني تقول: كان رومانسيًا حلو اللسان. كان، وقد شهدت ذلك بنفسي، يغدق عليها بالهدايا المختارة بعناية ويأخذها إلى أماكن جديدة. أقول بمزاح: ربما تصبحين زوجةً للاثنين، ففي الجنة كل شيء ممكن. نضحك معًا وتقول إنها الأكثر حظًا لزواجها من الاثنين.
ربما تساءل بابا نفسه عن وضع حياته وموقعها بين الأصل والمُقتبس. ربما يقتبسني السرد داخل رأسي ليصير موجودًا، أو أقتبسه أنا لأحافظ على وجودي. ربما يدين الأصل للترجمة التي يتطور من خلالها ليعيش حياة جديدة لم يكن ليوجد فيها قبل ترجمته. ربما لم تكن حياة بابا مجرد امتداد أو ربما تكون حيواتنا جميعًا امتدادًا لبعضها البعض؛ دون أن يكون هناك حياةً أصلية.
لاحظت من فترة وأنا أتفحص صور بابا كلمات مكتوبة على ظهر إحدى الصور المأخوذة له في بدايات شبابه، قبل موت أخيه وما أعقبه من تبعات. كانت الكلمات، وهي مقطع مقتبس من أغنية «زي الهوا» لعلي الحجار وحنان ماضي: يا ترى اللي بيعيش الزمن احنا، ولا الزمن هو اللي بيعيشنا؟
وسلام.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن