انتهاء معركة عض الأصابع: إسرائيل توافق نهائيًا على صفقة الغاز المصرية
بشكل غير متوقع، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أمس، موافقة إسرائيل بشكل نهائي على صفقة تصدير الغاز لمصر، بعد شهور من تردد إسرائيلي أعقب الإعلان الأول عن الصفقة، في أغسطس الماضي.
الصفقة التي تبلغ قيمتها 35 مليار دولار تمتد حتى عام 2040، وتمثل استكمالًا لاتفاق قائم بالفعل منذ سبع سنوات، وإن جاء الإعلان عنها في ظرف مختلف تمامًا عمّا حدث مع الاتفاق الأول.
من ناحية، جاء الإعلان عن الصفقة وسط حرب الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة، ما تسبب في اتهامات للحكومة المصرية بتجاهل ما يحدث على الحدود الشرقية للدولة، خصوصًا مع إيقاف إسرائيل تدفق الغاز إلى مصر مرارًا، خلال العامين الماضيين، متسببة في فوضى مفاجئة.
ومن ناحية أخرى، أتت الصفقة في لحظة وصل فيه الأمن الطاقي المصري إلى أضعف حالاته. عندما دخلت مصر قبل سبعة أعوام في شراكة طاقة مع إسرائيل، كانت تدرك جيدًا أن الاتفاق لن يلقى قبولًا شعبيًا، إلى حدّ أن مسؤولين نفوا حينها دور الحكومة فيه. لكن بما أن الصفقة جاءت ضمن خطة توسيع الدور الاقتصادي المصري والتحول إلى «مركز إقليمي للطاقة»، سرعان ما تبنّاها الرئيس عبد الفتاح السيسي مبتسمًا، واصفًا إياها بأنها «جون» سُجِّل في مباراة طويلة الأمد.
لكن ذلك تغيّر الآن مع انخفاض حجم الإنتاج المحلي المصري، وارتفاع أسعار الغاز عالميًا خلال الأعوام الأخيرة. انتقلت مصر سريعًا من دولة تتطلع لأن تصبح مركزًا إقليميًا للطاقة إلى دولة تتعثر، وهو ما ظهر بوضوح في تكرار أزمات انقطاع الكهرباء واضطرار الحكومة للجوء إلى خطط تخفيف أحمال أثارت غضب المجتمع بشكل كبير. تسبب هذا، إلى جانب الأزمة الاقتصادية الضخمة وتدهور الموارد الدولارية، في ضيق الخيارات المصرية، خصوصًا وأن سعر الغاز الذي تحصل عليه مصر من إسرائيل منخفض بشكل كبير عن أي مصدر آخر للغاز يمكن لمصر اللجوء إليه.
لم يتضح حتى الآن ما إذا كانت مصر قدمت تنازلات في مقابل صفقة تمديد الاتفاق القائم، لكن المؤكد أن مصر ستستمر في الحصول على السعر التفضيلي. بعض وسائل الإعلام الدولية ألمحت، الأسبوع الماضي، إلى احتمالية عقد لقاء بين نتنياهو والسيسي، الأمر الذي سيمثل انتصارًا دبلوماسيًا لرئيس الوزراء الإسرائيلي الذي يواجه عزلة دولية متزايدة. غير أن مصدرًا برلمانيًا مطلعًا استبعد أن يُعقد لقاء بين نتنياهو والسيسي في القاهرة، نظرًا لما يُسببه ذلك من حرج سياسي للقاهرة، مُرجحًا أن يلتقي الطرفان، بحضور الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إما في الولايات المتحدة أو شرم الشيخ، مطلع العام الجديد.
وعلى الرغم من الضعف الظاهري الذي يبدو عليه الموقف المصري، والذي دفع البعض للاستنتاج أن مصر خاضعة تمامًا للاشتراطات الإسرائيلية، إلا أن قراءة أدق للمشهد تشير إلى صورة أكثر تعقيدًا، تمتلك فيها مصر أدوات ضغط مكنتها من مقاومة الضغوط الإسرائيلي خلال الشهور الماضية، خصوصًا مع انحياز أمريكي للموقف المصري بسبب مصالح الأعمال الأمريكية.
لهذا كانت الشهور الماضية بمثابة معركة عض أصابع بين إسرائيل ومصر. كلا الطرفين يدرك نقاط ضعفه كما يدرك نقاط قوته. وكلاهما حاول الصبر أطول وقت ممكن في انتظار قبول الطرف الآخر، وهو ما حدث أخيرًا مع إعلان الموافقة الإسرائيلية النهائية أمس.
توُرد إسرائيل الغاز إلى مصر عبر خطيّ أنابيب بسعة استيعابية حالية قدرها مليار قدم مكعب يوميًا، 55% منها عبر خط «غاز شرق المتوسط» البحري، الذي يصل بين مدينتي عسقلان والعريش على ساحل البحر المتوسط، و45% تأتي عبر أنبوب خط الغاز العربي، من محطة الرحاب شمال الأردن، وهي نقطة تسلم غاز بين البلدين، ليتجه جنوبًا نحو خليج العقبة، واصلًا إلى الأراضي المصرية حتى مدينة العريش شمال شرق سيناء.
كانت مصر تعاقدت في 2018، على استيراد الغاز الطبيعي من حقليّ «تمار» و«ليفياثان» الإسرائيليين، في صفقة قيمتها 15 مليار دولار، بواقع 64 مليار متر مكعب مناصفة بين الحقلين، بمعدل سنوي 3.5 مليار قدم مكعب لكل منهما، على أن تنتهي مدة سريان الاتفاق بحلول نهاية 2030 أو باستنفاد كامل الكمية، التي ستُورّد عبر أنبوب غاز الشرق الواصل بين العريش وعسقلان.
مهّد الطريق لإبرام الصفقة حينها، تسوية المنازعات القضائية بين الجانبين جراء انقطاع الغاز المصري عن إسرائيل، حين كانت مصر هي التي تصدر الغاز لإسرائيل، والتي حُكم فيها لصالح شركة الكهرباء الإسرائيلية بتعويض 1.7 مليار دولار، وهو النزاع الذي كان سببًا في تجميّد مصر اتفاقًا مبكرًا، في 2015، لشراء حوالي أربعة مليارات متر مكعب من الغاز الإسرائيلي لـ15 سنة.
أما الصفقة الجديدة فيتطلب تنفيذها عدد من الإنشاءات الإضافية في البنية التحتية لشبكة الغاز الإقليمية بين مصر وإسرائيل والأردن، تشمل ثلاثة خطوط نقل جديدة، اثنين داخل إسرائيل وثالث بين مصر وإسرائيل، ويُعرف باسم «رامات هوفاف - نيتسانا».
بدأت مفاوضات الصفقة الجديدة على خلفية كارثة اقتصادية واجهت مصر، حينما دفعت الحرب الروسية على أوكرانيا، الاقتصاد الوطني إلى حافة الإفلاس، وخاضت الخزانة العامة تبعات خروج المستثمرين الأجانب بما استنزف نحو 20 مليار دولار من سوق الدين، مع تراجع عوائد السياحة السنوية بنحو ثمانية مليارات دولار، وارتفاع معدلات التضخم عالميًا.
ورغم حصول مصر على ما يقارب 50 مليار دولار من السيولة عبر قروض وصفقات بيع، ظلّ نقص العملة الصعبة قائمًا، وبدأت الحكومة في مراكمة مليارات الدولارات من المتأخرات المستحقة لشركات النفط الأجنبية، ما دفع تلك الشركات إلى الحد من الإنتاج وأعمال الاستكشاف والتطوير. ومع بدء تراجع إنتاج حقل ظهر كذلك، انخفض الإنتاج المحلي من الغاز الطبيعي بشكل حاد.

واجهت الحكومة عجزًا في الطاقة لم يكن متوقعًا، فلجأت إلى قطع الكهرباء خلال العامين الماضيين، تاركة الأطباء يكافحون لرعاية المرضى في أقسام مستشفيات أسوان شديدة الحرارة، والسياح في غرف الفنادق بلا تكييفات، والمصانع -التي تنتج صادرات الأسمدة القيّمة- مغلقة الأبواب. بالنسبة للدولة، شكّل ذلك إخفاقًا ضخمًا وعودة إلى نقطة الصفر، وضربة لسرديتها التي قدّمت بها نفسها بديلًا أكثر كفاءة من حكومة جماعة الإخوان المسلمين التي أشرفت على انقطاعات مماثلة في 2012. ومع تصاعد الغضب الشعبي لفشل الدولة في الحفاظ على تشغيل الإنارة والتكييفات لموسمي صيف متتاليين، أعرب مسؤولون في عدة مناسبات لـ«مدى مصر» عن قلقهم من حجم الضغط الاجتماعي المتنامي.
وقتها، وُضعت خطط لتعزيز موارد مصر من الغاز الطبيعي في السنوات اللاحقة، من بينها تلك المطروحة عبر منتدى غاز شرق المتوسط الذي اتفق فيه عدد من الفاعلين الإقليميين، بمن فيهم إسرائيل، على منح مصر النصيب الأكبر في تطوير احتياطيات حقل «غزة مارين». وبالتوازي، كانت مصر منذ صيف 2023 تعود إلى طاولة المفاوضات مع إسرائيل لتوسيع اتفاقية 2018.
وبعد أشهر قليلة من بدء هذه المحادثات، وقبل أيام من بدء الأعمال بالحقل الفلسطيني، أطلقت كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حماس في غزة، عملية «طوفان الأقصى»، لتبدأ بذلك عاصفة غيّرت كل شيء.
بدأت برودة تكسو مسار العلاقات بين مصر وإسرائيل، الذي كان آخذًا في الدفء منذ 2015، خصوصًا مع بدء قصف ثم غزو قوات الاحتلال للمناطق الحدودية. وإن استمرت الروابط الاقتصادية والدبلوماسية، لكن الآمال الكبيرة التي علّقتها مصر على شراكة الطاقة تلقت سلسلة من الضربات.
بعد هجوم «حماس» الأول، أغلقت إسرائيل حقل «تمار» وخط أنابيب غاز شرق المتوسط. ورغم أن «تمار» هو الأصغر بين حقول الغاز الإسرائيلية المصدّرة إلى مصر والأردن، إلا أن إغلاقه كان كافيًا ليشعر بلد يعاني نقصًا في الغاز بوطأته، ما دفع الحكومة إلى تمديد فترات انقطاع الكهرباء على مستوى الجمهورية. ولتفادي كشف حجم اعتمادها على إسرائيل في لحظة شهدت احتجاجات نادرة ِفي الميادين تضامنًا مع غزة، لجأت الحكومة إلى المراوغة في تفسيرها لأسباب الانقطاعات، تجنبًا لإشعال غضب أكبر.

أُعيد تشغيل الحقول وخط «شرق المتوسط» لاحقًا. لكن مع تصعيد إسرائيل عدوانها على جبهات متعددة، وهجومها على حزب الله في لبنان، ازدادت مخاوف المسؤولين الإسرائيليين بشأن تعرض بنيتها التحتية لهجمات محتملة. وحين شنّت إسرائيل حرب الـ12 يومًا على إيران في يونيو الماضي، سارعت إلى إغلاق حقل «ليفياثان» العملاق، ما أوقف الإمدادات إلى مصر مرة أخرى بينما كانت البلاد تقترب من ذروة استهلاكها للطاقة. واضطرت الحكومة مجددًا إلى تطبيق خطة تخفيف أحمال.
لهذا، حين أُعلن عن الصفقة في أغسطس الماضي، شعر المسؤولون في مصر -على الأقل خلف الأبواب المغلقة- بأنها ستنعكس في نهاية المطاف إيجابًا على ميزان الحساب الجاري. ورغم إدراكهم أن المصريين سيغضبون عند اكتشافهم أن حكومتهم ضاعفت اعتمادها على إسرائيل بينما كانت الأخيرة في اللحظة نفسها تجوّع الفلسطينيين شمال شرق البلاد، إلا أن هذا الاعتبار بدا لهم أقل وزنًا مقارنةً بمنع انقطاعات الكهرباء، حسبما ترى مصادر عدّة.
يقول الرئيس الأسبق لجهاز تنظيم الكهرباء، حافظ السلماوي، لـ«مدى مصر» إن القاهرة نظرت إلى الأمر باعتباره معضلة خاسرة، إذ توقّعت «هجومًا» شعبيًا في الحالتين: «سواء اتفقنا مع إسرائيل، أو لم نتفق وانقطعت الكهرباء». ويعبر مسؤول سابق في وزارة البترول عن الطرح نفسه، معترفًا بـ«الإحراج» الذي رافق الإعلان عن الصفقة الجديدة خلال الصيف، لكنه يجادل بأنها ضرورية لأن سعر الغاز الإسرائيلي لا منافس له.
ويُجمع السلماوي والمسؤول السابق في الوزارة، ومصدر في مجلس الوزراء، ومصدر رابع من الهيئة المصرية العامة للبترول، على أن سعر 7.5-8 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، في اتفاق أغسطس، يمثّل «صفقة رابحة»، فيما يشير مصدر مجلس الوزراء إلى أنه يكاد يكون مطابقًا لسعر اتفاق 2018 الأصلي.
في العلن، اكتفت الحكومة بالتعليق لاحتواء رد الفعل بعد أن انتشر الخبر بشكل غير مباشر، عبر إفصاح في بورصة تل أبيب. وتولى رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، المهمة خلال المؤتمر الصحفي اللاحق لاجتماع مجلس الوزراء الأسبوعي. وقال: «حصل الجدل واللغط الشديد على ما أعلن عن تمديد الاتفاق مع شركة 'نيو ميد إنرجي'، الشريك في حقل 'ليفيثان' الإسرائيلي [..] كل الذي توافقنا عليه هو مد أجل هذه الاتفاقية إلى 2040».
لكن إعلان نتنياهو تعليق إبرام الصفقة، بعد أيام من الإعلان عنها، تسبب في اضطراب كل الآمال المعلقة عليها.
في البداية، اكتسبت الصفقة قيمة دعائية في إسرائيل، ورُوِّج لها باعتبارها انتصارًا طال انتظاره في «حرب العلاقات العامة» التي سبق أن قال ترامب إن إسرائيل «تخسرها تمامًا». وصف وزير الطاقة الإسرائيلي، إيلي كوهين، الصفقة بـ«أكبر صفقة غاز في التاريخ […] خبرًا مهمًا -أمنيًا وسياسيًا واقتصاديًا». وسارع الوزير في الأسابيع التالية إلى الموافقة على مخطط توسعة حقل «ليفياثان» بقيمة 2.5 مليار دولار، ثم على صفقة بقيمة 650 مليون دولار لإنشاء خط أنابيب جديد ينقل 600 مليون قدم مكعبة إضافية من الغاز يوميًا إلى مصر ويرفع السقف البنيوي الذي يقيّد حجم الإمدادات حاليًا. وعند إتمام صفقات البنية التحتية في أكتوبر، عاد كوهين للاحتفاء بما تحققه «للاقتصاد الإسرائيلي» ولـ«موقع إسرائيل السياسي».
لكن هذا تغير مع إعلان نتنياهو تعليق الصفقة، إثر عدة عوامل دفعت حكومته لما بدا ترددًا في إبرام الصفقة، بعضها يتعلق بوضع إسرائيل الداخلي.
في سبتمبر، حين قدّم نتنياهو رواية جديدة عن الاقتصاد الوطني، وخلال كلمة ألقاها للصحافة في مؤتمر لوزارة المالية، أعرب عن أسفه لتراجع العلاقات التجارية -وهو اتجاه عزاه إلى التغيّر الديموغرافي في أوروبا وبيئات رقمية معادية مثل «تيك توك»، لا إلى الغضب العام من قتل الفلسطينيين. وقال: «إسرائيل في نوع من العزلة»، مضيفًا أن البلاد «ستحتاج على نحو متزايد إلى التكيّف مع اقتصاد ذي سمات اكتفائية».
في الواقع، لم تواجه إسرائيل سوى قدر محدود للغاية من العقوبات الاقتصادية على الإبادة التي ترتكبها؛ إلغاء صفقة أو اثنين، وعدد قليل من التعديلات المتوسطة على حجم وأنواع مبيعات الأسلحة، إضافة إلى عقوبات تجارية اقترحها الاتحاد الأوروبي وبريطانيا لكن لم تُنفَّذ قط. ومع ذلك، وصف نتنياهو تلك الخطوات بأنها «قيود وشتى أنواع العقوبات على إسرائيل». ورغم تأكيده أنه «مؤمن بالسوق الحرة»، خلُصَ آسفًا إلى أنه لا خيار أمام إسرائيل سوى أن تتحول، في هذه المرحلة، إلى «سوبر إسبرطة».
الموقف الذي عبّر عنه نتنياهو جاء متماشيًا مع نهج مسؤولين يمينيين متشددين منذ سنوات، من بينهم وزير المالية الصهيوني المتطرف، بتسلئيل سموتريتش، ومحاسبه العام المسؤول عن الموازنة، ومسؤولون في شبكة الكهرباء الإسرائيلية، وجميعهم مارسوا ضغطًا ضد تصدير الغاز الطبيعي بحجة أن ذلك قد يهدد، بعد 20 عامًا، قدرة إسرائيل على الوصول إلى الوقود الذي يزوّد غالبية استهلاكها المحلي. قدّم هؤلاء المسؤولون شبح نقص الغاز المستقبلي بوصفه شكلًا جديدًا من مخاوف «الأمن الوطني»، محذّرين من أنه قد يرفع الأسعار على المستهلك الإسرائيلي بينما تتأخر إسرائيل عن تحقيق أهدافها في الطاقة المتجددة ويزداد استهلاكها المحلي للطاقة. ونتيجة لذلك، اقترحت وزارة المالية الإسرائيلية زيادة حجم الاحتياطي الإلزامي من الغاز الطبيعي في موازنة العام المقبل الذي يبدأ في يناير، ما يمثّل فعليًا سقفًا للتصدير يتطلب تعديل الاتفاق الذي أُعلن عنه في أغسطس.
كما تسببت الحروب الإسرائيلية المشتعلة على عدة جبهات في تجميد أعمال توسيع البنية التحتية المطلوبة لزيادة سعة التصدير إلى مصر، وهو تأخير لم يقتصر أثره السلبي على القاهرة وحدها، بل امتد إلى سوق الطاقة الإسرائيلي نفسه. اشتكى مسؤولون في الرابطة التجارية للغاز الطبيعي الإسرائيلية من أن تأخر مشروعات البنية التحتية والطاقة بسبب الحرب كبّد إسرائيل نحو 5.5 مليار شيكل (1.6 مليار دولار) من عائدات التصدير، مطالبين حكومتهم بالتحرك لمعالجة الوضع.
هذه الأسباب تسببت في تغيير نبرة الأحاديث التي كانت حماسية في السابق حول ما أسماه أحد الباحثين في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي «الوجه الدبلوماسي للغاز»، فعندما احتفى نتنياهو باتفاق 2018، وصفه بأنه يوفر دعامة اقتصادية للعلاقات الأمنية والدبلوماسية الثنائية، مؤكّدًا أنه «سيعزز علاقات إسرائيل الأمنية والاقتصادية والإقليمية». كما عبّر مسؤولو الرابطة التجارية للغاز الإسرائيلية عن الرأي نفسه بلغة أكثر مباشرةً، مؤكدين أن اتفاقات تصدير الغاز إلى مصر والأردن تشكّل «الركيزة المركزية لتعاون إسرائيل مع هذين البلدين منذ اتفاقيات السلام».
يشرح أستاذ الاقتصاد السياسي في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، عمرو عدلي، أن اتفاقية الشراكة المبرمة في 2018، إلى جانب مكاسبها المالية المباشرة لإسرائيل، منحت أيضًا مصداقية للمستثمرين المهتمين بقطاع الطاقة الإسرائيلي، باعتبار أن الدولة باتت تتجه بجدّية نحو إعطاء الأولوية للمشروعات الاقتصادية بدلًا من الصراع الإقليمي. وزاد الاهتمام الأجنبي بالسوق الإسرائيلي بعد 2018، وأعلنت شركة شيفرون الأمريكية دخولها السوق بحماس بعدما استحوذت على حصص في حقلي «تمار» و«ليفياثان»، متوقعة أن يكون وجودها الجديد في شرق المتوسط «منخفض التكلفة ومُدرّ للأموال». وسرعان ما انضمت شركة «مبادلة» الإماراتية للاستثمار إلى الحفل، ودخلت سوق الطاقة الإسرائيلي بعد عام واحد من تطبيع العلاقات.
لكن التوجه بدأ في الانعكاس بعد 2023. فمع إظهار إسرائيل عدم اكتراثها بإتمام مفاوضات السلام، واغتيالها شخصيات قيادية في «حماس» في طهران وبيروت، واستهدافها السفير الإيراني في لبنان، بدأت شركات مثل «BP» و«أدنوك» بالانسحاب من سوق الطاقة الإسرائيلي، مبرّرة ذلك بـ«البيئة الخارجية». وبدأت أصوات منزعجة تظهر حتى بين باحثي السياسات المناهضين لإيران في الغرب والخليج، تلمّح إلى أن إسرائيل قد تشكل خطرًا على الاستقرار الاقتصادي أكبر من إيران نفسها.
إلى جانب ذلك، تصاعد القلق لدى بعض المؤسسات الرسمية الإسرائيلية حول التأثيرات المحتملة للصفقة على السعر الذي تحصل به شركة الكهرباء الإسرائيلية على الغاز. ولهذا، صعّدت إسرائيل من قلق قديم بشأن هيمنة «شيفرون» على قطاع الطاقة لديها، إذ رفضت شركة الكهرباء الإسرائيلية تجديد عقد شراء مع ائتلاف إدارة حقل «تمار» ما لم يتم خفض سعر الشراء.
كما رفض وزير الطاقة، إيلي كوهين، منح رخصة التصدير التي تحتاجها «شيفرون» وشركاؤها في «ليفياثان» للمضي في خطط التوسعة، وهي خطوة أساسية لتمكين تنفيذ الاتفاق. في بيان أصدره نهاية أكتوبر الماضي واطلع عليه «مدى مصر»، قال كوهين إن إسرائيل ترفض الموافقة على اتفاق تصدير الغاز إلى مصر «إلى حين ضمان المصالح الإسرائيلية والاتفاق على سعر عادل للسوق المحلية»، مشيرًا في الوقت ذاته إلى «ضغط أمريكي كبير» لدفع الرخصة قدمًا. وبسبب الخلاف، قال كوهين إن وزير الطاقة الأمريكي، كريس رايت، ألغى زيارة كانت مقررة. لكن الاجتماع بينهما عاد وعُقد بعد أسبوع في اليونان، بالتزامن مع لقاء رئيس «شيفرون» بنتنياهو نفسه.
أشار كوهين أيضًا إلى «جهود جارية لمعالجة المشاكل السياسية بين إسرائيل ومصر». إلّا أن كيفية ارتباط هذه المشاكل بالاتفاق لا تزال غير معلنة. جريدة «إسرائيل هيوم» اليومية نقلت عن «مصادر دبلوماسية» ادعاءً بأن نتنياهو بنفسه أمر بتجميد الاتفاق حتى إشعار آخر، في خطوة فسّرها التقرير بأنها رد على «انتهاكات مصرية» مزعومة لاتفاقية السلام. وتشير التهمة التي ترد مرارًا وتكرارًا إلى تكثيف القوات المسلحة المصرية انتشارها العسكري في سيناء.
لكن مصدرًا أمنيًا تحدث إلى «مدى مصر» يوضح أنه رغم أن مصر وإسرائيل قامتا معًا خلال العامين الماضيين بتعديلات على حجم ومواقع القوات المنصوص عليها في الاتفاقية، فإن ذلك كله جرى ضمن آلية التنسيق المشتركة، مؤكدًا أن «إسرائيل تعلم تمامًا كل التحركات العسكرية لمصر بسيناء». وقد فنّد محللون إسرائيليون هذه المزاعم، معتبرين أن الهدف من التهديد هو انتزاع مكاسب سياسية -مثل دفع الفلسطينيين للنزوح من غزة إلى الأراضي المصرية- من خلال استخدام اتفاق الغاز كأداة ضغط.
شددت مصر مرارًا على أن الموافقة على أي شكل من أشكال التهجير تبقى خطًا أحمر، إذ أكد السيسي في مناسبات عديدة أن تهجير الفلسطينيين إلى مصر يمثل تهديدًا للأمن القومي المصري. بينما قال مدبولي بوضوح في أغسطس الماضي إن اتفاق الغاز «لن يؤثر بأي حال من الأحوال على القرار السياسي المصري»، ذاكرًا قضية التهجير بشكل صريح.
هناك كذلك مطالب سياسية مطروحة على الطاولة، مثل سعي الاحتلال الإسرائيلي لطرد «حماس» وتنصيب سلطة بديلة وفق شروطه، إذ قال باحث في أحد مراكز الأمن القومي الإسرائيلية إن على مصر أن «تُسهم في إنشاء بديل لحماس لحكم الفلسطينيين في غزة وتسهيل إعادة الإعمار» مقابل «دعم» إسرائيل لمصر في قيادة عملية استخراج الموارد الطبيعية من حقل «غزة مارين».
على الرغم من الضغوط الإسرائيلية، وضعف الموقف المصري بسبب احتياجاتها، إلا أن هذا الضعف قد يكون مؤقتًا بسبب عدد مختلف من العوامل.
من ناحية، تعمل مصر على استعادة مستويات إنتاجها من الوقود الأحفوري، وأشار مسؤولون تحدثوا إلى «مدى مصر» على مدار العام إلى مشروع مرتقب لربط حقول الغاز القبرصية بمرافق تسييل الغاز في مصر، كوسيلة للتخفيف من الاعتماد على الغاز الإسرائيلي، كما أعربوا عن الآمال ذاتها عند حديثهم عن عقود لاستئجار وحدات مؤقتة لإعادة التغويز، في حين تشير تقارير حديثة لأن النقاشات جارية لبناء مرافق دائمة لإعادة التغويز.
في أعقاب التسريبات بشأن رغبة نتنياهو في تجميد الصفقة، كثف وزير البترول المصري، كريم بدوي، من زياراته ولقاءاته مع الجانب القبرصي، للمضي قُدمًا في ربط الحقول بمصر، وهو ما اعتبره مصدر مُطلع إشارة إلى إسرائيل بعدم محدودية الخيارات المصرية.
كما تُعقد آمال كبيرة أيضًا على الانتهاء من محطة «الضبعة» النووية، وما قد توفره من خفض كبير لاعتماد البلاد على الغاز الطبيعي، بحسب المصادر.
ومن ناحية أخرى، يصعب التوقع بما قد يحدث في سوق الغاز العالمي خلال الأعوام القليلة القادمة، وسط مؤشرات على احتمالية انخفاض أسعار الغاز العام المقبل بسبب ارتفاع حجم الإنتاج الأمريكي، وهو ما يُرجح استمراره في الأعوام القادمة. كما أن انتهاء الحرب الروسية والأوكرانية وعودة روسيا إلى سوق الغاز العالمي قد يتسبب كذلك في خفض الأسعار، على الرغم من الخطوات الأوروبية المدعومة أمريكيًا بالاستمرار في سياسة تجنب الغاز الروسي قدر الإمكان حتى إذا انتهت الحرب.
لكن أيٍ من هذه السيناريوهات أو جميعها لن يتحقق قبل 2028 على أقرب تقدير، كما يشير السلماوي. ولهذا سيبقى الغاز الإسرائيلي الخيار الأرخص. «من هنا لوقته هنكون معتمدين على الغاز الإسرائيلي، بكل تبعات هذا الوضع»، يقول.
كان هذا هو الرهان الإسرائيلي. لكنه رهان محفوف بالمخاطر. صحيح أن مصر، لكل تلك الأسباب، رهينة للغاز الإسرائيلي، إلا أن تمكنها من تحمل التكلفة العالية لمصادر بديلة من الغاز لأعوام قليلة، وهو ما بدأت به بالفعل، يعني أنها قد تتمكن من تحرير نفسها من تبعيتها للغاز الإسرائيلي، ما يعني احتمالية فقدان إسرائيل أداة سيطرتها على قطاع الطاقة في الدولة الأكبر في المنطقة على المدى الطويل، وهي خسارة جيو-سياسية فادحة.
إلى جانب هذا، هناك الخسائر الاقتصادية المتوقعة. بشكل مباشر، يُتوقع أن تحصد الدولة الإسرائيلية حوالي 18 مليار دولار من الضرائب المتوقعة على هذه الصفقة. لكن الأهم أن إسرائيل لا تملك منفذًا آخر لتصريف مخزونها من الغاز.
بعض المصادر أشارت لـ«مدى مصر» إلى أنه في حالة إتمام اتفاق ما بين إسرائيل من ناحية وسوريا ولبنان من ناحية أخرى، فإن البلدين قد يشكلان منفذًا لبعض الغاز الإسرائيلي. لكن حجم السوق في هذين البلدين محدود مقارنة بحجم السوق المصري. كما أن أي منهما لا يملك بنية تحتية تسمح بتصدير أي فائض من هذا الغاز، على العكس من مصر.
تُدرك مصر خلال مفاوضاتها هذا تمامًا. خلال الشهور الأخيرة، قاومت مصر الرغبة الإسرائيلية المعلنة في زيادة سعر الغاز، ظهر هذا في المناورات التي قامت بها مصر خلال العام الحالي، حين توجهت لاستيراد غاز مسال من مصادر أخرى، واستأجرت عددًا من سفن التغويز للتدليل على جدية استعدادها للبحث عن مصادر أخرى للطاقة. بحسب سلماوي والمصدرين البرلماني والحكومي.
لم تكشف الحكومة عن تكلفة البنية التحتية المؤقتة لإعادة التغويز، لكن واردات الغاز المسال كلّفتها بالفعل 5.5 مليار دولار خلال أول ثماني أشهر فقط من هذا العام، وهو رقم غير مسبوق، مع صفقة جديدة بقيمة أربعة مليارات دولار جرى دعمها مؤخرًا بتمويل فيدرالي أمريكي. وتصل أسعار واردات الغاز الطبيعي المسال قصيرة الأجل إلى نحو 15 دولارًا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، أي حوالي ضعف سعر الغاز الإسرائيلي، وهي أسعار، كما يصفها المسؤول السابق في الهيئة المصرية العامة للبترول، «تخرب بيت مصر».

ولهذا، على الرغم من ضعف موقفها المؤقت، إلا أنها تمكنت من الإصرار عليه خلال المفاوضات، استنادًا إلى عوامل الضغط هذه، خصوصًا مع الانحياز الأمريكي لموقفها بسبب مصالحها.
لهذا التزم المسؤولون المصريون الصمت حيال رفض إسرائيل الأوّلى منح رخصة التصدير. في ظهور له على قناة النهار في أوائل نوفمبر الماضي، نأى مرشح حزب العدل، آنذاك والنائب المنتخب حديثًا الآن، محمد فؤاد، بمصر عن المعادلة، قائلًا: «الشركة حائزة الامتياز [في حقل الغاز]، شركة شيفرون، هي اللي لازم تسوي أمورها وتاخد هي الموافقة، ولذلك هناك تدخل كبير من الإدارة الأمريكية طبعًا لإعلاء مصلحة [شيفرون] في هذا الموضوع».
استهل الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، ولايته الثانية، مطلع هذا العام، بإطلاق مهمته الهادفة إلى «إطلاق العنان للطاقة الأمريكية». تتمثل الاستراتيجية بشكل رئيسي في إيجاد وجهات تصدير لاحتياطيات الولايات المتحدة الضخمة من الغاز الطبيعي، لدعم الاقتصاد الأمريكي، وكسر اعتماد أوروبا على الغاز الروسي. كما تشمل عودة للرهان على إنتاج الغاز الطبيعي واستهلاكه عالميًا باعتباره «وقودًا انتقاليًا» وبديلًا «نظيفًا» عن النفط -وهو زعمٌ غير صحيح- ومنافسًا للهيمنة الصينية المتصاعدة في قطاع الطاقة المتجددة، والتي أثارت قلق دوائر السياسات في واشنطن.
في هذا السياق، كانت أعمال «شيفرون» في المنطقة -بما فيها إتمام صفقة بيع لمصر والتي تبرّر توسيع إنتاج الشركة في «ليفياثان»- على رأس جدول أعمال الإدارة الأمريكية الجديدة مع بداية العام. ووفقًا لمصدرين مطّلعين، تُرجِمت الأولوية السياسية الأمريكية سريعًا إلى رسائل حازمة لإسرائيل. فمع أن السفير الأمريكي، مايك هاكابي، حظي باستقبال دافئ عند مباشرته مهامه في القدس مطلع هذا العام، يشير مصدر حكومي مصري في مجلس الوزراء لـ«مدى مصر» إلى تقارير تفيد بأن هاكابي لم يتردد في إبلاغ المسؤولين الإسرائيليين بأن «أي خطوات قد تُلحق الضرر بالشركات الأمريكية غير مقبولة»، مع الإشارة تحديدًا إلى شيفرون، فيما يؤكد مصدر أمني مصري مطّلع على الشؤون الاقتصادية، أن واشنطن مارست ضغطًا كبيرًا لإتمام الصفقة خلال الصيف. بحسب وصف كوهين، الوزير الإسرائيلي، كانت الضغوط الأمريكية على إسرائيل «هائلة».
على ما يبدو، أثمر الإصرار المصري إلى جانب الضغوط الأمريكية أخيرًا في إتمام الصفقة بعد شهور من المماطلة. وعلى الرغم من الانتصار الظاهري الذي حققته مصر في إتمام الاتفاق بالشكل الذي ترغب فيه، إلا أن هذا لا يعني بالضرورة انتصارًا حقيقيًا. نتيجة هذا الانتصار أن أمن الطاقة المصري يخضع الآن لإسرائيل، على الأقل حتى إشعار آخر.
تقارير ذات صلة
شروط إسرائيلية تؤخر موافقة مصر النهائية على صفقة الغاز
إتمام الصفقة سيتطلب تقديم تنازلات من الجانبين
هل ترسي قمة شرم الشيخ مبادرة أمنية إقليمية ضد إيران؟
نظام ما بعد اتفاقيات إبراهيم يتشكل الآن، وفيه ستندمج إسرائيل في المخطط الأمني بشكل كامل
4 حقول غاز في شرق المتوسط تغير خريطة المنطقة
وراء الاتفاق الإسرائيلي المصري لتصدير غاز الأولى قصة أخرى كون الغاز الإسرائيلي حبيسًا
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن