تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
«انتخابات السيسي» الأخيرة: ما وراء الحشد 

«انتخابات السيسي» الأخيرة: ما وراء الحشد 

كتابة: رنا ممدوح 7 دقيقة قراءة

في ختام اليوم الثالث للانتخابات الرئاسية، أشاد مدير الجهاز التنفيذي للهيئة الوطنية للانتخابات، المستشار أحمد بنداري، بالدور الذي لعبته «الجهات المختلفة» في حشد الناخبين للإدلاء بأصواتهم، بينما قدّر رئيس الهيئة العامة للاستعلامات، ضياء رشوان، نسبة المشاركة بـ62%، وهو ما يعني ذهاب ما يقرب من 42 مليون ناخب، في الخارج والداخل، إلى لجان الاقتراع، وهو ضعف عدد المشاركين في الانتخابات الرئاسية، في 2014 أو 2018.   

على مدار أيام التصويت الثلاثة داخل مصر، دأب البنداري على عقد مؤتمرات صحفية تحدث خلالها إلى رؤساء اللجان العامة عبر الفيديو كونفرانس. يسأل البنداري رئيس اللجنة عن عدد اللجان الفرعية التي يشرف عليها في محافظته، فيرد القاضي بتحديد اللجان وإجمالي عدد الناخبين في دائرته، ليسأل مدير الهيئة مرة أخرى عما إذا كان رئيس اللجنة قد رصد أي معوقات، فيرد القضاة في اللجان المختلفة: «مفيش أي معوقات يا فندم والتصويت يتم بسلاسة ويسر»، يضيف البنداري: «وأخبار الكثافات ايه؟»، يرد القضاة هناك كثافات كبيرة، و يتحدث بعض رؤساء اللجان العامة عن قيامهم بجولات على اللجان الفرعية. 

تنتهي المكالمة الجماعية بتأكيد الجميع على سير العملية الانتخابية بسلاسة ووجود إقبال جماهيري كبير، اعتبره البنداري في اليوم الأول للانتخابات «فاق كل التوقعات»، قبل أن يقدره في منتصف اليوم الثاني للتصويت بأكثر من 30 مليون ناخب.

المكالمات الجماعية للبنداري ورؤساء اللجان العامة، لم تتطرق إلى ما حدث أمام عديد من اللجان الفرعية في طول البلاد وعرضها، ورصدته وسائل الإعلام، ومنها «مدى مصر». فلم يرَ القضاة في جولاتهم الطوابير الثابتة أمام اللجان لأغراض التصوير التليفزيوني، ولا «البون» الذي يتسلمه الناخب قبل دخول اللجنة ويستبدله بـ200 جنيه بعد خروجه منها، بعدما يتأكد «المتعهد» الذي يحشد الناخبين ويحضرهم إلى اللجان، من آثار الحبر الفسفوري على يد الناخب، أو كبار السن الذي يتم إحضارهم من منازلهم للاصطفاف أمام اللجان مقابل «شنطة» مواد غذائية، وغيرها من المظاهر التي وثّقها صحفيو «مدى مصر» خلال أيام الانتخابات. 

بحسب عمرو عبد الرحمن، مدير وحدة الحريات المدنية بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، فإن الحديث عن المشاركة غير المسبوقة في تاريخ الانتخابات «يقابلها شهادات موثقة من زملائنا وجيراننا بأن هناك ناس اتاخدت بطايقها في الشارع واتحطت في ميكروباصات عشان تصوّت بالعافية»

الرأي نفسه يؤيده أستاذ العلوم السياسية وعضو الحركة المدنية، مصطفى كامل السيد، موضحًا لـ«مدى مصر» أن التقديرات الرسمية عن نسب المشاركة تتعارض مع ما رأيناه على أرض الواقع، وأن الشهادات التي يعرفها من أصدقائه وطلابه الذين ذهبوا للإدلاء بأصواتهم تؤكد أنه لم يكن هناك إقبال على اللجان التي ذهبوا إليها.

ويلفت السيد إلى أن الانتخابات الحالية شهدت حشدًا غير مسبوق من جانب المؤسسات والجهات الحكومية، مدللًا على ذلك بأن أتوبيسات جامعة القاهرة ظلت تنقل العاملين بالجامعة وعمداء ووكلاء الكليات إلى اللجان الانتخابية طوال أيام التصويت. وهو ما حدث مع فئات أخرى بنفس الأسلوب «ما أعرفه أيضًا أن الذين ذهبوا بهذه الطريقة نالوا مكافأة. كيلو رز وزجاجة زيت»، يقول السيد.

ويشير أستاذ العلوم السياسية إلى أن استغلال حاجة المواطنين الفقراء للسلع الأساسية، يعطي صورة غير كريمة للمواطن والحكومة في نفس الوقت. 

ويرى عبد الرحمن أن «حشد الناخبين بـ200 جنيه أو كيس أرز وزجاجة زيت أصبح للأسف الشديد الروتين المعتاد الذي يتعامل معه الجميع دون اندهاش».

في المقابل، وصف مصدر مقرب من حملة الرئيس عبد الفتاح السيسي المشهد الانتخابي بـ«المثالي»، مؤكدًا في حديثه لـ«مدى مصر» أن توجيهات رئيس الحملة كانت «سيبوا الناس تنزل وتنتخب ومحدش يقولهم انتخبوا السيسي ومحدش يعمل اي حاجة في النتيجة أي ما كانت»، معتبرًا أنه بسبب هذا التوجيه، لم يحضر السيسي أي فاعلية للحملة.

وأضاف المصدر، الذي طلب عدم ذكر اسمه، أن الحملة استعانت بآراء مجموعة من المتخصصين لتحديد الطريقة الفُضلى لإخراج المشهد، في الوقت الذي عبر ممثلو حزبي مستقبل وحماة وطن عن تخوفهم من ضعف الإقبال، ما دفعهم لحشد جهودهم لحث أكبر عدد من الناخبين على المشاركة دون توجيه لأي ناخب للتصويت للسيسي. 

ويوضح المصدر المُقرب من حملة السيسي، أن الانتخابات دائمًا ما تكون مناسبة جيدة لاختبار القدرة على الحشد، مضيفًا أن السلطة لديها قواعد لحشد الناخبين فهناك مبادرة «حياة كريمة» و«التحالف الوطني للعمل الأهلي»، وهي جهات فاعلة جدًا ونشيطة في الصعيد والمناطق الريفية، فضلًا عن مشروع «تكافل وكرامة»، وغيرها من المشروعات الجماهيرية التي يريد المستفيدون منها استمرار السيسي في مهمته.

وعن استخدام الرشاوي الانتخابية سواء في صورة صرف 200 جنيه للناخبين في بعض المناطق، بحسب شهادات ناخبين لـ«مدى مصر»، أو «شُنط تموين» في مناطق أخرى، قال المصدر إن «السلع والفلوس موجودة وخصوصًا في المحافظات الحضرية»، متوقعًا استفادة نصف الناخبين منها، غير أن هذا لا يمنع أن 20 مليون على الأقل شاركوا في الانتخابات بإرادتهم «الناس اللّي هتروح الانتخابات سواء عشان الفلوس أو السلع أو من نفسها محدش طلب منها تنتخب السيسي». يضيف المصدر أنه لا يوجد قانون يجرم مطالبة الناس بالمشاركة في الانتخابات.

من جانبه، أوضح عضو سابق بالهيئة الوطنية للانتخابات لـ«مدى مصر» أنه إذا تقدمت حملات المرشحين المنافسين ببلاغات للهيئة الوطنية توثّق مخالفات مثل بيع الصوت الانتخابي، أو إجبار الناخبين على التصويت، أو تصويت ناخب في غير لجنته، أو تصويت ناخب في أكثر من لجنة، ولم تحقق الهيئة فيها، حينها يمكن اتهامها بالتقاعس. ويضيف أن البلاغات لا تقتصر على حملات المرشحين، ومن حق أي مواطن تعرض لأي من تلك المخالفات أن يتقدم ببلاغ للهيئة.

كانت حملات المرشحين للرئاسة، قد أشادت بنزاهة الانتخابات وحيادية أجهزة الدولة، باستثناء حملة مرشح المعارضة فريد زهران التي أعلنت خلال أيام الانتخابات الثلاثة عن رصدها بعض المخالفات والخروقات، وأبلغت الهيئة بها.

وحدّدت حملة زهران المخالفات في تدخل «بعض موظفي السلطة التنفيذية وأجهزتها في عملية الاقتراع على نحو يخل بالمساواة ويؤثر على إرادة الناخب»، والزحام الشديد في لجان المغتربين، والذي أرجعته الحملة إلى سببين، الأول هو قلة عدد اللجان، والثاني الحشد الموجه للعمال والموظفين، فضلًا عن تجمهر أعداد كبيرة من أنصار بعض الأحزاب الموالية للسلطة في الكثير من مراكز الاقتراع، والاشتباك والتزاحم مع مؤيدي بعض المرشحين، إضافة إلى وقائع شراء أصوات ورشاوي مادية وعينية من قبل بعض الأشخاص، وبعض حالات التصويت الجماعي، فضلًا عن غياب أوراق التصويت بطريقة «برايل» المخصصة لتصويت الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية في بعض اللجان.

وعلى الرغم من أن إبلاغ زهران الهيئة عن تلك المخالفات يُلزمها، وفقًا لعضو «الوطنية للانتخابات» السابق، بفتح تحقيق ومراجعة نتائج اللجان التي رُصدت فيها تلك المخالفات، إلا أن الهيئة أكدت في بيان لها الجمعة الماضي، أنها لم تتلق أية طعون من المرشحين أو وكلائهم، كما أن اللجان العامة على مستوى الجمهورية لم تتلق أيضًا أي تظلمات من المرشحين أو وكلائهم منذ بداية أيام الاقتراع وحتى انتهاء أعمال الفرز، ما جعلها تقرر إعلان النتيجة قبل الموعد المحدد لها بيومين.

ويشير عضو «الوطنية» السابق إلى حضور فكرة «هندسة الانتخابات» بشكل عام، حيث تجلى ذلك في الأدوار المختلفة للمرشحين، مثلًا، وفقًا له، وعلى الرغم من أن أول من أعلن ترشحه للرئاسة كان رئيس حزب الوفد، عبد السند يمامة، إلّا أنه لم يتقدم بأوراق ترشحه إلا بعد تقدم السيسي، ليتصدر ترتيب بطاقة الاقتراع، وبعده مرشح المعارضة فريد زهران. أما المرشح حازم عمر، الذي تميّز عن يمامة وزهران باستطاعته جمع 68 ألف تأييد شعبي إلى جانب تزكيات مجلس النواب، فقد قدّم أوراقه في وقت تالي لهما، وهو أيضًا أمر مقصود، وفقًا للمصدر. 

يتفق عبد الرحمن مع حضور «هندسة الانتخابات»، معتبرًا أن الانتخابات الرئاسية الأخيرة، منذ بداية إجراءاتها، هي الأسوأ بين كل الانتخابات التي شهدتها البلاد منذ 2014، حيث أنه من اللحظة الأولى تم إجهاض فكرة وجود انتخابات تنافسية، وتم اختيار منافسين الرئيس بعناية، وتحولت الانتخابات إلى «كرنفال»

يُضيف عبد الرحمن أنه إذا تم مقارنة المشهد الحالي بمشهد انتخابات 2018، الذي حاول خلاله المحامي الحقوقي خالد علي الترشح، نجد أنه وقتها لم يُمنع أحدًا من توثيق تأييدات شعبية في مكاتب الشهر العقاري لصالح علي. 

عبد الرحمن عمل وقتها كمتحدث رسمي لحملة خالد علي، وكانت الحملة تواجه مشاكل معقدة، ومع ذلك، يقول عبد الرحمن، إن ما فعلته السلطة لمنع ترشح البرلماني السابق أحمد الطنطاوي، بما ينطوي عليه من استبعاد لمرشح لديه شعبية أيًا كان حجم تلك الشعبية كان خشنًا وفجًا. ويشير عبدالرحمن إلى أن السلطة لكي تستبعد الطنطاوي، عطّلت مكاتب الشهر العقاري وهو مرفق حيوي من مرافق الدولة، لمدة ثلاثة أسابيع. «السلطة احتلت عمليًا مكاتب الشهر العقاري ومارست كل أشكال الإرهاب والترويع وعملت قضية مرعبة لهذا المرشح ووجهت له اتهامات تقضي عليه»، يقول عبد الرحمن.   

في النهاية، يتفق عبد الرحمن والسيد، على أنه لا يوجد من يتعامل مع نتائج الانتخابات بجدية، والرسالة التي يرسلها النظام للداخل والخارج مفادها أن الوضع مستقر ولا يوجد جديد. ويؤكد عبد الرحمن أن النظام ينجح دائما في إفشال أي محاولة لتحول موسم الانتخابات سواء كانت برلمانية أو رئاسية إلى معركة سياسية تهز سيطرة المجموعة الحاكمة على الدولة، ولكن في النهاية التجربة العملية أثبتت أن هذا النجاح قصير العمر، وأن الأزمات سواء السياسية أو الاقتصادية لا تذهب بعيدًا، وأن «الكلام الجد هيبدأ بعد إعلان النتائج».

عن الكاتب

رنا ممدوح

صحفية مصرية متخصصة في الشؤون القضائية والبرلمانية.  عملت لصالح عدد من الصحف المصرية والعربية، منها «الدستور»  و«التحرير» و«المقال» و«الأخبار» [اللبنانية] و«السفير العربي». وذلك بالإضافة إلى عملها كمراسلة لوكالة الأنباء الروسية…

تقارير ذات صلة

#أحزاب سياسية

الكلمة قبل الأخيرة في مصير أحمد الطنطاوي السياسي

عندما لم يتمكن البرلماني السابق، أحمد الطنطاوي، من جمع التأييدات الشعبية اللازمة لترشحه للرئاسة في الانتخابات الرئاسية الماضية، شُبه وضعه بمن سبقوه في الإعلان عن رغبتهم بالترشح للانتخابات قبل الماضية،…

رنا ممدوح 11 دقيقة قراءة
#الانتخابات الرئاسية 2024

الانتخابات الرئاسية: ما الجديد في حكاية نهايتها متوقعة؟

في هذه الحلقة من بودكاست «مدى مصر»، يتحدّث عثمان الشرنوبي مع المحرر، شادي زلط، والصحفية، رنا ممدوح، عن الانتخابات الرئاسية 2024، التي تجري في نهاية 2023. نتكلّم في الحلقة عن…

مدى مصر 1 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن