تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
«الهوى سلطان».. عندما تحكي النساء عن الحب

«الهوى سلطان».. عندما تحكي النساء عن الحب

الفيلم الروائي الطويل الأول لهبة يسري

كتابة: آية طنطاوي 8 دقيقة قراءة

يرصد المخرج والناقد هاشم النحاس تحولات سينما الألفينات المصرية ووصفها بـ«السينما الشبابية»، محددًا ملامحها في عناصر أهمها: سيطرة الشباب من فنانين وصناع على الأفلام، ظهور لافت للمخرجات النساء (ساندرا نشأت، هالة خليل، كاملة أبو ذكري، منال الصيفي، أسماء بكري) بعد سنوات طويلة من غياب المرأة عن مقعد الإخراج، وأخيرًا ظهور امتداد جديد واضح لتيار الواقعية.

لم يكتف هاشم النحاس بنقد وتحليل أفلام مثل: «اللمبي، في شقة مصر الجديدة، أوقات فراغ، حب البنات، أحلى الأوقات»، بل تحدث عن الهجوم النقدي الذي يصف تلك السينما الشابة وموضوعاتها بالسطحية، ويصف الجمهور بالجهل وانحطاط الذوق. وفي دفاعه عن تلك السينما يقول النحاس: «أصحاب هذه الأفلام يتميزون بالصدق حينما يقتصرون على عرض ما يملكون من أفكار، وصادقون مع أنفسهم لأنهم تجنبوا الادعاء برفع شعارات لا يقدرون على الوفاء بها، وصادقون مع جمهورهم لأنهم قدموا له ما يتوقعه منهم وتم الاتفاق عليه ضمنًا، ولذلك أحب الجمهور أعمالهم وأقبل عليها، وإن كان لمجرد قضاء وقت ممتع».

رغم أن «الهوى سلطان» لا ينتمي لسينما الألفينات الشابة، وإنما ينتمي للسينما المصرية في 2024 في خضم أزمة صناعة وغياب مؤلم لتيار الواقعية، فإنني أجد في تحليل هاشم النحاس مدخلًا يقودني للرد على تعجب البائع بشباك التذاكر في سينما مترو بوسط البلد عندما طلبت منه حجز تذكرتين للفيلم، فأخبرني أن القاعة ممتلئة ولا توجد كراسي مناسبة لأن «القاعة صغيرة والفيلم عليه إقبال مكانش متوقع يعني». 

عاديان لكنهما استثنائيان

يمكنني اختصار «الهوى سلطان» بأنه قصة حب بين علي وسارة، شاب وفتاة من الطبقة المتوسطة، على الأرجح في بدايات ثلاثينياتهما، غير مميزين في شيء، طموحاتهما في الحياة أقل من عادية (وظيفة طيبة، صحبة لطيفة، حبيب نشاركه تفاصيل الحياة العادية وبلاي ليست بالأغاني والأفلام المفضلة)، أحلام لا تشبه ما يبحث عنه الجمهور في أبطال الأفلام الخارقين للطبيعة، ولا عضلات الرجال الأشباح في عالم العصابات، ولا النساء الباحثات عن حقوقهن في مجتمع ذكوري ضاغط، أحلام من عاديتها ننسى أحيانًا أن نحلم بها وأن لها وجودًا ممكنًا في أيامنا السائلة.

لكن، ورغم هذه البساطة، والتقاط الجمهور في قاعة السينما لخيوط المشاعر المشتركة بينهم وبين الشخصيات، فإن علي وسارة أيضًا مختلفان، لا يشبهان الجميع، هما عاديان لكنهما استثنائيان على طريقتهما الخاصة.

caption

لا تترجم المخرجة هبة يسري عادية أبطالها واستثنائيتهم بالكلمات والجمل الحوارية، بل تعبر عنها بفنية تكشف عن سيناريو ذكي ومنضبط، تضع أبطالها دائمًا في مواقف تجعلنا نشعر حقًا بتلك العادية، مثل الليلة التي يحضر فيها علي وسارة حفلتي خطوبة متناقضتين في المظهر الاجتماعي، الأولى في البيت لطبقة وسطى تتزين فيها النساء بالترتر والبهرجة الزائدة عن الحد، والأخرى «أفتر بارتي» في حانة لطبقة برجوازية وبين شباب لا يتحدثون إلا الإنجليزية. مشهدان متتاليان يخبرانا الكثير عن بطل وبطلة الفيلم، إنهما لا ينتميان إلى هنا أو هناك، ما من سياق اجتماعي يشبههما، ينتميان لنفسيهما فقط.

كما أننا نتورط في تلك العلاقة منذ البداية التي تتعمد صانعة الفيلم أن تخفي عنا طبيعتها، نرتبك فلا نعرف هل هما جيران أم ولاد خالة أو عم، صديقا طفولة، لكنهما في النهاية لا شيء مما سبق، هما فقط صديقان عاديان.

يختلف علي وسارة عن النمط الذي يتوق شباب الجيل الحالي له، المهووس بالإنتاجية، بـ«اللايف ستايل»، التحقق في أكثر من مجال، الذهاب للجيم والاهتمام بالممارسات الصحية، التوعية النفسية ولعب اليوجا والتأمل والرسم الإبداعي وشرب الماتشا، ومثل هذه النسخ التي يدفعنا لها المجتمع الاستهلاكي الإنستجرامي، والمؤثرين في كل مواقع التواصل.

كل فيلم رومانسي يضعنا أمام سؤال جديد لمعنى الحب، والاستثنائي في قصة الحب التي كتبتها وأخرجتها هبة يسري ليس فقط البساطة، ولا الأغنيات الخفيفة، ولا تلك الخفة التي يتعامل بها الأبطال مع الحياة، لكن الاستثناء في مفهوم الحب ومعناه الحقيقي الذي لا نبحث عنه في الفيلم فحسب، بل نصل بأنفسنا إلى جوهره.

رحلة الأبطال في «الهوى سلطان» داخلية بامتياز، أن يبحث الواحد عن نفسه وعما يتوق له في علاقته العاطفية ليس أمرًا هينًا، بل يحتاج تجارب مختلفة يختبر فيها نفسه ومشاعره ليصل إلى الإجابة ويتجلى تعريفه الشخصي للحب.

والتعريف الذي يصل له الفيلم يمكن أن نختصره في جملة تبدو كليشيهية، لكنها حقيقية تمامًا: الحب الحقيقي هو الذي يجعلنا حقيقيين، والحبيب هو من نكون معه أنفسنا، لا نسخة مزيفة منا.

يتغير علي وتتغير سارة عندما يتركان بعضهما، ينفضان الماضي ويدخلان علاقة جديدة، وتغير البطل هنا هو تغير في طبيعته الشخصية، اهتماماته وممارساته والأشياء التي يحبها، قد يستهون البعض بأن تلك التفاصيل تبني علاقة أو تهدمها، لكن هذه حقيقة لا يجب إغفالها.

قاموس الذكورة والأنوثة

في سياقين مختلفين يتحدث علي مع سارة عن المفاهيم السائدة عن الذكورة والأنوثة، وعلى عكس الحوار المتوقع في هذا السياق، ينتقد علي ويعيد تفكيك الصورة المجتمعية للرجال بصفات «باشا مصر» والنساء بصفات «الفاشونيستا».

تلك السخرية ليست فقط كاشفة لوجهة نظر ما عن الذكورة والأنوثة، لكنها كشفت بشكل مسبق صفات شريك الحياة الذي سيرتبط به علي وسارة فيما بعد، سارة سترتبط برامي الذي لا يختلف كثيرًا عن أي «باشا مصر»، وليلى هي تلك الأنثى «الفاشونيستا» التي تشبه نساءً كثيرات ولا يميزها شيء حقيقي. 

وبمد الخط على استقامته متوقع أن ترسم شخصيتا الغريمين الجديدين «رامي وليلى» بوصفهما الطرف الشرير الذي يفسد علينا قصة حب علي وسارة التي انجرفت معها مشاعرنا، لكن ما يحدث أن الفيلم لم يشيطنهما، بل قدمهمها بالطريقة الحيادية ذاتها التي يجب أن ننظر بها إليهما: هما فقط ليسا الحب المناسب لعلي وسارة. 

يتجلى عدم التناسب في الاختلافات الكبيرة بين اهتماماتهم الشخصية، ظهورهما يمحي كل الانسجام المسبق الذي ألفناه بين علي وسارة، وهو ما يعيدنا إلى معنى الحب الذي تطرحه صانعة الفيلم كوجهة نظر: الحب هو مشاركة التفاصيل الأقل من عادية مع شخص شبهنا، لأنها ببساطة ستجعل مشاركتنا لتفاصيل الحياة الأكبر والأعقد أسهل بكثير.

كما أن مشاركة الحبيب للتفاصيل الصغيرة تجعل الحياة أكثر احتمالًا.

caption

بهاء سلطان وأشياء أخرى

التوظيف الموسيقي والغنائي هو عنصر آخر مهم في بناء الفيلم، سواء موسيقى الفيلم التي تعزف بهدوء في خلفية المشاهد المفعمة بالمواجهات والمشاعر، أو الأغاني -«البلاي ليست»- التي هي جزء من علاقة علي وسارة، تحديدًا أغاني بهاء سلطان وجورج وسوف، وخاصة الأغنية المؤلفة خصيصًا للفيلم «أنا من غيرك» والتي تؤكد كلماتها على معنى الحب في الفيلم، وبغناء بهاء سلطان -المطرب المفضل لعلي وسارة- والذي تحول حضوره في الفيلم إلى موتيف درامي مهم لعلاقة البطلين، كأن يتواصلان من جديد مع بعضهما لأن بهاء «نزِّل أغنية جديدة»، هنا تحديدًا يمتزج شعور الأبطال بشعور الجمهور الذي يستمع لأغنية جديدة لبهاء سلطان بالفعل، برفقة شخص مميز يحبه.

الجمهور جزء من الحكاية

في المشهد الذي تزور فيه سارة حبيبها رامي في بيته، بينما تعد له بيضًا بالبسطرمة ويشاهدان معًا التلفاز، يعلو صوت الفتاة الجالسة إلى جواري في قاعة السينما متداخلًا مع صوت فتاة أخرى تجلس خلفنا «هي رايحاله البيت عادي كده!»، وعندما يذهب علي وسارة إلى البار ويبدأ علي في شرب الويسكي، هنا تحديدًا تبدأ الاختلافات تطفو على السطح، قد يشارك الجمهور أبطال الفيلم حب بهاء سلطان والحب من طرف واحد، لكن لا نشاركهما تلك المساحات المحرمة في الحياة، حتى لو كانت تلك الممارسات يفعلها البعض في الخفاء.

لكن لا بأس من بعض الاختلافات طالما ما زلنا في قاعة السينما نشاهد قصة خيالية.

استخدمت الحملة الدعائية للفيلم في السينمات «بورد» [لوحة] ليكتب فيها الجمهور كلمات أو مواقف يتشاركوها مع فريق الفيلم، والمشاركة هنا هي نوع من التفاعل بين الفيلم والجمهور، ومشاركة التفاصيل، مرة أخرى، هي امتداد لمعنى وسؤال الحب في الهوى سلطان.

موجة قديمة.. موجة جديدة

أميل أحيانًا إلى الفصل بين آراء المخرجين في الحياة عمومًا وبين أفلامهم، لكن هذا لم يحدث مع شعوري تجاه هبة يسري مخرجة الفيلم، بل تولد بداخلي فضول أكبر لأستمع إليها، خمنت أنها نسخة ما من تلقائية وعشوائية سارة، وأفكارها تجاه الذكورة والأنوثة هي نفس أفكار علي، والأهم من ذلك أخذني فضول لمعرفة نوع أفلامها ومخرجينها المفضلين، خمنت الرد المعتاد أن ملهميها مخرجي الواقعية وجيل الثمانينيات، لأجدها بتلقائية شديدة تحكي أن الفيلم الذي دفعها للإخراج هو «صعيدي في الجامعة الأمريكية» مصدر إلهام هبة يسري هو سينما الألفينات الشابة التي بدأت بها الحديث في المقال.

«حلم حياتي عايزة أعمل حاجة فنية كويسة.. فن الناس في الآخر تفتكره زي ما الناس بتفتكر جُمل من أفلام، أنا عايزه أعمل كده، أنا عايزه أأثر في البني آدم اللي قدامي ومش هاممني قوي إيه يروح فين».

هبة يسري

رؤية المخرجة هبة يسري للفن هي جزء من رؤيتنا لفيلمها، لا يشغلها أن تذهب إلى مهرجانات عالمية، الأهم أن تصنع فيلمًا يتذكره الناس ويصبح جزءًا من إفيهاتهم اليومية، يتماس مع مشاعرهم، لا أكثر ولا أقل.

قراءة فيلم الهوى سلطان هي جزء من قراءة صفحة في المشهد السينمائي المصري الحالي، استشعار قوي لموجة جديدة من السينما النسائية المصرية التي تحركها النساء من خلف الكاميرا وأمامها، موجة مستقلة تفرض ملامح مختلفة عن السينما التجارية الحالية، حيث الواقع يتلاشى ويبتعد، العصابات تحتل الأفيشات، والنجوم المتأنقون حد الزيف يلمعون على امتداد اللوحات الإعلانية المضاءة بالنيون، والمقياس الوحيد لنجاح الأفلام تنافسهم على سباق «الأعلى إيرادات»، كأن ثقافة الإقبال الجماهيري هي المقياس الوحيد للحكم على الفن الناجح، ولكنها حسبة غير منصفة أحيانًا، لو وضعنا في الحسبان فيلم «الحريفة» فهو أكثر فيلم حديث ناجح جماهيريًا وفنيًا وعلى مستوى الإيرادات، لكنه مثل «الهوى سلطان» لم يتوقع موظف شباك التذاكر أن ينجح الفيلم أو حتى يغطي تكاليفه. 

وبالمثل نجاح فيلم نهى عادل «دخل الربيع يضحك» في مهرجان القاهرة السينمائي والإقبال الكبير على مشاهدته، يؤكد عطشًا حقيقيًا لهذا النوع من السينما، تخلو من النجوم، وبعيدًا عن أفلام الأعياد، سينما تحكي حكايات صادقة وبسيطة دون ادعاء أو زيف.

تماس الجمهور مع «الهوى سلطان» هو نفس تماسهم مع مسلسل «سابع جار» أو «لن أعيش في جلباب أبي»، لأنهم لم يقدموا واقعًا مزيفًا، أو شريحة اجتماعية تعزلها عن المجتمع أسوار وحراسة، بل قدموا واقع الأغلبية الوسطى بكل تفاصيله وتناقضاته وبساطته، وإذا كان المشاهد يبحث عن بطل مخلص يتطهر عندما يراه ينتصر على الشرير، يحتاج أيضًا إلى أبطال يشبهوه ليعيد التفكير بشكل حقيقي في نفسه وأسئلته الشخصية تجاه الحب والصداقة. كأن يمسنا الخيال مرة، فنبتسم.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن