الهواة يمتنعون.. صديقي كريم عنارة
منذ عام واحد بالضبط، بعد العشاء في مطعمنا الذي نتردد عليه أغلب الوقت، أنهى كريم الليلة بإطفاء شموع عيد ميلاده السادس والثلاثين، الشموع التي وضعناها في الكنافة والبسبوسة بدلا من التورتة. حظي الجميع، بمن فيهم النٌدٌل، بقطعة على الأقل؛ لأن لا أحد يقول «لأ» لكريم، خاصةً عندما يتعلق الأمر بالحلوى.
ومنذ أقل من أسبوعين، كان كريم في مطعمه المفضل في دهب بجنوب سيناء، على وشك أن يبدأ في التهام طبق عجة البيض الذي كان قد طلبه قبل أن يغطس في البحر، عندما أخبره النادل أن هناك رجلين يودان الحديث إليه. كان ما زال يرتدي بدلة غطسه المبتلة. اقترب كريم بهدوء من الرجلين اللذين كانا يرتديان ملابس عادية، صافحهما وقدَّم نفسه. بعد دقائق قليلة، عندما أخبر الضابطان أصدقاءه أنهما سيأخذانه إلى قسم الشرطة، صحح لهما كريم الجملة: «إحنا رايحين مقر أمن الدولة».
كريم باحث شغوف ومدقق في العدالة الجنائية، لديه شهية عظيمة للمعرفة مثلما لديه من شهية للحلويات. يقرأ بدأب وعلى نطاق واسع: من فلسفة القانون إلى التاريخ والطب والطعام والسياسة والتخطيط العمراني، رغم أنه يفتقر على نحو مخزٍ لكتاب واحد عن الفنون. هو يسعى بشكل ثابت وراء المعرفة ومهتم بإنتاجها.
ورغم أنه لا يقبل الخسارة ولا يستسلم بسهولة على الإطلاق، إلا أنه غير واقع تحت أي وهم بأننا نعيش في عام 2011، أو حتى 2010. كريم ليس «ثورجيًا»، هو إصلاحي بكل ما تحمله الكلمة من معنى تقني. يكايده بعض زملائه بهواجسه حول تعقيدات الحكم، ويسخرون مما يرونه مقاربة محافظة منه بمنحه ألقابا حكومية على سبيل المزاح. هذا الباحث «الحاد كالليزر» ساخر إلى درجة تحول بينه وبين الوعظ، ويحمل من الإيجابية والطاقة الشبابية ما يبتعد به عن اللامبالاة، وقد وجد ضالته في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية.
تصدرت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية العناوين الرئيسية خلال الأسابيع القليلة الماضية، حيث قبضت السلطات على ثلاثة من العاملين بها، من ضمنهم كريم، ومن بينهم أيضًا مديرها التنفيذي جاسر عبدالرازق. صاحبت هذه الاعتقالات حملة تشويه سمعة تحاول أن تضع «المبادرة» في إطار معاداة الدولة، أو حتى توصيفها بالإرهابية.
المبادرة المصرية للحقوق الشخصية واحدة من منظمات حقوق الإنسان التي اتخذت قرارًا واضحًا بالانخراط في الواقع بما يتجاوز توجيه الاتهامات أو السباب والتشهير. وقد تحملت مسؤولية تقديم توصيات متعلقة بالسياسات للسلطات المصرية بناءً على أبحاث معمقة وتحليل تقني وقانوني متماسك. ورغم أنها قد تعاونت مع الحكومة في موضوعات مثل الصحة العامة وشفافية الميزانية، في السياق الحالي، إلا أن «المبادرة» تؤدي عملها أحيانًا مع أمل غير أكيد في أنها ستصل إلى قرائها المستهدفين.
تتكون توصيات «المبادرة» المتعلقة بالسياسات من حزمة من الخطوات البراجماتية ذات الحد الأدنى من نقاط البدء والحد الأقصى من سقف ما يمكن أن يتم في المدى القصير والطويل، والأهم أن يكون ذلك داخل الإطار القانوني المصري الحالي. تقترح هذه التوصيات على الدولة المصرية طريقة تضمن حقوق وحريات المصريين وفي نفس الوقت تكفل الاستخدام الرشيد والشفاف لمواردها، مع الإيمان الثابت بأن الاستقرار السياسي والاقتصادي لا يكون حقيقيًا ومستدامًا إلا عندما لا يأتي على حساب الناس.
من بين المعلومات القليلة جدًا التي حصلنا عليها حول كريم منذ القبض عليه أنه سُئل حول عمله على عقوبة الإعدام، باعتباره مدير وحدة العدالة الجنائية في المبادرة، حيث تقوم المبادرة بتوثيق زيادة مقلقة في إصدار وتنفيذ عقوبات الإعدام في قضايا جنائية عادية. ولأن سير العمل في منظومة العدالة الجنائية وبنيتها التحتية يقعان في بؤرة تركيز كريم الأساسية، فإن أكثر ما كان يقلقه هو تطبيع هذه التطبيقات لعقوبة الإعدام بعد فترة زادت على العشر سنوات كانت فيها الدولة متحفظة جدًا في تنفيذها، حتى عندما كانت تصدر أحكام بالإعدام.
بقدمين ثابتتين على أرض الواقع وعلى اتصال بالواقع الكئيب الذي نحيا فيه، يشارك كريم من منظور تقني في (اليوم العالمي لمناهضة عقوبة الإعدام) ويفهم أن إلغاء عقوبة الإعدام ليست معركة قابلة للفوز اليوم. وبدلا من ذلك، ورغم أن موقف المبادرة المصرية للحقوق الشخصية يظل معارضًا بقوة لعقوبة الإعدام، فإن كريم يرى أنه إذا كانت عقوبات الإعدام ستصدر على أي حال، فلنضمن ألا تكون القرارات خاطئة، لأن تنفيذ هذه العقوبات أمر لا رجعة فيه. تركز نشرة «المبادرة» في اليوم العالمي لمناهضة عقوبة الإعدام فقط على ضمانات الاتصال بين المحامين والمدعى عليهم، للتأكد من أن المدعى عليهم لديهم تمثيل قانوني ملائم.
إن الطلب الأساسي في تقارير «المبادرة» المتعلقة بعقوبة الإعدام خلال الأعوام الثلاثة الماضية، والتي يمكن الوصول إليها جميعًا من هنا، يظل كما يلي: إيقاف تنفيذ عقوبات الإعدام، حتى يجري حوار مجتمعي.
جيسيكا كيلي، زوجة كريم وشريكته لأمد طويل، تصفه بأنه «الروح الأكثر امتلاءً». من بين الأشياء التي تثير فيّ أكبر إعجاب به وأشد انزعاج منه أنه يحمل شعورًا قويًا تجاه كل شيء. فهو يلقي بنفسه وينخرط بكل قلبه وعقله في كل شيء يأتي في طريقه. أنا لم أقابل بعد إنسانًا آخر يمكن العثور على شغفه بالعمل وتفانيه فيه بنفس القدر الذي يكافئ قائمة تفضيلاته من الآيس كريم.
إن العوامل التي اجتمعت لتنتج اختياره النهائي للآيس كريم عوامل عديدة وتجمع التخصصات كافة. نحن بحاجة لإجراء مسح حول المكونات المستخدمة، ومقارنة الأسعار وبعد ذلك نضع في اعتبارنا مستوى وفرة قطع الفستق في الآيس كريم نفسه، بالإضافة إلى تاريخ محل الآيس كريم، المحلي في مقابل العالمي، والقديم في مقابل الجديد. إن نوعية الكريمة المستخدمة تمثل فصلًا من حياتنا، والتاريخ الاجتماعي/الاقتصادي لصاحب المحل فصل آخر. في النهاية (وانتبهوا لما يلي) يكون ماندرين قويدر هو المكان الذي نشتري منه الآيس كريم - وهي النتيجة التي كان يمكن أن يصل إليها أي شخص بناءً على بحثه عن آيس كريم له طعم جيد ببساطة.
لكن هكذا يكون الحال معه. إن حماسه ليس قاصرًا ولا محدودًا على موضوع واحد، أنه طريقة للعيش، تيار يتدفق داخل كل شيء يلمسه أو يتصل به. وهكذا، رغم أن صداقته يمكن أن تكون مشحونة وكثيرة المتطلبات، إلا أنها أكثر الصداقات التي يمكن أن تصادفها أصالةً ونفعًا، صداقة ليست للهواة - صداقة بأصدق معاني الكلمة.

السبب الوحيد في أن النقاش معه يمكن أن يكون محبطًا هو أن أكثرنا لديهم طاقة محدودة، ولن نرغب في إهدار الكثير منها في مناقشات ساخنة حول الآيس كريم. لكن المقدار الهائل من الطاقة الذي يمتلكه كريم من استهلاكه الباهظ والمتزايد باستمرار للسكر لا بد أن يتوجه إلى وجهة ما، وما يتبقى منه سيذهب إلى الحث التفصيلي والذي لا تشوبه شائبة، وإلى العثور على توصية واحدة معقولة يمكن تطبيقها بشكل عملي وقانوني. إنه أسلوب خاص به كي يكون أمينًا مع نفسه، وكي ينام بضمير مستريح. باختصار، كريم مهووس، وعمله يوضح هذا.
فكرة أن كريم في ليلة عيد ميلاده اليوم قد يكون في الحبس الانفرادي، فكرة مخيفة وتبعث القشعريرة. فهو واحد من أكثر الكائنات الاجتماعية التي يمكن أن يصادفها المرء. وهو لا يقضي الكثير من الوقت وحده، وعندما يفعل ذلك، ينبغي على المرء أن يقلق.
لهذا كانت الموجة الأولى لـ«كوفيد-19» ضربة قوية لكريم. أن يعزل نفسه عن الآخرين، عن الدوائر الصغيرة وتلك الأكبر، كانت هذه تكلفة عاطفية باهظة على نحو استثنائي بالنسبة له. بعد فترة، وجد طريقة للتعامل مع عزلة «كورونا»، بالغوص عميقًا داخل هوسه. خلال أسابيع قليلة، علم كريم تفاصيل كل تجربة سريرية تجري في كافة أنحاء العالم، وكل لقاح ومستوى الاختبار الذي بلغه، وكذلك التحديثات التفصيلية بالاستراتيجيات التي تبنتها الحكومات المختلفة لكبح معدلات العدوى أو زيادة موارد الاختبار.
صب كل هذا في عمله. ثمة بيان آخر لـ «المبادرة» سأله عنه المحقق، وهو البيان الذي تطلب فيه «المبادرة» من السلطات المصرية ألا تستثني أماكن الحجز والسجون من الإجراءات المتخذة لتقليل الازدحام والحد من انتشار الفيروس. يقول البيان: «عند تطبيق هذه الإجراءات القانونية، ينبغي أن تراعي السلطات دائمًا هدفها الأساسي: حماية الأرواح وتقليل التجمعات والكثافة». يعرض البيان على صانعي القرار أن يفكروا في إجراءات استثنائية لاحتواء انتشار الفيروس. كما يقترح تقليل عدد السجناء فوق سن الستين أو المعرضين لمخاطر صحية عالية، ويخاطب الرئيس ليحثه على «التفكير في إصدار عفو رئاسي استثنائي... يشمل كل سجين قضى على الأقل نصف مدة حكمه عن جرائم قليلة الخطورة ومنخفضة المخاطر، والتي تضم على سبيل المثال الأشخاص الذين نالوا أحكامًا خفيفة عن ديون مدنية».
إن مشاركة كريم الاجتماعية، وإحساسه بأن الشؤون العامة أمر يخصه، واهتمامه بقضايا الحكم، جزء لا يتجزأ من ماهيته كشخص. ورغم أن أماكن مثل المبادرة المصرية للحقوق الشخصية تقاتل بصعوبة للحفاظ على حق المواطن في المشاركة بالشؤون العامة، إلا أن ارتباط كريم بالقضايا العامة يتجاوز إلى حد بعيد إيمانه بأن هذا من حقه (لأن هذا من حقه). إن اهتمامه وشغفه بالسياسات العامة وإحساسه بالمجتمع المحيط بالمعنى الأوسع جزء لا يتجزء من فهمه لنفسه وللطريقة التي يرتبط بها بالعالم، ويتجاوز الحدود الجغرافية والسوسيو-سياسية.
يقول الصحفي كونال بوروهيت، صديق كريم من مدرسة الدراسات الشرقية والإفريقية التابعة لجامعة لندن «SAOS»، حيث نال كريم درجة الماجستير في القانون والثقافة والمجتمع عام 2017: «إن فهمه للسياسة الهندية، ونظم الحكم في الهند وطرق عملها غير طبيعي بالنسبة لشخص لم يعش قط أو يعمل في هذا البلد. قد يملك كريم حسًا جيدًا جدًا ليس فقط بالشؤون الحالية في السياسة الهندية لكن أيضًا بالسياق التاريخي والفروق السياسية. لقد فُتنت دائما بقدرته على فهم أشياء بعيدة جدًا عن سياقه الخاص».
في رحلات قصيرة إلى كيب تاون، انتهز الفرصة لزيارة حمامات سباحة عامة مختلفة كل يوم ليحاول أن يفهم الآلية المستخدمة من قِبل الحكومة المحلية لتوفير هذه الحمامات وصيانتها. وفي زيارة حديثة إلى لندن، تصادفت مع الانتخابات البرلمانية الأخيرة، قضى كريم أجازته في حملة طرق أبواب، ليس لأنه كان يتوقع العيش هناك أو ليصبح سياسيًا ذات يوم؛ لكن لأنه انخرط في عملية تقدير محسوبة بأن هذا النصر الصغير في المملكة المتحدة قد يعني عالما أفضل بعض الشيء.
لدى كريم إيمان راسخ بالتغييرات الصغيرة وترابطها، وبفكرة أن حبات الرمل الضئيلة الباهتة، معا، هي ما تشكل شاطئه المفضل والأروع على ساحل مصر الشمالي. ببساطة، ليس بمقدوره أن يكون مواطنًا سلبيًا، كما قد يتبادر إلى أذهاننا أنه شيء مطلوب في وقت أصبحت فيه كلمة «جماعي» تهمة في حد ذاتها.
في نهاية واحد من أيام الأسبوع الماضي الرهيبة قدت سيارتي عائدة إلى البيت، جسدي مع السائق الآلي، وعقلي شارد، يستعيد ذكريات من الثمانية أعوام الماضية من صداقتي مع كريم. وخطر لي أن هذا الموقف سخيف بقدر ما هو كاشف.
لقد كرس كريم عِقدًا من شبابه للعمل على إصلاح وتحسين نظام العدالة الجنائية المصري. وقد أنتج، سواء وحده أو في إطار فريق، عشرات الدراسات. وقد بحث دائمًا واشترك مع أي فرد أو مؤسسة تمثل جزءًا من هذا النظام ولم يتوقف قط عن البحث عن بدائل أفضل داخل الظروف المتدهورة باستمرار التي نقاسيها.
ومنذ يوم الأربعاء 18 نوفمبر، يجد هذا الشخص نفسه في مواجهة ذلك النظام نفسه من العدالة الجنائية، النظام الذي يعرف كريم جيدًا قوانينه وممارساته وسياساته وقواعده المعروفة والمسكوت عنها. وأمامه يجلس محقق يلوح بتقرير عن عقوبة الإعدام، رافعًا إياه في وجه كريم كما لو كان دليل إدانة، غير مدرك أن المقترحات الموجودة في هذا التقرير موجهة إليه في الحقيقة.
أتخيل التفافة درامية يكون فيها هذا المحقق المسؤول عن استجواب كريم واحدًا من وكلاء النيابة والقضاة الكثيرين الذين سعوا وحضروا الورش التقنية طوال السنوات الخمس الماضية في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، التي كان كريم يصممها ويقودها ويُدرِّس فيها. أعرف أنه وسط كل هذا سيكون أكثر شيء محبط بالنسبة له هو أنه بعد عشر سنوات من هذا العمل، ما زال المغزى منه لم يتحقق.
تقارير ذات صلة
«ضيوف مصر» في خطر
اللاجئون في مصر بين استمرار حالة البرزخ القانوني وخطر الاحتجاز والترحيل
مسار العدالة البطيء: بعد أكثر من عقد.. اللجنة الإفريقية تطالب مصر بتعويض ضحايا «كشوف العذرية»
الاعتراف بكشوف العذرية جاء من اللواء عبد الفتاح السيسي عضو المجلس الأعلى للقوات المسلحة في 2011
تقرير «القومي لحقوق الإنسان».. تحسُن نظري مُحاط بالقصور والتناقضات
بجانب القصور في الأداء، يناقض التقرير الواقع المُعاش في نقاط كثيرة في إطار إشادته بتحسن أداء الدولة
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن