تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
«النخالة».. حافز «التموين» لتوريد القمح الذي لم يتحقق

«النخالة».. حافز «التموين» لتوريد القمح الذي لم يتحقق

كتابة: شمس الدين عصام 8 دقيقة قراءة
الصورة: Phu Thinh Co

قشرة خارجية لحبوب القمح، ذات ملمس خشن، تسمى «نخالة». كغيرها من قشور النباتات، تحتوي على نسبة عالية من المغذّيات، وتُستخدم في صناعة الأعلاف للثروة الحيوانية، وفي المخابز لتخفيف الخبز من ثقل الدقيق. في موسم الحصاد الأخير، قررت وزارة التموين استخدامها أيضًا لتحفيز الفلاحين على توريد القمح.

ولكن، كما توضح مصادر من قطاع المطاحن والحبوب والفلاحين والتجار، لم تكن النخالة آلية تحفيز مجدية: جاءت متأخرة وأدت لانتفاع غير الفلاحين       .

ضاعفت وزارة التموين فترة توريد القمح المحلي في موسم 2022، لتبدأ مطلع أبريل ولمدة أربعة أشهر متتالية، بهدف تحقيق المستهدف الحكومي بين 5.5 و6 ملايين طن، في ظل انخفاض الإمدادات العالمية من القمح وارتفاع أسعاره إلى مستويات قياسية. وفي العادة، كان موسم التوريد يبدأ منتصف أبريل ويستمر لشهرين فقط.

رغم ذلك، بحلول نهاية مايو الماضي، وجدت وزارة التموين أنها لم تتسلم أكثر من 55% من المستهدف بواقع 3.3 مليون طن، وفق بيان اطلع عليه «مدى مصر». لذا لجأت في 29 مايو الماضي إلى قرار يربط توريدات القمح بالنخالة. ومع ذلك، لم تجمع الوزارة بعد القرار أكثر من نصف مليون طن قمح ليصل الإجمالي لـ3.9 مليون طن.

ولأن «التموين» ظنت أن الفلاحين يخزنون القمح ويرفضون توريده، فقد فكرت في أساليب أخرى لتشجعهم وتجبرهم في الوقت نفسه على توريد كميات أكبر، في ظل إيمانها أن الإنتاج المحلي يقترب من عشرة ملايين طن، وهذا رقم غير دقيق، وفقًا لعضو غرفة الحبوب باتحاد الصناعات، وليد دياب.

في ضوء القرار، كان الفلاح مُلزمًا بتوريد 12 أردبًا قمح بحد أدنى عن كل فدان، وسيحصل مقابل ذلك على مستحقات التوريد بسعر 875 جنيهًا للأردب، بالإضافة إلى 10 كيلوجرامات نخالة عن كل أردب بسعر 3.8 جنيه للكيلو، وهنا يستفيد الفلاح بجنيهين أقل في سعر كيلو النخالة عند مقارنة سعر الحكومة بسعر السوق الحر وقتها. كما سيجري مُضاعفة كمية النخالة إذا ورد الفلاح أي كمية قمح فوق الحد الأدنى. ونص القرار أيضًا على حظر بيع النخالة من المطاحن للتجار حتى نهاية ديسمبر المُقبل. وفي الوقت نفسه، اعتبرت وزارة التموين أن الامتناع عن التوريد مخالفة تموينية سيُحاسب عليها الفلاح بتغريمه ضعف قيمة أردب القمح الذي لم يورده، عند 1770 جنيهًا، وفقا للقرار الذي أصدرته الوزارة، واطلع عليه «مدى مصر».

ربط النخالة بتوريد القمح لقى أصداءً عكسية فور صدوره، وانتقده كثيرون من العاملين في السوق. يتساءل دياب: «لماذا الدعم العيني دائمًا؟ لماذا لم ترفع الحكومة أسعار التوريد مباشرة بدلًا من خلق آليات لا تأتي بمردود وتتسبب في اختلالات بالأسواق؟»، كذلك يتساءل مصدر بقطاع الحبوب، فضل عدم ذكر اسمه: «لماذا اعتبرت وزارة التموين أن النخالة ستحفز التوريدات، ولم نفهم بعد ما إذا كان هذا بمثابة اعتراف من الوزارة بأن أسعار التوريد الأساسية عند 875 جنيهًا للأردب غير عادلة. الفلاح بحاجة للمزيد، أم ليس من حقه؟ لماذا لم ترفع الحكومة سعر التوريد منذ البداية ليحصل الفلاح على مقابل مادي كامل ومؤكد أنه سيحصل عليه بدلًا من تقسيمه في صورة لم تُحقق الهدف؟ فلا الفلاح حصل على حقوقه كاملة، ولا الحكومة وصلت لمستهدفات التوريد».

من جانبهما، أكد اثنان من وكلاء المطاحن الحكومية أنه لم يحصل كل الفلاحين على مخصصاتهم من النخالة وفقًا لتوريداتهم من القمح، خاصة وأن كمياتهم ضعيفة، وكثيرون لم يسألوا عنها بالأساس، أو حصل عليها التجار الذين استخدمتهم الوزارة كوسطاء لجمع القمح من الفلاحين. كما أن ربط النخالة بالقمح جاء نهاية مايو، وبحلول هذا الوقت يكون أغلب الفلاحين قد وردوا بالفعل الكميات التي أنتجوها في الموسم. وهنا يوضح نقيب الفلاحين، فريد واصل، أن موسم توريد القمح يبلغ ذروته بنهاية مايو من كل عام، ثم يأخذ في التراجع تدريجيًا حتى منتصف يونيو.

«الفلاح اللي وقف أكثر من يوم علشان يسلم 12 أردب قمح مش هيروح المطحن علشان يستلم تلات شكاير نخالة، خاصة لو مكنش محتاجهم»، يقول تاجر النخالة، عبدالوهاب إسماعيل. في كثير من الأحيان يفضل الفلاحون التوريد بأنفسهم لصوامع التخزين لتجنب تكاليف الشحن. وفي ذروة موسم التوريد قد يضطر الفلاح الانتظار يومين حتى يأتي دوره في التفريغ.

يضيف وكلاء المطاحن أن النخالة لا علاقة لها بتوريد القمح، والدولة إذا رغبت في تحفيز الفلاحين كان يجب أن تُعدل سعر شراء المحصول، بدلًا من التسبب في خسائر كبيرة لأطراف كثيرة دون فائدة.

على الجانب الآخر، اعترض الكثير من التجار على القرار الذي منعهم من شراء النخالة. يسأل المصدر السابق في قطاع الحبوب وآخر من نفس القطاع عن فائض النخالة فوق حاجة الوزارة لتوريدات القمح، خاصة وأن تخزينها لمدة طويلة يُعرضها للتلف. «ماذا عن احتياجات مصانع الأعلاف ومزارع الثروة الحيوانية في ذروة موسم الأضحى الذي يحتاج لكميات كبيرة من النخالة؟» يسأل أحدهم.

وفقًا لأحد كبار وكلاء مطاحن وسط وغرب الدلتا،  والذي اشترط عدم ذكر اسمه، فإن أقصى مدة لتخزين النخالة هى ستة أشهر، ثم تتعرض للتلف، ويمكن أن تقل هذه المدة من مطحن لآخر، بحسب إجراءات التخزين، وتتأثر النخالة بشكل مباشر بدرجات الحرارة المرتفعة، لتكون سرعة تلفها في موسم الصيف أكبر من الشتاء. كما أن الإجراءات جاءت في ذروة موسم الأضحى الذي يرتفع فيه الطلب، ومع انخفاض المعروض من المطاحن الحكومية، ارتفعت الأسعار إلى مستوى قياسي فوق سبعة آلاف جنيه للطن، وكانت قبل القرار عند متوسط 5700 جنيه للطن.

في اليوم التالي لربط «التموين» توريدات القمح بالنخالة، وبعد أن تحدث عاملون بقطاع المطاحن مع وزير التموين علي مصيلحي، لجأ الوزير إلى تعديل الأسعار في قرار جديد اطلع عليه «مدى مصر»، في شقين، الأول ثبت فيه سعر البيع لموردي القمح عند 3800 جنيه للطن، وحدد في الثاني سعرًا جديدًا للبيع إلى مُربي الثروة الحيوانية ومصانع الأعلاف عند 4500 جنيه للطن، متجاهلًا التجار الذين يشترون من المطاحن ليوزعوا النخالة على تجار التجزئة والمستهلكين، وهم اساس تسويق نخالة القمح والتجارة في الأعلاف، في رأي إسماعيل.

تجاهل الوزارة للسوق التجاري كدس النخالة في مخازن المطاحن الحكومية تحديدًا، وبعد مرور خمسة أيام فقط من صدور القرار وتعديلاته، وصل أقل مخزون في كل مطحن إلى 700 طن، وهذه البضاعة بمرور الوقت تتلف، وتكون إما إهدارًا للمال العالم، أو ستلجأ المطاحن لإعادة تدويرها في إنتاج النخالة الجديدة لتقل القيمة الغذائية منها، وفقًا لإسماعيل.

سعيًا لتحسين الوضع، تشاورت مجموعة من التجار فيما بينهم لطلب اجتماع مع وزير التموين لشرح موقفهم لكنهم فقدوا شغفهم بعد أن توصلوا إلى أن سعيهم سيكون تحصيل حاصل، ولن يغير من الأمر شيء، وفقًا لبعض ممن تحدث معهم «مدى مصر». يقول أحدهم: «إحنا كتجار أخرنا نعبر عن الوضع بينا وبين بعض، واللي ليهم مصالح كبيرة يقدروا يتكلموا أفضل مننا، لكن هيتكلموا عن نفسهم بس»، في إشارة منهم إلى مصانع الأعلاف. «النخالة بتمثل 10% من المواد الخام لطن الأعلاف، والمصانع أخدت الطن بسعر أقل 1000 جنيه تقريبًا من السوق، لكن مشوفناش تخفيض لأسعار العلف».

في المقابل، وبحسب وكيلي المطاحن الحكومية، حصلت شركات الاستثمار الزراعي وكبار التجار على الكميات الخاصة بها، نظرًا لأنها وردت كميات كبيرة من القمح.

كانت شركة «سايلو فودز» للصناعات الغذائية، التابعة لجهاز الخدمة الوطنية، واحدة من الشركات التي استفادت من ربط النخالة بالقمح، وفقًا لمنشور رسمي اطلع «مدى مصر» عليه صادر عن وزارة التموين، والذي بموجبه حظت الشركة بموافقة «التموين» للحصول على 32 ألف طن نخالة بسعر 3800 جنيهًا للطن مُقابل توريدها أكثر من مائتي ألف طن قمح، فى حين أن أسعار السوق حاليًا تتخطى 7200 جنيه للطن وقت صدور الموافقة.

استخدام النخالة في توريدات القمح كان الهدف منه تشجيع الفلاحين وليس غيرهم، ومن غير المنطقي أن تحصل شركات الاستثمار الزراعي أيًا كانت الجهة التابعة لها على المميزات نفسها، خاصة وأنها كانت المستفيد الأكبر وليس الفلاحين المقصودين من القرار، يقول مصدر بقطاع المطاحن لـ«مدى مصر».

متأخرة، فتحت الوزارة الباب أمام التجار مرة أخرى لشراء النخالة، وفق التوجيه الوزاري الصادر بتاريخ 26 يوليو الماضي، والذي ضم تحديد أسعار البيع على ثلاثة مستويات، هي: 3800 جنيه لتوريدات القمح، و5100 جنيه لمصانع الأعلاف ومزارع الثروة الحيوانية، و5500 جنيه للتجار.

القرارات التي اتخذتها وزارة التموين في ما يخص النخالة خلقت سوقًا سوداءً، وهي خطوة لم يكن لها داعٍ على الإطلاق، وفقًا لدياب الذي يضيف: «إذا نظرنا إلى الوقت الذي سمحت فيه الوزارة للمطاحن بالبيع للتجار، سنجد أنها حددت أسعارًا أقل من الأسعار في القطاع الخاص، قرب ألفي جنيه في الطن، وهى قيمة مُهدرة على المطاحن، كان يجب الحفاظ عليها، إذ كانت أسعار السوق وقتها لدى القطاع الخاص 7200 جنيه للطن، والتجار اشتروا النخالة بالسعر الرسمي، لكن يبيعونها بأسعار القطاع الخاص».

لا يَستخدم كل الفلاحين النخالة، وبالتالي فمن حصل منهم على كميات في غير حاجة إليها باعها للتجار، وفقًا لمدير عام مطاحن المصرية السويسرية إيليا لوندي، الذي اعتبر أن ما حدث قد أدخل سعرًا جديدًا في السوق، لتتحكم السوق السوداء أكثر. يقول لوندي أيضًا إنه كان الأولى تحريك أسعار توريد القمح إلى مستويات تقابل الأسعار العالمية التي كانت تتجاوز وقتها 8500 جنيه للطن في حين بلغ متوسط سعر الشراء الحكومي 5775 جنيهًا، بحسب الجودة.

تصل كمية النخالة التي تنتجها المطاحن التي تطحن القمح الحكومي إلى 1.5 مليون طن تقريبًا كل عام، ناتجة عن 12 مليون طن قمح تُطحَن، وتتجاوز تقديرات الهدر المالي بسبب فروق أسعار البيع التي حددتها وزارة التموين والأسعار الفعلية في السوق نحو ثلاثة مليارات جنيه على أقل تقدير، يقول دياب.

لم تُغير «التموين» سياساتها لتسعير النخالة برغم انتهاء موسم توريد القمح فعليًا في 1 سبتمبر الجاري، ولم تجمع الهيئة العامة للسلع التموينية أكثر من 4.2 مليون طن من ستة ملايين طن استهدفتها الدولة، وفقًا للأرقام الرسمية التي أعلنتها وزارة التموين، والتي تُخالف إحصاءات رسمية أخرى اطلع عليها «مدى مصر»، تؤكد أن إجمالى التوريدات لم يتجاوز 3.9 مليون طن على أقصى تقدير.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن