الناظم: (5) أجمل القصائد كُتب بالفعل.. يا كذاب
أكره ناظم حكمت، أكره افتتان العالم بكذبه الواضح، كذب غير جميل، ليس من قبيل "أجمل الشعر أكذبه"، بل كذب مضلل مؤذ حقير، يقول: "أجمل أيام العمر لم نعشها بعد"، يحب العالم هذه العبارة لأنها تبدو لامعة، غير أنه لمعان مزيف. لو أمعنوا التفكير قليلًا لعرفوا أنه يقصد أننا سنعيش ونموت ونحن لم نعش أجمل أيام عمرنا. أين التفاؤل في هذه الجملة؟ أين جمالها المزعوم؟ مجرد كلام يخدر به هؤلاء "الكادحين" الذين "يدّعي" أنه مشغول بهم. انظروا إلى صورته بشعره المجعد وشاربه المحندق، هذه صورة وغد من أوغاد سينما الأبيض والأسود لا صورة شاعر، ما كل هذا اليقين الذي يملأ عينيه؟
كنتُ مثل الجميع أردد هذه العبارة كالأبله، أقولها بيقين الحمقى في جمالها، وكنت أعدّلها لتناسب حالي دائمًا: "أجمل النساء لم أحبها بعد"، "أجمل الأماكن لم أزرها بعد"، "أجمل القصائد لم أكتبها بعد". طوال الوقت أردد العبارة الأخيرة، بالذات في الأوقات التي أسخط فيها على ما أكتب. مازال لديّ متسع من الوقت والحياة والتجارب والمشاعر لأكتبها وأكتب عنها، الحياة أمامي. أحيانا كنت أجفل، ماذا لو متُ صغيرًا مثل الشابي أو التيجاني أو رامبو أو لوتريامون أو طرفة، وأنا لا أملك ما يملكونه من طاقة تفجرت في الإنسانية كلها؟ سأموت دون أن يعرف أحد أنني شاعر، وأنا أريد أن يعرف العالم هوسي وشغفي وعصابي وفتنتي هذه، أن يلمسوها في قصائدي.
أحسد الشعراء أصحاب اليقين، لا أقصد يقين ناظم حكمت وأمثاله، أقصد هؤلاء ذوي الصوت العالي والكعب العالي على الجميع، بيقينهم أن كعبهم عالٍ على الجميع، امرؤ القيس، أبو نواس، المتنبي، بودلير، ماياكوفسكي، جوته، جينسبرج. هؤلاء لم يترددوا لحظة أمام منتجهم الفني، أو على الأقل لم يصل إلينا هذا التردد، بل ذوات تتفجر في كل سطر وكل عبارة، ولا أتحدث أيضًا عن مدح الذات فهذا أمر سهل، يستطيع أي شاطر في اللغة فعله بمجازات قوية واستعارات مزلزلة، لكني أتحدث عن اليقين في التعبير، عن القدرة على التحدث بأسمائهم وأسماء غيرهم. ذواتهم تتعداهم إلى البشرية كلها.
أجمل القصائد كتبت بالفعل ومنذ آلاف السنين. عندما قال عنترة: "هل غادر الشعراء من متردم" كان يرى أن كل ما يمكن قوله قد قيل. علي بن أبي طالب وعى لهذه البداهة: "لولا أن الكلام يعاد لنفد". كنت في مرحلة المراهقة حين قرأت عبارة الإمام علي. الكلام يعاد، يدخل عملية تدوير ليخرج في حلة جديدة. قمامة بشرية تدخل مصنع الخيال والحيل اللغوية لتبدو جديدة لامعة.
في وقت ما، كنت أعتبر أن كل الشعر (والإبداع عمومًا) هو عملية هضمية كاملة، تذوُق فمضغ ثم هضم فإخراج، البعض يستطيع استخدام مواد الإخراج هذه لتسميد بذرة فتنبت. حتى هذا النبات حظوظ، ورد أو صبار أو فاكهة أو نبات سام، أو أن تتهيأ كل الظروف ولا يخرج أي شيء.
حسنًا، أنا أسمّد عشرات البذور منذ سنين على أمل خروج زرعة لا أعرف ما هي، وأعرف أنني أريد أن أحبها، لكنها كل مرة -كل مرة- تخرج مشوهة ناقصة النمو، غير مزهرة. نبات شيطاني؟ لا! حتى النبات الشيطاني له ملامح واضحة، لكن نبتتي تخرج بلا ملامح معظم الوقت، وإنما أقرب في شكلها ورائحتها وملمسها للسماد منها إلى الزرع، أتقزز وأقرر ألا أزرع ثانية، لكن الطبع يغلب التطبع، وأحلام الطفولة أقوى من عقلانية الكِبْر.
ناظم حكمت كذاب، يستخدم مخدرًا بلاغيًا لانتزاع الابتسامة. كل من يستخدم "أفعل" التفضيل كذاب، يكذب على نفسه وعلى العالم. ليس ثمة ما هو أجمل أو أقبح أو أشرف أو أوضع، وضع أي فعل إنساني على مقياس الوزن. ليس هناك حد أقصى أو أدنى لأي شيء. نعيش في العالم بحدود مبهمة وتهويمات عن مفاهيمنا حول كل شيء.
ناظم شاعر حكيم، يحب الحالة النبوية، الكلمات التي تنتشر كالطاعون بين "الجماهير"، الحكيم يقتات على وجود الجماهير، يتنفس زفيرهم، يغتسل بعرق التحامهم، مثله مثل الكثير من الأنبياء الحكماء ذوي النفوس العاهرة التي تفتح أرجلها لصيحات اللذة الجماعية، حيث تختفي الهشاشة، ويختفي الوجود الإنساني خلف الصخب.
في المرحلة الثانوية، كنتُ شاعرًا نبويًا، أنظم القصائد الموزونة المقفاة عن الحدث الشعبي الأكثر لهيبًا، يموت محمد الدرة فأكتب قصيدة من بحر البسيط، مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن (مثل قصيدة "واحرّ قلباه" للمتنبي)، بقافية رائية، رنين له صدى في نهاية كل بيت، كان الفتى يدمى والقلب منفطرُ/ نحن الذين رأوا، صمتوا وما انفجروا. شارون يطأ المسجد الأقصى فأكتب قصيدة، ذكرى البوسنة والهرسك وحرب البلقان فأكتب قصيدة. أقف في أعلى مكان في المدرسة، ويبدأ صوتي يهدر، يجلجل حتى يصفق المدرسون والزملاء، ثم تنهال عبارات الثناء: "أنت عبقري"، "يومًا ما سيكون لك شأن عظيم"، "أتمنى أن تكون شاعر الأمة الإسلامية". كنتُ أفرح، رغم معرفتي أنني أكذب، كذبًا أحط من ناظم حكمت. أكذب وأنا على يقين أن ما أكتبه هو معادلة كيميائية بسيطة: وزن مركب+ قافية رنانة+ مجازات قديمة+ صور ملحمية= هزال خالص وقبح واضح خالٍ من أيّة ذرة إنسانية، قصيدة صارخة يعلو ضجيجها، مثلها مثل تسوّلها لذلك الإعجاب الجماعي، كأي خطبة سياسية منحطة من قائد سياسي منحط في زمن منحط. لم أكن سعيدًا بهذا التصفيق. في سري كنت أرتكب جريمة كتابة شعر التفعيلة، لا قافية ولا عدد تفعيلات موحدة في البيت. أعبر بالوزن الحر، أتلصص على نزار قباني وأمل دنقل وعفيفي مطر ومحمود درويش لأكتب عن ذاتي بطريقتهم.
لم تكن لديّ حبيبة، بل لم أعرف أي بنت حتى العشرين من عمري. سأكتب عن حبيبة أصنعها لنفسي، مثلما صنعت حياة موازية تمامًا، أركّبها من عشرات الجميلات اللاتي رأيتهن في الأفلام والمسلسلات والبورنو، سأتغزل فيها وأصنع مأساة تخصنا، سأميتها وأبكي على موتها، لكن هذا ليس للاستهلاك العام، لا يصلح. كنت أخبئ الأوراق أحيانًا داخل ملابسي الداخلية، قصائد مثل الأعضاء التناسلية، بذور أفكار تنبت من خراء الآخرين.. يا للقرف.
تقارير ذات صلة
الناظم: (10) المونولوجست
يتراءى لي أحيانًا أن عبارة كارل ماركس الشهيرة أن "التاريخ يعيد نفسه في المرة الأولى كمأساة، وفي الثانية كمهزلة" مفتاح لفهم قاعدة من قواعد الكوميديا. لا يمكن استقبال إعادة الفعل…
الناظم: (9) يغرف من صخر.. ينحت في بحر
شيء ما ربطني منذ الصغر بشعر الهجاء. فضلت إياه على الغزل والفخر والمديح وكل أغراض الشعر التقليدية. خمنت لبعض الوقت أنها الكراهية التي تحاول أن تخرج خالصة، أو الغل والانتقام.…
الناظم: (8) لا تصالح خبزًا ولا حشيشًا ولا قمرًا في زمن السأم
قرر أبي أن يكون احتفالنا ببداية الألفية الجديدة مختلفًا عن الاحتفالات في بقية العالم. أراد احتفالًا يناسب هويتنا الإسلامية لا الانسياق وراء الكرنفال العالمي. لذلك وفي لحظة عصرية هادئة يوم…
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن