الناظم: (10) المونولوجست
يتراءى لي أحيانًا أن عبارة كارل ماركس الشهيرة أن "التاريخ يعيد نفسه في المرة الأولى كمأساة، وفي الثانية كمهزلة" مفتاح لفهم قاعدة من قواعد الكوميديا. لا يمكن استقبال إعادة الفعل بحذافيره إلا كإفيه، نكتة فيها بعض القسوة تذكرنا ربما بسذاجة الفعل الأول، أو بسذاجة استقبالنا له. لذلك وعيت جيدًا سبب ضحكنا في حصة النحو في المدرسة من فكرة "التوكيد اللفظي"، التكرار الفارغ، أو هكذا فهمناه عمليًا. كنت مع زملائي نفرط في استخدام التوكيد اللفظي في تفاصيل شديدة السخافة لمجرد أنها مضحكة، فكنا ننادي بعضنا البعض بالاسم عدة مرات لتوكيد صاحبه: يا أحمد ندا يا أحمد ندا. فأرد: نعم يا أحمد عبد العزيز نعم يا أحمد عبد العزيز، ونضحك.
ولأنني فهمت هذه القاعدة الكوميدية مبكرًا، صرتُ أحاول استخدامها كثيرًا لانتزاع الضحك من الآخرين، خاصة مع يقيني أنني لست خفيف الظل، ولا أملك القدرة على إلقاء الإفيهات العفوية سريعة البديهة. ولأنني أردتُ بشدة الاختلاط وكسب ود زملاء المدرسة، فتشت في المكتبة عن أي كتاب يتحدث عن الكوميديا، ولم أجد للأسف. لذلك قررت التخطيط لدراسة ميدانية حول ما يضحكني، لماذا يضحكني، وهل يضحكني في كل مرة أشاهده، أم أنها المرة الأولى فقط؟
بعد الدراسة والتفكير والتمحيص، وصلتُ إلى نتيجة بديهية ولا تحتاج لكل هذا التخطيط: أنا لست كوميديانًا. لماذا أعتقد أنها صفة مكتسبة وليست موهبة؟ غير أني عثرت على كتاب يتحدث عن الكوميديا لم أعد أذكر اسمه يشرح الثيمات والمبادئ والكيفية، وما إلى ذلك من قواعد الدراما. كنت كأني عثرت على كنز بدأت أدرسه، لكن بوعي من لا يملك أدوات النجاح ويفكر في استغلال ما بين يديه.
تبدو هذه الرحلة من موقعي الآن شديدة العبث، رحلة كوميدية في حد ذاتها، لا تُضحك غيري. المهم، من النصائح الغالية التي لا أزال أتذكرها من الكتاب هي "كيف تسخر من أكثر شيء تحبه؟" ومنطق الكاتب في ذلك أنه الأعز والأقرب لقلبي وعقلي، وأنا الأدرى بتفاصيله وتناقضاته مسببة الكوميديا. فكرتُ: الشعر طبعًا. ثم استغرقتُ: كيف أستطيع تحويل شيئي العزيز الغالي إلى مادة صالحة للضحك؟
قلتُ: سأكتب مشعلقات مثل التي كتبها العبقري حسين شفيق المصري، ولمن لا يعرفه، فهو الموهوب العظيم الذي كتب شعرًا "حلمنتيشيًا" خليطًا من الفصحى والعامية، والمشعلقات هي معارضته الشعرية للمعلقات. مثل معارضته الفاتنة لمعلقة زهير بن أبي سلمى "أَمِن أُمِّ أَوفى دِمنَةٌ لَم تَكَلَّمِ". يقول المصري:
وجرجرتها من بعد عشرين رفسة/ ولولا لحقنى الناس كانت حاتعدمِ
وأصبح يجرى نحونا من صراخها/ خلائق جاؤوا بالبوليس المبلمِ
وهددني الضابط بحكم غرامة/ إذا أنا لم أسكت فلم أتكلمِ
أو ما كتبه العبقري الحلمنتيشي الآخر، محمد مصطفى حمام، حين عارض قصيدة الأنباري "علوّ في الحياة وفي المماتِ/ لحقٌ أنت إحدى المعجزاتِ". فكتب حمام:
ألا قبحًا لصوتك يا نجاتي/ لحق أنت إحدى المزعجاتِ
فلو أني استعنتُ على عدو/ بصوتك لاسترحت من العداةِ
ولو غنيتَ في عرس بهيج/ لصيّرت الرواقص لاطماتِ
ولو عرفتك أمريكا أغارت/ بصوتك لا بنار القاذفاتِ
ولو بندائك الأموات تحيا/ أصر الميتون على المماتِ
راقت لي كثيرًا هذه الخفة البديعة، القدرة على خلق الإفيه الشعري، وقررت محاكاتها، مثل كل الشعر الذي كنت أحاكيه في الصغر. هكذا بدأت في معارضة قصائد أحبها بأفكار مَسْخرة، مثل معلقة طرفة بن العبد "لخولة أطلال ببرقة ثهمد/ تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد"، التي جعلتها: "لمزة أرقام في "آخر الميرغني”/ تلوح كسروال يجف به المني".
ثم تحول الأمر إلى معارضة كل ما أسمع، حتى صرت بارعًا في هذه اللعبة، عامية كانت أو فصحى، مثل واحدة من أغنيات أم كلثوم التي أكره كلماتها بإخلاص "هجرتك يمكن أنسى هواك/ واطفي م الهوا كاسي"، التي جعلتها: "هطرطر يمكن أعرف أنام/ وأريح ع السرير راسي".
شيئًا فشيئًا صرت أستخدم هذه الحيلة في نقاشاتي، للتدليل على سخافة ما ينتصر به من يجادلني. صرتُ قادرًا على تدمير أية قصيدة بمحاكاتها، تقليد صوتها كما لو كانت هي القصيدة، ولكن في حياة أخرى. مونولوجست شاطر جدًا، مونولوجست الكتابة والشعر بالتحديد. أنا أفعل ما يفعله "عزب شو"، لكن على الورق. هكذا استمتعت بساديتي في تدمير من يحبه سواي ولا أحبه. بدأت بتدمير فاروق جويدة لطالبي الرومانسية الممحونة المذبوحة على الشريعة الإسلامية، ثم نزار لمهاويسه ودرويش لمهاويسه وأمل دنقل وجاهين وفؤاد حداد، أو التنكيل بالشعراء الهزيلين ذوي الشعبية الكبيرة، تميم البرغوثي وهشام الجخ.
حولت إحدى قصائد الجخ الشهيرة إلى قصيدة جنسية فصارت عندي:
تلات نسوان
وحباية
وأوضة نوم
وواد غلبان.
أما تميم فدفعتني كراهتي غير المحدودة له، ﻷن أفكر في شيء أكثر قسوة، أكشف بها تفاهة "شعره"، فكتبت ما تخيلته قصيدته بعد هزائم الربيع العربي:
في مصر تأتي المشكلات بحجم شعب غاضب،
والحاكمون قلوبهم وعقولهم في رأس كلب
في تونس الخضراء
يحترق الشباب بنار ظلم بيّنٍ،
وينام آباء بعين تذرف القهر الرجيم،
وأمهات لا تنام،
وشرطة من دون قلب
وسوريا تهب الربيع لملتحٍ صلى على أشلائها،
والناس تدعو في أديم الليل:
يا رب انتقم يا رب.
***
أحب هذه اللعبة، كأنها تقول بشكل عملي إني قادر على هضم هذه الأساليب والمشاريع، وإخراجها كمهزلة. لعبة قاسية في ظاهرها، تغذي ساديتي، ولسان حالي أني أعلى من كل من سخرت منهم. قبل عام كتبت ما أسميته وقتها: "ديوان ميسي"، وتخيلت فيه عدة شعراء من "الكبار" ذوي التجارب الشعرية المفصلية وهم يكتبون عن هدف استثنائي لميسي.
هل تريدون الحقيقة؟ أعرف تمامًا إحساس المونولوجست الشاطر، القادر على التقليد، ولكن احترافه في المحاكاة لا يعني أنه قادر على التمثيل. وأنا مرعوب من الفكرة. أن أكون قادرًا على إعادة الإنتاج الساخرة لقصائد الغير، ولا أملك إنتاج قصائدي التي تشبهني بملامحي وصوتي.
تقارير ذات صلة
الاٮساں صد الاله: ٮوره الٮٯاط العرٮىه
ٮسڡىر الحروڡ امر ٮسىط کما ٮعلمٮا حمىعا ڡى المدرسه، ىعٮمد الکمٮىوٮر على سڡره ٮٮاىىه. لا ىعرڡ سوى 0 و1
بودكاست | «تسجيل الوفيات».. خالد فهمي وفادي عوض عن تاريخ الأوبئة ولغتها في «المحروسة»
مفردات عالم الكورونا
كيف تخفي كلامك بنوادر الصيغ وتتصفّح الإنترنت بحرية البلاغة؟
في هذه الأيام كلنا نحاول أن نخفى وجودنا على الإنترنت
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن