الناظم: (8) لا تصالح خبزًا ولا حشيشًا ولا قمرًا في زمن السأم
قرر أبي أن يكون احتفالنا ببداية الألفية الجديدة مختلفًا عن الاحتفالات في بقية العالم. أراد احتفالًا يناسب هويتنا الإسلامية لا الانسياق وراء الكرنفال العالمي. لذلك وفي لحظة عصرية هادئة يوم 31 ديسمبر 1999 قال: "قوموا يلا نروح نعمل عمرة".
كنا نعيش في مدينة جدة، أي على بعد ساعة من الحرم المكي، لبسنا ملابس الإحرام واتجهنا إلى الحرم، وعقلي مشغول بالاحتفالات التي ستُنقل على الهواء على عدة قنوات تلفزيونية. كنا من أوائل من أدخلوا "الدش" إلى بيوتهم، وانسحرت وقتها بالعالم الغريب الذي أشاهده على الشاشة؛ أكثر بهجة من ذلك المقبض غير الملون على القناتين الأولى والثانية السعودية. لكني اليوم، واليوم تحديدًا لن أستطيع مشاهدة كيف سيحتفل العالم. "إحنا يهمنا التاريخ الهجري. لما العالم يحتفل بذكرى هجرة النبي ومولده نبقى نحتفل معاهم، وبعدين نستقبل السنة الجديدة على طاعة ولا على معصية؟"، هذا كان منطق أبي، وبالطبع لم أستطع مجادلته، مع إحكام قبضة الدين على حجته.
وصلنا إلى ساحة الحرم، الهادئ في هذا الوقت من العام، وبدأنا الشعائر بالطواف. على كتفي شنطتي الصغيرة، حيث أوراق إقامتي وجواز سفري وما إلى ذلك من ضرورات. بعد الطواف ارتحنا قليلًا أمام بئر زمزم، لنشرب ونصلي ركعتين، فتحت الشنطة للتأكد أن كل شيء في مكانه، وأن أحدًا لم ينشلني في الطواف، لأفاجأ أنني "يا إلهي! نسيت"! كان ديوان "قالت لي السمراء" لنزار قباني في الشنطة. ارتعدت للحظة، كيف نسيت هذه "الجنابة" معي وأنا في أطهر بقاع الأرض؟ كنتُ حديث العهد بشعر التفعيلة كله، ولكن نزار بالذات كان لذة محرمة، جناية مكتوبة مهربة كالبورنو. في المدرسة يقولون لنا: "طاغوت القومية العربية نزار قباني، والله إنه لأشد خطرًا من اليهود والنصارى". وقتها خشيت قراءته لولا زميل فلسطيني اسمه غسان كان يعشقه كالمصيبة. يتمثّل أبياته وقصائده في أي موقف يمر به، ولما عرف جنوني بالشعر سألني مستنكرًا: "وما قريت نزار لهلأ، ياعيب الشوم" وقرر أن يؤسسني نزاريًا فأعطاني أول دواوينه "قالت لي السمراء".
أكلت الديوان أكلًا، مفتونًا بهذه البساطة الآسرة، القدرة على تطويع اللغة القريبة من اليومي إلى شعر: والله هذا الكلام شعر. رأيتُ أخيرًا من استطاع فعل ما طمحت إلى فعله، تحويل أوزان عروضية "ثقيلة" مثل الطويل والخفيف والمنسرح إلى كلام بسيط كأنه يُحكي، بل يُحكي فعلًا. لماذا يكرهونه إذن؟
وصلت إلى قناعة أنهم يكرهونه لأنه استطاع انتزاع الشعر من يومهم، من عرقهم وخرائهم وبولهم وهواجسهم وطعامهم وغرائزهم، أنه يقول ما يفكر فيه، لا يخشاه كما أخشاه ويخشونه. رغم ذلك كرهت جرأته على الله، كيف تغضب على الله بشكل معلن يا نزار؟ لماذا لم تحاول أن تجاهد غضبك وتحبه ولو قليلًا؟
هكذا صار نزار فاكهتي المحرمة، تفاحتي التي أخبئها حتى عن أهلي. أستغفر الله عليها في صلواتي وأنا غارق في حبها، ومن ديوان واحد فقط، حبًا من النظرة الأولى كما يقولون، لكني في العلن ألعنه مع اللاعنين، وفي السر أقرؤه كالعادة السرية، أستمني طموحي في الكتابة مع قصائده.
كيف نسيت ديوانه معي وأنا متجه حيث أتطهر من ذنوبي؟ شعرت كمن يسير حاملًا كيس بول في يديه، أي طهارة يبتغيها؟ أكملت الشعائر مبالغًا في التوبة، سامحني يا رب، قلبي لا يطاوعني، المغفرة منك يا إلهي.
قلبي، كمنفضة الرماد، أنا، إن تنبشي ما فيه، تحترقي
شعري أنا قلبي ويظلمني، من لا يرى قلبي على الورق
الله يخرب بيتك يا نزار، أستغفر الله وأستعيد أبياتك؟ كانت خطواتي عند الصفا والمروة عرجاء، قدم تبكي المعصية، وأخرى تستلذ بها، واستقبلت الألفية الجديدة بنصف توبة، نصف لذة، والكثير من التردد.
عدتُ إلى زميلي غسان في اليوم التالي، حكيت له ما حدث. ضحك كأنه سمع نكتة، وربما هي نكتة لا تضحكني، قال لي: "يا أخي هيدا هو نزار، بتلاقيه طالع بوشّك متل القضا" ثم نظر لي نظرة غير مريحة: "أنا عندي كتير دواوين، رح أعطيك منن متل ما بدك."
قلت له بعصبية: "لا مش عايز، كده كفاية قوي".
-"خلاص لا تعصب. إيش رأيك تقرا شعرا مصاروة؟"
-"زي مين أنا ماعرفوش؟"
-"بتعرف صلاح عبد الصبور أو أمل دنقل؟"
-"مين دول؟"
ابتسم ثانية: "بس لا تيجي تعيط عليّ بعد ما تقرا".
في اليوم التالي، جاء غسان بشنطة مدرسية ضخمة أثقلت كتفيه، وأخرج في الفسحة، وقت خلو الفصل، كيسًا كبيرًا به كتب كثيرة وقال لي: "حطهم بسرعة في الشنطة، لا تخلي حدن يشوفهم". خبأتهم كالمخدرات في شنطتي، وظللت بقية اليوم أفكر في ما داخل الكيس، متخيلًا شكل القصائد ومواضيعها. كان اليوم بطيئًا جدًا. أعد الدقائق كي ينتهي، وما أن سمعت جرس الخروج حتى قفزت من مكاني دون انتظار أحد. عدت للبيت عدوًا، أريد فتح بوابة اللذة المحرمة، وليكن ما يكون.
في البيت، أكلت بسرعة، ودخلت غرفتي وأحكمت إغلاقها، وفتحت الكيس كمن يفتح سوستة بنطلونه، لم أضيع وقتي في الفرجة على الكتب، قلت سأقرأ أول مصيبة تأتي في يدي، وكانت ديوان "أقول لكم" لصلاح عبد الصبور، يخرب بيتك يا غسان، يخرب بيتك يا هذا الصلاح، إيه ده؟ هذا زمن الحق الضائع لا يعرف فيه مقتول من قاتله ومتى قتله ورؤوس الناس على جثث الحيوانات ورؤوس الحيوانات على جثث الناس، فتحسس رأسك، فتحسس رأسك، وتحسست رأسي كأنها قطعت حالًا. لفحتني قوة الشعر وجماله. ارتعشت، هذا شعر موزون والله، فعلن فعلن فعلن فعلن، لكنه متخفف من قيد القافية والشطرتين، وبذلك يقول الكثير مما لا يسعه العمود. لم يبتر صلاح الصورة لأجل الإطار، بل ضبط الإطار على قدر الصورة.
أعدت صلاح وصليبه وظلهما إلى الكيس، وأخرجت معصية جديدة. هذه المرة كانت "العهد الآتي" للـ "الشاعرة" أمل، الخطأ الكلاسيكي الذي وقع فيه الجميع. كان غلاف الكتاب أبيض إلا من العنوان واسم الكاتب، فلم أعرف أنه رجل إلا لاحقًا، لكنني عند القراءة الأولى شككت ولم أشك. "خصومة قلبي مع الله" لا تخرج من ذات مذكرة، أو هكذا ظننت، لكن "لا تصالح" و"أبانا الذي في المباحث" لا تخرج من أنثى. في كل الأحوال سحبتني الصورة إلى عالمها، المشهد السينمائي بموسيقاه التصويرية "كان يمشي معي، ثم صافحني، ثم سار قليلا، ولكنه في الغصون اختبأ، فجأة ثقبتني قشعريرة ما بين ضلعين واهتز قلبي كفقاعة وانفثأ، وتحاملت حتى احتملت على ساعدي، فرأيت ابن عمي الزنيم، واقفا يتشفى بوجه لئيم، لم يكن في يدي حربة أو سلاح قديم، لم يكن غير غيظي الذي يتشكى الظمأ". ليذهب غرضه السياسي إلى الجحيم. لا يعنيني إلا قدرته على تحويل الكلام إلى مشهد من لحم ودم، لأغرق فيه كأنه يحدث أمامي. رأيت المسكين وهو يزحف على بطنه، والدم يقطر منه، يبحث عن أي شيء ليرد الضربة أمام هذا الغادر الواقف. رأيته وشعرت بأنفاسه تلفح وجهي بالدم، وقد صبغ يدي وصدري. "عن صاحبي الذي يهم بارتشاف الماء فيثقب الرصاص رأسه في لحظة الملامسة"، رأيت الشاب المسكين بالزي العسكري، رأسه مزين برصاصة، كوز الماء وقد اختلطت بالدم المتفجر من جبينه.
مشيت مع الثلاثة في أرض جديدة، حلمت بهم: نزار مثل شهريار وحوله نساء عاريات ويتكلم فتخرج الكلمات فاكهة وأثداء، فيما صلاح يجلس في وضع المفكر ويخرج من فمه كلام من ذهب، وأمل مشمرًا قميصه ملوحًا بسيف أمام طاحونة من الساخرين والكلام يخرج ألسنة لهب. كنت أسير بينهم غير مرئي آكل فاكهة نزار بعد إنضاجها بلهب أمل، في صحن من كلام صلاح.
متى وقع مني الثلاثة؟ لا أدري بالتحديد. الأكيد أنهم وقعوا مني في نقطة بعيدة في اللاوعي، بعد أن أعجبتني صروح محمد عفيفي مطر المستغلقة، وبعد أن صار الشعر وليد نزعة انتقامية من البشر، من غبائهم لأنهم لم يجعلوا الشعر خبز يومهم كالتليفزيون. كنت أقول لنفسي: شوية كلاب مايستاهلوش يفهموا. لم أكن أعرف أن الشعر يضيع مني بأفكار حمقاء، مثلما ضاعت مني احتفالية الألفية، لكن، هل عاد أصلًا أم أني أتوهم عودته إليّ؟
تقارير ذات صلة
الاٮساں صد الاله: ٮوره الٮٯاط العرٮىه
ٮسڡىر الحروڡ امر ٮسىط کما ٮعلمٮا حمىعا ڡى المدرسه، ىعٮمد الکمٮىوٮر على سڡره ٮٮاىىه. لا ىعرڡ سوى 0 و1
بودكاست | «تسجيل الوفيات».. خالد فهمي وفادي عوض عن تاريخ الأوبئة ولغتها في «المحروسة»
مفردات عالم الكورونا
كيف تخفي كلامك بنوادر الصيغ وتتصفّح الإنترنت بحرية البلاغة؟
في هذه الأيام كلنا نحاول أن نخفى وجودنا على الإنترنت
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن