المصريون ضحايا الهجرة.. رهائن في ليبيا وغرقى في مياه المتوسط
لقي عشرات المهاجرين مصرعهم، بينما لا يزال 500 شخص آخرين، في عداد المفقودين، بينما تتضاءل فرص العثور على ناجين منهم، بعد أن غرقت مركب صيد تحملهم، قبالة السواحل اليونانية، يوم الأربعاء الماضي، في واحدة من أسوأ كوارث غرق مراكب المهاجرين، في البحر المتوسط على الإطلاق. بينما تمكنت السلطات اليونانية من إنقاذ 104 أشخاص، حتى الآن
شهود عيان أفادوا أن المركب كانت تحمل حوالي 750 شخصًا، كثير منهم مصريون، وبينهم عشرات الأطفال، لا يزالون في عداد المفقودين.
واندلعت احتجاجات في اليونان، بعد الحادث، وطالب المحتجون بمحاسبة المسؤولين، بعدما أشارت تقارير مختلفة، إلى تقاعس حرس الساحل اليوناني، عن مساعدة المركب قبل غرقه. ووجه العديد من النشطاء انتقادات لسياسات الاتحاد الأوروبي، التي فشلت في اتخاذ خطوات حقيقية، طوال سنوات للتعامل مع مآسي غرق اللاجئين أمام السواحل الأوروبية.
تحدث «مدى مصر» إلى عدد من عائلات المهاجرين، والتي كشفت عن الطريق الذي انتهى بهؤلاء المهاجرين، في مركب غارق أمام السواحل اليونانية. بحسب المصادر المختلفة، يحتفظ الليبيون الذين يديرون مراكب عبور البحر بالمصريين، كأنهم «رهائن» حتى تدفع عائلاتهم تكاليف الرحلة -والتي تصل إلى آلاف الدولارات- حتى يُسمح لهم بالصعود إلى هذه المراكب، ولا يقبل هؤلاء الرفض.
في هذه الرحلات، يدفع الراغبون في الهجرة، بعيدًا من الحياة الصعبة في أوطانهم، في مصر وغيرها، ثمن تحول ملف الهجرة إلى ورق ضغط، وتفاوض سياسي، تستخدمها مختلف الحكومات، سواء الجانبين المصري والليبي، أو الجانب الأوروبي.
يوم كامل من الغرق
يقول نشطاء، ومنظمات عاملة في مجال البحث عن اللاجئين وإنقاذهم، إنهم أخبروا حرس السواحل اليوناني، ووزارة النقل اليونانية، وسلطات البحث والإنقاذ في كل من اليونان، ومالطا، وإيطاليا، بموقع المركب وعدد المهاجرين الذين يحملهم قبل غرقه بما يقرب من يوم كامل، لكن أي منهم لم يتدخل لإنقاذهم.
من جانبها، تقول السلطات اليونانية، إن المركب رفضت عروضًا متكررة لإنقاذ من عليها. السبب، بحسب المنظمات، هو رغبتهم في الابتعاد عن اليونان، بسبب المعاملة السيئة، وغير القانونية، التي يلقاها المهاجرون هناك.
بدأت المأساة صباح الثلاثاء الماضي، حين تلقت الناشطة نوال صوفي، والتي تقيم في إيطاليا الآن، مكالمة استغاثة حوالي الساعة 9:30 صباحًا، من بعض المهاجرين على متن القارب، أخبروها أن مخزونهم من مياه الشرب قد نفد.
بحلول الحادية عشر صباحًا، أخبر مركز تنسيق الإنقاذ البحري الإيطالي السلطات اليونانية بما يحدث. بعدها بثلاث ساعات، تواصل حرس السواحل اليوناني مع المركب المأزوم، بحسب ما نقلته الصحافة اليونانية عن المسؤولين هناك، لكنهم لم يبدأوا أي عمليات إنقاذ.
ثلاث ساعات أخرى مرت. الساعة أصبحت الرابعة مساءً، حين تلقى Alarm Phone، وهو خط ساخن يُشرف عليه نشطاء، نداءات استغاثة من المهاجرين المأزومين في البحر المتوسط، ومعلومات حول وضع المركب وموقعه، بعدما تحدثوا إلى بعض ممن كانوا على متنه.
أرسل نشطاء Alarm Phone إيميلًا إلى السلطات اليونانية، وFRONTEX، وهم حرس السواحل التابع للاتحاد الأوروبي، ومكتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في اليونان، في تمام الساعة 4:53 مساءً.
في غضون ساعة، نشرت صوفي تسجيل مكالمة تليفونية، مع بعض المهاجرين على متن القارب، حيث أخبروها بوفاة ستة أشخاص على متن القارب، بينما يُسمع في خلفية المكالمة بوضوح أصوات صراخ وذعر. «فيه ناس ماتت من قِلة المية»، يقول أحد المصريين الناجين في فيديو، احتوى شهادته نُشر على فيسبوك.
تشير تسجيلات غرفة العمليات في وزارة النقل اليونانية، إلى أن سفينتين تجاريتين عرضوا تقديم طعام ومياه بين السادسة والتاسعة مساءً. وبحسب الوزارة، «رفض» من تحدثوا الإنجليزية على متن القارب المساعدة، من أحد السفن التجارية، أو حرس السواحل أو الوزارة، مؤكدين رغبتهم في إكمال رحلتهم إلى إيطاليا.
استمر هذا عدة ساعات إضافية، حتى الساعة 1:40 من صباح الأربعاء الماضي، حين أخبر أحد المهاجرين على متن المركب، وزارة النقل اليونانية بتعطل أحد المحركات عن العمل. طبقًا للوزارة، اقتربت قوة من حرس السواحل اليوناني، من المركب لتحديد المشكلة. وبحلول الساعة 2:04 صباحًا، أبلغ مسؤول على قارب حرس السواحل الوزارة، أن مركب الصيد «انحرفت إلى اليمين، ثم إلى اليسار بحدة، ثم إلى اليمين مرة أخرى بشكل كبير لدرجة أنها انقلبت».
لم يتضح السبب وراء انقلاب المركب. ما هو واضح، أن المركب توقفت تمامًا عن الحركة بحلول هذا الوقت. بعض الناجين ألمحوا إلى وجود صلة بين محاولة حرس السواحل اليوناني، سحب المركب وبين انقلابها، لكن السلطات اليونانية نفت هذا.
الأكيد أنه «في خلال عشر دقائق إلى ربع ساعة، غرقت المركب تمامًا»، بحسب سجلات غرفة العمليات، «بعض الركاب على سطح المركب سقطوا في البحر». عندها فقط بدأت عملية إنقاذ واسعة النطاق.
رهائن الهجرة
جاء المصريون الذين كانوا على متن القارب من مختلف القرى المصرية، لكن حكاياتهم التي نقلتها عائلاتهم إلى «مدى مصر» بشكل منفصل، تشير إلى نمط يبدو متطابقًا.
ينطلق الراغبون في الهجرة إلى ليبيا. هناك، يصبح المهاجرون في حكم «الرهائن»، حيث يتسلمهم مجموعة من المهربين، ليقوموا بإيداعهم فيما يعرف بـ«المخازن». يتواصل هؤلاء المهربون مع عائلات المهاجرين، ليطلبوا مبلغًا ثابتًا من الجميع (140 ألف جنيه أو حوالي 4500 دولار).
يقول والد محمد خالد عبد الشفيع دسوقي، أحد الأطفال ممن كانوا على متن القارب، من قرية النعامنة التابعة لمركز منيا القمح بمحافظة الشرقية، إنه لم يكن يعرف بسفر ابنه، حتى اتصل به أحد المجهولين من ليبيا، ليخبره بأن ابنه معهم، وأنه ينبغي عليه دفع 140 ألف جنيه مقابل السماح له بالهجرة.
«لم يكن بإمكاني الرفض لأنه هددني بقتل ابني بالرصاص إن لم أدفع، أي أن دفع المبلغ لم يكن فقط مقابل سفره بل مقابل حياته أصلًا»، يقول الأب وهو عامل زراعي، «دبرت المبلغ بسرعة من خلال اقتراضه من الكثير من معارفي من القرية».
تواصل معه مجهول آخر تليفونيًا بعدها، وأخبره بأن امرأة منتقبة ستنتظره في مقابر القرية، في ساعة محددة لاستلام المبلغ. «حينما وصلت إلى هناك وجدت اثنين من أهالي القرية أيضًا يسلمونها نفس المبلغ لنفس الغرض»، يقول الأب.
بعدها بأيام، يستطرد الأب، تواصل معه ابنه تليفونيًا، عبر هاتف مخصص لهذا الغرض يمتلكه أحد المهربين. بحسب حكايته، حاول الأب إثناءه عن السفر، لكن طفله البالغ من العمر 14 عامًا، تمسك بموقفه، قائلًا إن السفر لإيطاليا سيسمح له بالحصول على تعليم أفضل.
عدة أيام أخرى مرت، قبل أن يتلقى اتصالًا من ابنه، يطلب منه تحويل مبلغ 200 جنيه له، ليتمكن من شراء طعام حيث يعاني من الجوع معظم الوقت، بسبب قلة الطعام الذي يُقدم له. لكن قبل أن يقوم بتحويل المبلغ الزهيد، طبقًا للأب، اتصل به طفله مرة أخرى، وأخبره بألا يهتم بتحويل الأموال لأنه سيستقل المركب خلال ساعات قليلة.
تواصل الأب بعدها بصاحب الهاتف الذي كان يتواصل منه ابنه وتأكد من أن القارب بدأ رحلته قبلها بساعات، وأن ابنه أصبح على متنه بالفعل.
بعدها، حين شاعت أنباء انقلاب المركب، اكتشف الأب أن إجمالي عدد الشباب والأطفال الذين غادروا القرية في هذه الرحلة، ليس مجرد ثلاثة كما كان يتوقع، حين قابل اثنين من أهالي الشباب أثناء تسليم الأموال، بل 13 شابًا.
نمط مشابه تكرر في حكايات ثلاث عائلات أخرى، تحدثوا إلى «مدى مصر»، من قرى ومدن مختلفة. السفر أولًا إلى ليبيا، ثم مكالمة تطلب المبلغ ذاته من المال، وتهديد أو تلميح بالتهديد في حالة عدم الدفع. يقول محمد، شقيق أيمن عبد العزيز أحد المهاجرين المفقودين، من قرية ميت سهيل، التابعة لمركز منيا القمح، إنه علم لاحقًا من أهالي مهاجرين آخرين، بأن المبلغ أشبه بـ«إتاوة» يضطر المهاجر لدفعها، حتى إذا تراجع عن السفر «وإلا سيعد في حكم المخطوف، مش بالضرورة أن يعني ذلك قتله ولكنه لن يعود إلا بدفع المبلغ».
حاول مختلف الأهالي التواصل مع ذويهم على متن المركب، بعد أنباء غرقه، عبر الهواتف التي تواصلوا معهم عبرها من قبل، أو التواصل مع المندوبين الذين تسلموا منهم الأموال. وحاول «مدى مصر» التواصل مع أرقام الهواتف التي حصل عليها من الأهالي، لكن جميع الهواتف أصبحت مغلقة.
مسؤولية من؟
على الرغم من أنه يُعتقد، أن المصريين يشكلون نسبة كبيرة من المئات، الذين لا يزالون في عداد المفقودين، إلا أن السلطات المصرية استغرقت يومين، للتعليق على الحادثة. نشرت وزارة الخارجية المصرية يوم الجمعة بيانًا أعربت فيه عن تعازيها للضحايا، مؤكدة أنها قامت «بإجراءات حاسمة» لوقف عمليات «الهجرة غير النظامية» خلال السنوات الماضية.
من جانبها، ألقت السلطات اليونانية القبض على تسعة أشخاص من الناجين من الغرق، جميعهم مصريون، على خلفية شكوك بمسؤوليتهم عما حدث. ووجهت السلطات هناك لهم اتهامات بتأسيس منظمة إجرامية، والقتل غير العمد عبر الإهمال، وهو الأمر الذي نفته بشكل قاطع عائلتي اثنين منهم لـ«مدى مصر»، مؤكدين أن ذويهم غادروا إلى ليبيا قبل أسابيع فقط في محاولة للسفر إلى أوروبا.
لكن بغض النظر عن ردود الفعل الرسمية، تظل جذور الكارثة كما هي. تسبب هوس سياسات الاتحاد الأوروبي بالتحكم في حركة المهاجرين عبر الحدود في منح سلطات دول، مثل مصر وليبيا «كارت تفاوض» قوي، تحصل من خلاله على الكثير من الأموال لتأمين هذه الحدود، إلى جانب غض البصر عن انتهاكات حقوق الإنسان فيها.
في ليبيا، استغل المشير خليفة حفتر، قائد ما يُعرف بـ«الجيش الوطني الليبي»، أزمة المهاجرين المتصاعدة في الضغط على السياسيين الأوروبيين من ناحية، وكذلك السماح لمقربين منه بالعمل في إدارة شبكات تهريب المهاجرين، أو التعاون معها لكسب الأموال منها، وسط أزمة مالية خانقة يمر بها، حسبما أوضح تقرير نشره «مدى مصر» الأسبوع الماضي.
أما بالنسبة لمصر، فقد وقّع الاتحاد الأوروبي في أواخر أكتوبر الماضي، اتفاقية تمويل بقيمة 80 مليون يورو، تمنحها لمصر ضمن برنامج لمراقبة الحدود. عبر هذا التمويل، يستهدف الاتحاد الأوروبي، تطوير قدرات وزارة الدفاع المصرية، وأصحاب المصلحة الآخرين في الحكومة، وكذلك المجتمع المدني للتقدم إلى «مقاربات حساسة جندريًا، تركز على الحماية، وتستند إلى الحقوق» في إدارة الحدود، حسبما جاء في بيان بعثة الاتحاد الأوروبي في القاهرة.
الاتفاق الأخير، يأتي ضمن سلسلة تعاونات استمرت طوال الأعوام الماضية، بين الجانبين. لكن أيًا من هذا، لم ينجح في إيقاف موجات المهاجرين عبر المتوسط. تشير الأرقام الرسمية الإيطالية، إلى زيادة كبيرة في أعداد المهاجرين المصريين، عبر المتوسط إلى إيطاليا. بحسب هذه الأرقام، جاء المصريون في المرتبة الثانية، بعد تونس في أعداد المهاجرين هناك خلال العام الماضي.
في النهاية، لم تسفر ضغوط السياسات الأوروبية، إلا عن عن دفع المهاجرين واللاجئين إلى أخذ طرق أكثر خطورة، في محاولات الوصول إلى الأراضي الأوروبية، دون أي نجاح حقيقي، في إيقافها أو إيقاف نزيف الأرواح المستمر في عرض البحر.
تقارير ذات صلة
من الصيد إلى السجن: كيف تبدلت أحوال «برج مغيزل»
القضية التي أخذت طابعًا سياسيًا في إطار الحرب على «الهجرة غير الشرعية» تسلط الضوء على أحوال القرية
العبور للجانب الآخر من المتوسط.. حلم أبراش وكابوسها
رحلة العبور إلى أوروبا.. رهان محفوف بالخسائر
الناجون من «مركب اليونان»: هكذا اتهموا الضحايا
أُعد هذا التقرير بالتعاون بين غرفتي أخبار «مدى مصر» (مصر) و«OmniaTV» (اليونان)
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن