المرحلة الثانية من انتخابات «النواب»: «طوابير ثابتة» أمام لجان خاوية
ما استطاع المسؤولون عن الانتخابات التخلص منه بعد بيان الرئيس.. وما لا يسعهم تغييره
في ما بدا استجابة لرد فعل رئيس الجمهورية على «ما وصله» بخصوص المخالفات التي شهدتها المرحلة الأولى من انتخابات مجلس النواب، غيّرت الأجهزة التنفيذية والهيئة الوطنية للانتخابات، وكذلك الجهات التي تهندس العملية الانتخابية سياسيًا، أدائها بعض الشيء مع بداية التصويت في المرحلة الثانية، اليوم، وإن استمرت فيها بعض الانتهاكات والظواهر التي لفتت الأنظار في المرحلة الأولى، كإرث انتخابي من استحقاقات سابقة.
وبعد إلغاء نتائج أكثر من ربع الدوائر الفردية في المرحلة الأولى، إثر مخالفات «جوهرية»، بدأ صباح اليوم التصويت في المرحلة الثانية، التي تضم 13 محافظة، بإجمالي 34 مليونًا و611 ألفًا و991 ناخبًا يحق لهم التصويت، موزعين على 73 دائرة انتخابية، بها 1316 مرشحًا يتنافسون على 141 مقعدًا فرديًا دون سباق على مقاعد القوائم، والتي تمثل نصف مقاعد المجلس القادم، بعدما حُسمت مُسبقًا لصالح قائمة واحدة تقدمها حزب مستقبل وطن وتضم باقي الأحزاب المنضوية تحت اسم «القائمة الوطنية من أجل مصر».
التحوّل الأبرز بعد «كرسي الرئيس في كلوب الانتخابات» كان خلو مُحيط اللجان من الدعاية الانتخابية للمرشحين والأحزاب، وخصوصًا «مستقبل وطن»، الذي تسيّد محيط اللجان في المرحلة الأولى وفي انتخابات مجلس الشيوخ، بلافتاته الكثيفة ومندوبيه المميزين بـ«فيستاتهم» الفسفورية.
بدلًا من «المندوبين الفسفوريين»، شهدت عدة لجان تواجدًا شبابيًا ملحوظًا في الطوابير المصطفة خارج المدارس التي بها لجان، حسبما لاحظ صحفيو «مدى مصر» في عدة لجان بمحافظة القاهرة، وإن اتضح أن تلك الطوابير ثابتة لا تتحرك، رغم خلو اللجان في الداخل من الناخبين.
في إحدى لجان دائرة قصر النيل بمحافظة القاهرة، وجد صحفي «مدى مصر» أعدادًا محدودة من الناخبين في طوابير على يمين ويسار السرادق خارج اللجنة، قبل أن يشير له المسؤول عن تنظيم عملية التصويت ليدخل مباشرة، سأله الصحفي إن كان يتوجب عليه الالتزام بدوره في الطابور، فأكد المسؤول أن هؤلاء «واقفين همّا مزاجهم كده.. ولاد الدايرة بقى وبتاع»، ليدخل الصحفي وينتهي من عملية التصويت في أقلّ من ثلاث دقائق، وسط لجنة شبه خاوية تتخطّى أعداد الإعلاميين فيها أضعاف أعداد المصوتين.
في المحافظة نفسها، ولكن أمام لجنة مدرسة رشيد الابتدائية بمصر الجديدة، شهد صحفي «مدى مصر» أكثف طوابير للشباب والشابات لاحظها في محيط الحي، بينما سمع مسؤولي اللجنة وعدد من الشباب الواقفين خارج الطوابير يوجهون الباقين للاصطفاف بشكل منتظم حتى يتمكن أحد مسؤولي اللجنة من التقاط صورة لهم.
اللجنة نفسها ظهرت في تغطية إخبارية من موقع البلد، تتحدث عن «إقبال شبابي كثيف» أمامها، وأمام عدد من اللجان الأخرى في القاهرة، بينما أكدت جريدة الوطن أن الشباب »احتلوا مقدمة الصفوف في معظم اللجان الانتخابية» بشكل لافت صباح اليوم.
قبل أسبوع، وصلت لأحد أفراد فريق «مدى مصر» دعوة لمجموعة على واتساب، من «مدير اختيار ممثلين» casting director، يطلب 500 شاب وشابة بـ«طقم كاجوال»، للمشاركة في انتخابات مجلس النواب أيام 24، 25، 26 نوفمبر، مقابل 500 جنيه ووجبة.
أبرز ظهور شبابي بملابس شبه موحدة التقطته جريدة الوطن، تحت عنوان «المواطنون يحتشدون أمام مدرسة الشهيد مصطفى عميرة»، المجاورة للقصر الرئاسي، والتي أدلى فيها الرئيس عبد الفتاح السيسي بصوته، اليوم، وسط احتشاد مواطنين للتصويت وهم يحملون صور الرئيس، حسبما قالت «الأسبوع»، وهو الحشد الذي لم يجده صحفي «مدى مصر» بحلول الظهيرة.
كان غياب المشاركة الشبابية في الانتخابات أحد ظواهر المرحلة الأولى، وصولًا لانتقادها من المذيعة لميس الحديدي، التي تحدثت عن حالة العزوف العامة عن المشاركة السياسية، خاصة وسط الشباب، مشيرة إلى انضمام حوالي تسعة ملايين شاب إلى مصاف الناخبين في الفترة بين 2014 و2025. وسألت الحديدي في 12 نوفمبر: «هل الـتسعة مليون دول صوتوا فعلا؟ إزاي نجذب هؤلاء الشباب للحياة السياسية؟».
بخلاف المُشاركات الشبابية اللافتة التي تحدث عنها الإعلام، رغم خلو اللجان، اهتمت المنصات الإعلامية التابعة للدولة، كقناة القاهرة الإخبارية، ووكالة أنباء الشرق الأوسط، على التركيز على الإقبال والمشاركة النسائية الواسعة في الانتخابات اليوم، في مقابل حديث عدد من المرشحين عن ظاهرة شراء الأصوات، عبر تجميع البطاقات، والتي تسيّدت المرحلة الأولى كما تسيّدت انتخابات مجلس الشورى، بتعاون بين أحزاب الموالاة بشكل خاص، وبين الجمعيات الخيرية، التي نظّمت تصويت المستفيدين منها، وأغلبهم من السيدات بطبيعة الحال، مقابل هدايا مالية أو عينية.
أحد تلك الشهادات أتت من مدينة السويس، على لسان المرشح المستقل طلعت خليل، وهو نائب سابق، والذي تحدث في فيديو عبر فيسبوك عن رصده حالات توزيع مبالغ مالية على الناخبين، واستغلال للفقراء، ضمن محاولات لـ«الدفع بشكل غير طبيعي لمحاولة الحصول على أصوات بشكل غير شرعي»، مناشدًا الجهات المعنية بـ«وقف نقاط توزيع المبالغ المالية التي تتم الآن، هناك انتهاكات غير طبيعية».
شهادة أخرى ظهرت من مدينة المحلة الكبرى، بمحافظة الغربية، عبر النائب والمرشح أحمد بلال البرلسي، الذي بث فيديو لايف من أحد شوارع الدائرة، يرصد وجود مواطنين داخل أحد المحلات التجارية، حيث قال إنه يتم شراء أصواتهم، دون أن يُحدد من المرشح الذي يقف خلف تلك الممارسة.
الواقعة التي رصدها البرلسي تحدث عنها المدير التنفيذي للهيئة الوطنية للانتخابات، أحمد بنداري، في مؤتمر أوضح أنهم سارعوا بعقده بدلًا من الانتظار حتى التاسعة مساء، في ظل ما وصلهم وما رصدوه من انتهاكات أو بلاغات، معلنًا ضبط أشخاص بحوزتهم 117 بطاقة رقم قومي و140 صورة بطاقة كروت دعاية صغيرة لمرشح بعينه، في جراج خاص بالمحلة، دون أن يذكر المرشح الذي كان يستفيد من تلك العملية.
الواقعة نفسها تحدثت عنها وزارة الداخلية، في بيان، أشارت فيه إلى القبض على أربعة أشخاص، منهم سيدة، في جراج وشارع بمحيط دائرة انتخابية بالمحلة، «لقيامهم بجمع عدد من بطاقات الرقم القومي الخاصة بالمواطنين وحيازتهم مبالغ مالية تمهيداً لتوزيعها عليهم للتصويت لعدد 2 مرشحين.. وتم إتخاذ الإجراءات القانونية حيالهم.. وعرضهم على النيابة العامة وإحاطة الهيئة الوطنية للإنتخابات».
مؤتمر «الوطنية للانتخابات» وصفحة «الداخلية» أفردا مساحات كبيرة للرد على حالات انتهاكات ظهرت على السوشيال ميديا على مدار اليوم، تضمنت حالة ثانية في المحلة، قالت الهيئة إن الشرطة ضبطت فيها شخص بحوزته 17 ألفًا و600 جنيه، لتوجيه المواطنين للتصويت لصالح أحد المرشحين المستقلين، وذلك بخلاف عدة وقائع اعتداءات تحدث عنها المدير التنفيذي للهيئة، وعدة بيانات من الداخلية عن حالات تعدي أو فيديوهات وشهادات بانتهاكات، قالت الوزارة إن بعضها «ادعاءات»، فيما تم القبض على آخرين في بعضها.
إحدى تلك الحالات أعلن عنها النائب الحالي عن حزب الإصلاح والنهضة، هاني خضر، والمرشح في شبين الكوم بالمنوفية، والذي قال إن ضابط تأمين لجنة الشنواني الإعدادية، اعتدي عليه واحتجزه مع مندوبيه داخل اللجنة، فيما تحدثت مونيكا مجدي، مرشحة «الإصلاح والنهضة» في شبرا الخيمة، في فيديو آخر، عن وجود توجيه داخل اللجان لأحد المرشحين بعينهم، فضلًا عن وجود ممثليه داخل اللجان، التي أكدت بدورها أنها تشهد «حشد وهمي».
التفاعل السريع من الوزارة والهيئة بدا أحد أبرز التغيرّات التي شهدتها المرحلة الثانية من تصويت «النواب»، وغابت عن المرحلة الأولى، التي كانت الهيئة تُصر على أنها سارت على ما يرام، حتى باغتها رئيس الجمهورية ببيانه الذي أعلن فيه أن حديث الانتهاكات وصله، وطلب منها أن تُعمِل القانون «بما يرضي الله»، حتى وإن اضطرت لإعادة الانتخابات كاملة.
في مقابل كل ما لم يمكن تغييره من انتهاكات شراء الأصوات في الانتخابات التي هندست الأجهزة الأمنية مرشحيها، حاولت الهيئة الوطنية للانتخابات استباق المرحلة الثانية بالتعامل مع النقطتين اللتين تحدث عنهما رئيس الجمهورية بوضوح في بيانه الذي أربك العملية الانتخابية والقائمين عليها، حين وجه تحديدًا إلى ضرورة تسليم المرشحين ومندوبيهم حصر أصوات اللجان الفرعية، كما أشار بوضوح إلى «مخالفات» الدعاية الانتخابية.
وأعلنت الهيئة، أمس، إلزام رؤساء اللجان الفرعية والعامة بتسليم صورة طبق الأصل من «الحصر العددي» فور الانتهاء منه لكل مرشح أو وكيله الرسمي فقط، مع التأكيد على حظر تسليمها للمندوبين أو السماح لهم بحضور عملية الفرز، وذلك تطبيقًا لصحيح القانون ودرءًا للشبهات التي رافقت المرحلة الأولى، حسبما نقل «المصري اليوم»، مشيرًا إلى سماح الهيئة بحضور ممثلي الصحف والإعلام المعتمدين داخل لجان الاقتراع والفرز، مع حقهم الكامل في الاطلاع على الحصر العددي، «في خطوة تهدف إلى تعزيز الرقابة الإعلامية والشفافية».
ثالث قرارات اللجنة، كان منع أي شكل من أشكال الدعاية الانتخابية أمام اللجان أو في محيطها، مع إبطال أعمال اللجنة بالكامل فور ثبوت أي خرق انتخابي، تحت زعم أن هذا «يمثل ردعًا صارمًا لأي محاولات للتأثير على إرادة الناخبين في اللحظات الأخيرة»، وهو القرار الذي اجتهد المحافظون في تنفيذه خلال اليومين الماضيين، مثلما أكد محافظا القاهرة والدقهلية، فضلًا عن النشاط الملحوظ الذي رصده أحد صحفيي «مدى مصر» في طنطا، بمحافظة الغربية، لإزالة اللافتات الانتخابية أمس، لتبدو المدينة التي كانت غارقة في اللافتات، وكأن لا انتخابات بها، قبل أن تبدأ بعض السيارات اليوم في النداء على مواطنيها للنزول للمشاركة، دون تحديد لمن يجب أن يصوتوا، ما بدا محاولة أخيرة لإضفاء شرعية على انتخابات بدأت دون اهتمام شعبي، وأتت ذروة الاهتمام بها حين أكد الرئيس ضمنيًا على ما شابها من مخالفات، بشكل قد يؤثر على قوة المجلس المنتظر انتخابه.
تقارير ذات صلة
هشام بدوي رئيسًا لـ«النواب».. قضاة «أمن الدولة» على رأس المشرعين
يعد بدوي ثاني رئيس غير منتخب للسلطة التشريعية بعد رفعت المحجوب
«كرسي في كلوب» الانتخابات.. الطريق إلى بيان الرئيس
حتى يوم مضى، كان كل شيء يسير على ما يرام -على الأقل رسميًا- في الجولة الأولى من انتخابات مجلس النواب. الهيئة الوطنية للانتخابات أكدت في كل تصريحاتها أن الانتخابات تسير…
هيثم الحريري: «الوطنية للانتخابات» نفّذت إعدامًا سياسيًا ضدي لمجرد أن والدي شخصية معارضة
تحدث الحريري عن تبعات الحكم
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن