العريش.. ملتقى النازحين وسجن الفلسطينيين
في 25 أبريل 1982، استيقظ الحاج عطية* المقيم في مدينة رفح، ليفاجأ بسلك شائك يفصله عن منزل شقيقته، والتي كانت قبل يومٍ واحد آنذاك تعيش في منزل على بعد مسافة لا تتعدى 50 مترًا.
بعد وقت قصير، أدرك عطية وشقيقته أن كلًا منهما بات يعيش في بلدٍ مختلف، وأن السلك الشائك عبارة عن حدود قسمت مدينة رفح إلى رفحين: واحدة مصرية، والأخرى فلسطينية كانت تحت سلطة الاحتلال الإسرائيلي آنذاك. تطور الأمر وحجب الرؤية بين المنزلين برج عسكري إسرائيلي يراقب الحدود الجديدة، وأنشئت أمامه بوابة حدودية عُرفت بعد ذلك باسم «بوابة صلاح الدين التاريخية»، نسبة إلى شارع صلاح الدين الرئيسي في غزة وسيناء.
ينتمى الحاج عطية إلى عائلة القمبز، إحدى العائلات التي قسمها «السلك» -المصطلح البديل للحدود في سيناء- إلى قسمين، ومعها عائلات أخرى مثل الجبور والشاعر والأغا والبريكة والنحال.
يتذكر خالد*، النجل الأكبر للحاج عطية، ذكريات التواصل مع أبناء عمته عبر «السلك». «كنا بنشتغل اليهود، بنحدف عليهم حجارة على الجيبات العسكرية المسؤولة عن دوريات الحدود»، يقول لـ«مدى مصر».
بعد عام 2000، تحولت بوابة صلاح الدين إلى مزار سياحي، يضيف خالد. «كانت الأفواج السياحية بتيجي بيفرجوهم على البوابة، آخر مكان في مصر من الناحية الشرقية، كنا ساعتها بنبيع قدام البوابة المنتجات الإسرائيلية زي الصابون والشامبو وجراكن العصير اللي كانت بتدخل تهريب».
على مدار 41 عامًا، لم يجتمع شمل الأسرتين سوى ثلاث مرات. الأولى عام 2005، أو ما يعرف بعام «الفتحة» كما يطلق عليه أهالي سيناء وغزة، عندما فتح سكان غزة الحدود مع مصر ودخلوا إلى سيناء، إبان الانسحاب الإسرائيلي من القطاع.
أعقب فتحة 2005 استبدال مصر «السلك الحدودي» بجدار مرتفع غاب معه تواصل الأسرتين.
وفي ظل الحصار الإسرائيلي على القطاع، وقعت «الفتحة الثانية» عام 2008، لتجتمع الأسرتان مرة أخرى. المشترك في لقائهما خلال الفتحة الأولى والثانية أنه كان في رفح المصرية، حيث اجتمع أفراد الأسرتين وتذكروا حكايات رفح الواحدة، وبعد أيام افترقوا.
بدأت بعدها مرحلة الأنفاق، وانتقل التواصل بين سيناء وغزة من فوق الأرض إلى تحتها، وبدأت معها مرحلة جديدة من التشديدات على الحدود من قبل السلطات المصرية. في 2014، تدهورت الأوضاع الأمنية في سيناء وبدأت مرحلة الحرب على الإرهاب. وعلى إثرها، هُجرت أسرة الحاج عطية من المنطقة الحدودية وهدم منزلها. رفضت الأسرة ترك رفح واستقرت على بُعد عدة كيلومترات قليلة من الحدود، ولكن هذا لم يستمر طويلًا، فقد هُجرت مرة أخرى لتستقر في مدينة العريش. أزيلت كذلك مدينة رفح المصرية بالكامل وهجرت قبيلة الرميلات، صاحبة النفوذ الأكبر في رفح القديمة الواحدة والرفحين المصرية والفلسطينية لاحقًا، والتي أثنى القيادي في حركة حماس -آنذاك-، يحيى السنوار، عليها وعلى دورها المهم في تهريب السلاح والذخيرة إلى المقاومة في القطاع.
بعد السابع من أكتوبر العام الماضي، عقب عملية طوفان الأقصى والعدوان الإسرائيلي الذي تلاها منذ هذا الوقت على قطاع غزة، اجتمعت الأسرتان للمرة الثالثة في العريش التي باتت ملجأً لهما، بعدما هجّرتهما حربان مختلفتان خسرا فيهما كل ما يربطهما بمسقط رأسهما.
في العريش، «يكاد يكون المواطن الغزاوي في بلده نتيجة قرب العادات والتقاليد والثقافة واللهجة»، يقول مسؤول فلسطيني تحدث إلى «مدى مصر» عن علاقة فلسطينيي غزة بالعريش. «الفلسطيني في العريش بيشم ريحة غزة»، بحسب تعبيره.
ينقسم الفلسطينيون ممن استقروا في العريش بعد السابع من أكتوبر إلى ثلاث فئات. هناك العائلات التي دخلت عبر آلية التنسيقات ودفعت خمسة آلاف دولار عن كل شخص لشركة «هلا» المملوكة لإبراهيم العرجاني، ومنهم شقيقة الحاج عطية، وهي الفئة الأكثر ارتياحًا وقدرة على تحمل تبعات الإقامة الطويلة خارج مسقط الرأس.
تضم الفئة الثانية المرضى ومرافقيهم ممن دخلوا ضمن تحويلات العلاج من غزة إلى مصر، ولا يزالون ينتظرون التحويل إلى المستشفيات المصرية. أما الفئة الثالثة فهم العالقون الذين أُغلق عليهم معبر رفح بعد السابع من أكتوبر في أثناء تواجدهم بمصر، ثم خسروا كل شيء في غزة، فقرروا البقاء في العريش على أمل العودة يومًا ما.
أسس الفلسطينيون مجتمعات مصغرة تخصهم داخل العريش. تحول حي المساعيد الواقع غربي المدينة إلى «غزة مصغرة»، بحسب المسؤول الفلسطيني. وفي جنوب المدينة، تحول حي السبيل الذي خصصت فيه الحكومة أربع عمارات للفلسطينيين إلى مأوى، وإن كان غير مُريح، لأسر المرضى والمصابين ومرافقيهم ممن ينتظرون تلقي العلاج في المستشفيات المصرية طوال عشرة أشهر منذ لحظة وصولهم مصر.
أما العالقون فسكنوا فنادق المدينة الستة بعد أن خرجوا من حي السبيل بسبب تضييقات موظفي المحافظة، ويتحمل أهل الخير «العرايشية» تكاليف العديد من يوميات الغرف.
رغم رائحة غزة الموجودة في العريش والمتمثلة في القرب الجغرافي وتشابه العادات والتقاليد وحتى قرب اللهجة ونمط الحياة في المأكل والملبس، يعيش الفلسطينيون في غربة داخل المجتمعات الجديدة التي كونوها جراء استغلال الأهالي لهم فيما يخص إيجارات الشقق، والتضييق الأمني الذي يحول بينهم وبين التنقل بين سيناء والقاهرة بسهولة، وكذلك إهمال الجهات المختصة لفئة المرضى والمصابين، وبات كثير منهم يبحث عن تحويل علاجي إلى خارج مصر.
***
سكنت أسرة شقيقة الحاج عطية القادمة من غزة بفعل الحرب على القطاع، في حي المساعيد بجوار شقيقها الذي سبقها بالإقامة داخل الحي قبل نحو سبع سنوات في 2018 عندما نزح عن رفح المصرية مُجبرًا بسبب الحرب على الإرهاب.
استقبل حي المساعيد مئات الأسر النازحة من رفح المصرية خلال سنوات النزوح والتهجير عقب 2014 لدواعي الحرب على الإرهاب، والآن يستقبل مئات الأسر الأخرى القادمة من غزة.
يضم الحي العشرات من عمارات الإسكان الاجتماعي، وهو أحد الأحياء التي بنتها الحكومة لاستقبال أبناء المحافظات الأخرى، أو كما يطلق عليهم العرايشية «أهل الوادي»، ضمن خطط حكومية بدأت في تسعينيات القرن الماضي لزيادة الكثافة السكانية للمحافظة. ولكن «المساعيد» بقي مهجورًا إلى حدٍ كبير حتى نهاية العقد الأول من الألفينات، عقب افتتاح جامعة سيناء الخاصة المملوكة لرجل الأعمال حسن راتب، بالقرب من الحي، ليبدأ معها فصل جديد من رواج حي «أهل الوادي».
في «المساعيد»، تسبب وجود الفلسطينيين في رواج اقتصادي خصوصًا في مجال العقارات، لكن قابله استغلال كبير من العرايشية، حيث ارتفعت أسعار إيجارات الشقق من 1500-2000 جنيه على أقصى تقدير داخل المدينة قبل دخول الفلسطينيين إلى 8-10 آلاف شهريًا بعد دخولهم، ما دفع العديد من الفلسطينيين المقتدرين إلى شراء شقق والإقامة فيها بدلًا من دفع إيجارات شهرية.
يستنكر المسؤول الفلسطيني استغلال العرايشية للفلسطينيين هذه المرة. «المفروض الجاية هادي تكون بالأحضان، بخلاف فتحتي 2005 و2008 عندما دخل الفلسطينيون أفواجًا عبر الحدود ووصلوا إلى العريش واشتروا البضائع والطعام بأسعار مضاعفة حتى شربة المياه العرايشية بعوها»، يقول.
بحسب المسؤول، بدأت الأوضاع الاقتصادية للأسر الفلسطينية تتأثر حاليًا بعد مرور ما يقرب من عام على الحرب، «اللي كان معاه شوية فلوس بدأت تخلص الشهر بيعدي بسرعة وكل حاجة في مصر غالية».
بجانب أزمة السكن، يمثل الوضع القانوني للفلسطينيين في مصر أزمة كبرى بالنسبة لهم وسببًا معطلًا لكثير من الأمور في حياتهم.
حصل الفلسطينيون عند دخولهم من معبر رفح على ختم المثلث على جوازات السفر، وهو الختم الذي يعطي إقامة قانونية لحامله لمدة 72 ساعة في الأراضي المصرية، وكان قبل 7 أكتوبر يُختم للفلسطينيين العابرين إلى مصر بغرض السفر من مطار القاهرة، بحسب المسؤول في السفارة الفلسطينية، الذي يؤكد على أن وضع جميع الفلسطينيين الذين دخلوا مصر بعد 7 أكتوبر مخالف للقانون المصري.
عدم الحصول على إقامة يعطل الكثير من الإجراءات، أهمها التعاملات البنكية وفتح الحسابات وتحويل أو استلام أموال والحصول على شرائح اتصالات والتقديم لأبنائهم في المدارس، حسبما أوضح مسؤول السفارة.
هذا الوضع المخالف يؤرق الفلسطينيين سواء قرروا السفر إلى خارج مصر، أو في حال توقفت الحرب وقرروا العودة إلى غزة. المنطق يقول إن السلطات المصرية لا تطلب منهم دفع غرامة المخالفة، ولكن السلطات المصرية خالفت المنطق وطالبت العديد من الأسر بدفع الغرامة في أثناء السفر من مطار القاهرة، حسبما كشف مسؤول السفارة لـ«مدى مصر»، مستنكرًا عدم وضع السلطات المصرية إطارًا قانونيًا للفلسطينيين القادمين بعد 7 أكتوبر.
أضاف المسؤول أن الغرامة يتم احتسابها على الشخص بمجرد انتهاء الـ72 ساعة وحتى ثلاثة أشهر 1500 جنيه وكل ثلاثة أشهر إضافية بـ500 جنيه، تدفع بالجنيه المصري أو بالدولار حال وجود فرع بنك داخل المنفذ، سواء كان مطارًا أو معبرًا أو ميناءً.
***
خارج «المساعيد» تقيم العشرات من أسر العالقين ومرافقي المرضى والمصابين، وسط ظروف معيشية صعبة حوّلت العريش إلى سجن يُحظر عليهم الخروج منه، فيما يعاني المرضى ومرافقوهم من سوء معاملة الموظفين الحكوميين داخل حي السبيل الذي أعلنت محافظة شمال سيناء فتح عدة عمارات فيه لاستقبال العالقين والمرضى ومرافقيهم طول فترة إقامتهم بمصر.
بعد بدء العدوان الإسرائيلي بأسابيع، وجدت مصر نفسها أمام أزمة تتعلق بالفلسطينيين العالقين الذين دخلوا الأراضي المصرية قبل 7 أكتوبر وأغلق أمامهم معبر رفح عند عودتهم، ما أجبرهم على البقاء في مدينة العريش. لذلك اضطرت الحكومة في البداية إلى تخصيص عمارتين بحي السبيل الواقع جنوبي غرب العريش لتسكين العالقين، في الوقت الذي خصصت فيه وزارة التضامن الإجتماعي 12 مليون جنيه للمحافظة لدعمهم، ثم افتتحت بعد ذلك عمارتين جديدتين في شهر يناير الماضي بالتزامن مع وجود أعداد كبيرة من المرضى ومرافقيهم ممن دخلوا الأراضي المصرية بعد ذلك، ضمن إجراءات تحويل العلاج.
محافظة شمال سيناء أعلنت أن الشقق تم تأثيثها وتجهيزها بكل وسائل المعيشة، وتوفير الوجبات الغذائية والخدمات المتنوعة، وكل الخدمات الأخرى بالمجان، مع الاستعداد لتجهيز عمارات جديدة لاستيعاب أعداد أخرى من الفلسطينيين.
ما أعلنت عنه الحكومة كان مخالفًا للواقع، بحسب ثلاثة عالقين سكنوا «السبيل» وتركوه، واثنين من مرافقي المرضى، ما زالا مضطرين للإقامة في الحي، تحدث معهم «مدى مصر» خلال الأشهر الماضية، بالإضافة إلى المسؤول في السفارة الفلسطينية، فقد أجمعوا على أن الشقق لم تكن مجهزة للمعيشة بشكل كافٍ وتعرضوا لسوء معاملة من موظفي المحافظة المسؤولين عن عمارات «السبيل».
يصف مسؤول السفارة منطقة السبيل بـ«الموحشة»، خاصة في المساء. «ما بتعرفش الشرق من الغرب» على حد تعبيره، مضيفًا أن الموظفين الحكوميين عاملوا الفلسطينيين بـ«العنف وقلة الأدب»، ودائمًا يرددون «مش عاجبك اطلع برة»، واصفًا الموظفة المسؤولة عن إدارة الحي التابعة للمحافظة بأنها «لا تصلح إلا لترويض الخيول وليس للتعامل مع البشر».
في البداية، سمحت المحافظة للعالقين الفلسطينيين بالإقامة، لكن بسبب التضييق عليهم والمعاملة السيئة، اضطروا إلى ترك الشقق والإقامة في فنادق العريش أو تأجير شقق يتحمل تكلفتها جمعيات خيرية وأهل خير من العريش.
بحسب مسؤول السفارة، لجأ الموظفون إلى التضييق على العالقين لإجبارهم على ترك الشقق، لإفساح مكان للمرضى ومرافقيهم وكلاهما يعاني من الإقامة في «السبيل»، حيث «تتعامل المسؤولة عن العمارات مع الشقق كأنها فندق، تقوم بتسكين أكثر من أسرة في الشقة وكل أسرة مكونة من فتيات ونساء وشباب، وهذا أمر لا يصح ولم تتحمله الأسر، فقرر كثير منهم المغادرة، لانعدام الخصوصية».
من بين من اضطروا للخروج من «السبيل» سمير*، أحد العالقين والذي يعول أسرة مكونة من خمسة أطفال مع زوجته.
يقول الشاب لـ«مدى مصر» إنه فوجئ بتسكين ثلاث أسر في الشقة على أن تقيم كل أسرة في غرفة، دون احترام الخصوصية، خاصة أن لديه فتاتين توأم تبلغان من العمر 14 عامًا، يصفه بـ«السن الخطير»، ما دفعه للخروج، عقب محاولات للاعتراض لدى المسؤولين، لكن ردودهم كانت بالسباب والشتائم، «بيعاملونا مثل الحيوانات» بحسب سمير.
وضع مشابه مر به عزت* وشقيقه اللذان دخلا مصر بغرض العلاج قبل السابع من أكتوبر، حيث اضطرا للإقامة في فندق بالعريش. عقب إغلاق المعبر، تحمل الهلال الأحمر المصري تكلفته لأسبوع واحد فقط، وبعدها طلبوا منهما الانتقال إلى شقق سكنية خصصتها المحافظة للعالقين، يتوافر فيها إنترنت ومواصلات، والأهم ستخصص شقة منفصلة لكل أسرة، حسبما قال سامح لـ«مدى مصر».
انتقل عزت وشقيقه إلى حي السبيل، لكنهما فوجئا أن المنطقة نائية بلا خدمات، أو مواصلات، أما الشقة فكانت بلا ثلاجة أو بوتاجاز أو سخان، أو حتى تغطية شبكات للتواصل مع أسرتهما في غزة. فقط مراتب وبطاطين.
وبسبب نفاد أموالهما وعدم وجود بديل، استقر سامح وشقيقه في نفس الشقة. لكن، بعد يومين، سكّن مسؤولو العمارات معهم ثمانية أشخاص، وهو ما اعترض عليه عزت خوفًا من العدوى، مع وجود عدد كبير يستخدم نفس دورة المياه، خصوصًا أنه مصاب بمرض مناعي، لكن كان رد المسؤولين «ده اللي موجود لو مش عاجبك دبر أمورك مع نفسك»، بحسب عزت.
اضطر عزت للعودة إلى الفندق، وبعد «محايلات» وصل سعر الغرفة في الليلة 150 جنيهًا، تكفل أحد أهل الخير في العريش بها، فيما تكفل آخرون بتوفير وجبة غداء لجميع نزلاء الفندق، وهي الوجبة الوحيدة التي يتناولونها لأنهم لا يملكون ثمن وجبة إفطار ولا عشاء، ويعيشون على الاستدانة من بعض أهالي العريش.
***
ترك العالقون «السبيل» جبرًا، ليحل محلهم المرضى ومصابو الحرب ومرافقوهم، منهم من دخل من القطاع مباشرة إلى الحي دون أن يحول إلى مستشفى داخل مصر، وآخرون تم تحويلهم إلى مستشفى العريش وخرجوا منها بسبب عدم تخصص المستشفى في حالتهم. المشترك في الحالتين أنهم ينتظرون منذ عدة أشهر تحويلهم من قبل وزارة الصحة إلى مستشفيات متخصصة في حالاتهم.
أميرة* وصلت إلى العريش برفقة شقيقتها وشقيقها مريض الكلى، في 2 ديسمبر الماضي. على مدار الأشهر التسعة الماضية، تنتظر أميرة تحويل شقيقها للعلاج في مستشفى خارج شمال سيناء، ولكن يعوق ذلك «ضياع» ملف أخيها الطبي، بعدما استلمه المسؤولون عن تحويلات العلاج في مستشفى العريش. «بروح المستشفى كل يوم في الشمس بلف على الإدارات أدور على الملف بتاعه اللي اتحول بيه من غزة مش بلاقيه، والدكاترة قالولي مالوش علاج في العريش»، تقول أميرة لـ«مدى مصر».
الرعاية الطبية الوحيدة التي تلقاها شقيقها منذ أن دخل مصر قدمتها قافلة طبية زارت الحي وكشفت على شقيقها وكتبت له دواءً مسكنًا، ولكنه كان غير متوافر في صيدليات العريش.
سكنت أميرة برفقة شقيقها المريض وشقيقتها «السبيل» منذ أن دخلت مصر، ليبدأ فصل جديد من المعاناة، بالإضافة إلى معاناة علاج شقيقها.
لم تكن الشقة مجهزة حين سكنت فيها في ديسمبر الماضي، سوى بعض «الفرشات» المراتب والأغطية. بعد عدة أشهر، منحوا كل 12 شقة ثلاجة «اختاروا شقة وحطوها فيها»، واشركوا كل أربع شقق في غسالة، بحسب أميرة، موضحة أن العمارة تضم ستة طوابق بواقع أربع شقق في كل طابق.
في العمارة المجاورة لأميرة، تقيم سماح* مع أطفالها السبعة، ومن بينهم طفلها المريض بضمور في العضلات الذي دخلت معه مصر بتحويلة علاج في أواخر ديسمبر الماضي.
مكث نجل سماح* لمدة شهر في مستشفى العريش العام دون أن يتلقى أي علاج، لأن تخصصه غير موجود في المستشفى، وبناءً عليه خرج من المستشفى، في يناير الماضي.
اضطرت الأم إلى عرض طفلها على أطباء مخ وأعصاب في عياداتهم الخاصة بالعريش، لكنهم لم يتمكنوا من فهم حالته بشكل صحيح، حسبما قالت سماح. ومع تأخر تلقيه للعلاج لمدة تسعة أشهر، بدأت حالته في التأخر، وزادت نوبات تشنجه خاصة في أثناء الليل.
سكنت سماح وأطفالها في الدور السادس بالعمارة. حاولت تغيير الشقة إلى أدوار سفلية لأنها تضطر إلى حمل طفلها صعودًا ونزولًا كلما أرادت عرضه على طبيب خاص وسط العريش، لكنها فوجئت أن أحد الموظفين المسؤول عن العمارات يطلب منها ثلاثة آلاف جنيه مقابل السماح بتغيير شقتها. «في السبيل مافي إشي ببلاش»، تقول الأم لـ«مدى مصر». علمت بعد ذلك أن آخرين مصابين ببتر في الأطراف دفعوا الأموال لتغيير الشقة والنزول للطابق الأول والثاني للحد من معاناة الصعود والنزول.
عندما دخلت سماح الشقة في ديسمبر الماضي، لم يكن بها سوى حصيرة وبعض المراتب والأغطية و«كاتل». تعايشت بهذا الوضع حتى أبريل، عندما قدم الهلال الأحمر الإماراتي والليبي لكل شقة مروحة وسخان وبوتاجاز وأسطوانة غاز تتحمل كل شقة تكلفة تعبئتها 150 جنيهًا.
لا تتوقف المؤسسات الدولية والجمعيات الخيرية عن تقديم مساعدات لسكان «السبيل»، بحسب سماح، حيث شاهدوا سيارات أنزلت أثاثًا وأجهزة كهربائية وملابس ومواد نظافة وألعاب أطفال مثل الترامبولين، لكن كل هذا أودع في المخازن الموجودة بالعمارة التي تتخذها الموظفة المسؤولة عن الحي كمقر للإدارة.
مسؤول السفارة الفلسطينية أكد لـ«مدى مصر» أن العديد من أهل الخير والجمعيات الأهلية رفضوا تقديم المساعدات بعد تكرار تعمد مديرة حي السبيل وضعها في المخازن وعدم توزيعها على الأسر، حتى وصل الأمر إلى سحب بعض الجمعيات المساعدات من المخازن.
تقدم إدارة الحي وجبتين في اليوم للفلسطينيين، وجبة إفطار بحسب عدد أفراد الأسرة عبارة علبة جبنة أصغر حجم، ومربى أو حلاوة وعيش، أما وجبة الغداء كانت في الشهور الأولى عبارة عن طبيخ (لوبيا أو فاصوليا) وقطعة لحم، لكن منذ شهر مايو الماضي، باتت عبارة عن كشري أو بصارة أو مسقعة دون أي بروتين حيواني، بحسب سماح. «لو حد عنده قطة ولا كلب ما بيقدم ليه هادة الأكل»، تقول. لكن مديرة الحي نهرتها عندما حاولت الشكوى، «إللي مش عاجبو يرجع المعبر، مش أحسن ما تقعدوا في خيمة»، قالت لها.
نظرًا لسوء الطعام اتجهت الأسر الفلسطينية إلى بيعه لجيرانهم الساكنين في حي السبيل من الأسر المصرية النازحة من رفح والشيخ زويد قبل سنوات وسكّنت المحافظة بعضهم في الحي منذ 2020 مقابل دفع 100 جنيه شهريًا، قبلها كانوا يقيمون في عشش بصحراء العريش بعد أن دُمرت منازلهم جراء الحرب على الإرهاب. تصف سماح وضعهم، «هما كمان جعانين مش لاقيين أكل»، حيث يتراوح سعر الوجبة بين خمسة وعشرة جنيهات، «بنزود عليها وبنشتري بيض ولبن للأطفال»، بحسب سماح.
تأخر تحويلات العلاج ومضايقات الموظفين وتعاملهم السيئ مع الفلسطينيين والظروف المعيشية الصعبة، كلها أسباب أجبرت الجميع على المحاولة للهروب من سيناء ومصر عمومًا من خلال البحث عن تحويلات للعلاج في دول أخرى، «محدش قاعد في السبيل ومبسوط»، على حد تعبير سماح، لكن المحاولة لا بد أن تكون محسوبة بدقة خاصة أن شمال سيناء محظور السفر إليها بالنسبة للفلسطينيين، وبالتالي إذا فشلت محاولة السفر خارج مصر فلن يتمكنوا من العودة للعريش، وبالتالي يفقد الفلسطينيون من فئة المرضى والمصابين أهم ميزة متوافرة في شمال سيناء دونًا عن باقي المحافظات، وهي السكن دون مقابل حتى وإن كان في «سجن السبيل»، إلى جانب القرب من قطاع غزة.
يستنكر مسؤول السفارة الفلسطينية هذا القرار الأمني غير المُعلن بمنع دخول الفلسطينيين إلى شمال سيناء، متسائلًا: «هو السفر من العريش للقاهرة والعكس محتاج فيزا؟»، مضيفًا أن «الفلسطيني اللي استقبلته مصر ودفع 5 آلاف دولار تنسيق محتاج إنه يروح القاهرة يتعالج لأنها أكثر تقدمًا طبيًا من العريش».
وبخلاف المرضى، يحتاج عشرات الفلسطينيين إلى السفر للقاهرة لاستخراج أوراق رسمية من السفارة الفلسطينية أو من مجمع الأحوال المدنية في العباسية، حيث طلبت «جوازات العريش» من الكثير منهم إحضار أوراق من القاهرة، رغم علمهم بحظر الدخول إلى شمال سيناء.
حسبما كشف مسؤول السفارة لـ«مدى مصر»، طلبت أجهزة الأمن إعداد قوائم بأسماء الفلسطينيين ممن يريدون السفر خارج شمال سيناء، وهو ما حدث بالفعل، إلا أن الموافقة الأمنية عليها لم تصدر.
لذلك ظهرت طرق غير قانونية للسفر من وإلى شمال سيناء، عبر سائقين محددين يحصلون على مبلغ 300 دولار (ما يوازي نحو 14 ألف جنيه مصري) من الراكب الفلسطيني مقابل السفرية، في الوقت الذي لا تتخطى فيه تكلفة السفر من العريش إلى القاهرة 200 جنيه عبر المواصلات الداخلية العادية.
يدفع الراكب الفلسطيني 100 دولار للذهاب و200 دولار للعودة، وهي المرحلة الأخطر، بحسب المسؤول الفلسطيني، فيما أكدت سماح أن هؤلاء السائقين يترددون دائمًا على حي السبيل.
يوضح مسؤول السفارة رحلة السفر، في الذهاب يسلك السائق الطريق العادي للخروج من شمال سيناء عبر معدية القنطرة أو النفق، أما في العودة يسلك طريق مصر السويس ويعبر إلى سيناء عبر نفق الشهيد أحمد حمدي ويخبر أفراد التأمين أن الفلسطينيين ذاهبون للسياحة في جنوب سيناء، وبمجرد عبور النفق يسلك الطريق المؤدي إلى الشمال ومن ثم مدينة العريش.
هكذا تحولت العريش إلى ملتقى جَمع الأسر المصرية والفلسطينية الواحدة التي قطعت أوصالها الحرب وجدران الحدود بعد أن خسرت كل شيء في مسقط الرأس سواء في سيناء أو غزة، في الوقت الذي تحولت فيه المدينة الساحلية الواقعة داخل شبه جزيرة سيناء إلى سجن للفلسطينيين لا يمكنهم التنقل منه وإليه جراء قرارات حكومية غير معلنة، وسط معاملة فظة من الموظفين الحكوميين الذين لا ينفكون عن محاولة إظهار أن ما تقدمه الحكومة من فُتات للفلسطينيين في العريش أفضل بكثير من حياة الخيام في غزة.
* اسم مستعار
تقارير ذات صلة
ثورة الرهبان.. معركة استقلال «سانت كاترين»
معركة حول الاستقلال وسط معارك السيطرة
«سانت كاترين»: رهبان في مواجهة السيادة
الاستثنائية الروحية والتاريخية للدير تحاول الدولة نزعها عبر أداة الملكية
شبه جزيرة العرجاني
قصة صعود رجل الأعمال إبراهيم العرجاني من طريد للعدالة إلى صاحب نفوذ تجاوز سيناء إلى غزة
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن