تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
العالم كما لم نعرفه.. سينما بيلا تارّ التخريبية

العالم كما لم نعرفه.. سينما بيلا تارّ التخريبية

بمناسبة تكريمه في الدورة الـ44 لمهرجان القاهرة السينمائي

كتابة: محمد صبحي 19 دقيقة قراءة

يكّرم مهرجان القاهرة السينمائي في دورته الـ44 (13-22 نوفمبر) المخرج المجري بيلا تار، ويُعرض له في فعاليات الدورة فيلمه «Harmonies Werckmeister»، كما قدّم في ثاني أيام المهرجان ماستر كلاس أداره المخرج أحمد عبد الله. 

**

«لم نكن نحسن إلاّ المشي. 

 ومن كثرة المشي صارت لنا حظوظٌ ضامرة صالحة للسفر

الشجرة أبدًا لن تفهم أنّ المشي هو الجذر

والعائلة لن تفهم أنّ المشي هو الأهل.

 مشيتُ في مدنٍ مضاءة بعيون الأمهات

أقمتُ وحيدًا في فندق الكون

طفتُ بقهوة «هرر» في موانيء البحر الأحمر والأبيض 

نقلتُ رحيق الآلهة من جاوا ومُخا 

حمّصتُ حبوب البنّ فوق نار عَدَن

أوصلتُ القهوة لبيوت القهوة في أوروبا.

 لكن لم تفتني القهوة، بل سحرتني الخطوات

مشيتُ طويلاً جدًا حتى بردتْ وسط يدي كل فناجين القهوة.

 مشيتُ ومن كثرة المشي اصطدمت ركبتيّ بالإله.»

-  آرثر رامبو ، ت: عبدالله الناصر

 

على أي أساس نبني معتقداتنا؟ ماذا لو أن كل ما نتمسّك به باعتباره صائبًا اكتشفنا خطأه؟ من يتأمّل تلك الفكرة ويستمسك بها سيكتشف وجهات نظر فريدة في أفلام بيلا تارّ. وبالقدر ذاته، لا يزال يتعيّن عليه معرفة ذلك بنفسه، فلا إجابات سهلة هنا.

عندما يتعلق الأمر بالقوة الحركية للفن، فالخالق/الفنّان/المبدع «يطلي جمهوره دائمًا بنظرته»، ولذلك «يعلق في حالة غير ناضجة»، وفقًا لمدير السيرك في رواية «ميلانكوليا المقاومة» للاسلو كراسناهوركاي، الذي يتابع بالقول «الرسائل الثورية الحقيقية الموضوعة في تعابير فنية لا يمكن أن تؤدي إلى تغيير». لكن النقطة الواجب الالتفات إليها هنا أن المدير يتحدث في هذا الموقف تحديدًا بما هو أقرب للتقيّة. لأن في هذه القصة، يشير كل شيء إلى حقيقة أن الفنانين تحديدًا مسؤولون عن إحداث التحوّلات في النظام القائم.

يعتبر خطاب مدير السيرك لحظة واعية بذاتها، لأن كل من رواية كراسناهوركاي واقتباسها السينمائي المتمثل بفيلم بيلا تارّ الثامن «تناغمات فيركميستر» (2000)، لهما تأثير تخريبي/تدميري على العالم، بأفضل ما في الكلمة من معانٍ. في الواقع، هناك عنصران تخريبيان في قصة المعلّمين المجريين. الأول يتعلّق بالسيرك الذي يزور القرية التي تدور فيها القصة، والذي تتمثل معالمه الرئيسية في جثة حوت ضخم ورجل صغير غريب يُعرف باسم «الأمير» له ثلاث عيون وقوى مغناطيسية. والثاني أكثر خصوصية، من دون أن يكون أقل تدميرًا، يتعلّق باكتشاف المدير السابق لمدرسة الموسيقى، جريجوري إستر، أن جمال كل الروائع الموسيقية في التاريخ يعتمد في حقيقته على الكذب. حرفيًا.

وفقًا لإستر، يرجع ذلك إلى أندرياس فيركميستر، مُنظِّر الموسيقي الألماني الذي أخطأ في منهجية الضبط الموسيقي التي صمّمها في نهاية القرن السابع عشر عن طريق تزييفه النغمات، وبالتالي التدخّل في ما يخص عمل الطبيعة أو الله أو الآلهة. قديمًا، في أزمنة أقل ارتيابًا، سلّم الأجداد بحقيقة أن التناغم الموسيقى الصافى لا ينتج إلا من مقامات معينة، قانعين بما تفعله الأنغام الملائكية إذ تنقلهم إلى حضرة الآلهة.

تداعيات كلًا من وفادة السيرك إلى القرية، واكتشاف إستر الرهيب، لم تكن أقل من الإطاحة بالنظام القائم.

من فيلم Werckmeister Harmonies

هذا يقول الكثير عن القوة الثورية للقصص. من الممكن إسقاط أمثولة فيركميستر على كامل أعمال تارّ وزميله الدائم كراسناهوركاي. لأن السؤال الذي يطرحانه في جوهره هو التالي: ماذا لو كان هذا «المثبّت الإلهي» لا يعمل كما نعتقد؟ ماذا لو لم تكن القوانين المقبولة عمومًا (في هذه الحالة، للأفلام والأدب)، قوانين على الإطلاق، وإنما مكونات متغيّرة تحمل في جوهرها إمكانية القيام بكل شيء بشكل مختلف؟ تطبيق؟ مثل تناغمات فيركميستر المصطنعة، تستند لغة السينما الحديثة والأدب المعاصر إلى الزيف، أو دعنا نقول إلى مؤامرة كبرى.

من هذا المنظور، تشكّل أعمال تارّ وكراسناهوركاي حافزًا ثوريًا. كل شيء يصنعانه مختلفًا عمّا اعتدناه، وعندما نشاهد أفلام تارّ ونقرأ كتب كراسناهوركاي، فنحن مثل الأمّيين، «جمهور غير ناضج»؛ كما يصف مدير السيرك في «ميلانكوليا المقاومة» مَن ينهبون البلدة ويدمّروها، مدفوعين بذلك من قبل القوى التخريبية للحوت والأمير. الشيء العظيم هو أن عمل تارّ قد يكون له نفس التأثير علينا بشكل أو بآخر. يمنحنا كل الحرية في رؤية الأشياء بشكل مختلف؛ إنه مثل إستر الذي كشف خدعة فيركميستر، يحثّنا على التفكير خارج الصندوق، على امتلاك هذه الحرية الجديدة.

وفي الوقت ذاته، هو (المدير) نفسه لا يقول شيئًا. في بعض الأحيان يقول أشياء مثل هذا فحسب: «ليس لدي فكرة، لم أره، هذا الأمير. فقط ظلّه». وهذه حقيقة قائمة. هذا كل شيء، وهذا أيضًا ما رأيناه. نفس الشيء. لكن أين عنصر الأمل إذن يا سيد تار؟. أتخيّل أن يكون ردّ تار على مثل هذا السؤال: «أمل؟ الأمل هو مشاهدتك هذا الفيلم».

لا عجب إذن أن يبدأ الأمر كلّه برقصة. رقصة الكواكب. البشرية، يحاكيها روّاد حانة صغيرة في السهل المجري. ثمة خشونة ووعورة ملحوظة في المشهد، ومنذ البداية وإلى الأبد شيء من الحنان المحدِّد للجنس البشري، دون تعمية لقبحه وبشاعاته. لقطة افتتاحية تليق بعمل هائل وغريب، حيث كل تسلسل جديد يشبه الدخول إلى عالم آخر بقوانين بعيدة الاحتمال، والذي بالرغم من ذلك، كان دائمًا هو عالمنا. هذا اسمه شِعر.

 حتى نهاية العالم

يقود اليأس عمل بيلا تارّ. يُترك المشاهد بالكامل لحيله وأساليبه الخاصة، كما في فيلم «لعنة» (1988)، حيث نواجه بطلًا مفتونًا بمغنية مغمورة حدّ الهوس، وفي مشهد حزين نراه تحت المطر والوحل، ينحني على ركبتيه نابحًا مثل كلب. وفي فيلم «الرجل من لندن» (2007) -المُفترض أنه أقل أفلام تارّ، رغم أنه، بعد رؤيته مرة أخرى الآن، يتمتّع بجمال رائع- حيث نتابع المأزق الأخلاقي لمراقب قطارات يخفي حقيبة مملوءة بالمال من رجل عصابات إنجليزي. مع عواقب وخيمة. خاصة ما يحدث خلف الصورة، خلف باب المنزل الشاطئي حيث دخل الرجل للتو. حيث ترتكَب جريمة قتل. لكننا نرى ذلك الباب فقط. وعندما يظهر الرجل، يستعيد مراقب القطارات إنسانيته.

من فيلم The Man from London

كيفية عمل هذا المزيج وتآلفه يظلّ غامضًا مثلما هو الحال مع الضبط الموسيقي «الصحيح»، على الأقل من وجهة نظر إستر، الذي يفسّر في «تناغمات فيركميستر» أن عالم الرياضيات فيثاغورس والحكيم الموسيقي أريستوكسينوس Aristoxenos كانا أكثر حظًا منّا، نحن اللاحقين، فلم يداخلهما «الشكّ»، إذ علما أن التناغمات السماوية كانت مجال الآلهة. بينما إستر يصرّ على تصحيح الخطأ التاريخي: «يجب أن نعود إلى النغم الطبيعي الأصيل؛ يجب علينا تصحيح أخطاء فيركميستر».

هذا ما يحدث مع تارّ، فأفلامه ثورية بشكل صادم. حتى عندما ينتهي العالم بلحظة مظلمة مروّعة، كما في «حصان تورينو» (2011)، في تلك اللحظة تكون مستعدًا للعيش بشكل مختلف وجديد. أثناء مشاهدة هذا الفيلم، يختفي الإنساني/الأرضي وتتجلّى إيقاعات طبيعية/غير مرئية على الشاشة، تناغمات سماوية لا يمكننا تقديرها إلا عندما «ننضج» كفاية، وعندما نبدأ في الرؤية بطريقة مختلفة وجديدة. الصورة والصوت في هذا الفيلم يملكان شيئًا غامضًا وغير ملموس، مثل ذلك الشيء الذي حاول فالوسكا شرحه لروّاد الحانة في افتتاحية «تناغمات فيركميستر»، عبر ارتجال رقصة للكواكب والشمس.

هنا، في البداية، نرى رجلًا عجوزًا يجرّ حصانًا وعربة في مواجهة ريح عاصفة. الرياح هي ثيمة متكررة في أفلام تارّ، لكنك مرة أخرى لا تفهم جيدًا ما تراه. يبدو أن الموسيقى والرجل والحصان والأوراق عالقة في رقصة غريبة على إيقاع تركيبة ثقيلة تتكرر فيها موتيفات ينغمها التشيلو والأرغن بشكل منوّم. هناك صوت صرير من أحزمة الحصان وطحن العجلات الخشبية. من الصعب التعرف هنا بدقّة على «يد» المخرج أو الملحن. بالتأكيد هناك قوى أعلى تعمل هنا.

تفسير محتمل: أحد أهم أسلحة تار ما يمكن أن نطلق عليه «الصورة الوجودية غير المكتملة». أي بعد فترة طويلة من اكتمال الحدث في لقطة معينة واختفاء الشخصيات من الصورة، تظل تلك الصورة على الشاشة. غالبًا ما تكون مناظر طبيعية، كما هو الحال في «حصان تورينو» عندما يختفي العجوز وابنته في بيتهما المنعزل المتهدم من الصورة ونُترَك وحدنا مع تلك الرياح الأبدية والأوراق الدوّامة وهذا المشهد الفارغ. يستبقي تار نَظَرَنا، لدقائق في كل مرة.

وهنا المهمّ: ما يحدث لنا بعد ذلك، هو كمبدع/خالق لا يتحكَّم فيه. نُترك لنغمة غامضة من الصورة والصوت، لأفكارنا حول ما نراه ونشعر به. يأس، وحدة، قلق، خوف، رغبة، غضب، هذا ما يمكن أن نطلق عليه روحانية، ولا يتحكّم المبدع/الخالق ولا المُشاهد في ذلك، وإنما يحدث ببساطة.

هذه الصورة الوجودية -من حيث المبدأ، لا يجب أن تنتهي أبدًا، بما أن السمة الأبرز لتارّ هي لقطاته الطويلة الميلانكولية التأمّلية- تذوب لاحقًا في اليأس المسيطر على كل شيء. على الأقل، من وجهة نظرنا، لا يتعلّق الأمر بالشخصيتين، العجوز وابنته. يبدو أنهما يعيشان في وئام مع محيطهما، على الرغم من أن الأمور تسير بشكل سيء للغاية.

من فيلم The Turin Horse

سمعتُ في مقابلة قديمة لبيلا تارّ أنه لا يحبّ رواية القصص، لأن القصص تدعّي أن شيئًا مهمًا يحدث في حياتنا، بينما في الواقع لا يحدث الشيء الكثير. نحن ببساطة نفعل ونفعل أشياءً كل يوم، وذات يوم نموت. قال أيضًا إنه يسأل في أفلامه كيف نقضي وقتنا. «حصان تورينو» مثال نموذجي للتدليل على رؤيته.

في الأيام السبعة من حياتهما التي يعرضها الفيلم، يعيشان وفق إيقاع ثابت مثل الطبيعة: الاستيقاظ؛ ارتداء الملابس (البنت تُلبس والدها المشلولة ذراعه اليمنى)؛ جلب المياه من البئر؛ الغسيل؛ سلق البطاطس؛ تناول الطعام؛ كأس من براندي الفاكهة. ومعرفة ما إذا كان الحصان قادرًا على تناول الطعام في الإسطبل، حتى يتمكنّا من الذهاب إلى القرية المجاورة.

بشكل مقلق، يتوقف الحيوان عن الشرب والأكل، يرفضهما، وعندما يغلق العجوز وابنته باب الإسطبل مرة أخرى ويبتعدان، تظلّ صورة الخشب الخشن المطعّم بتركيبات حديدية باقية لدقائق. بالكاد يمكننا تحمّل هذا. نحن بحاجة إلى معرفة ما يجري الآن وراء الباب، مع هذا الحصان. هكذا، تتحوّل الصورة. إنه (الحصان) ينظر إلينا، إلى شعورنا بانعدام الأمن والعصبية وغياب التناغم، إلى وجودنا.

يحدث هذا في فيلم ينطلق من واقعة بطلها الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه يرويها تارّ بكلماته في افتتاحيته. «في تورينو، الثالث من يناير 1889، يخرج نيتشه من المنزل إلى كارلو ألبيرتو، ربما ليأخذ نزهة، وربما ليمرّ على مكتب البريد حتى يستلم رسائله، وفي مكان ليس بعيدًا عنه، أو هو بعيد في الحقيقة، يعاني سائق عربة من حصانه العنيد، ورغم كل إلحاحه إلا أن الحصان يأبى أن يتحرك، وعندئذ يفقد السائق صبره ويخرج السوط ليجلده، يصل نيتشه إليه ويضع حدًا لوحشية السائق الذي كان يغلي من الغيظ في هذه الأثناء، ويقفز فجأة إلى العربة، وبالرغم من مظهره القاسي فإن نيتشه يحيط رقبة الحصان بكلتا يديه ويأخذ بالبكاء. يأخذه جاره إلى المنزل، حيث يستلقي لمدة يومين على الأريكة صامتًا وهادئًا، حتى يتمتم أخيرًا بآخر كلماته "أماه، أنا أحمق". عاش نيتشه بعدها عشر سنوات أخرى مضطربًا وهادئًا في رعاية أمه وأخوته، أمّا الحصان فلا نعلم عنه شيئًا.»

يحدث شيئًا ما بالتأكيد. ولكن ما هو؟ ثم يصل أحد الجيران المزارعين لشراء براندي من العجوز. إنه قادم من العالم، عالمنا. وهو يخبرنا بما نعرفه، ويصيغ بالكلمات ما نكافح معه: العالم، كما يقول، سوف يُدمَّر، وكل شيء ذي قيمة سيقع فريسة للانحطاط. يطرح رؤية فلسفية قريبة من أفكار نيتشه، مشيرًا إلى ما لحق بالعالم من تشويه على يد الإنسان وآثامه. العجوز وابنته يستمعان، لكنهما لا يعرفان ما الذي يتحدث عنه. يسكته العجوز بدعوى أن ما يقوله هراء شخص سكّير.

مع مرور الأيام، يزداد إحساسنا باليأس. في اليوم الثالث، يتصادف مرور مجموعة من الغجر الجوّالين بالمكان، ويشيعون في أرجائه أغانيهم وطقوس الشرب الاحتفالية، يرتوون من ماء البئر ويكملون طريقهم بعد أن يهدوا الابنة كتابًا «مضادًا للإنجيل». في اليوم الرابع، يتضح أن البئر جافة. هذا مستحيل، نعتقد. يفكّر المزارع وابنته في الأمر لثانيتين تقريبًا ويمضيا قدمًا. يجب عليهما المغادرة، للبقاء. يحزمان أغراضهما، ويحاولان جعل الحصان يتحرك، وهو ما يفشل، ثم ينطلقان بأنفسهما بعربة اليد، المسروج في طرفها الحصان. في لقطة عامة، نرى كيف يكدحان في مواجهة الريح الصارخة، يصعدان تلّة صغيرة ويختفيان خلفها. تبقى الصورة. غير مكتملة. لدقائق. ثم يعود العجوز وابنته، ينزلان التل، الحصان إلى الإسطبل، يعودان إلى منزلهما المظلم إلا من مصباح زيتي معلّق في وسطه.

اليوم السادس. كل شيء يتضاءل، الظلام يسقط. لا شيء يضوي بعد الآن. ولا حتى مصباح الزيت، رغم امتلاء خزانه. بالنسبة لأولئك الذين يشهدون كل هذا، اليأس اكتمل.

إذا كان «حصان تورينو» هو فيلمه الأخير، كما أعلن تارّ، فلا يمكن تخيُّل نهاية أفضل. لكنه قبل خمس سنوات أنتج فيلمًا قصيرًا مدته 11 دقيقة، بعنوان «محمد»، ضمن معرض خاص أقيم في هولندا تحت عنوان «حتى نهاية العالم». المكان مركز تسوق معاصر. أمام منطقة للأطفال، سيارة مجسّمة كبيرة، وصبي جالس يعزف على الأكورديون. قطعة موسيقية بدائية. فقط إذا أنصتنا بعناية شديدة، يمكننا سماع شيء من الإيقاع. الصبي ينظر إلينا. عيونه داكنة، ملامحه عربية. تبتعد الكاميرا، فتتراءى الخلفية. ألعاب أطفال. إعلانات. والسيارة: بها مصباح أمامي واحد يضيء وينطفئ ببطء. أخيرًا، تقترب الكاميرا مرة أخرى من وجه الصبي مع تغيّر الموسيقى إلى مقطوعة لموتسارت.

مرة أخرى، يطلب تارّ من المُشاهد تزويد صوره بالمعنى. قد يقول واحد إن الطفل بلا مأوى. يجلس هنا ويعزف لكسب بعض المال، بالنظر لصندوق العملات المعدنية أمامه. العنوان «محمد» قد يوحي بأن هذا لاجئ فار من المقتلة السورية. وهذا من شأنه أن يعطي معنى جديدًا لنظرته المباشرة إلى الكاميرا. هل هي نظرة اتهامية أم طلب لإعادة التفكير في ما يجري في أوروبا بعد ذروة تدفق المهاجرين إليها في 2015؟ ربما هو كذلك. ومن ثمّ تبرز فكرة الثورة والمقاومة التي يدفعها الفن. مثلما يحضر طيف «الجمهور غير الناضج»، كما في فيلم تارّ ورواية كراسناهوركاي. السيرك في هذه القصة هو المركز التجاري. والصبي ليس سوى الأمير الغامض، عينه الثالثة هي ذلك الضوء الوامض للسيارة اللعبة. أما الرابط الأخير، فهو الانتقال من موسيقى الأكورديون البدائية الناشزة إلى مقطوعة موتسارت المتناغمة.

 كل شيء يتحرك

هذا هو عالم تارّ: بمجرد قبولك أن الأشياء يمكنها أن تكون مختلفة، وأن هناك قوانين أخرى متساوية في الشرعية، يمكنك الوصول إلى وجهات نظر جديدة. لأن هذا هو ما أظهره لنا في عمله، ربما حدّ لعنتنا كما في فيلمه الرائع «تانجو الشيطان» (1994)، الذي يستند أيضًا إلى رواية لكراسناهوركاي. هنا بلدة أخرى منعزلة وقاتمة في حالة ترقّب بسبب وصول إيريماس، رجل غامض قد يكون شيطانًا بقدر ما قد يكون مخلّصًا، كان يُعتقد أنه مات منذ فترة. أشياء غريبة تحدث. في فصلٍ يحمل عنوان «منفصل»، تقتل فتاة قطّتها. ثم تسمّم نفسها. تموت في مكان مهجور. في وقت لاحق، يمرّ إيريماس بالمكان المهجور الخرب، وفي تلك اللحظة عينها تعبر سحابة. يركع الرجل ذو المعطف الأسود الطويل ويحني رأسه. والصورة تبقى وتبقى وتبقى. ماذا يعني ذلك؟ السؤال يمزّق إدراكنا للحقيقة، كل ما نعتقد أننا نعرفه قابل للمساومة ومعرَّض للانهيار.

من فيلم Satantango

يُعطى الحدث الذي سيجلب تغييرات كبيرة في «تناغمات فيركميستر» تمهيدًا/مقدمة في الدقائق الأولى من الفيلم، قبل أن يبلغ ذروته في أحد أبلغ المشاهد في فيلموجرافيا تارّ. في وقت إغلاق الحانة، يوضّح الشاب الحالم فالوسكا لمجموعة من السكارى كيف يعمل الكون. أنت الشمس، يقول لرجل ذو عين زجاجية وشارب كثيف، أنت الأرض، أنت الشمس. وهكذا تدوران حول بعضكما البعض، بمرور الوقت. لكن بعد ذلك، يقول فالوسكا، يأتي القمر بالضبط بين الشمس والأرض، وبعد ذلك، أيها الأصدقاء الأعزاء، لدينا كسوف للشمس. كيف يرقص رواد الحانة المخمورون حول بعضهم البعض -كما يتبين لنا أنها طقوس متكررة- أمرٌ جميل وغامض. وذو صلة. تشير الرقصة الكونية والحدث «الغامض» لكسوف الشمس إلى وصول الحوت بعد لحظات، عندما تلقي شاحنة تنقل المخلوق العجيب بظلالها الهائلة على القرية. مثلما يشكّل الأمير ظلًا. الغريب في الأمر أن تارّ أظهر هذا لاحقًا في الفيلم: صورة لرجل -أشبه بعفريت برأس غريب الشكل يتحدث بصوت غريب وعالي النبرة- على جانب الشاحنة. هذه الصورة ذاتها يتردّد صداها بقوة في «محمد».

تأتي الذروة الرهيبة في «تناغمات فيركميستر» عندما يبدأ الرجال المحرّضون، أتباع «الظلال»، الحوت والأمير، في الأكشن. لدقائق يتحرك الحشد في الشوارع. صامت وكئيب. خطواتهم مسموعة. وأنت مجبر على الاستماع إلى صوتها. لحركته تكوين ناظم أو إيقاع معيّن. هل هذه تناغمات إستر، مكتشف أكذوبة فيركميستر، الذي أظهر أنه ليست المقطوعات الموسيقية الغربية الحديثة، بل نغمات أريستوكينوس الطبيعية هي التي تحوي السبيل إلى الجمال الحقيقي؟ إذا كان الأمر كذلك، فالحدّ الفاصل بين الجمال والجنون يتلاشى تمامًا. فهؤلاء الرجال لا يتورّعون عن القتل المجاني في ثورتهم الفوضوية. يغزون المستشفى. يحطّمون المكان. يضربون المرضى بقضبان حديدية تحت تأثير نوبتهم الرهيبة. حتى يدخلوا الحمّام. هناك يقف عاريًا، رجل عجوز نحيف تتدلى ذراعيه من جسده. يغمض عينيه خجلًا. ليس من نفسه. بل من وحشية ما يحدث هنا.

التغيير والتحرّر ليسا اختياريين أبدًا. من حيث الجوهر، كلا الأمرين تخريبيان، تمامًا كما أن مرور الوقت وجميع أنواع العمليات البيولوجية لها آثار مدمرة على جسم الإنسان (الذي يصفه كراسناهوركاي في نهاية روايته عندما يشرح بالتفصيل ما يحدث للجسم المتحلل). وبالتالي، لا وجود لأي استقرار، أي «تثبيت إلهي»، لذلك تستمر الرياح في الهبوب على تلك المزرعة، وفي تلك القرية حيث ينتظر الناس وينتظرون. كل شيء يتحرك، دائمًا. شيء جديد آتٍ.

 أمل جذري

مشاهدة أفلام تارّ بترتيبها الكرونولوجي تكشف أنه، في خضم تحوّله من ذلك الشاب الغاضب من الاشتراكية الخانقة لبلده إلى المتأمل المتشكّك في الجنس البشري؛ تغيّر كل شيء تقريبًا في أسلوبه. من «سينما الحقيقة» في أعماله المبكرة إلى أسلوبه كما نعرفه الآن. وبالرغم من اشتغاله في سياق إنتاجي يتجاوز هياكل الإنتاج والتوزيع التقليدية (غالبًا ما عمل لسنوات على أفلامه بسبب صعوبة تأمين المال اللازم)، لكن مطلبه بقليل من الإنسانية (الغائبة في عالم متوحّش) واستثمار موارد السينما (المصروفة في سرديات وألعاب مبهرجة) بقي على حاله، حتى إن استمرّت/أو تغيّرت الوسائل الفنية التي يستخدمها في التوسّع والتأكيد على نفسها.

هناك بالفعل تحوّل نحو استخدام اللقطات المتسلسلة منذ «لعنة»، يتجذّر على نحو أوضح في جداريته السينمائية الممتدة لسبع ساعات ونصف الساعة، «تانجو الشيطان». أسّس «لعنة» أسس لعدد من العناصر البنائية التي استمرت في «أسلوب بيلا تار»، ولم يكن سوى نقطة انطلاق لمزيد من التطوّرات في عملية مستمرة من تثوير الأسلوب انتهجها المعلّم المجري عبر ثلاثة عقود تقريبًا. وتشمل تلك التطوّرات تجريبًا مستمرًا مع طول اللقطة واستخدام الصور ذات الطول البؤري العميق وحركات كاميرا كوريوغرافية أكثر تفصيلًا ودقة. غَيَّر المغامر الجريء واسطته، ذاهبًا للأبعد والأدوم، لكن دائمًا على تخوم القمم والهاويات، يعاين حبكة الزمن وآثار الوقت.

من فيلم Damnation

تبلور التجربة الاستثنائية لـ«تانجو الشيطان» أيضًا الطابع السينمائي غير القابل للاختزال لكتابة تستجيب لنصّ أدبي على قدر متساوٍ من الراديكالية والجزالة. تارّ خيميائي، كاميرته هي فُرنه الصاهر، وبها يحوّل المكتوب إلى مؤفلم وفقًا لوصفة تعتمد على الحركات البطيئة والمثابرة مع الوقت والعناية البالغة بالوجوه والإيماءات. مثال آخر هو تحويله رواية ميلانكوليا المقاومة إلى «تناغمات فيركميستر». ذكر هذه الطفرات، مثلما تحويله الجذري لرواية الكاتب البوليسي جورج سيمنون إلى فيلم نوار متجانس يشبه طابعه، ليس الغرض منه الاستعراض فحسب. إنما مجرد محاولة لمتابعة أحد الخيوط القائدة خلال عملية البناء الحسّية الهائلة التي تمثلها أفلام بيلا تارّ.

من المعروف أن اللقطات المتسلسلة هي العلامة المميزة لسينما تارّ. هذا صحيح، بمعنى أن لقطاته طويلة جدًا (13 لقطة كافية لفيلم مثل «حصان تورينو» يمتد لـ145 دقيقة). لكننا لا نقول شيئًا جديدًا تقريبًا حين نقول هذا، لأن ما يحدث داخل اللقطة المتسلسلة هو الفريد، غير المتوقع، ويختلف من حالة إلى أخرى، غني بتنوع الإطارات، والضوء، والشدّة العاطفية، أو على العكس من ذلك، في بعض الأحيان يتشبّع ببطء بشعور فريد يتصاعد حتى يصل إلى نوبة مفاجئة، لحظة كشف وتعرية. وإدراك هذا كلّه يتطلب شيئًا من الحبّ.

الحبّ شريك دائم في المشاريع الملحمية. وأفلام تارّ ممكنة بفضل حبّه للسينما. مثلما تصير مشاهدتها ممكنة بفضل قدر مماثل لدى المتفرجين. التفاني الذي يتضمّنه الجلوس لرؤيته. الحب والتفاني مقابل الترفيه والتسلية، كل الأشياء التي ربما تنال إعجابهم أيضًا. بهذا الحبّ يُدخلنا في البيوت الرمادية لتلك الشخصيات التي نسيها العالم، السائرين أيامًا من المؤامرات المشوشة، والمال الخفي، والخيانات، والسُكر الذي لا غنى عنه في البرد، والمشي في الوحل والمطر، الكثير من المطر.

في «تانجو الشيطان» ندخل بُعدًا للزمكان بعيدًا عن كل ما يحدث، نشهد حدوثًا لا يمكن تداركه لكل شيء. تحدث الأشياء، وبمجرد حدوثها، لا علاج. لا عودة. إنه الوقت الموعود. كل يوم فاجعة. هذا الوعي الملعون بالوقت المنفلت من كل لحظة، هذا هو بيلا تارّ. سينمائي يجبرك على الدخول في حبكة الوقت، وهي ليست مثل الدخول في حبكة القصص الصغيرة. كأن القصص الصغيرة هي الثرثرة التي نخترعها لملء ما يتجاوزنا ويتخطّانا: الوقت.

كما أن المرء لديه الوقت للتفكير والانجراف. ففيما يشاهد مسيرة شخصيات، تتابعهم الكاميرا من الخلف، تصاحبهم ريح تعصف بالقمامة من حولهم، دون أن ينقذه أحد من الحياة التي يستغرقها هؤلاء في الانتقال من البلدة إلى الحانة؛ لديه وقت للتفكير في حياته، للسرحان، ليغفو ويحلم قليلًا، ليستيقظ، ويتخذ قرارًا مهمًا، للانتباه لبعض الأفكار للعمل عليها.

من فيلم Satantango

تسمح لك هذه الأفلام بالتواجد أثناء مشاهدتك لها. أو بالأحرى أن تدرك أنك موجود حين تراها. عادة ما ترتبط هذه التجربة بالملل، وهذا الملل هو ما يمنحنا فرصة لإدراك فراغ الأشياء. لا تنوير بدون فراغ، وتارّ يعطينا منه الكثير. يطلب منا إلزام أنفسنا بالوقت الحاضر وأن نبقى هناك، مدركين دقائقه وثوانيه ولحظاته. ورؤية كيف أن هؤلاء الممثلين، المعابد المتجسدة في المناظر الطبيعية التي يسكنونها، يمسمرون أنفسهم داخل التجربة. التواجد هناك، داخل تلك اللقطات، معايشة وقتها، وإعادة رؤيته.. تلك العلاقة الحميمة المتمثلة في معرفة أننا شهود لتلك اللحظة التي استمرت لوقت محدّد ولم يعدّلها/يقطعها أحد.

تمكّننا لقطات تارّ الطويلة جدًا، والتي كان على الجميع أن يكونوا ملتزمين فيها (داخل وخارج المشهد)، من مشاركة الوقت معًا، أبعد من طبيعته المجرّدة. تقاسم الوقت معًا، أمر يبدو أكثر صعوبة. فتاة تمشي تحت المطر ممسكة بقطتها الميتة التي سمّمتها. هل اختارت مكانًا لدفنها؟ هل هذا هو القرار الوحيد الذي تبقّى لها؟ بمجرد دخول السمّ، لم يتبق سوى اختيار المكان. الطبيب سمين ويتنفّس بصعوبة، يراقب كل ما يحدث من نافذته ويشرب البراندي. يكتب ملاحظات في يومياته. إنه شاهد مفجع. يجد صعوبة في النهوض من كرسيه والذهاب إلى الحمّام وصبّ البراندي في الكأس. بيلا تارّ لا يعفينا من أي من هذه الإجراءات. سنكون هناك معه، لندرك تنفسه المضطرب، والجهد المبذول في النهوض من الكرسي أو الإحساس بأن الكحول ينزل من حلقه.

في الحانة يرقصون حتى الفجر. يسقط السكارى على الأرض، ويستمر العزف على الأكورديون؛ تستمر الموسيقى على خشبة المسرح، وتحتل الوقت. الطريق الذي يجب أن يسلكه الطبيب للوصول إلى الحانة، للحصول على البراندي الذي نفد، طريقٌ شاق. في فيلم عادي كنا سنراه يغادر منزله، وعبر قطع مونتاجي سنراه يدخل الحانة. هنا، نعيش التجربة الشاقة لهذا الجسد المقدم على تضحية كبيرة ليستمر صاحبه سكرانًا في الوقت القليل المتبقي. الواقع كما يراه تارّ، كما يجعلنا نراه؛ بلا جدواه وارتباكه وملله وفراغه. سينما عن وجود أجسادنا في المكان والزمان، عن حضور أجسادنا في العالم.

سمعتُ في مقابلة قديمة لبيلا تارّ أنه لا يحبّ رواية القصص، لأن القصص تدعّي أن شيئًا مهمًا يحدث في حياتنا، بينما في الواقع لا يحدث الشيء الكثير. نحن ببساطة نفعل ونفعل أشياءً، وذات يوم نموت. قال أيضًا إنه يسأل في أفلامه كيف نقضي وقتنا.

أفلام بيلا تارّ ليست عن الأمل. إنها هذا الأمل. عبر النظر في عين الكارثة، والتحديق فيها مليًا. تجربة جذرية، بمعنى أنها تقطع مع عادات الفُرجة، تتطلب رؤيتها شيئًا سهلًا بقدر ندرته: قبول الدخول في حالة غير عادية، وجعل نفسك متاحًا، دعنا نقول، لـ«علاقة مع العالم» تتوّلد عبر مدّة الفيلم، وعُمق الأسود، ورهافة الرمادي وتقشّفه، والشتاء والرياح والمطر والأشجار، والوجود القاسي للأشياء والأجساد.

 حكى لي صديق درَّسه تارّ في إحدى دوراته لتعليم السينما، قوله في إحدى محاضراته إن مصوّره السينمائي فريد كليمان (الذي تخلّى بشكل أو بآخر عن حياته المهنية في الإخراج من أجل تارّ) أشار إليه ذات مرة أنه أثناء عملهم في الموقع، بمجرد أن يعلن بدء التصوير، يتزامن تنفُّس جميع الحاضرين والممثلين والتقنيين. صدى مشابه تطلّبه أفلامه من مشاهديها، مثل جميع الأفلام العظيمة ربما، لكن أنفاس عمل بيلا تارّ ذات عمق فريد. ترى فيها أشياء مألوفة، لكن غامضة، كأنها بداية نفق لا يُسبر غوره إلا بالمشي في ظلامه، وحين إيغالنا في تلك الظلمة تتكشّف أنوار مخفية، أشياء مجرّدة على حواف التجاوز/التسامي، روحانية جديدة تتجاوز ما نعرفه. الطريق يصنعها المشي، كما يُقال، وسينما تارّ تعلّمنا ضرورته ودهشته، بالتأنّي فيه والانتباه لمرور الوقت أثنائه والانفتاح على اكتشاف حقائق جديدة من أجل معرفة أفضل بأنفسنا وبالعالم الذي نحياه.

 

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن