تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
الطواف حول الميريلاند

الطواف حول الميريلاند

#78| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

كتابة: بيسان كساب 6 دقيقة قراءة

#جو عام

هذا الويك إند، يُتوقع ظهور الشمس قليلًا بعد أيام من حجب السُحب لها، وكما يقول فؤاد حداد: «الشمس صنعتها تشمّس والقلب صنعته يتحمّس»، لذا نخصص هذا الدليل للتحمّس للطواف حول المريلاند مع بيسان كساب.

#دليل

عُمري 37 سنة، قضيتُ منها ثلاثين في حي مصر الجديدة. طوال تلك الفترة لم يكن يلح بوجوده عليَّ، أو بعبارة أخرى لم أكن لأهتم لو اضطررتُ في أي لحظة للمغادرة إلى حي آخر، أو هكذا كنتُ أظن. أنا اليوم امرأة في النصف الثاني من العقد الرابع، تلح عليها بعنف روح الأسى على ما فات دون أي سبب موضوعي، اللهم إلا مرور عشر سنوات على ثورة يناير على نحو جعل من الأسى على ما فات رياضة يومية، اتسع نطاقها لتشمل كل ما فات حتى وصلنا للأسى على مصر الجديدة.

لكن مصر الجديدة ليست كغيرها، فبينما يواجه الحي من آن لآخر هجمات تهدد وجوده، تتجسد المنطقة في صورة أم عجوز تواجه الموت الوشيك وتثير لدى أبناءها مشاعر الذنب على خلفية سنوات من العقوق. هذا ما حدث معي، أنا اليوم أطوف بمنطقة منها لأسباب ملفقة، «أقبل ذا الجدارا وذا الجدارا»، كما يقول قيس بن الملوح.

الميريلاند هي أكثر مناطق مصر الجديدة التي تجسد لديّ شعور الندم على عقوقها، فهي مرادف للمسكن الذي قضيت فيه الفترة من سن تسع سنوات وحتى 29 تقريبًا، فشرفة بيت أهلى ونوافذه تطل على الحديقة مباشرة بلا أي عوائق. ولم أهتم أبدًا بزيارة الحديقة طوال حياتي بعدما غادرت الطفولة المبكرة، ولم يكن قرار زيارتها قراري، بالرغم من أن زيارتها لم تكن لتكلفني أكثر من المشي المُتمهل لدقائق.

تطل نافذتانا على ضلع صغير من أضلاع المستطيل العملاق الأربعة، وهو الضلع المواجه لشارع شهاب الدين خفاجة، المُتقاطع مع شارع نهرو من ناحية وشارع المعهد الاشتراكي [يُعرف بـ«الحجاز»] من ناحية أخرى اللذين يطلان على الضلعين الأطول، أما الضلع الأخير الموازي لشارعنا، فلا أعلم ولا أعرف مَن يعلم اسم الشارع المُطل عليه. كانت أشجارها عالية ومتقاطعة كغابة لا كحديقة، قبل أن تُطالها إحدى جولات «التطوير» قبل عدة سنوات والتي شملت قطع أشجار تاريخية. 

كل ما تبقى بيننا -الميريلاند وأنا- ممارسة المشي على الرصيف الكبير المطوّق لها
تصوير: بيسان كساب

أهم ذكرياتي مع الحديقة هي المقاطع المصورة التي تحتفظ بها أسرتي لنزهاتنا الثمانينية هناك، زمن «العيش غض والزمان غلام» كما يقول ابن زيدون، وهي مقاطع صُورت بكاميرا سينما للاستخدام الشخصي كانت تمثّل تكنولوجيا متقدمة للغاية قبل ظهور كاميرات الفيديو الشخصية، وتمتع أبي بحظ سعيد في النفاذ لتلك التكنولوجيا بسبب تعدد أسفاره خارج مصر نسبيًا. ورداءة هذه المقاطع المصورة، تثير في القلب حنينًا مبهمًا من نوعية الحنين الذي تغنّي له فيروز «ما بعرف لمين». 

[يُمكن مشاهدة مقطع يسجل زيارة العائلة للميريلاند عام 1985 هُنا]

لا أتذكر آخر زيارة للحديقة، وكل ما تبقى بيننا -الميريلاند وأنا- ممارسة المشي على الرصيف الكبير المطوّق لها والذي بقى سالمًا من عدوان شنّته الهيئة الهندسية للقوات المسلحة مؤخرًا على شارع المعهد الاشتراكي المُطلة عليه الميريلاند. أنا الآن أعود إليها، فقط للطواف حولها، بعدما أهدرتُ الفرص الممكنة للزيارة، فهي مُغلقة الآن. 

أمين الشرطة المُرابط أمام بوابتها الصغيرة المطلة على الشارع القصير -الذي لا أعرف له اسمًا- لمنع السيارات من الانتظار، قال إن إغلاق الميريلاند بسبب «كورونا». سألت حرس البوابة من العاملين في شركة مصر الجديدة للإسكان الحكومية -مالكة الحديقة التي كانت تملك الحي كله قبل زمن طويل- عن الغلق فكرروا السبب الكوروني، لكن لم يكن الأمر منطقيًا، فلماذا تُغلق الميريلاند، ويُفتح متحف الطفل الذي يقع في شارع أبو بكر الصديق في الحي نفسه؟ 

أي كان السبب وراء استمرار غلق المريلاند، فقد وقعت عيني على الفور على لافتة صغيرة على البوابة تخبرني أن شركة النصر للمباني والإنشاءات (إيجيكو)، الحكومية،  قد تولت التنفيذ، في اشارة لعملية «تطوير» خضع لها جزء من الحديقة. 

لم أكن قد دققت النظر من قبل في البوابة، وما خلفها من الجزء المطل على الشارع الصغير، فلاحظتُ للمرة الأولى أن مساحات واسعة من النجيل الطبيعي قد اقتُلعت لصالح الرخام الأبيض الذي حمل وحدات للإضاءة مصنوعة من الحجر على نحو شبيه بعض الشيء بالتصميم السائد في حديقة الأزهر، وهو تصميم لا يمت بصلة للتصميم الأصلي لمباني ومنشآت الحديقة الأصلية ستينية الطابع. 

أخبرني الحرس أن الصفقة -التي لحقت بالتطوير- مع مستأجر هذا الجزء من شركة مصر الجديدة، قد أُلغيت قبل شهور بسبب غلق الحديقة على نحو توقفت معه الإيرادات فتعذر عليه تسديد الإيجار. كانت قيمة تذكرة الدخول -قد بلغت قبل إغلاق الحديقة- عشرين جنيهًا طول أيام الأسبوع وثلاثين جنيهًا في الويك إند.

تذكرتُ أن أمي اصطحبت ابني قبل الجائحة في زيارة للحديقة وأخبرتني بسعر التذكرة الذي بدا لي معقولًا وقتها، أو ربما لم يثر اهتمامي، لكني الآن أنظر بعين الحنين إلى فترة -ليست بالبعيدة- لم يتجاوز فيها سعر التذكرة جنيهين، كما سيخبرني موظف البوابة الرئيسية بعدما أتممتُ دورة كاملة حول الحديقة. 

تظهر الميريلاند كمساحة خالية أعلى الصورة، التي كانت مضمارًا لسباق الخيل، الصورة من كتاب صدر في 1947 عن مصلحة السياحة الحكومية

سعر الدخول الذي أراه بعين الحنين نموذج لأطلال دولة الرفاهة الناصرية التي تحللت، فالميريلاند بدأ تأسيسها أواخر الخمسينيات على أنقاض مضمار عملاق لسباق الخيل ارستقراطي الطابع الذي يشمل نشاط المراهنات، وهو المضمار الذي كان يضمّ منطقة تمتد لمساحة أوسع بكثير من الحديقة بمساحتها الحالية بما في ذلك على الأرجح منزل أسرتي. واستمرت الحديقة لعقود تتيح النزهة المُشمسة الكسولة وسط أشجار كثيفة وضخمة بأسعار لا تُذكر للأسر المتوسطة من أبناء الحي وزواره من الطبقات الأفقر الذين لا تخطئهم العين الطبقية لبعض أبناء الحي المتعالين.

وبحلول منتصف التسعينيات، أصبح إهمال الحديقة ملحوظًا، وتراجعت أهميتها لتقتصر على ما تتيحه من بعض الحرية للمحبين -بسبب مساحتها الشاسعة. وقتها، ظهر مشروع «نيو جينريشن» -انطلاقًا من مبدأ رفع الإيرادات المُعتاد- والذي خصص مساحة كبيرة من الحديقة للمطاعم والمقاهي مرتفعة الأسعار جدًا وقتها بالنسبة للطبقات الأفقر.

وبحلول 2010، كانت الكثير من العقود التي أبرمتها الحكومة مع الشركات الخاصة قد انتهت وبدا أنها قد أدركت أهمية استعادة الطراز الستيني الأصيل المميز للحديقة، لكن المشروع لم ينفذ. 

وبغض النظر عما حملته الأيام لاحقًا من مشروعات أخفقت فيها الحكومة مرارًا في توليد الإيرادات بأي ثمن، فقد شاهدت حصيلة المشروعات من وراء سور الحديقة في الجزء المقابل لشارع نهرو الموازي لشارع المعهد الاشتراكي، خلال طوافي. ومن خلف السور الحديدي، تحدثت مع الباشمهندس الذي يشرف على العمل في بناء ضخم يتشابه مع المباني التي تُرى في إعلانات العاصمة الإدارية الجديدة. فهمت منه إن المبنى الجديد الذي يملكه القطاع الخاص سيشمل مجمعًا ضخمًا للمقاهي والمطاعم. أما البحيرة القديمة التي كنتُ أطعم البط العائم فيها في مقاطعنا العائلية المصورة والتي كان يمكنك فيها استئجار مركب صغير بدال، فستعود للحياة. ولكن بلا بط ولا بدال، بل مجرد نافورة راقصة كما أخبرني الباشمهندس. 

مضيتُ في طريقي وصولًا للضلع الذي يقابل منزل أسرتي، وقبل نهايته، وجدتُ عاملًا يطل برأسه من السور الحديدي فسألتُه مجددًا عن إمكانية الدخول، فأخبرني بما لم أكن أعلمه طوال تلك السنوات: الحديقة تضم مشتلًا صغيرًا يتيح بيع النباتات للجمهور وهو الجزء الوحيد المُتاح الدخول اليه الآن.

دخلتُ المشتل من البوابة الوحيدة المفتوحة، وهي البوابة الرئيسية المُطلة على شارع المعهد الاشتراكي الذي يطل عليه آخر ضلع في طوافي. المشتل نفسه ليس إلا وسيلة لتصريف الإنتاج الزائد من النباتات، بخلاف الإنتاج الذي تخصصه الحديقة لاحتياجات الشركات العقارية الحكومية في مشروعاتها. لا تلفت النباتات النظر في المشتل، وإنما طرازه القديم كبناء خشبي ينفذ من فجواته الكبيرة المربعة ضوء الشمس على بعد عشرات الأمتار فقط من البناء الضخم الرخامي الجديد.. هكذا انهيتُ طوافي، عائدة لمنزلي بأصيصين من نباتات الميريلاند.

و#سلام.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن