الشيخ جراح: التطهير العرقي في القدس
ما حدث في منزل عائلة الكرد في حي الشيخ جراح هو ما يحدث في كل ركن من أركان فلسطين. إنها سلسلة متصلة من الاستعمار تربط الجزء بالكل.
خلال «انتفاضة الوحدة» مايو الماضي، قيل مرارًا وتكرارًا إن حي الشيخ جراح ليس إلا صورة مُصغرة لفلسطين. الجهود المبذولة لطرد سكانه، وهم لاجئين من منازل احتُلت عام 1948، لإفساح المجال للاستيطان اليهودي يُجسد جوهر التجربة الفلسطينية المُعاصرة. يشكّل نزع الملكية، وهدم المنازل، والإبعاد القسري، والسجن الجماعي، ووحشية الجيش، والألعاب القانونية البهلوانية، والسرديات الكاذبة مشروعًا صهيونيًا استعماريًا استيطانيًا اليوم في فلسطين. التهديد الذي يواجهه سكان حي الشيخ جراح حشد الفلسطينيين عالميًا لأنه تهديد نعرفه جميعًا، بل هو تهديد مستقر في وجداننا. ونشعر به بشكل عميق في أجسادنا. نحن ندرك أن «يعقوب»، المستوطن الذي ادعى ملكية جزء من منزل عائلة الكرد، هو التجسيد الفردي للغطرسة والعنصرية والعقلية الاستعمارية لدولة إسرائيل وأُسسها الصهيونية.
«حي الشيخ جراح: التطهير العرقي في القدس» هي محاكاة بقيادة نور أبو زيد، وهي مهندسة معمارية فلسطينية ومطورة ويب في Forensic Architecture، تضع المحاكاة ما يحدث بالحي في سياقه الأشمل، حيث يتم تقريب الكاميرا على منزل الكرد، ثم التراجع مرة أخرى لرؤية المشهد بطول وعرض أرض فلسطين، من النهر إلى البحر. يمر الخط بشارع كرم الجاعوني حيث تسكن عائلة الكرد في المنزل رقم 13. الحي: حي الشيخ جراح. المدينة: القدس. من خلال المحاكاة، يمكن للمشاهدين التواصل بصريًا مع نظام الفصل العنصري المحلي، والذي يتجلى في المنازل والشوارع ونقاط التفتيش، وما ينجم عنه من نظام فصل عنصري كبير؛ ذلك النظام المذهل للسيطرة اليهودية الذي بنته الحركة الصهيونية –ولا تزال تبنيه- في جميع أنحاء فلسطين.

من أعظم نجاحات الصهيونية هو قدرتها على تفتيت الشعب الفلسطيني، الذي يواجه فيما يبدو أشكالًا من الاضطهاد غير المترابط داخل مفارز منعزلة. يقاوم الفلسطينيون في غزة حصارًا محكمًا بينما يُقتلون على يد القوات الجوية الإسرائيلية الساحقة. في الضفة الغربية، يقاوم الفلسطينيون التوسعات الاستيطانية والمستوطنين المسلحين وشبكة واسعة من نقاط التفتيش الوحشية. يقاوم فلسطينيو 48 تمييزًا قانونيًا، بينما ينتظر اللاجئون العودة من المنفى، في المخيمات التي يتم إفراغها هي نفسها في المنطقة. في القدس، يقاوم سكان حي الشيخ جراح تجريدهم من ممتلكاتهم. تكمن قوة هذه المحاكاة في أنها تُظهر كيف أن هذه التحديات العنقودية ليست متباينة أو مختلفة؛ إنها جوانب مترابطة لنظام واحد. تُظهر المحاكاة كيف يمكننا، ويجب علينا، ربط القصص التي تتصدر عناوين الأخبار -المستوطنون يستولون على منزل في الخليل، وترفض الحكومة تفكيك «البؤرة الاستيطانية غير القانونية» في حومش- لصنع صورة كُلية.
هذه ليست مهمة سهلة. هناك العديد من العوالم المُصغرة في فلسطين، والكثير من خطوط المواجهة. هذه العوالم مجزأة جغرافيًا، ولكنها تقع ضمن تسلسل زمني متصل، يعتمد على مدى تغلغل الاستعمار الإسرائيلي. تاريخيًا، قبل حي الشيخ جراح كان لدينا حيفا ويافا واللد. خط المعركة الآن هو حي الشيخ جراح، ومنطقة «مسافر يطا»، وقرى النقب. ما لم ننجح في عكس هذا المسار، في غضون بضع سنوات، ستتصدر أجزاء أخرى من الأرض الفلسطينية عناوين الأخبار. هذا هو ما نسميه نكبتنا المستمرة. هذه بنية استعمارية لا هوادة فيها، وهذه هي خطوط المواجهة. النتيجة معروفة: إفراغ الأحياء الفلسطينية لإفساح المجال للمستوطنين اليهود.
لقد جادلتُ في مكان آخر بأن غزة هي صورة مصغرة لفلسطين. مساحة مكتظة بالسكان بشكل مصطنع كلاجئين وسكان على حد سواء؛ محشورين ومحاصرين في شريط ضيق من الأرض للسماح بتوسيع المستوطنات اليهودية في محيطها. غزة اليوم محاطة بأشدود وعسقلان وكريات جات، ومُحاصرة عسكريًا. هذا البنية الهيكلية تستنسخ نفسها بدرجات متفاوتة في جميع أنحاء الأرض الفلسطينية. إلى الشمال من غزة، على الساحل، يُحاط جسر الزرقاء وبيت حنانيا بقيسارية وزهرون يعقوب وناشوليم دور، وسكانهم معزولون بسبب عدم المساواة الهيكلية والحرمان الاقتصادي والتشريعات العنصرية. إلى الغرب، نابلس وجنين والمراكز الحضرية الأخرى، التي تشكل «مناطق أ» في الضفة الغربية، وهي مدن فلسطينية مزدحمة محاطة بـ «مناطق ج»، وهي أراضٍ شاسعة مخصصة للاستيطان اليهودي حيث يتجول المستوطنون المسلحون. والقدس، وحي الشيخ جراح، حيث الجهود المبذولة لطرد عائلة الكرد وجيرانهم، إضافة إلى قيام السلطات الإسرائيلية بتهويد المدينة، باستخدام جدران الفصل العنصري والحدائق والطرق والسكك الحديدية التي تستند إلى صياغة تشريعية عنصرية.
إن فهم خصوصية هيكل الفصل العنصري هذا، حتى مع الاعتراف بتجلياته وتنويعاته المختلفة على المستوى المُصغر، هو مفتاح تحريرنا. ورسم خطوط الربط بين الجزئي والكُلي هي إحدى طرق القيام بذلك. مثلما يوجد خط واصل بين «يعقوب» والحركة الصهيونية تاريخيًا وحاضرًا، كذلك يمكن رسم خط بين عائلة الكرد والنضال الفلسطيني من أجل التحرير، سواء في مقاومته التاريخية ضد الصهيونية أو في صيغتها المعاصرة. في مايو الماضي، أثناء انتفاضة الوحدة، أشار بيان الأمل والكرامة الفلسطيني: «في هذه الأيّام نكتب فصلًا جديدًا، فصل انتفاضة الوحدة التي تصبو لهدف واحد ووحيد: إعادة توحيد المجتمع الفلسطيني بكافة مُركّبات ومجالات الحياة. وإعادة توحيد الإرادة السياسيّة والسُبل النضالية في مواجهة الصهيونية في كل فلسطين»
في نضالنا، هناك متسع لجميع العناصر المختلفة التي يتكون منها شعبنا، والمقاومة متعددة الأوجه التي نستخدمها لمحاربة الاستعمار الصهيوني، وكلها مرتبطة بفكرة واحدة أيضًا: الحرية.
اضغط هنا للوصول لمحاكاة «حي الشيخ جراح: التطهير العرقي في القدس»
تقارير ذات صلة
القانون في خدمة القتل: الكنيست يصمم عقوبة إعدام تستهدف الفلسطينيين فقط
فشلت إسرائيل سابقًا في إقرار هذا القانون لـ3 عقود
بعد مهرجان افتتاح «المعبر»: فقط 12 فلسطينيًا عادوا إلى غزة
ضجيج بلا طحين
دون تفاصيل.. إسرائيل توافق على فتح «محدود» لمعبر رفح
إعادة فتح وشيك للمعبر
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن