السودان.. كيف وصلنا إلى هنا؟
منذ عزل الرئيس عمر البشير بعد حراك واسع شهده السودان، انطلق في ديسمبر 2018، دخل السودان منعطفًا قد يكون الأهم خلال تاريخه الوطني الحديث، فقد سقط نظام «المؤتمر الوطني» بعد 30 عامًا من الحكم، تاركًا إرثًا اجتماعيًا وسياسيًا واقتصاديًا معقدًا، انعكس على مستويات مختلفة، خلال فترة انتقالية شهدت محطات متفرقة، بدأت بوثيقة دستورية ووصلت للحرب اليوم.
بعد موجة احتجاجات دامت قرابة أربع أشهر، في السادس من أبريل 2019، اعتصمت الحشود في مدن السودان المختلفة أمام القيادات والفرق العسكرية بولايات السودان الـ 18، وكان أهم تلك الاعتصامات ما عرف باسم اعتصام القيادة العامة، والذي حدد طبيعة الفترة الانتقالية وتحالفاتها السياسية، والذي شهد التفاوض مع قوى إعلان الحرية والتغيير، وهي مجموعة الأحزاب السياسية المعارضة لنظام البشير، وتضم كتلة نداء السودان، بقيادة حزبي الأمة والمؤتمر السوداني، وكتلة قوى الإجماع الوطني بقيادة الحزب الشيوعي السوداني، وتجمع المهنيين، الجسم الذي قاد المواكب والمظاهرات.
وتمثل طرف التفاوض الآخر في المكون العسكري المعروف باللجنة الأمنية التي شكلها البشير لتسيير الشؤون الأمنية والإدارية لجهاز الدولة، وضمت قيادة القوات المسلحة وجهاز الأمن والمخابرات والشرطة وميليشيا قوات الدعم السريع.
بعد قراءة رئيس اللجنة الأمنية، عوض بن عوف، وزير الدفاع ونائب الرئيس حينها، بيان عزل البشير، تشكل المجلس العسكري، وسرعان ما تغيرت ملامحه حيث أجبر عوف على الرحيل مبكرًا، ليتولى بعده الفريق عبد الفتاح البرهان، القائد العام للجيش، رئاسة المجلس، كما استقال صلاح قوش، نائب المجلس العسكري، وظهر مكانه، محمد حمدان دقلو «حميدتي» قائد قوات الدعم السريع.
بدأت الفترة الانتقالية بتشكيل حكومة انتقالية مدنية تقودها أحزاب تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير، وذلك بشراكة مع «المجلس السيادي» الذي يمثل القوات النظامية (الجيش وقوات الدعم السريع وجهاز الأمن والمخابرات الوطني) وعناصر مدنية. وفي أغسطس 2020، وقّعت «الحرية والتغيير» ومجلس السيادة الانتقالي وثيقة دستورية جعلت من القائمٍ بأعمال الأمين التنفيذي للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لإفريقيا، عبد الله حمدوك، رئيسًا للوزراء. لكن انقلابًا نفذه البرهان في 25 أكتوبر 2021 جمّد العمل ببنود الشراكة داخل الوثيقة الدستورية.
بالرغم من الاتفاق العلني لسائر القوى العسكرية حول انقلاب البرهان، إلا أنه أزاح الستار عن انقسامات في التحالف العسكري، أدت إلى ما يعيشه السودان منذ السبت الماضي من معارك في قلب العاصمة الخرطوم. وترصد «مدى مصر» بالتقرير بضعة نقاط خلال المدة التالية لانقلاب البرهان قد تشير إلى كيف وصلنا إلى هنا.
بدأ الأمر بانقلابات محدودة أعادت أشباح الماضي على تحالف الجيش النظامي مع قوات الدعم السريع، بالتوازي مع تداخل نفوذ الأخيرة في بعض المناطق في السودان مع مصالحها الاقتصادية، ما وسع من رقعة الخلاف بين الطرفين.
إعادة ترتيب المؤسسة العسكرية ومراجعات من الماضي
أعادت فترة حكومة حمدوك ترتيب طبيعة العلاقة بين القوات النظامية ومواقع تأثيرها على القرار السياسي، كما يشير حيدر آدم، الناشط في منظمات المجتمع المدني والمهتم بقضايا النزاعات المسلحة.
يقول آدم إنه حسب إفادة الفريق شمس الدين الكباشي، رئيس اللجنة السياسية للمجلس العسكري الانتقالي والمتحدث الرسمي باسم المجلس، وعلى خلفية توقيع الوثيقة الدستورية، فإن إصلاح المؤسسة العسكرية قد بدأ. حٌلت مجموعة من المؤسسات الأمنية التي كانت اكتسبت سمعة سيئة في التظاهرات خلال فترة الحراك، مثل هيئة العمليات التابعة لجهاز الأمن والمخابرات الوطني، والذراع المسؤول عن المواجهات المسلحة، مما يعني فعليًا نهاية سيطرة النظام الأمني للنظام المعزول وتحييد جنرالاته عن المشهد السياسي.
كما يشير الكباشي، بحسب آدم، إلى بقية الأجهزة شبه الأمنية التي كان يستخدمها نظام البشير في تصفية خصومه السياسيين مثل: الأمن الطلابي وقوات الدفاع الشعبي، التي حٌلت بالكامل، وكذلك هيئة العمليات.
كل هذه الخطوات تمت قبل أن يوقّع المجلس العسكري على أي وثيقة سياسية مع قوى إعلان الحرية والتغيير. وفي هذا الوقت، حاولت «الدعم السريع» أن تستغل الفرصة، حسب بعض المراقبين، لتصعد بديلًا لجهاز الأمن، ولتمثل قوى ذات فاعلية سياسية حينها.
شهدت فترة التفاوض بين قوى إعلان الحرية والتغيير والمجلس العسكري عددًا من الانقلابات محدودة المدى. في 25 يوليو 2019، قاد رئيس الأركان المشتركة، هاشم عبد المطلب، محاولة انقلابية تعد الأقوى. تداولت وسائل التواصل الاجتماعي فيديو يظهر فيه عبد المطلب، ويٌسمع صوت حميدتي يستجوبه، فيما يقر عبد المطلب أنه ينتمي إلى حركة إسلامية، ولكن الانقلاب لم يؤيده الإسلاميون. وفي يوليو 2022، أطلق سراح جميع المعتقلين في المحاولة، بمن فيهم عبد المطلب. وذكر عضو فريق الدفاع، هاشم أبوبكر، لـ«مدى مصر» أن المحكمة عدّلت الأحكام الابتدائية في حق المطلب، ومن ثم أصدر البرهان عفوًا بصفته القائد العام للقوات المسلحة وأسقط ما تبقى من عقوبات ضده. ولكن تم الاستئناف على القرار، ليبقى الحكم بتسع سنوات سجن ضد عبد المطلب، كما هو.
محاولة انقلابية أخرى، حدثت عندما قام قائد ثاني سلاح المدرعات، اللواء عبد الباقي بكراوي، بمحاولة انقلابية، في سبتمبر 2022، سيطر خلالها على القيادة العامة، بالإضافة إلى العديد من المواقع العسكرية المهمة، إلا أن تفاوض جرى بين بكراوي والقيادات العسكرية، أثنته عن المحاولة، وقدم للمحاكمة، مع الضباط المتورطين معه في الانقلاب.
أظهرت هذه المحاكمات الموقف الحاد من قادة وضباط سلاح المدرعات تجاه «الدعم السريع»، وفقا لموقع «مونتي كارو» السوداني، الذي حصل على إفادات من الضباط المحاكمين.
أشير في جلسات المحاكمة الأولى إلى الأسباب التي أدت إلى المحاولة الانقلابية عبر سلاح المدرعات. قال بعض الضباط إنه في 2013، أرادت قوات الدعم السريع تدريب بعض الجنود التابعين لها على الدبابات وبعض المدرعات، ورفضت قيادة المدرعات هذا الطلب. وحسب إفادة الرائد أبو الريش، المدان مع بكرواي في المحاولة الانقلابية: «منذ تلك الفترة، فإن العلاقة بين سلاح المدرعات والدعم السريع متوترة لحد بعيد، خاصة عندما طالبت قيادة سلاح المدرعات بإرجاع عدد 54 مركبة مدرعة BTR تابعة لسلاح المدرعات من الدعم السريع، وموجودة في منطقة الزرق، شمال غرب دارفور. كانت دفع بها إلى تلك المناطق إبان فترة العمليات الحربية، وكان من المفترض إعادتها الى سلاح المدرعات ولكن ذلك لم يحدث». سبب ذلك أزمة بين القيادة العسكرية لسلاح المدرعات وبين «الدعم السريع»، والتي سرعان ما امتدت إلى بقية قيادات الأسلحة العسكرية في الجيش السوداني، وحاول البرهان احتواء هذه الأزمة كثيرًا.
الفشقة والشرق وتطور الصراع
لا أحد في السودان ينفي أن هناك خلفيات سابقة للمواجهة العسكرية الحالية بين الجيش و«الدعم السريع»، حسب البشير محمد عبد الله، المختص في الشؤون الإقليمية والدولية في السودان، والكاتب لدى موقع «سودان بلس»، ولكن هذه الخلفيات لا تظهر إلا في وقت حرج دائمًا.
يشير عبدالله إلى المواجهة العسكرية مع إثيوبيا في أراضي الفشقة، والتي بدأت في 6 سبتمبر 2020 عند محاولة القوات المسلحة استعادة أراضي الفشقة التي تحتلها إثيوبيا منذ 1991، حيث وجد الجيش السوداني فرصته في فرض الأمر الواقع على إثيوبيا التي انشغلت بحربها ضد قوات تيجراي.

كما يشير عبدالله إلى أن حميدتي منذ بداية تلك المواجهة، لم يظهر في الفشقة، ولم يحاول أن يقدم مساندة عسكرية واضحة ومعلنة للجيش، بالرغم من أن مصالح حميدتي في الشرق كانت الأهم له خلال تلك الفترة، لرغبته في إقامة ميناء وقاعدة عسكرية هناك.
ويضيف عبدالله أن الفشقة لم تكن ضمن أجندة حميدتي، بل وأثناء المواجهة، ذهب إلى إثيوبيا، واستقبله رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، وقام بجولة في مناطق اقتصادية، ورافقه أخيه الأصغر القوني حمدان دقلو، الذي يتولى الملف الاقتصادي لأسرة حميدتي.
تدخل حميدتي فقط بشكل غير مباشر في قضية الفشقة، بدعم المبادرة الإماراتية في حل القضية. والتي كانت تنص في الجزء الذي ظهر منها بعد أن تحصلت عليه عدد من المواقع السودانية، على اقتراح الإمارات بانسحاب الجيش السوداني إلى حدود ما قبل سبتمبر 2020، على أن تستثمر الإمارات في أراضي الفشقة، وتعود 40% من عوائد الاستثمارات للطرف السوداني، و40% للطرف الإثيوبي، في مقابل 20% للإمارات.
حسب محمد علي، المحلل السياسي الذي يكتب لأكثر من موقع اخباري سوداني، قبلت حكومة حمدوك بالعرض، حيث سافر مجموعة من الوزراء بقيادة نصر الدين عبد الباري، وزير العدل السابق، ومريم الصادق، وزيرة الخارجية السابقة، مع وزير الدفاع، ياسين إبراهيم، إلى الإمارات للتفاوض. ولكن مجلس الأمن والدفاع، الجهة التي تعتبر المجلس الاستشاري للبرهان في الشؤون العسكرية، والتي تشمل قيادة القوات المسلحة، كان رافضًا للمقترح، حتى قبل عودة الوزراء، ما أفشل محاولاتهم في خلق تفاهمات مع الجانب الإماراتي.
شهدت قضية الفشقة منعطفًا في العلاقة بين الجيش و«الدعم السريع»، حيث رفض كباشي المقترح الإماراتي، في تصريحات له أمام المواطنين بعد صلاة عيد الأضحى 2021، وذكر أن أي شخص لا يعترف بأن هذه الأرض سودانية يجب أن يبحث عن بلد آخر، مؤكدًا أنه لا تنازل عن الفشقة. وكانت مجموعات مختلفة من مواطني القضارف، الولاية التي تقع فيها منطقة الفشقة، قد استخدمت شعار «هذه الأرض لنا»، ذات الشعار الذي رفعه كباشي أمام المواطنين في رده على الموقف من المبادرة الإماراتية.
وكان حميدتي يولي اهتمامًا خاصًا بالساحل السوداني الشرقي، نتيجة لطموحه الاقتصادي والعسكري، ووجد فرصة في ذلك من خلال تكوين قاعدة اجتماعية تتبعه بشكل مباشر، حيث تدخل في المشاكل الأهلية التي حدثت بين أبناء النوبة والبني عامر في مدينة بورتسودان منذ أغسطس 2020.
كان بعض المواطنين في المدينة طالبوا بقوات من خارج ولاية البحر الأحمر، بعد أن وجهت اتهامات لأبناء النوبة داخل الجيش بالانحياز للسكان في مناطق النوبة، مقابل زيادة العنف ضد البني عامر. على هذا الأساس، أرسلت قوة إسناد لتعمل على حماية المواطنين بدلًا من قوات الشرطة والجيش، إلى ولاية البحر الأحمر، وكان قوامها من قوات الدعم السريع، بتكليف من حميدتي، وبموافقة البرهان، الذي كان يتحالف مع حميدتي في بعض الأمور ومنها الموقف من النزاع القبلي في الشرق.
وفي مطلع 2022، بعد إرسال حميدتي لقواته بعدة أشهر، أصدر القائد العام للقوات المسلحة قانونًا بإسناد قانون البحار للعام 1970 إلى وزارة الدفاع، بدلًا من مفوضية الحدود، الجهة المستقلة التي تشرف على ملفات الحدود السودانية. ووفقًا للمرسوم الدستوري، فإن وزارة الدفاع يجب أن تدير الساحل القاري للسودان، بالإضافة إلى 5 كيلومتر من اليابسة، مما يعني فعليًا أن جميع الموانئ التي تطل على البحر الأحمر تشرف عليها وزارة الدفاع بشكل غير مباشر.
يرى قائد في إحدى القوى السياسية بولاية البحر الأحمر، فضل عدم ذكر اسمه، أن القانون جاء لوقف تمدد حميدتي على ساحل البحر الأحمر، خصوصًا أن اهتمامه بالميناء لم يكن بريئًا، فضلًا عن وجود قواته بشرقي السودان وزيادة عددها مع الأحداث الأهلية والاقتتال القبلي، الأمر الذي دفعه إلى البحث عن معسكر لها في ولاية البحر الأحمر.
وكانت قيادة «الدعم السريع» قد طلبت من والي ولاية البحر الأحمر منحهم أراضي في منطقة مرسى عوتري، من أجل أغراض تدريبية عسكرية، وأتى الرد من قبل المدير التنفيذي لمحلية «جبيت المعادن» بالرفض.
وتحتوي منطقة «جبيت المعادن» على أهم شركة تعدين سودانية(أرياب للتعدين)، وكذلك معهد تدريب ضباط القوات المسلحة وجنود صف. وحسب أحد الجنود، والذي تحدث بشرط عدم ذكر اسمه، قائلًا إن معهد جبيت يعتبر من أهم المؤسسات التي تؤهل ضباط القوات المسلحة السودانية، مما يظهر وكأن حميدتي يحاول أن يكون له قوة موازية هناك في مقابل الجيش.
يشير مراقبون إلى أن قرار البرهان بإسناد قانون البحار لوزارة الدفاع يرتبط أيضًا بمقترح أثير حول إقامة قاعدة روسية في البحر الأحمر، وهو الملف الذي بدأ مع زيارة البشير إلى روسيا في مطلع العام 2019 كمحاولة منه لكسب تحالف دولي، وقد أثارت هذه القاعدة مخاوف العديد من دول الجوار. وأثير ملف القاعدة الروسية مجددًا مع زيارة حميدتي إلى روسيا في مارس 2022، في ذات الشهر الذي أصدر فيه البرهان المرسوم الدستوري بخصوص البحر الأحمر.
لم تتوقف علاقات حميدتي عند القاعدة الروسية في البحر الأحمر، بل تدخل في إفريقيا الوسطى عبر علاقته القبائلية مع الجهات الحاكمة وتوفير الدعم المالي والسياسي لها في محاولة لترسيخ وجوده في وسط إفريقيا، إلا أن هذا التدخل قد انعكس عليه سلبًا، حين تورط مع روسيا في ملف الذهب، من خلال المشاركة في عمليات تهريب الذهب من السودان وإفريقيا الوسطى، حسب التقرير الذي نشر بـ«CNN»، الأمر الذي لم يجد قبولًا من القيادة العسكرية.
واتهم حميدتي من أسماهم مجموعات داخل السودان تعمل على توريط «الدعم السريع» في صراعات داخل إفريقيا الوسطى، بالرغم من أنه أوقف قوات حاولت أن تطيح بحكومة إفريقيا الوسطى، مدعيًا أنهم على اتصال مع الحكومة في بانغي، عاصمة إفريقيا الوسطى، لذلك تم إغلاق الحدود. وكانت القوات المشتركة السودانية-التشادية قد أعادت انتشارها على الحدود تحت إشراف رئيس أركان الجيش السوداني، على ذات مناطق خط انتشار قوات الدعم السريع.
انقلاب 25 أكتوبر وصراعات دارفور وغرب كردفان
انقلب البرهان في 25 أكتوبر 2021 على حكومة حمدوك، التي شكلتها القوى السياسية، وأعاد المجلس العسكري الذي تم حله بعد تشكيل مجلس السيادة الانتقالي في 2020، وفض بنود الشراكة مع قوى إعلان الحرية والتغيير. وبالرغم من ظهور حميدتي المكثف قبل الانقلاب، أعقبه اختفاء تام، حتى ظهر في فيديو مسجل منشور له على الصفحة الرسمية لقوات الدعم السريع يؤيد فيه خطوات البرهان. وحسب تحليل حينها للكاتب ورئيس تحرير صحيفة «التيار»، عثمان ميرغني، أوضح أن «هناك تقاسم للأدوار بين المجموعة العسكرية التي تتولى الحكم الآن في السودان، حيث كان البرهان هو الشخص الوحيد الذي يظهر أمام الإعلام ويتحدث باسم المجموعة العسكرية بالكامل، وهو الذي يصدر القرارات باسمه، بصفة القائد العام للقوات المسلحة السودانية».
ولكن، وبعد انقلاب البرهان، أدى دخول حميدتي في تحالفات قبلية في دارفور وإقليم كردفان، إلى مزيد من التعقيد في علاقته مع الجيش.
في 4 أبريل 2022، وعلى إثر النزاع القبلي في ولاية غرب دارفور في مدينة الجنينة، والذي خلف 201 قتيل، تورطت قوات الدعم السريع في مواجهات مع القوات المسلحة. ويعود الاقتتال للخلاف بين قبيلة المساليت، والتي تعتبر الجنينة عاصمة سلطنتها التاريخية، وقبيلة الرزيقات، التي ينتمي لها غالبية قوات الدعم السريع. تدخلت القوات المسلحة، حسب مواطنين، بعد ظهور فيديوهات تؤكد استخدام اسلحة وسيارات تتبع «الدعم السريع» في الصراع القبلي.
وكانت قيادة القوات المسلحة استبدلت جميع القوات الموجودة في ولاية غرب دارفور بقوات من خارج الولاية. ونالت تلك الأحداث أيضًا اهتمام مجلس الأمن الدولي، الذي أصدر توجيهات بإجراء تحقيق عاجل بسبب الكارثة التي خلفها النزاع.

وفي نوفمبر 2022، احتشدت مجموعة من قبائل النوبة في شارع القصر الجمهوري بالخرطوم من أجل تسليم رئاسة مجلس الوزراء مذكرة تندد بانتهاكات قوات الدعم السريع في ولاية غرب كردفان، وبالتحديد في منطقة لقاوة. وجاء الخلاف مع قوات الدعم السريع بسبب التعدين الذي تحاول قوات حميدتي احتكاره في مناطق الإنتاج الكبير في الولاية، مما أسفر عن اشتباكات قبلية شاركت فيها «الدعم السريع». ووجدت حادثة المذكرة استنكارًا من حميدتي، حيث قال إن «هناك من يفتح لهم شارع القصر وهناك من يغلق في وجههم الطريق». كان ذلك أمام حشد من الإدارات الأهلية بغرب كردفان، في اشارة واضحة الى مكون النوبة، الذي ينحدر منه كباشي الذي أوقف التعدين في المنطقة بشكل كامل.
وفي ديسمبر 2022، شهدت مدينة نيالا مواجهات مسلحة بين قبيلة الرزيقات والداجو، مما أسفر عن اضطرابات أهلية، ليقرر قائد قوات الدعم السريع على إثرها السفر إلى نيالا. لكن القادة والزعماء الأهليين لقبيلة الداجو رفضوا مقابلة حميدتي، وأصدر مجموعة من المشايخ بيانًا يرفضون فيه الزيارة. وبالوقت نفسه التقى قادة قبيلة الداجو كباشي بالقصر الجمهوري بعد الحادثة بأيام، مما يشير عند كثير من المراقبين للوضع الأمني والسياسي إلى أن كباشي أقرب ما يكون للأوضاع الأمنية من غيره، وأن ملف سلام دارفور تحت يده.
انفجار الأزمة
في سبتمبر 2022، قال المتحدث الرسمي باسم قوى إعلان الحرية والتغيير، ياسر عرمان، إن قوات الدعم السريع يمكن أن تكون نواة للجيش الوطني. وكانت «الحرية والتغيير» بدأت منذ أغسطس 2022 عملية سياسية واسعة للضغط على المكون العسكري للتوقيع على اتفاق سياسي أساسه الوثيقة الدستورية للجنة التسييرية لنقابة المحامين، وكانت تلك الوثيقة وجدت دعمًا دوليًا من قبل الآلية الرباعية، التي تضم الولايات المتحدة والسعودية والإمارات وبريطانيا. واشترطت الوثيقة ابتعاد الجيش عن السياسة، وإجراء إصلاح أمني، والوصول إلى جيش مهني واحد.
في الرابع من ديسمبر 2022، وقّعت قوى إعلان الحرية والتغيير مع المكون العسكري على اتفاق إطاري، بوساطة البعثة الأممية. وسهل تدخل الولايات المتحدة وبريطانيا مع الإمارات والسعودية بالاتفاق، بعقد مجموعة من الجلسات والمشاورات، لتوحيد الآراء حول إعلان دستوري جديد وتشكيل حكومة مدنية انتقالية. في الوقت نفسه، رفضت كتلة سلام جوبا، بالإضافة إلى الحزب الديمقراطي بقيادة السيد محمد عثمان الميرغني، والذي كان قد عاد للتو من القاهرة، وشكّل مع سلام جوبا وبقية الحركات المسلحة الرافضة للاتفاق الإطاري ما يعرف بقوى إعلان الحرية والتغيير-الكتلة الديمقراطية. كانت القوى قد أقامت ورشة حول الاتفاق الإطاري بالقاهرة في فبراير 2023.
تسارعت وتيرة الأحداث بعد زيارة مجموعة من الوفود من دول الجوار، منها زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي، إيلي كوهين، والذي التقى بالبرهان، وكذلك زيارة مبعوث دول الاتحاد الأوروبي، إيدان أوهار، ومبعوث الخارجية الأمريكية للقرن الإفريقي، ديفيد ساترفيلد، وزيارة وزير الخارجية الروسي، سيرجي لافروف، إلى الخرطوم في مطلع فبراير. وكان أول الواصلين إلى الخرطوم بعد الاتفاق الإطاري هو مدير المخابرات العامة المصرية، عباس كامل، الذي التقى بالبرهان، ومن ثم الحرية والتغيير التي رفضت طلبه بإقامة جلسات مناقشة حول الأوضاع السياسية بالقاهرة، حسب البيان الذي نشرته قوى إعلان الحرية و التغيير على صفحتها بموقع فيس بوك.
يمكن فهم هذه الزيارات، كما يشير أحد الناطقين الرسميين لتحالف قوى إعلان الحرية والتغيير، بعدما طلب عدم ذكر اسمه، إلى أنها تأتي مع اقتراب ترتيب السلطة في السودان، وحرص الجميع على مصالحه في السودان خصوصًا وأن هناك مشهدًا دوليًا جديدًا.
في مطلع فبراير المنصرم، ظهر ملف الاتفاق الإطاري على السطح، وهذه المرة عبر تصريح البرهان، الذي أشار إلى أنهم لن يوقعوا على أي اتفاق سياسي ما لم يشمل الجميع، لتأتي بعد ذلك تصريحات كباشي، وهذه المرة من جنوب كردفان في زيارته، حيث وضع شروطًا جديدة لتوقيع النسخة النهائية من الاتفاق السياسي. وأمام حشود أخرى في محلية كلوقي، ذكر كباشي أنه لن يكون هناك أي اتفاق سياسي ما لم يتم الوصول إلى وضع جيش مهني واحد تحت قيادة واحدة. وأمام قيادات عسكرية، جدد قوله إنه لن يكون هناك أي تفكيك للقوات المسلحة السودانية. أعاد كباشي حديثه الذي قدمه قبل عام في ذات الولاية، حول أنه لن يكون هناك أمن ما لم يكون هناك جيش واحد فقط.
بعدها، خرج حميدتي في بيان متلفز، قرأه من داخل المقر الرئيسي لقيادة قوات الدعم السريع، وأقر بفشل انقلاب 25 أكتوبر 2021، وأنه كان مخطئ بالمشاركة فيه، وأنه يدعم الاتفاق الاطاري. ووصفه بأنه المخرج من الأزمة السياسية الحالية، في تحرك يبدو أنه يصب في مصلحة قوى إعلان الحرية والتغيير. يشير التحرك إلى أن الساحة السياسية تنقسم الآن إلى معسكرين، الأول بقيادة الجيش، في تحالف خفي مع الحركات المسلحة، والثاني الدعم السريع، في تحالف مع قوى إعلان الحرية والتغيير.
في الثالث عشر من أبريل الحالي، خرج الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة، العميد نبيل عبد الله، ببيان متلفز يتهم فيه قوات الدعم السريع بحشد قواتهم وتمركزها في مناطق حساسة واستراتيجية وأشار إلى وجود القوات على مقربة من مطار مروي والقاعدة الجوية.
جاء الرد من قوات الدعم السريع عبر بيان منشور على موقع تويتر تفيد فيه بأن الانتشار يأتي جزء من مهامها الوطنية. لم تكتف «الدعم السريع» بالقوات التي تمركزت على مقربة من مروي، ولكن أيضًا استجلبت عددًا من سيارات الدفع الرباعي، لتتمركز داخل المدينة الرياضية، جنوب الخرطوم، وتمركزت أيضًا داخل مدينة الشباب، جنوب شرق الخرطوم، لتبدأ المواجهة العسكرية بين الطرفين صبيحة السبت 15 أبريل 2023 بعد أربع أعوام من عزل البشير.
تقارير ذات صلة
تحقيق لـ«ذا سنتري»: أحمد جاد الله مهندس حكم اللصوص في شرق ليبيا
تمدد دور جاد الله ليصبح فعليًا المدير التنفيذي لاقتصاد شرق ليبيا تحت حماية صدام حفتر
«أنا أربح وأنت تربح».. قمة مصرية تركية على خلفية إقليم مشتعل
تحظى العلاقات التجارية بين البلدين بأهمية متبادلة
العودة إلى السودان.. إعادة رسم السياسات من المربع الأول
بينما احتفت وسائل الإعلام الموالية للدولة في كل من مصر والسودان بالعودة، ازدادت خيبة أمل السودانيين
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن