السحلات المنجيات
#جو عام
في هذا الديتوكس تدلنا مي المغربي على سكة النجاة من مشاكل التعلق عبر الإقدام داخل ما لا نألفه، تسرد لنا التجربة من الدخول المفاجئ حتى الوصول إلى بر الأمان، بعد عودتها بالسلامة من إحدى السحلات المنجيات.
#دليل
مرت ساعة وأنا أدهن كريمًا باسطًا للعضلات على كتفي الأيسر، ببطء. ظهرت بقع حمراء إثر احتكاك باطن يدي اليمنى بجلد كتفي. ومع ذلك، ظلت نقطة داخل هذا الكتف تومض بالألم، وتضغط عليّ، ويستمر الدهن.
هذه لغة عقلي، يشتت انتباهي، يُشغلني بمشاكل صحية، لكنه يفشل. يستمر ألم كتفي، وأفكاري حول علاقتي العاطفية تلتهمني ثم تلفظني، حتى تلتهمني مرة أخرى. في هذه الليلة، أنقذني من دوامات الفكر والألم صوت قادم من بعيد، اللول السبع يغنّي عبر كاسيت شاب متهور يلف شارع النصر بموتسيكل:
أنا بقيت في سجن العذاب وبيتحكموا فيّ الأغراب حكم عليّ القدر ياخويا، مسجون ورا القضبان، اكتب حروف الندم بإيدي، وارسم كمان على الجدران. كنت بقوم بلَقيك جنبي، دلوقتي بقى على بابي سجان.
كنت أحب هذا المهرجان في فترة عبوري من الطفولة للمراهقة، اللول هو كاتبه، ويحكي فيه عن تجربته داخل السجن، وفراقه لأخيه فيلو. قبل أن يؤسس فرقة الدخلاوية، التي أصبحت ريفرنس لكل الفرق، ومغنيي المهرجانات في الإسكندرية فيما بعد. سألت نفسي: هو اللول السبع راح فين؟
بعد 2011، اختفى، ثم عاد للظهور بين 2014 و2018 بمهرجانات رديئة، وغير ناجحة مقارنة مع حكاية الصحاب الذي يسرده من موقع تفاوض مع الجمهور المُتخيل؛ يظهر ضعفه وندمه على طيشه، والمشي في سكك لا تخصه. أيضًا له مهرجان «مولد ذكر الدخلاوية» بسرد صوفي يتأمل حضور مولد «المرسي أبو العباس»، ويشجع الناس على التمسك بذكر الله. ينقذني صوت اللول السبع، مما كان يحدث داخل دماغي التي انقسمت مؤخرًا؛ يعمل كل جزء فيها وحده ويعتبر الآخر غريمه. يقرر كل منهما أن يسلك اتجاه بعينه في علاقتي العاطفية متجاهلًا قرار الآخر. وما يشجع ذلك تصرفات شريكي الذي كان يضعني في موقع لا أفهمه، فتزداد حدة الصراعات وأُصاب بنوع من العجز. عجز عن التخلي، وعجز عن الاستمرار في لحظة واحدة. لكن سؤالًا واحدًا قدر على لحَم جزئي دماغي: هو اللول السبع راح فين؟
أعاود سماع آخر مهرجاناته، وأتساءل عن سبب تخليه عن بصمته، بل لماذا ترك الكتابة؟
مهرجاناته الجديدة تتحدث عن الحطّ على الناس، والتخلي عن الأصحاب الغدارين، وتوكيد غشومية شخصيته، ولأن هذه ليست منطقته على ما يبدو، كان حضوره داخل المهرجان فاترًا وهامشيًا، رغم كل هذا الصخب. لم تستمر وحدة التفكير هذه سوى يومين، وغرقت مرة أخرى في التفكير حول الحُب، فانشغلت عن اللول السبع.
أحكي لصديقاتي عن هذا الصراع وعجزي في التقرير، مكتشفة أننا دخلنا في علاقات متشابهة، ارتبطنا برجال مختلفين شكليًا لكن بنفس السمات، سببوا لنا الحيرة، رغم أنهم واضحون فيما يقولون عن كونهم غير جاهزين للارتباط. لكنهم لا يتركونا في حالنا، يعبّرون عن مشاعرهم، يغدقون علينا بالهدايا، والاهتمام والدعم. لكنهم يسممون أبداننا بأقوالهم إننا لسنا في علاقة عاطفية، أو أنهم غير مستعدين لذلك الآن، وعلينا الانتظار إذا كنّا بالفعل أحببناهم يومًا. أخبرهن أننا نستحق رجالًا أفضل من هؤلاء المهزومين.
وحين أعود للبيت أضعف أمام رسالة منه، وأقرر أنني سأنهي العلاقة غدًا، وحين يأتي الغد أرسل له آخر مقال كتبته، انتظره ليلًا حتى يصل بيته لتبدأ وصلة سهر رومانسية على الموبايل. أسمع من صديقاتي أنهن فعلن المثل، نضحك ثم ندخل في نوبة بكاء بسبب كبريائنا المجروحة وشعورنا بالضياع. ثم يقتحم صوت اللول أفكاري طافيًا فوق سطح الليل عبر كاسيت الشاب المتهور الذي يقترب من بيتي كل ليلة، كأنه يريد التأكد أنني سمعت نداء اللول:
«شفت الشاويش أبو شنبات قال يلّا اللي معاه أمنات، ونزلوني حوش تحت الأرض، وأنا قلت على الله توكلت، نزلوني على الإيرادات قعدونا أربعات أربعات، حلقوا ليّ شعري الظريف، وخلوا شكلي بقى مخيف، ودخلوني ع الزنزانة، بنام واصحى أنا على الصفارة.»
ثم دخلنا مرحلة الـ on and off نبقى سويًا لعدة أشهر، ونترك بعضنا عدة أشهر أخرى، ثم نعود ونخبر بعضنا أننا لم نستطع احتمال فكرة الفراق وهكذا. مما سبب لي اختلال في الاتزان النفسي: كلام كثير، انفعال طول الوقت، خوف وبكاء، كوابيس، أوجاع، تفكير في اللول السبع الذي بدأ يسحب كرسيًا ويجلس في دماغي أمام طاولة قصيرة يدخن بشراهة، ويسند سجارته في طفاية على شكل قوقعة كبيرة، ممسكًا بقلم جاف وأمامه بضع ورقات فلوسكاب مجوز يخط فيها مهرجانًا جديدًا. لذا أقنعت نفسي أن عليّ تعلية الجرعة، ونزلت الدخيلة بحثًا عن اللول السبع.
تنقسم الدخيلة لجزء شعبي يطل الشارع المؤدي له على المقابر، وجزء آخر أقل شعبية يطل على البحر. اختار حدسي الجزء الشعبي، ومشيت بلا خطة محددة. لاحظت جموعًا من الناس تمشي في اتجاه معين فمشيت معهم، كامرأة حامل في الحزن والثقل لكنه في قلبها، كلما مشيت اهتز هذا الحمل ونزل بين رجليها فتمر من فوقه، كأنه جنين لا يخصها. وصلت معهم لشارع اسمه الشمعدان، ووقفنا عند محل بقالة مزدحم، فهمت من البطاقات الخضراء التي تحملها النساء أن التموين الشهري يُصرف هنا. وقفت في طابور التموين، ووجدتها حجة للنظر والتعرف على الشارع. لم يكن شارعًا بالمعنى الذي أعرفه. كان أشبه بجحر، ضيق وتلتصق العمارات ببعضها. كل بلكونة تطل على بلكونة العمارة الأخرى، لو مددت يدك يلمسك جارك في الجهة المقابلة ليباصي لك ولاعة. وفي الخلفية، تشتغل عدد من المهرجانات الجديدة عبر التكاتك. حينها فهمت سرّ تغيير اللول السبع لون المهرجانات بعد عودته، الدخيلة ليست بالمكان المناسب لإظهار الضعف، أو نشر الروحانية. بل يمشي ناس الدخيلة كأنهم مساقون للذبح، تائهون، متنكد عليهم. لا يخرجهم من هذا إلا دخول مفاجئ لتوكتوك محفوف بصوت حمو بيكا خارجًا من سماعات ترج الأرض، حينها فقط يحدث انتباه ناس الدخيلة.
وسط التدافع والزعيق شعرت بالأسى على نفسي ومنها، بسبب طريقتي في الحُب. لا أعرف إن كان حبي يُسمى حبًا، بل أكون مثل السكر حين يذوب في الماء، أبذل وقتي ومشاعري وتفكيري، يتماهى حضوري مع الشريك، ناسية نفسي.
يتمرمط جسدي من التدافع في طابور التموين. وبعدما اكتفيت من نظرات الناس المتسائلة عن وجود فتاة بهيئتي وسطهم مشيت.
مشيت كثيرًا، حتى وصلت بحر الدخيلة. وهناك شعرت أن لكتفي صوت، وأنه يصرخ. ثم صمت كأنه تخلص من آخر نقطة كانت تومض بالألم. لا أعرف إن كانت رحلتي انتشلني من الألم أم بدلت سحلة برحلة مُربكة، كل شيء مرتبط ببعضه، ومع ذلك غير مفهوم، لكني أدرك إني كنت سأفعل أي شيء للوصول لقمة السحلة، رحلة بحث بدأت بسماع صوت اللول السبع، أو أي شيء يبعدني عن التعلّق ومشاكله.
و#سلام.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن