تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
السباق والذباب الأزرق

السباق والذباب الأزرق

#243|دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

كتابة: عليا صالح 16 دقيقة قراءة

#جو عام

عن مشاعر تفلت خارج أوقات العمل الرسمية، تكتب عليا صالح، الأمر أعمق من راحة التحرر من الزي الرسمي والتخلي عن مشابك الشعر لتضفيره، بل ما يتراكم عبر الوظيفة التي تتطلب تحولًا لا رجعة عنه، وخلال التقدم والترقي تُفقد مشاعر وما هو أكثر في هذا السباق. استريحوا منه بقراءة هذا الديتوكس وتمتعوا بالإجازة.

#دليل

دقت الثالثة مساء الخميس، أغلقت الكمبيوتر وبصمت بصمة الوداع، بدأت إجازة العيد، ارتديت سماعاتي، وتمشيت حتى منزلي في العجوزة، ينقلني المشي من عالم المال متسارع الأحداث، إلى عالم المعجنات المتمهل. مع كل خطوة نحو المنزل يخفت رنين هاتف مكتبي المتواصل، وتحل صور جديدة: طبق كعك العيد مرشوش بالسكر الناعم، وكوب من الشاي الثقيل، لكن الهاتف مستمر في الزن ورسائل «الواتس آب» لا تنضب، يفسدون انغماسي في خيالاتي المحلاة.

أخيرًا وصلت، ألقيت بحذائي في الهواء، واتبعته بملابسي قطعة تلو الأخرى. حررت بعدها شعري من المشابك التي تؤدي دور النبطشي بحماس طوال اليوم وتخمد رغبة أي شعرة في الخروج عن مسارها المرسوم بصرامة. فكرتُ في ترك شعري منسابًا على ظهري ليتنفس قليلًا، لكنني في النهاية تراجعت وعدت إلى تسريحتي المعتادة في غير أوقات العمل.

ودعت رمضان بأكله المفرط، وشعرت برغبة في الخروج للشارع، تسلحت بضفيرتين طويلتين، تشبهان ضفيرتي جدتي، لكن الشعر الأبيض استعجل زيارتهما، فهو منافس قوي للشعر الأسود، محبٌّ للظهور، مستقلٌّ ويرفض لون الصبغة. ظهر في وقت غير متوقع، قبل أن أبلغ العشرين. لا أعرف عمر جدتي الحقيقي، هي نفسها لم تكن تعرفه، عاشت طويلًا دون تاريخ ميلاد، وحينما أصرّت الدولة على تحديد الهوية الشخصية، ذهبت إلى طبيب منحها عمرًا افتراضيًا، قُدِّر بناءً على عمر أسنانها. لكن يوم مماتها كان محددًا ومعروفًا، في السابع والعشرين من سبتمبر 2021، لم يتبقَ سوى ستة أشهر على ذكراه.

حملتني قدماي نحو كورنيش العجوزة حيث ما تبقى من أشجار الكافور الملتزمة حليقة الرأس، وبعض نخيل الزينة المفضل لدى المجلس المحلي، لكن في كل الأحوال تبقى بديلًا عن الاختناق داخل المربعات الخرسانية صاحبة جائزة أسوأ نموذج معماري رأيته في حياتي، تذكرني بنفس آلية عمل مج القهوة الحراري، تحافظ على درجة حرارة ما بالداخل أيًا كان، فلا تجد الرحمة صيفًا أو شتاءً، وضع لم يعتده جسدي أبدًا رغم سنوات الإقامة في العاصمة، على عكس بيتنا في الفيوم، بناه أبي بيديه من الطوب اللبن ليتزوج فيه، فكانت جدرانه بمثابة تكييف طبيعي، يتذكر جسدي ذلك جيدًا ويرفض التأقلم مع الجو، لم أشعر يومًا بالاختناق سوى في شقتي بالقاهرة.

caption

 في كل تمشية على الكورنيش يلفت انتباهي مبنى مستشفى العجوزة، فهو على شكل قصر كبير مكون من عدة مبانٍ قديمة مصممة على الطراز الإسلامي مقارنة بجارتها الملاصقة لها، مستشفى الشرطة، التي طُورت وصُممت على طراز أقسام الشرطة، زرقاء تضر الناظرين، لا أدري سبب حب رجال الأمن وشركة بيبسي وآخرين للون الأزرق.

عشت أكثر من عشرين عامًا في قريتي، حدثت خلالها تغييرات بسيطة، ورغم الملل اعتدتُ الاستقرار، بينما يقلقني التغيير السريع في المدينة، لذا التقطت صورة لهذا القصر كتوثيق شخصي له خوفًا على مصيره.

أكملتُ السير بلا خطة، يخيل لي مكانًا غريبًا أسفل الكورنيش، ينيره ضوء خفيف من أثر السيارات المارة، يطل على النيل مباشرة. وقفتُ أمام السلم ونظرت للأسفل. إنه سلم يهبط بك نحو النيل مباشرة دون أسوار، ودون رصيف يحيل بينك وبينه. جلست كما يجلس الفلاحون على جسر الترعة. آه لو ناولني أحدهم كوب شاي بالنعناع، حلمت، واكتمل الحلم بنسمات نيلية جميلة، والأهم أنها مجانية. جلست بجوار فتاة صغيرة تلعب بقدميها في الماء، بينما يصطاد أبوها أسماكًا وهمية، تذكرت وقتها درسًا، أعتقد أنه كان في الصف الثاني الابتدائي يحكي عن العم زاهر الصياد الماهر الذي يرمي الشبكة في الماء ويجر الشبكة نحو الشاطئ. في شبكة عم زاهر سمك كثير، بخلاف جاره المسكين كانت شبكته فارغة.

caption

قلدتُ الفتاة، فتطايرت عليَّ قطرات ماء من موجة خفيفة مفاجئة، خلعت حذائي المريح وأنزلت قدمي المتعبة من ارتداء أحذية ذات كعب في الماء البارد، نظرت أمامي على الجانب الآخر للنيل ناحية الزمالك، حيث ترسو ست عوامات محاطة بالأشجار، بعضها مهجور وبعضها الآخر مُضاء. خطر لي أن نجيب محفوظ وحرافيشه كانوا يجلسون في إحدى تلك العوامات ساهرين، بالمنطق نحن على كورنيش العجوزة وبالقرب من بيته، لكن منطقي قد يكون أعور، ربما كانت العوامة ترسو في مكان أبعد من هنا، الفرع الآخر بالزمالك مثلًا أو في إمبابة، فلا يحب الإنسان أن يكون بالقرب من منزله وهو يجلس جلسة أنس وفرفشة مع أصدقائه، خاصة إن كان لديه عائلة، فالأفضل أن يبتعد قدر الإمكان لتفادي الصدف غير السعيدة.

جلستُ ما يقارب الساعة أسمع فيروز وزياد الرحباني. الجو مثالي، تعزلني «الإير بودز» التي ابتعتها من علاوة مادية عن صوت السيارات. سحبني غناء فيروز «ستي يا ستي، اشتقتلك يا ستي»، فانزلقت سريعًا في دوامة ذكرى جدتي التي رحلت قبل حوالي ثلاث سنوات ونصف. لم أُمْنَح الوقت الكافي لأحزن عليها، وعُصِرت مشاعري آنذاك دون تردد. فتحت محادثتي مع أختي وبحثت عن كلمة «ماتت»، وجدتها سريعًا، فاقشعرّ جسدي لثوانٍ كأنه جهاز كهربائي أُعيد تشغيله.

***

كنا في ظهر يوم الاثنين، نحو الثانية تقريبًا، أبلغتني أختي أن جدتي مريضة وطلبت مني السفر اليوم. سيطر عليَّ الخوف والقلق، وقفت خلف مكتبي، حملقت في الشاشة أمامي، وقطبت حاجبي لإظهار الجدية المفرطة. بحرص شديد، رفعت عيني نحو قاعة انتظار العملاء. للأسف، أعرفهم جميعًا؛ إنهم مندوبون بسطاء لشركات ضخمة، لكن طلباتهم معقدة وعيونهم محدقة نحوي، ينتظرون أن أنادي أسماءهم ليتخلصوا من ملل الانتظار. نجحت في السيطرة على عيني حتى لا أبدو غارقة في لحظة عاطفية، وعزمت ألا تفضحني لغة جسدي. في النهاية، أنا موظفة محترفة كما تعودت أن أظهر لأكثر من خمس سنوات آنذاك، لكن الجسد لا يفهم تلك الاعتبارات. بدأت معدتي تؤلمني من شدة التوتر، وأصابني الإسهال. كي أذهب إلى الحمام، لا بد أن أمر من أمام مكان المنتظرين، لذلك كنت أتحرك سريعًا ناظرةً أمامي، تجنبًا لتلاقي الأعين. حينما حانت الثالثة، أُغلِق باب الفرع عليَّ وعلى مَن فيه من عملاء.

أخيرًا، خلعت حذائي ذا الكعب المكبِّل لقدمي، وألقيته في درج مكتبي بوعي الاعتياد، ارتديت آخر مريحًا كي أزيد سرعتي، ومع الحركة السريعة، تشتت أفكاري وهدأ توتري نسبيًا. جريت بين خزانة الكاش والكمبيوتر والحمام، على أمل الخلاص سريعًا من ضغط هؤلاء اللحوحين، لكن محاولاتهم المستمرة لإقحامي في محادثات ميتة لم تنتهِ قبل الرابعة، وعندما حانت الخامسة تقريبًا، حدثني أخي الأصغر، كان يسارع الزمن أيضًا ليصل إلى البيت عائدًا من جامعته في المنوفية، ربما سيلحق بها في اللحظة الأخيرة، سألته: متأكد هتلحق؟ وتمنيت أن يقول لا، لن أكون وحدي الغائبة في هذا اليوم، رده أغضبني، إنه اقترب، تبقى نصف ساعة فقط.

ذهب زملائي من حولي، أُغلق باب الفرع عليّ، وبقيت سلسلة ثقيلة من مفاتيح الأدراج الحديدية فوق شنطتي، تمسكت بأمل بسيط، أن الجدة ستنتظر، سبق أن مرضت عشرات المرات، لكنها عفية، لم أتمن أن تعيش لسنوات -هذا غير منطقي- تمنيت فقط ساعات، ركبت تاكسي من شارع التحرير وتوجهت للعجوزة، توقف الشارع كليًا، الحر، الرطوبة، العوادم، الانتظار، وصوت أبواق السيارات المتواصل شكلت سمفونية مُتقنة، مزيج من الحنق. 

حل الغروب كأنّه وجه للموت، أصم وأبكم أمام ندائي. وصلت البيت، أسرعتُ بتجهيز حقيبتي، ارتديت ملابس سوداء، وفور اكتمال استعدادي للسفر وصلت الرسالة المنتظرة من أختي الصغرى «ماتت جدتك»، أخبرتها بأني سأتصرف وأرى ماذا أفعل، أدركتُ عدم جدوى السفر ليلًا إلى الفيوم، ولجأت إلى النوم، كان غريبًا، صامتًا، دون أحلام أو كوابيس، اختفيت لثماني ساعات.

أبلغوني بضرورة تسليم المفاتيح، وصلت إلى المكان في السابعة والنصف صباحًا، وقفت بجوار مكتب الأمن ليكتب اسمي في دفتر الحضور، رغم إثبات وجودي عبر نظام البصمة. صعدت سلمًا خشبيًا أوصلني إلى الدور الأول، حيث صالة كبيرة مليئة بالمكاتب المتراصة، والمطلة على الشارع عبر حائط زجاجي بعرض المكان. بدأ التسليم تحت أعين الكاميرات المنصوبة فوق رأسي، شعرت أنني مكشوفة، انهالت عليّ عبارات المواساة الباردة من زملائي، وهمس فضولي لزج في الخلف، عندها كام سنة؟ فتح أحد زملائي سجلًا أسود مستطيلًا، أخذ يقلب الأوراق حتى وصل إلى صفحة تسليم المفاتيح والأختام ووقع البديل بالاستلام، أخيرًا انتهت العملية المملة وسلمتهم كل شيء عدا ذاكرتي، لم تسجل لها صفحة بالسجل الأسود ، ليتهم أخذوها حتى أنجو من تدفق الذكريات داخل رأسي. 

فجأة تحولت حياة جدتي الطويلة إلى صور مشتتة تتلاطم في ذهني، وسط تلك الفوضى ومن بعيد، ربما أكثر من عشرين عامًا مضت، تسللت إلى أنفي رائحة قديمة، احتراق عيدان الحطب تحت إناء ماء كبير قاتم السواد من الخارج، لكن الماء يتلألأ بداخله عبر فقاقيع صغيرة تصعد نحو السطح في هدوء، لتخبرني أنها جاهزة، فاختلس بعضها لأغسل وجهي الناعس قبل ذهابي إلى مدرستي البعيدة، استيقظت عابسةً، هناك مواجهة لا أرغب بها، علي أن أقنع سوكا، حمارة جدتي الغاضبة وخاصةً في الصباح، أن توصلني إلى المدرسة. تحب «حَنِّي» الاستيقاظ مبكرًا ونكرهه أنا وسوكا، لكن كوب اللبن الطازج الذي تجلبه لأمي كل صباح  يشفع لها إيقاظي أبكر من موعدي دائمًا.

كنت أستغرب لماذا ننادي جدتي بـ«حَنِّي»، لا تيتا أو ستي كباقي زملائي في المدرسة، عندما نضجت أدركت أن مصدرها الحنان وفعلها «حَنَّ»، وهذا الحنان تحديدًا كان نافذتي على عالم جدتي الدافئ دائم الحركة.

في أثناء مغادرتي المكان أكدت مديرتي أن أعود غدًا صباحًا، رغم حنقي الشديد، لم أستطع الرفض، كان يمكنني الاعتراض وهو حقي، لكن ذهني شارد، والذكريات تحوم فوقي، وجسدي يتوق إلى بعض العزلة، أريد أن أحزن، أن أرى أهلي يبكون، أفتقد دفء الحزن، وبرودة هذا المكان تغضبني. أردت فقط انتهاء اللحظة، لم أدرك أن ذلك الصمت له ثمن، وأن شوقي لانتهاء اللحظة له عواقب، وربما تلك بداية فصل كئيب من حياتي.

أخيرًا وصلت إلى موقف المنيب، خيم صمت غير مألوف على ميكروباص الفيوم، يتحدث الفلاحون عادة بصوت عالٍ وكان يزعجني ذلك دومًا، لكن هذا اليوم صمت الجميع رغم حاجتي إلى صوتهم المشتت، أجبرني الهدوء على مواجهة أسئلة لم أقو على الفكاك منها: هل للحياة قيمة إن لم نملكها؟ هل أمتلك حياتي؟ هل الامتلاك هي الكلمة المناسبة؟ ما نسبة سيطرتي على حياتي؟ هل أمتلك القدرة على الكراهية؟ هل أستطيع الغضب؟ أين سأدفن إن مُت الآن؟

caption

في بلدتي ندفن موتانا في حضن الجبل المُطل على البحيرة، يحيط به النخيل، تمتص جذوره الممتدة الماء من جوف الأرض، فتقف حائلًا دون تسربها داخله ويبقى باطنه جافًا مهيبًا، ينظر من عِلِيَّه إلى ما حوله، وهكذا منحه أجدادي مكانة مقدسة في قلوبهم، وبقي الجبل شاهدًا وحافظًا لدموع الأهل والمحبين. لا أعلم سبب اختيار الأجداد هذا الجبل تحديدًا للدفن، لكني أتفهم مشاعرهم تجاه هذا الجبل الذي بقي أمام قريتنا طوال الوقت بعيدًا لا أستطيع أن أراه من منزلي، لأن النخيل يحيط به من كل اتجاه، لكن نصف ساعة فقط كفيلة بالوصول إليه. 

تزوجت حَنِّي في الثانية عشر من عمرها، أنجبت الأطفال، عاش منهم سبعة، كبر الأبناء وصار لكل منهم عائلة ينشغل بها، أما أنا فسني أصغر من أن أشارك في مسؤوليات البيت مع أمي، وكل ما يهمني الخروج من القرية، أن أرى العالم الكبير خلف النخيل الممتد حول بلدتنا، لذلك كنت رفيقتها الصغيرة أذهب أينما تذهب، إلى الأفراح، العزاء، الطبيب، الولادة، السوق، وزيارة جدي في الجبل، وفي أثناء ذلك تسرد حَنِّي حكايات عن أبيها وأجدادها، أكثر ما استهواني قصص القتل وما أكثرها بين العائلات هنا.

توطدت علاقتي بحَنِّي منذ وفاة جدي، فقد أصبحت وحيدة دون شريك حياتها، كنت في السابعة من عمري عندما مات، قالت لي وقتها: «متعيطيش، جدك موجود في الجبل هناك أهو مش شيفاه؟ يومين ونروح نزوره، استني بس يستريح من المشوار».

يستريح الميت في تربته ليومين، وعندما يشتاق لرؤية أهله، يرسل الذباب الأزرق ليطلب من ذويه زيارته، انتظرت عدة أيام حتى يأتي الذباب، وأخيرًا، ظهرت أول واحدة زرقاء تحوم حول بيتنا، جريت نحو جدتي وناديت: «بسرعة جدي عاوز يشوفنا».

عبر دروب النخيل الممتدة حول الأراضي الزراعية المحيطة بالجبل، شققنا طريقنا، جمعنا التمر من تحت النخل، وقبل أن نصل الجبل قطعنا بعض الجريد الصغير، في طريق ضيق مختصر استمرينا بالمشي حتى وصلنا أول طريق المقابر، بدأت جدتي في التمتمة بالدعاء للميتين شخصًا شخصًا بالاسم، وأوصتني ألا أمر بقدمي من فوق أي لحْد والتزم بالطرق التي يمشي عليها الناس، لأن اللُحُود بُنيت من الطوب اللبن سهل الانهيار. عندما وصلنا تربة جدي وضعنا النخيل فوقها وأمام بابها، وتلوت ما تيسر لي من الجزء الأول في القرآن، وعدنا للبيت، كنت خائبة الظن، لم أرَ الجد مثلما وعدتني جدتي، وفهمت معنى أن تموت.

لم يكن وجود أبي مُعتادًا، يسافر كثيرًا من أجل لقمة العيش، لذلك كان وجودها الدائم يعوضنا عن غيابه، وكانت زيارة الأماكن برفقتها أفضل من اللعب مع الأطفال من سني. وكما يحب الأجداد القيلولة، لا يغمض جفن الأطفال وقت الظهيرة، كنت أتأكد من نوم جدتي، وعلى أطراف أصابعنا أنا وكلبها، بوشكا، نتسلل إلى سطح البيت، نستهدف نخلتها الطويلة مديدة العمر، أسرق التمر لي ولأصدقائي الأطفال المنتظرين في الأسفل. مات بوشكا، ولكن آثار أقدامي وأقدامه مطبوعة حتى الآن على أرضية بيتها، تركنا بصمتنا عندما كان الأسمنت رطبًا.

يوم الأربعاء هو يوم السوق الوحيد طوال الأسبوع، وكان احتفاليًا بشكل ما، خاصة بالنسبة للأطفال، وفيه أرافق جدتي إلى السوق الكبير المُقام في بلد كبير بعيد عن قريتنا، سوق يعج بآلاف الناس، تُباع أنواع مختلفة من الفاكهة والخضراوات وأشكال لا حصر لها من الطعام، يتكالب التجار علي غلَق جدتي الخوص لشراء الزبدة والجبن والبيض، لكنها تبيع بضاعتها لامرأة محددة كل مرة مهما أغروها بالسعر الأعلى، وبنقود بيعتها تشتري الفاكهة واللحم والسردين والطعمية وأشكالًا مختلفة من الخضراوات، كوني صغيرة هي رخصة لتذوق أي طعام نشتريه، وكان التجار أصدقائها يمنحوني مما يبيعون إكرامًا لها. السوق عالم جديد، مثير ومتحرك لا يخلو من الخناقات والحوادث والأصوات العالية والنزاعات بين التجار، عكس قريتنا الهادئة التي تظل شهورًا دون أحداث.

أحببت العزاء أكثر من الأفراح، فيه تجتمع النسوة وتبدأ سلسلة لا تنتهي من النميمة وخاصة اليوم الثاني للوفاة، حينما تأتي امرأة تبشر بأنها رأت الميت في المنام يرتدي أبيض في أبيض، ووجهه مشرق، لتمنح بعض السكينة لأهل المتوفى، معظمها قصص مختلقة لكن وقعها على أهله حقيقي رغم تكرار المشهد كل وفاة، ليومين متتالين يطبخ الناس مرتين باليوم لكل المعزين، وبالليل تجلس جدتي وسط نساء القرية، كنت التصق بها واستمتع بحكايات النساء المتبادلة، سمعت قصصًا غريبة تحدث بين المرأة وزوجها، وكان ذلك غير مفهوم تمامًا لكنه شيق وملِيء بأسرار الكبار.

عشرات المرات حكت جدتي تاريخ عائلتي منذ قدموا من الصحراء واستوطنوا أرض الفيوم ضمن القبائل العربية التي هجرت البادية واستقرت لتزرع الأرض، تمسكت بلهجتها البدوية طوال حياتها لتذكرنا بأصلنا، كنا نضحك لتكرارها نفس القصة مرات ومرات، لكنها فعلت عن قصد، خوفًا أن ننسي إرثنا المهدد بالزوال كأثر جانبي لبحث العائلة عن لقمة العيش.

كلما مرت الأيام، كان الجبل يلتهم أهلي واحدًا تلو الآخر، بكل قسوة انتزع مني صديقتي وابنة عمتي قبل أن تكمل عامها الرابع عشر، ثم انتظرت سنوات طويلة حتى اطمئن قلبي ونسيته، وعاد فجأة ليأخذ جدتي.

***

صباح الثلاثاء وصلت الفيوم، في العاشرة والنصف بالتحديد، رفض عمي انتظاري ساعة واحدة لتأخر الميكروباص، قال: «الميت راحته في دفنه»، أردت فقط أن أرى وجهها وإن ذهبت عنه الروح. تحب حَنِّي الاستيقاظ باكرًا، بالطبع كانت سترغب أن تدفن في الصباح، قبل حر الظهيرة، حمدلله، لم تكن جدتي جزءًا من النظام الرأسمالي، لاضطررنا أن نعدل موعد الدفن حتى لا نعطل عجلة الإنتاج ومسيرة الإنسانية الفانية.

نزلت من الميكروباص على الطريق السياحي ووقفت أمام البحيرة، فلمحت سيارة بيضاء تحمل نعش جدتي من بعيد، وحولها أقاربي واقفين، ودعتها بقلبي ولم أستطع اللحاق بهم، كانوا بعيدين ولم يرد أحد على هاتفه، وتمنيت أن تسمعني، انحدرت السيارة يسارًا نحو مدخل الجبل، في تلك اللحظة فقط بكيت وصدقت موتها.

في ثاني أيام الوفاة، لم أنتظر الذباب الأزرق، عدت للعاصمة صباحًا ابتسم لأصحاب المال الذين نسوا أنهم سيموتون أيضًا، وكما تركتهم وجدتهم، يكنزون ويضغطون لأجل انتهاء مصالحهم اليوم قبل الغد، وكيف يأتي الغد ونحن أقل مالًا، هل هناك فرق أن يأتي غدك ومالك أقل أو أكثر؟ ففي كل الحالات ستقترب من رحيلك خطوة بانتهاء اليوم.

***

أمامي طائر أبيض يحوم فوق العوامة، راقبته وقلبي يخفق معه، يشبه أبو قردان من بعيد، لست قريبة كفاية كي أميزه، لم أتخيل أن أشعر بالحرية في قلب العاصمة، في أذني يتنقل اليوتيوب بين الأغاني بما يتناسب مع الموقف، فعندما ظهر الطائر صدحت فيروز: 

أنا يا عصفورة الشجن مثل عينيك بلا وطن 

أنا لا أرض و لا سكن أنا عيناك هما سكني

بدت القاهرة مثالية دون صوت بفضل السماعات، لكن كارهي الحرية في كل مكان، فاسمع من خلفي صوت يناديني، يبدوان كأحمقين تخطيا سن المراهقة، ادعيت عدم السمع، اللامبالاة، التجاهل وكأني شبح ما، أنا عصفورة الشجن يا جاهل التي غنت لها فيروز، سمعت النداء: يا أختي، يا أبلة، يا أستاذة، لم أحرك ساكنًا. أعرف مقصدهما، يرغبان في مضايقة من أي نوع، فكيف أجلس وحدي أبلبط بقدمي في النيل مجانًا؟ أمر غير واقعي تمامًا، ثم ذهبا محبطين. كامرأة تعيش في القاهرة أستطيع الاستبصار خلف رأسي دون أن أنظر، لا أعرف كيف يحدث ذلك، ربما هو تطور غريزي!

اكتشفت أن المكان الذي اقتحمته هو مشروع كافيه في مرحلة ما قبل الإنشاء، ويفترض أنه ليس مفتوحًا للدهماء أمثالي، وهؤلاء هم حراس المشروع، أعين المستثمر الساهرة والحريصة على تذكير أهل المدينة أن الجلوس المجاني على ضفة النهر لم يعد ممكنًا. ألهمت جلستي فتاتين أخريين، سمر وبسمة، بخلع أحذيتهما والبلبطة بالماء، قالت سمر: مش خايفة من التماسيح؟ طمأنتها أن ذلك مستحيل، لأن التماسيح آخرهم الوقوف في أسوان.

قزقزنا اللب وانطلقنا في مونولوج هذيان بين غرباء، نقول ما يأتي على بالنا، نلعن الظروف ونتبادل الحوارات والخرافات، فلن نرى بعضنا مرة أخرى، أليست هذه الحرية؟ في الجهة الأخرى من النهر ترسو عوامة زرقاء وسط الظلام. قالت بسمة: دي ملعونة وكلها عفاريت ولو عرضوا عليّ فلوس مدخلهاش، نويت الرد، ثم أدركت عبث اللحظة، أنا أخاف الرأسمالية أكثر من العفاريت، ضحكت وحزنت في نفس الوقت لأن الإجازة مهما طالت ستنتهي، وسيأتي أحد حزين أستيقظ فيه لأؤدي دوري العظيم في استمرارية النظام المالي.

عرفت من  سمر أنهما استقالتا من العمل اليوم، تعاطفت معهما وجاريت الحديث. لعنا الحوجة والعمل والمؤسسات وأصحابها، وفهمت أنها استقالة معنوية دون أوراق ثبوتية، فقد قررتا عدم الذهاب مجددًا وأغلقتا هواتفهما. استعدت شعورًا مألوفًا، حين فعلت مثلهما منذ ثماني سنوات، كنت أعمل في خدمة عملاء إحدى شركات الاتصالات الكبرى، رن هاتفي ذلك اليوم في السادسة صباحًا، استيقظت، نظرت للساعة، أغلقته ونمت طويلًا. لم أستقل أو أعتذر، فقط حظرت رقم مديرتي، وتركت العمل دون خطة، كان راتبي ضئيلًا فلم يكن لدي الكثير لأخسره. أخذت منهما بعض اللب، وجمحت بخيالي، كأن هذا الخميس، آخر يوم عمل لي. تخيلت لحظة تخلصي من قيد (عزيزي، تم إضافة الراتب إلى حسابك).

caption

فجأة، في أثناء حديثنا، ظهر العم زاهر، يقود مركبًا صغيرًا في الحادية عشر ليلًا، أخيرًا، خرج زاهر من خيال الطفولة ليبيع السمك في هذا التوقيت. هل غيّر سكان القاهرة عاداتهم وأصبحوا يتعشون السمك، أم أنه يتجول بمركبه في النيل طوال اليوم على أمل أن يشتري أحدهم منه؟
ربما تكون الحادية عشر هي الساعة التي يفقد فيها الصيادون الهواة الأمل في الصيد، فيقررون شراء السمك جاهزًا. وقبل وصولي لإجابة، ظهر زوجان صغيرا السن واشتريا سمكة بوري كبيرة، شق الصياد السمكة من المنتصف دون وزن، ونظّفها بمياه النيل ثم قطعها إلى أجزاء، وأخذ مائة جنيه في المقابل، مشهد جميل لن يُعجب محبي الهايبر والمجمعات الاستهلاكية العملاقة.

caption

تأخر الوقت، بسرعة ودعت الفتاتين. وصلت مستشفى العجوزة عند مدخل شارع الفلوجة، يجب أن أعبر إلى الجهة الأخرى من الشارع لأدخل العجوزة، لفتت انتباهي شجرة كافور كبيرة على بعد أمتار مني، فروعها طويلة خضراء ترفرف بحرية، فنسيت نفسي وانطلقت نحوها. تحت الشجرة أخذت نفسًا عميقًا وحاولت الاسترخاء قليلًا، لكن هيهات، التقطت أذني صوتًا مزعجًا قادمًا من أسرة تتكون من أب وأم وفتاتين، يقفون جميعًا محدقين إلى النيل دون أن ينتبهوا لما تحت أقدامهم، تحركت نحوهم لعلهم يرون ما لا أرى، يقفون في منطقة واسعة تخلو من أي كافيهات، نمت بها بعض النباتات العشوائية التي تنافس أكياس القمامة في حق الوجود، لكن عزيمتي لم تلِن بعد، فاستمريت في  السير بحثًا عن نقطة أفضل ترى النيل بهدوء تحت ضوء خافت ودون وجود آخرين، فجأة، وبشكل سينمائي ظهرت سبورة سوداء معلقة على سور الكورنيش مكتوب عليها بالطباشير الأبيض: خط النهاية لسباقات التجديف، عندها أيقنت حتمية العودة للمنزل.

وسلام.

عن الكاتب

عليا صالح

درست العلوم السياسية عن حب ولم تعمل بها، كرهت الأرقام عن ظهر قلب، لكنها ترقت وظيفيًا في سلم النظام المالي، تواصلت مع الطبيعة بنجاح، وفشل محتواها عن الأشجار على «تيكتوك».

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن