«السادس والسابع».. «بلوكات عبد الناصر» التي تدفع ثمن «الجمهورية الجديدة»
«من عند القسم [قسم مدينة نصر] لغاية [مطعم] أبو رامي» هذه هي المنطقة التي تنوي الحكومة إزالتها من الحيين السادس والسابع في مدينة نصر، حسبما ينقل عبد الله* عن نائب محافظ القاهرة للمنطقة الشرقية، إبراهيم صابر، وذلك لإقامة «مشروع سكني متكامل» بحسب مصدر في «مدينة نصر» تحدث سابقًا لـ«مدى مصر».
عبد الله هو أحد سكان الحي السادس، والمربع الواسع الذي أشار له كان نطاق جولة، امتدت لساعات، أعدنا فيها اكتشاف «بلوكات عبد الناصر»، كما يعرّفها كبار السن من سُكّانها، لكون عماراتها على شكل بلوكات Blocks، بُنيت في عصر جمال عبد الناصر، كأحد أقدم مناطق مدينة نصر التي كان مقدرًا لها في ستينيات القرن الماضي أن تكون هي العاصمة الجديدة التي تضم الجهات الإدارية.
بعكس الصورة الذهنية الشائعة للمناطق التي تستهدف الدولة إزالتها عادة، تتميز المنطقة بشوارع واسعة ومُشمسة، تتوسط البلوكات؛ البلوك هو أربع عمائر متلاصقة من الجانبين، تبدو من بعيد كعمارة واحدة لها أربعة مداخل، وكلها متساوية الارتفاع بما لا يزيد على خمسة أدوار، وتنقسم إلى ثلاثة مستويات: بلوكات بشقق ذات ثلاث حجرات، وبلوكات ذات حجرتين، وبلوكات شققها بها حجرة واحدة.
أهم شوارع المنطقة، هو الخليفة الظافر، الذي يخترقها طوليًا ثم ينحني ليشكل أحد أضلاعها الخارجية، وهو نفسه الشارع الذي يمر منه حاليًا خط المونوريل الواصل إلى العاصمة الإدارية الجديدة، الذي سيمر في عدد آخر من الشوارع المحيطة، كالخليفة القاهر.
جزء من المنطقة المستهدف إزالتها هي عمارات السوايسة، في إشارة لأبناء السويس المُهجَرين إلى المنطقة بعد هزيمة 1967 والذين تركزت إقامتهم في هذا الحي. وتواجه «السوايسة» عمارات أخرى خارج المنطقة المهددة، هي امتداد لبلوكات الحي السابع، تُسمى عمارات «المصاروة» -أي أبناء مصر المقصود بها العاصمة. أما عند الخروج من منطقة البلوكات بالهدوء النسبي الذي يميزها، فتسهل ملاحظة الزحام الشديد الذي يميز المنطقة المحيطة المكتظة بالأبراج تسعيناتية الطابع.
ما يميز المستطيل المزمع إزالته من الحيين السادس والسابع، عن غيره من نماذج الإزالة السابقة في القاهرة، هو كونها منطقة مخططة رسميًا، وآمنة، تُزال بالكامل دون مبررات تتعلق بالمنفعة العامة من قبيل توسيع الطرق وإقامة كبارٍ على سبيل المثال، كما يتفق ثلاثة معماريين تحدث إليهم «مدى مصر».
تبعًا لمؤمن الحسيني، أستاذ الهندسة العمرانية في الجامعة الأمريكية في القاهرة، فالمُعلن حتى الآن «هو عملية تجديد عمراني فقط، أي هدم نموذج لبناء نموذج جديد، لكن اللافت للنظر هو أن عملية الهدم لا مبرر لها من حيث خطورة النموذج القائم على سبيل المثال أو كونه غير مخطط».
«من هنا تأتي خطورة هذه الخطوة» كما يعقب أحمد زعزع، المعماري والمصمم والباحث العمراني، المهتم بالممارسات اللارسمية في المدينة والإسكان، موضحًا أن «السير قُدُمًا في خطوة إزالة هذه المساحة الشاسعة من المساكن المخططة والرسمية يعني تحرير يد الدولة من أي ردع اجتماعي أو قانوني عن أعمال الإزالة عمومًا في سياق إعادة تخطيط القاهرة».
«ما المنطق في هذه العملية، وعلى أي أساس يُنظر في الأمر؟» تتساءل النائبة عن حزب المصري الديمقراطي، مها عبد الناصر، في طلب إحاطة تقدمت به إلى مجلس النواب، قبل أيام. وقد وصلنا إلى إجابتين عن سؤال النائبة عبر حوارنا مع المعماريين الثلاثة، اﻷولى أن ما يتم «هو انتزاع الأرباح من إعادة استغلال أراضي المنطقة بعد تضاعف تقييمها لأسباب كثيرة مرتبطة بمحيطها الحالي قياسًا لما كانت عليه» كما يقول أحمد زعزع.
وبحسب زعزع، فإن الدولة «ترى أن ثمة استثمارات كبيرة قد ضُخت في مشروعات الطرق وقد آن الأوان لانتزاع عائدها، عبر إعادة استغلال الأراضي التي تضاعفت قيمتها، ولا بد أنها قد لاحظت أن استغلال قيمة الأراضي الصحراوية بعد تضاعف ثمنها غير كاف، ومن الضروري إعادة استغلال الأراضي داخل المدينة لأنها هنا قد تعني قيمة أعلى بكثير».
الباحثة في الأنثروبولوجيا والعمران، أمنية خليل، تضيف إلى ما قاله زعزع أن «القاعدة الأساسية التي يتعلمها أي باحث عمراني في بداية دراسته هي أن مدّ طريق في حد ذاته كفيل بمضاعفة سعر الأراضي المحيطة»، في إشارة لسلسلة مشروعات الطرق والنقل المحيطة بالمكان عمومًا، وعلى رأسها القطار الكهربي «مونوريل» الذي سيصل مدينة نصر بالعاصمة الإدارية الجديدة، بالإضافة إلى القرب من محور المشير، الذي يمثل البوابة إلى ضاحية القاهرة الجديدة ومن ثم لـ«الإدارية»، فضلًا عن عدة كبارٍ جديدة أقربها يمر في شارع الخليفة الظافر الذي يمر من أمام مستطيل البلوكات المُهدد بالإزالة.
لكن الأمر يتجاوز القيمة التي أضافتها مشروعات الطرق، فثمة قيمة أُضيفت للأرض من كل ما يحيط بها من تفاصيل لحقت بهذه البقعة بعد عقود من تأسيس المكان، كالقرب من أماكن ترتبط بطبقات أعلى، كما يوضح مؤمن الحسيني الذي يتحدث عما يُسمى بـ«إنتاج الفراغ أو المكان، وهي نظرية تشرح تضاعف قيمة المكان كسلعة من خلال تفاصيل لا يضمها المكان نفسه، كالعلامة التجارية بالنسبة لحذاء مثلًا».
ما يقوله الباحثون المعماريون يلخصه عبد الله، بعبارة تترد كثيرًا في «السادس والسابع» تفسيرًا للخطة الجديدة: «الحكومة بقت مستخسرة فينا الأرض بعد ما غليت».
استغلال القيمة الجديدة ﻷراضي المنطقة بعد تضاعفها سيكون له أهمية خاصة في ضوء أن المخطط الجديد يتضمن «إنشاء أبراج سكنية تضم جراجات ومولات تجارية… بالإضافة إلى إنشاء أبراج إدارية» وفق صحيفة «اليوم السابع» التابعة للشركة «المتحدة» المملوكة للمخابرات العامة، وهو نموذج معماري يسمح باستغلال فائق لقيمة الأرض قياسًا للنموذج «الأفقي» الحالي، كما توضح أمينة خليل.
في حال أتمت الحكومة مشروع الإزالة، سيعني ذلك القضاء على نمط معماري وتخطيطي كان يميز المناطق الأقدم في حي مدينة نصر، ومن ضمنها البلوكات، والمتمثل في الارتفاعات التي لا تتجاوز عمومًا خمسة أدوار، وذلك لصالح توسيع نطاق نموذج الأبراج العالية الذي عرفته مدينة نصر «بدءًا من التسعينيات» كما يقول أحمد زعزع، الذي يربط بين انتشار هذا النموذج والزحام الشديد الذي أصبح مميزًا للحي.
لكن بخلاف ذلك، ثمة قيمة مهمة تفقدها المنطقة حين تفقد هذا النموذج المعماري، كما تقول خليل، وهو النموذج الاجتماعي القائم على هذا النموذج المعماري، موضحة أن «البناء الأفقي في البلوكات عمومًا يشمل عمارات صغيرة تضم عشر أُسر، في كل طابق أسرتين لا يفصل بينها إلا أمتارًا قليلة، وهو ما صنع نموذجًا مميزًا من العلاقات بين الجيران، متكررًا بين كل سكان البلوكات في مدينة نصر وغيرها من الأحياء التي ضمت هذا النموذج المعماري بعكس نموذج الأبراج المنتشر في أماكن أخرى».
هذا النموذج من العلاقات الوثيقة يفسر علاقات الزواج المتكررة بين سكان المنطقة على مدار السنوات، ومن ضمنها أسرة عبد الله نفسها، الذي حضر والداه إلى المنطقة طفلين.
«أنا جيت هنا سنة 1966، كان عندي 11 سنة، وكانوا لسه مخلصين بناء الحي. والدي قدم طلب لمحافظة القاهرة، وجينا على شقة غرفة واحدة، وبعدين نقلنا لشقة غرفتين، وبعدين شقة ثلاث غرف» يقول أبو عبد الله، مضيفًا أن «النقل كان سهل بمجرد إنك تقدر تدفع إيجار أكبر، الحي كان لسه فاضي، والإيجار دا أقساط بتنتهي بالتملك بعد 15 سنة».
تشرح خليل أن «نظام الإيجار الذي ينتهي بالتملك هو النظام السائد في البلوكات التي تنتشر في القاهرة عمومًا، في حلوان وإمبابة على سبيل المثال عبر عقود لا تتضمن ملكية حصة من الأرض».
مثلما حدث مع الأب انتقلت اﻷم إلى «السادس» مع أسرتها وهي طفلة، قبل أن تتزوج في نهاية السبعينيات، وتنتقل لشقة جديدة اشتراها زوجها في الحي نفسه، فبحلول نهاية السبعينيات تقريبًا، «كان معظم السكان تملكوا مساكنهم، وبدأت حركة البيع والشراء» كما يقول أبو عبد الله لـ«مدى مصر»، أثناء جلوسنا في صالة الشقة المشمسة.
بخلاف تأثيره على النموذج الاجتماعي، فإن القضاء على البلوكات سيؤدي للمزيد من القضاء على التنوع الطبقي الذي كان يضمنه نموذج مدينة نصر في البداية، كما يتفق المعماريون الثلاثة.
«الحي الجديد -وقتها- كان يشمل على سبيل المثال مساحات بها فيلات صغيرة مخصصة لأعلى شريحة في الطبقة الوسطى، في نموذج عُرف باشتراكية الفلل» كما يقول مؤمن الحسيني، في مقابل «منطقة البلوكات في الحي السابع والسادس التي خُصصت للشريحة الدنيا من الطبقة الوسطي، وبين تلك الشريحتين، كانت الشريحة الوسطى بالمنطقة الوحيدة وقتها التي سُمح فيها بالأبنية العالية، وهي منطقة شارعي يوسف عباس والطيران».
ما يحمله المشروع من «إعادة تخطيط طبقي للمكان»، بحسب وصف أمنية خليل، شكّل الإجابة الثانية عن السؤال حول المنطق المحتمل للمشروع، وهو العامل السياسي والطبقي.
بحسب مؤمن الحسيني، فإن هناك «احتمال واضح، هو رغبة النظام السياسي في إخلاء طريق المونوريل من الشريحة الدنيا من الطبقة الوسطى لأسباب سياسية تتعلق بصورة المشروع السياسي أو دعايته»، مضيفًا: «لنتصور ما الذي يعنيه الأمر -من وجهة نظر النظام السياسي- حين يطل المرء من وراء الزجاج بينما يستقل المونوريل في طريقه للعاصمة الجديدة، التي تمثل على نحو ما الجمهورية الجديدة نفسها، فيرى -بدلًا من مساكن الحي السادس والسابع الحالية التي تضم الشرائح الأدنى من الطبقة الوسطى، نماذج عمرانية مخصصة لسكن طبقة أعلى تمامًا».
*اسم مستعار.
تقارير ذات صلة
عزبة الهجانة «إحلوّت في عينيهم»
حصر جديد لمنازل بالعزبة تمهيدًا لإزالتها
رحيل عوامات الكيت كات
القبض على المئات في حملات الإزالات | وفد من حكومة «الوفاق» يزور مصر
تقدمت الإعلامية جميلة إسماعيل ببلاغ لمكتب النائب العام بصفتها وكيلة عن ابنها شادي أيمن نور
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن