رحيل عوامات الكيت كات
نادرًا ما يمكن أن ترى شيئًا جميلًا وسط زحام القاهرة. لكن من الأشياء الجميلة التي كانت تسحرني دائمًا، تلك العوامات الخشبية الملونة، التي كانت تصطف على كورنيش النيل في الكيت كات. كان يمكننا أن نراها تعكس النور وسط الأشجار التي تحضنها، وكأنها جنة مصغرة محاصرة وسط البنايات الإسمنتية التجارية والسكنية.
كان ذلك قبل تنفيذ قرارات الحكومة المفاجئة بإخلاء عوامات الكيت كات السكنية وإزالتها، بين منتصف يونيو الماضي وبداية يوليو الجاري.
رحيل العوامات، التي يعتبرها العديد من أهالي القاهرة جزءًا أساسيًا من مشهد نهر النيل، أثّر في نفوس الكثير من الناس، جاء بعض منهم، مثلي، ليودعوها كعروس النيل. ساد الحزن والقلق لحظات الإخلاء الأخيرة.. لحظات أفلتت من مفهوم الزمن الطبيعي، محمّلة بذكريات سكانها عبر السنين. وبعدما كان يسمع سكانها الهواء يداعب الأشجار، وأصوات الطيور في الحدائق وفوق صفحة النيل، عَلت ضجة التكسير لبعض العوامات؛ سواء لمحاولة تقليل الخسائر المادية، أو لأسباب هندسية منعت سحبها الإجباري بشكل سليم.
ورغم صمود العديد من أصحاب العوامات ومحاولاتهم المتكررة للتأثير على قرارات الإزالة، لم يتبقَ من عواماتهم سوى سلالم تغوص بلا نهاية في مياه نهر النيل.
وبعد ما نُقلت من مكانها، واتُحجزت في مراسٍ أخرى في انتظار مصيرها النهائي، بدأ السكان في لملمة أشلاء حيواتهم. يستمر الآن بعض المالكين في محاولاتهم لإيجاد حلول قد تمنح عواماتهم حياة جديدة في موقع آخر على صفحة النيل. لكنه يبدو أن منظر هذا المجمع السكني التاريخي، الذي طالما سحرني بجماله، قد رحل للأبد.










بانوراما أخرى
«النيل» في مزاد الجيش
مع بداية التحول للنيوليبرالية في بدايات الألفينيات، تغيرت فلسفة الدولة في التعامل مع الفراغ العام.
شقة أصبحت كنيسة.. حتى لا تتكرر مأساة «أبو سيفين»
لماذا استمر تحويل المنازل إلى كنائس في إمبابة؟
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن