الراوي العليم الشوارعي
#251| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
#جو عام
من البلكونة، يكتب صبري جبرة عما يحدث في الشارع، ليس كمعلق رياضي على المباريات الجارية تحت، وإنما كلاعب سابق «عارف اللي فيها»، لن ينجرف للعب معهم، ولن يمنعهم أو يسمح بحدوث ذلك من غيره، فهو عليم لأنه شوارعي، وراوٍ لأنه لافف وداير، ولنستمتع بصوت الراوي.
#دليل
كنت أعمل بشقتي المُتْرَبة بالطابق الثالث، حوالي العاشرة مساءً، حين رن جرس شقة أمي بالطابق الثاني (نعم أستطيع سماع صوته المزعج حيث أنا). كانوا صغار شارعنا، يطلبون سُلمنا الخشبي الكبير القابع بمدخل منزلنا؛ حتى يتمكنوا من استعادة كرتهم التي طاحت بإحدى شرف الجيران المهجورة. صاحت بهم أمي لإيقاظها، وأخبرتهم أن يعودوا في الصباح (نعم أيضًا، أستطيع سماع كل ذلك بوضوح تام حيث أنا؛ ففي شوارع عزبة النخل كل شيء مسموع ليلًا).
عصر اليوم التالي، بعد أن استيقظت وشربت قهوتي واصطبحت، سمعت جلبة يتخللها صوت أمي وبعض الأطفال. خرجت إلى الشرفة لاستطلاع الأمر. كان الأطفال يحملون السلم ويخرجون به من مدخل المنزل -وهي ليست بالمهمة الهينة؛ نظرًا لضيق المدخل، وطول السلم النسبي وثقل وزنه- مثل جيش من النمل حول جثة صرصور قد ظفروا به للتو. على وجوههم بسمة تنم عن النصر، غير عابئين لتذمر أمي عن كل الإزعاج الذي سببه إلحاحهم وجلبتهم.
لم يدم نصرهم الصغير هذا طويلًا، فسرعان ما ردتهم جارتنا، مستأجرة المحل بالبيت المنشود، وأخبرتهم أنه لا يصح أن «يتسللوا» إلى شرفة الجيران دون علمهم. ساندت رأيها جدة أحد الأطفال، وبدوري أخبرتُ أمي أن تخبرهم أن يعودوا بالسلم حيث كان. ثم عاتبتها لأنها سمحت للأطفال بأخذ السلم دون التأكد من سماح أصحاب البيت بذلك. وأخبرتها أن والد مُعاذ (أحد الأولاد القليلون الذي أستطيع تمييز اسمه؛ فوالده يناديه بصوت عالٍ، ليل نهار)، جارنا في البيت المقابل، كان قد طلب السلم، خلال شهر رمضان الماضي، ليصل إلى شرفة الجيران، حين رمى إليها بالخطأ مئتي جنيه، قصد أن يرميها لابنه، وأنني رفضت طلبه بأدب، وطلبت منه أن يستأذن أهل البيت أولًا (وخزني ضميري لرفض طلبه).
ينقسم شارعنا إلى فريقين فيما يخص لعب الصغار بالشارع: أهلهم، وهؤلاء لا يريدونهم أن يلعبوا في الشارع؛ نظرًا للمشكلات التي قد يجلبها هذا، ولكن ما البديل؟ لا بديل. والبقية، وهؤلاء يفعلون كل ما يمكنهم حتى لا يلعب الصغار بالشارع، بدايةً من الصراخ فيهم ومطالبتهم أن يلعبوا أمام بيوتهم، حتى إغراق الشارع تمامًا بالماء. هناك فريق ثالث لا يعلن رأيه في الموضوع علنًا -وأنا منهم-. ربما لأنه ليس موضوعًا بسيطًا كما يبدو؛ فمن ناحية، لعب الصغار في الشارع يسبب إزعاجًا هائلًا. كما أن شوارع المنطقة كلها ترابية تقريبًا؛ ما يعني أكوام من التراب داخل المنازل بغض النظر عن أي محاولات للتنظيف. ومن ناحية أخرى، أين يلعبون؟ لا نوادٍ، أو أماكن مخصصة لمن هم في سنهم للعب. حالهم حال أغلب سكان أحياء القاهرة الشعبية.
كما أن المشكلة ليست جديدة؛ أتذكر أنني خضت غمار هذا الصُداع منذ ما يقارب الثلاثين عامًا، حين كنت طفلًا في سنهم، إذ كنت طفلًا «شوارعي» مهووسًا بلعب الكرة. صرخ في الكبار، وطيّنتُ ملابسي حين تحديت ورفاقي إغراقهم للشارع بالماء وأكملنا لعبنا -لم أكن مهذبًا جدًا مثل صغار شارعنا اليوم، ربما لأن مساحة الغضب تقلصت كثيرًا اليوم، وربما لأن مساحة التواصل اتسعت قليلًا-.
حين كنت في عمرهم تقريبًا، اعتدت لعب الكرة أنا ورفاقي بالشارع الخلفي (يطل بيتنا على شارعين)، حيث توجد أرض فضاء كبيرة نوعًا ما (بُني مكانها ثلاثة بيوت لاحقًا)، نصفها «خرابة»، والنصف الآخر ملعبنا. على بعد ثلاثة أو أربعة بيوت من الملعب والخرابة، كان هناك متجر «عم حلمي» (رحمه الله)، رجلٌ في منتصف الخمسينيات تقريبًا، قصير وممتلئ بعض الشيء. كان رجلًا مرعبًا، يهابه الجميع كبارًا وصغارًا (كان يصعُب إخافتنا آنذاك، لكننا كنا نخافه)؛ ربما لأنه كان عصبيَّ المزاج، دائمَ الصراخ، فينا أو فيمن يضبطه وهو يلقي بأكياس القمامة إلى الخرابة من المارة، أو ربما لتلك القصة الشهيرة، حين أطلق الأعيرة النارية لإخافة بعض اللصوص الذين قادهم الحظ العاثر لسرقة متجره ذات ليلة (كان يسكن في نفس البيت).
اتفق معنا العم حلمي أن ننظف الخرابة، وفي المقابل يتركنا نلعب كما نشاء، كانت صفقة رابحة للطرفين. اجتمعنا من أربعة شوارع لهذه المهمة، وزودنا هو وبقية الجيران بالأدوات اللازمة. بعد يوم طويل وشاق (يعلم الله ما وجدناه في هذه الخرابة. ولا داعي لذكره)، أوفينا بجانبنا من الاتفاق على أكمل وجه. كذلك فعل هو أيضًا، فقط لثلاثة أيام، وعاد لعوائده القديمة. ربما أسوأ.
لنعُد إلى الصغار، حين عدت إلى الشرفة وجدتهم يركلون زجاجة بلاستيكية فيما بينهم، وكأنها كرة (وخزني ضميري مرة أخرى). فتحت شقة سارة أختي المهجورة، ببيت أمي، ورحت أبحث عن كرة كلارا ومارلي العنابية (بنات أختي سارة). لم أجدها. نزلت لأسأل أمي عن مكانها؛ فربما تركتاها بشقتها، أجابت بأنها ليست هنا، وعلى الأرجح أخذتاها إلى الشقة الجديدة. لم أثق بكلام أمي -فهي ضمن فريق الكبار ممن يرفضون لعب الصغار بالشارع- وظللت أبحث عنها في كل مكان بالشقة، وأيضًا لم أجدها. صعدت إلى الطابق الرابع حيث أطنان من الكراكيب والتراب. لم أجدها، لكنني وجدت إحدى كراتي القديمة. كرة صغيرة مقاس 4، منبعجة وقاسية الجلد بعض الشيء بفعل الزمن، ربما ينصلح حالها قليلًا إذا تم نفخها؛ إذ كانت تحتاج إلى النفخ إلى حدٍ ما أيضًا.
غسلتها بالماء والصابون من التراب الذي عليها، ثم جففتها بقطعة قماش قطنية، وأخذتها إلى الشرفة وأنا في أوج سعادتي وحماسي. ناديت مُعاذ، ليس فقط لأنه الوحيد الذي أعرف اسمه، بل لأنه فتى مهذب كذلك؛ كثيرًا ما حكت لي أمي عن تلبيته لبعض مشاوير شراء صغيرة لها. كما أنه على الأرجح «شقي»، وهو ما يعجبني (ربما كان يُذكرني بطفلٍ «شوارعي» آخر كنت أعرفه). «وله يا معاذ، خدوا الكورة دي. هي صُغيّرة ومحتاجه تتنفخ، بس هتقضي الغرض». أخذها الصغار وسط صيحات الفرح، وراحوا يلعبون بها -دون حتى نفخها- متفادين برك الطين المنتشرة بالشارع.
للمفارقة، فهذه الكرة -إن لم أكن مخطئًا، أو أن عقلي يتلاعب بي- لها قصة مشابهة. في الصف الخامس الابتدائي قرر أخي أن ينظم للفصل الذي يخدمه بالكنيسة يومًا رياضيًا (كرة القدم بالأساس) بملعب الكنيسة آنذاك (لم يعد موجودًا الآن)، وهو ملعب ترابي غير مستوٍ، كان يحوي مرميين بلا شِباك. كنت ضمن هذا الفصل. لم يحضر أخي كرة، وكذلك لم نفعل أنا والرفاق؛ إذ اعتمد بعضنا على بعض. لإنقاذ الموقف كلفني أخي بالذهاب إلى صديقه، الذي يسكن بجوار الكنيسة، في محاولة لإيجاد كرة، وبعد بحث ضنين من صديقه، عدنا بهذه الكرة.
قضيت ما تبقى من النهار أشاهدهم من شرفتي، وأنا منتشٍ بـ«نصرنا» الصغير. غير مبالٍ بنظرات الجيران، ما بين الاستحسان الصامت للفريق الأول من أهالي الأطفال، والغضب المكتوم للفريق الثاني، الذين سلبتهم النصر في لحظة. غير مبالٍ كذلك بتوبيخ أمي. أو حتى للعبهم السيئ جدًا، وهو أمرٌ منطقي؛ فمتاهة الأرانب هذه لن تخلق «حَرّيفة».
وسلام.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن