تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
الحوار الوطني «حسب توجيهات السيد الرئيس»

الحوار الوطني «حسب توجيهات السيد الرئيس»

كتابة: محمد طارق 7 دقيقة قراءة
السيسي في افتتاح الحوار الوطني - المصدر: صفحة الحوار الوطني بفيسبوك

السبت الماضي، عقد مجلس أمناء الحوار الوطني اجتماعًا لتحديد القضايا المزمع مناقشتها في جولته الثالثة، وجاءت على رأسها «وفقًا لتوجيهات السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي» موضوعات الأمن القومي والسياسة الخارجية، لأول مرة منذ انطلاق الحوار قبل عام. وفي اليوم التالي، أعلن رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، طرح مشروع تطوير نظام الثانوية العامة «وفقًا لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي» للحوار المجتمعي عبر آلية الحوار الوطني. وقبل أسبوع، كان مدبولي أعلن طرح قضية تحويل الدعم العيني إلى النقدي للمناقشة عبر الحوار الوطني. 

حسم مجلس الأمناء رأيه بشأن الأمن القومي والسياسة الخارجية قبل أن يبدأ الحوار، حيث أكد المجلس تميز «الموقف المصري» بـ«الصلابة والجدية»، وشدد على «ضرورة استمرار الاصطفاف الشعبي والسياسي حول القيادة السياسية ومواقفها المبدئية والعملية الثابتة والحاسمة في ظل الأوضاع الدقيقة الراهنة». ومن أجل زيادة «التلاحم بين الشعب والحكومة في حماية الأمن القومي بمفهومه الشامل» ناشد المجلس «الجهات القضائية المختصة.. بالإفراج عن المحبوسين احتياطيًا نتيجة انخراطهم في بعض الأنشطة التي تتعلق بدعم الشعب الفلسطيني».

خلافًا لذلك، أقر المجلس بعدم التوصل إلى رأي في قضية الدعم النقدي، رغم مناقشتها في آليات الحوار المختلفة منذ انطلاقه في مايو 2023، مشيرًا إلى «انتظار ما ستنتهي إليه آليات الحوار من خلاصات وتوصيات». لكن، أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة وعضو مجلس الأمناء، جودة عبد الخالق، قال لـ«مدى مصر»، إن الحوار الوطني سبق أن أرسل للحكومة، في سبتمبر الماضي، توصية بعدم التحول إلى الدعم النقدي، كجزء من توصيات محور العدالة الاجتماعية، لكن «الحقيقة أن الحكومة تجاهلت الكثير من توصيات الحوار الوطني في ما يتعلق بالمحور الاقتصادي بالذات».

التأييد المسبق لسياسات الحكومة، وتجاهل توصيات المتحاورين، وإخفاء النقاشات عن الرأي العام بدءًا من الجولة الثانية للحوار، من ناحية، وكثافة استدعاء الحكومة والرئيس له قبيل القرارات الحساسة شعبيًا، رغم عزوف المعارضة عن المشاركة، من ناحية أخرى، يطرح علامة استفهام كبيرة بشأن الهدف من آلية الحوار الوطني وجدواها في عملية اتخاذ القرار.  

في سياق تفسيره للجوء الحكومة إلى طرح قضية التحول إلى الدعم النقدي على الحوار الوطني، يرى عبد الخالق أن «الحكومة تستهدف تحميله المسؤولية السياسية والاجتماعية، ليبدو الأمر كما لو أن التحول جاء بناءً على رأي الحوار الوطني لا الحكومة».  

المقرر المساعد للمحور السياسي في الحوار الوطني، أستاذ العلوم السياسية، مصطفى كامل السيد، قال لـ«مدى مصر» إن «هناك نية أن يتحول الحوار الوطني إلى ظهير شعبي لقرارات الدولة، باعتبار ما فيه من تمثيل لأحزاب سياسية كان لها دور متوقع أن تمارسه وانتهى بعد الانتخابات الرئاسية»، مدللًا على هذا الأمر «من خلال الدعوات التي يستقبلها الآعضاء لمرافقة الرئيس عندما يذهب في جولات لافتتاح مشروعات، حيث يتم دعوة أعضاء مجلس الأمناء والمقررين والمقررين المساعدين»، مضيفًا: «مجرد أن يكون هذا الأسلوب المتبع، سوف تستقر النظرة للحوار الوطني باعتباره جهاز من أجهزة الدولة».

الملاحظة نفسها أشار إليها أحد قيادات الحركة المدنية في حديثه مع «مدى مصر»، طالبًا عدم ذكر اسمه، وزاد عليها أن البرامج المقترحة من الحوار الوطني تُختار بعناية، ضاربًا المثل بأن الحوار سوف يُسمح له أن يناقش القضية الفلسطينية من ناحية الدعم الشعبي الذي يجب أن يتوفر لسياسة الحكومة إزاء القضية، لكنه سوف يستبعد في نفس الوقت الحديث عن قضايا خارجية أخرى مثل سد النهضة أو دور مصر المتجمد في حرب السودان. 

من ناحية أخرى، أبدى القيادي بالحركة استغرابه من محاولة الدولة اجتذاب المعارضة للحوار، وفي نفس الوقت يتم التنكيل بالمنتمين إليها، مشيرًا إلى حبس أحمد الطنطاوي، البرلماني السابق، في مايو الماضي، على خلفية محاولته خوض انتخابات الرئاسة الأخيرة. 

كان فتح المجال العام وتخفيف القبضة الأمنية عن المجتمع، وإتاحة هامش من الحريات، أهم مطالب المعارضة في مفاوضاتها مع الدولة للمشاركة في الحوار، الذي دعا إليه السيسي في أبريل 2022. الاتجاه الغالب في المعارضة وقتها رأى أن المشاركة قد تلحق بهم العار إذا لم تسفر عن الإفراج عن كل سجناء الرأي، ووقف استخدام الحبس الاحتياطي كعقوبة، وأيضًا وقف تدوير المتهمين على ذمة قضايا جديدة بذات الاتهامات لشرعنة وجودهم بالسجون، فضلًا عن غيرها من ممارسات التنكيل بالمعارضين السياسيين التي تتشارك فيها أجهزة الدولة.

لكن، بعد جدل شاق استقر رأي أكبر تجمع للمعارضة مُمثلًا في الحركة المدنية الديمقراطية، بأحزابها الاثني عشر، على أنه لا مناص من المشاركة، أملًا في تنفيذ السلطة لوعودها بالإفراج عن عدد كبير من سجناء الرأي، وكف يدها عن حبس آخرين، وذلك لغياب البدائل أمامهم من ناحية، ولأن المشاركة تعد بمثابة فرصة أخيرة لانتزاع إصلاحات سياسية.

لم تسفر الأيام الأولى من الحوار الوطني، الذي انطلقت فعالياته في 3 مايو 2023، عن أي مؤشرات للتجاوب مع مطالب المعارضة. لكن، بعد ضغوط مارستها الحركة المدنية وتهديدها بالانسحاب، بالإضافة إلى حالة الاحتقان الشعبي الناتجة عن الأزمة الاقتصادية، وافقت السلطة على خروج عدد من النشطاء السياسيين البارزين من السجن، بعد مرور ما يقرب من شهرين على بدء الحوار.

كان من بين هؤلاء الباحث باتريك زكي، والمحامي محمد الباقر، والناشط السياسي أحمد دومة، وجميعهم غادروا السجن بعفو رئاسي. تلى ذلك قرارات متتالية، في أغسطس 2023، بإخلاء سبيل عدد من المحبوسين احتياطيًا، كان من بينهم رجل الأعمال والخبير الاقتصادي، عمر الشنيطي، والمحامي يوسف منصور، وعضو حركة شباب 6 أبريل، أحمد حسنين.

رغم تلك الإفراجات لم تكن المعارضة راضية بشكل كامل عن الاستمرار في المشاركة. من ناحية، بسبب استمرار القبضة الأمنية في الزج بأصحاب الرأي المعارض في السجون، ومن ناحية أخرى، مع انتهاء الجولة الأولى من الحوار في أغسطس الماضي، أبدى عدد من مقرري اللجان امتعاضهم من تعامل مجلس الأمناء مع التوصيات التي قدموها بصفته رقيبًا على الحوار وليس منظمًا له، بحسب ما كشف مصدر داخل المحور السياسي في الحوار الوطني لـ«مدى مصر»، وقتها، مشيرًا إلى أن المجلس أعطى لنفسه الحق في إضافة وحذف بعض التوصيات قبل إرسالها إلى رئيس الجمهورية.

الأمر نفسه أشار إليه مصطفى كامل السيد، مدللًا على ذلك بأن مجلس الأمناء لم يدعُ مقرري المحاور الثلاثة (السياسية والاقتصادية والاجتماعية) لحضور جلسة إعداد التوصيات التي استمرت أكثر من عشر ساعات، وخرجت منها التوصيات التي ركزت على جوانب تشريعية واستبعدت مقترحات قُدمت للسلطة التنفيذية.

كذلك، انتقدت الحركة المدنية استبعاد بعض المطالب التي قدمتها من التوصيات النهائية التي أرسلتها إدارة الحوار الوطني لرئيس الجمهورية في المحاور الثلاثة، ومنها على سبيل المثال توصية بإلغاء القرار الصادر في 2013 بتعديل المادة 143 من قانون الإجراءات الجنائية، والذي أدى إلى تمديد فترات الحبس الاحتياطي دون التقيّد بمدة ستة أشهر كما كان في القانون السابق، والتوصية الخاصة بإطلاق سراح سجناء الرأي ممن لم يدانوا بأعمال عنف أو تخريب، بالإضافة إلى وقف سياسة القبض بسبب التعبير السلمي عن الآراء في وسائل التواصل الاجتماعي.

في محاولة لامتصاص غضب المعارضة، وعد المنسق العام للحوار الوطني، ضياء رشوان، في أغسطس الماضي، باستمرار الحوار وجلساته العامة والمتخصصة بلا انقطاع، لمناقشة الموضوعات التي لم تناقش بعد، ومن ضمنها الحبس الاحتياطي. لكنه عاد في سبتمبر ليعلن تعليق أعمال مجلس الحوار الوطني مؤقتًا لحين انتهاء الانتخابات الرئاسية.

بعد ما يقرب من ثلاثة أشهر دون مناقشة ما تم تأجيله، أعلنت الحركة المدنية، في يناير الماضي، أنها «أنهت مشاركتها في الحوار الوطني.. »، مشيرة إلى أن استئناف المشاركة «سيكون مرهونًا بتنفيذ المطالب التي تقدمت بها مرارًا.. ». وأعادت التذكير بها: تعديل قانون الانتخابات واعتماد نظام القائمة النسبية، وتعديل قانون الحبس الاحتياطي الذي يسمح بحبس المواطنين لفترة تبلغ عامين في القضايا السياسية، والإفراج عن سجناء الرأي بمن فيهم المحبوسين في أثناء الانتخابات الرئاسية الأخيرة والمتضامنين مع فلسطين في مواجهة العدوان الصهيوني، والتوقف عن سياسة إلقاء القبض على المواطنين بسبب التعبير السلمي عن الرأي على وسائل التواصل الاجتماعي وفي الإعلام، وتخفيف القيود المفروضة على وسائل الإعلام وتمثيل مختلف التوجهات والآراء السياسية في المجتمع، ورفع الحجب المفروض على المئات من المواقع الإخبارية والحقوقية المحلية والعربية والدولية.

وقبل أيام من انطلاق الجولة الثانية للحوار التي خُصصت للمحور الاقتصادي، أصدرت الحركة، في 20 فبراير الماضي، بيانًا وجهت فيه نقدًا حادًا لسياسة الدولة الاقتصادية لكونها «تضر ضررًا بالغًا ببلادنا، وتُنذر بتعميق أزمتنا الاقتصادية، وزيادة معدلات الفقر، ومضاعفة معاناة الشعب المصري، وخسارة أفضل مقوماتنا الاقتصادية ومنحها للأجانب بمُقابل متواضع».

لم يمر على انتقاد الحركة سوى يومان، حتى أصدر «أمناء الحوار الوطني» بيانًا أشاد فيه بقرار مجلس الوزراء في 22 فبراير بشأن بدء الحكومة في تنفيذ أكبر صفقة استثمار مباشر مع عدة كيانات كبرى، وذلك في ضوء جهود الدولة حاليًا لجذب الاستثمار الأجنبي المباشر، وزيادة موارد الدولة من النقد الأجنبي، مؤكدًا على دعمه «جميع القرارات التي من شأنها كسب ثقة المستثمرين، وأي قرارات أخرى ستعود بالصالح العام للدولة المصرية وستنعكس على المواطن المصري ومستوى معيشته، وستخفف من الأعباء في الوقت الحالي». وفي اليوم التالي، وقّعت الحكومة مع مستثمرين إماراتيين صفقة «رأس الحكمة». وبعدها بثلاثة أيام بدأ الحوار الوطني في مناقشة التحديات أمام الاقتصاد المصري خلف الأبواب المغلقة، دون إعلام أو معارضة، وبالمثل سيُجري جولته الثالثة.

أكرم إسماعيل، القيادي في حزب العيش والحرية (تحت التأسيس)، أحد أحزاب الحركة المدنية، قال لـ«مدى مصر» إن الصوت الغالب في الحركة الآن مُجمع على عدم المشاركة في تلك الجولة من الحوار، «لأن الأوضاع تسوء أكثر من ذي قبل، فحملات القبض لم تتوقف، والقبضة الأمنية مستمرة، وانتهت بحبس النائب السابق أحمد الطنطاوي، بالإضافة إلى تطبيق الحكومة لسياسات اقتصادية قاسية جدًا». باختصار «اكتشفنا أنه مجرد تبادل للأفكار فقط ولا يوجد له معنى»، يقول إسماعيل.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن