الحرب كوجهة نظر.. هوامش على مهرجان فينيسيا
في نهاية مهرجان فينيسيا السينمائي لهذا العام، تكرّر ما حدث بالفعل في العديد من المهرجانات السينمائية والأحداث الثقافية منذ 7 أكتوبر: أدان بعض الفائزين بوضوح الحرب الإسرائيلية في غزة والعدد المتزايد من الضحايا المدنيين. وكان الأكثر صراحةً المخرج الفلسطيني اسكندر قبطي، صاحب فيلم «ينعاد عليكو»، والمخرجة الأمريكية اليهودية، سارة فريدلاند، التي حصلت على ثلاث جوائز في قسم أوريزونتي من المهرجان عن فيلمها «لمسة مألوفة».
دعوات مقاطعة
هذا العام وجّه مجموعة من صنّاع الأفلام رسالة مفتوحة إلى إدارة المهرجان، معربين فيها عن رفضهم مشاركةَ أفلام إسرائيلية في الفعالية، في ظلّ الظروف الحالية في قطاع غزة واستمرار المجازر ضد المدنيين. جاءت الرسالة جزءًا من حملة واسعة تهدف إلى حشد الدعم العالمي للقضية الفلسطينية، والدعوة إلى اتخاذ موقف واضح ضد الإرهاب الإسرائيلي في غزة والضفة الغربية. وكان تحالف «فنانون من أجل فلسطين - إيطاليا» أثار اتهامًا بغسيل الفنّ -أي إضفاء الشرعية أو التقليل من أهمية جرائم الحرب من خلال الفنّ- ضد فيلمين إسرائيليين في البرنامج كجزء من دعوة المقاطعة: «لماذا الحرب» لآموس جيتاي و«عن كلاب ورجال» لداني روزنبرج. كلا المخرجين أكدّا على نيّتهما استخدام أفلامهما «لتعزيز السلام والإنسانية». وفي كلتا الحالتين، كان من الواضح أيضًا أن الداعين للمقاطعة لم يشاهدوا الفيلمين مسبقًا ولم يتطرّقوا إليهما في دعوتهم.
مبدئيًا، أي شخص يدعو القائمين على تنظيم المعارض والمهرجانات الفنيّة إلى المقاطعة يفشل في إدراك أن التعامل مع وجهات النظر المتناقضة يجب أن يكون في صميم أي عمل تنظيمي يستحق اسمه. كما نأى مدير المهرجان ألبرتو باربيرا بنفسه عن المقاطعة في تصريحات للصحافة ورفض من حيث المبدأ إزالة الفيلمين من برنامجه لأسبابٍ أيديولوجية. النقاش المحيط بقرار باربيرا كقائم على تنظيم المعارض يُظهر تغييرًا في الخطاب. فبعد بدء حرب الإبادة الإسرائيلية، دُعي المنظمون في البداية إلى اتخاذ موقف من سياسات الحكومة الإسرائيلية، ولكن الآن أصبحت الأفلام والمخرجون أنفسهم تحت نيران الانتقادات. وهذا يثير تساؤل حول سبب وضع باربيرا فيلم روزنبرج في البرنامج قرب نهاية مهرجانه، ربما في خطوة لتجنّب إثارة الجدل في البداية.
كلب إسرائيلي إلى غزة
إذا كان الأمر كذلك، فربما كان خوف مدير المهرجان بلا أساس، لأن فيلم «عن كلاب ورجال» لا يزال يحظى بدعم كبيرٍ حتى اليوم، أقلّه في الأوساط الغربية التي تتلقف مثل تلك الأعمال بمزيج من التأسّي على الضحايا والتأكيد على دعمها لرؤى التعايش بين العرب واليهود في دولة واحدة اسمها إسرائيل.

صوَّر روزنبرج في كيبوتس نير عوز مباشرة بعد هجوم السابع من أكتوبر، حيث قُتل واختطف العديد من المدنيين والعسكريين. منهجه بسيط، وتصويره أيضًا: تتجوّل الممثلة الشابة أوري أفينوعام في الشوارع والمنازل المهجورة في نير عوز، تلعب دور مراهقة تدعى دار تبحث عن كلبها المفقود شولا وسط موجة من الرعب والإرهاب (الفلسطيني بالطبع). صوَّر روزنبرج مع أشخاص تأثّروا بالهجوم، إلا أننا أمام فيلم درامي وليس تسجيلي: الجنود والمواطنون الذين تقابلهم دار يجسّدهم ممثلون هواة، حوارات الفيلم مرتجلة، بناءً على تجارب ومواقف المشاركين. يستخدم روزنبرج وسائل صناعة الأفلام لمقاربة الحدث وفي الوقت نفسه الحفاظ على مسافة، لتفسير ما يحدث بالكاميرا وبكلمات الحاضرين. بنهاية مفتوحة ودون سيناريو مسبق، جاءت المَشاهد واندمجت لاحقًا في حبكة بسيطة.
لا يلعبها «عن كلاب ورجال» بهرولة ولا تسرّع، بل يمشي بطيئًا، حيث يسيطر عليه حزن خانق وخواء عظيم، على غرار كل ما يتعلّق تقريبًا بأحزان وفواجع دولة الاحتلال. يلتقي الخوف والاستياء بالأمل، والإيمان الهشّ بالسلام لجميع الأطراف. وتتناول ناشطة في مجال حقوق الحيوان تنقذ الحيوانات الأليفة المتناثرة في الكيبوتس ردّ فعل حكومة بنيامين نتنياهو على هجمات السابع من أكتوبر وتقاوم خطاب نزع الصفة الإنسانية: «لا يوجد مخلوق أكثر فظاعة وقسوة من البشر، وما زلت أعيش بينكم. لذا أفضّلُ الكلاب». كما لا يحدث العنف إلا على شاشات الهواتف المحمولة، حيث يمكن رؤية الفظائع مباشرة في لحظتين من الفيلم. يسلّط روزنبرج الضوء على أفعال لم يعد ممكنًا إبعادها ويقدم صورًا لن تختفي؛ لا من العالم، ولا من عقول الناس. وهو لا يعرض غزّة إلا مرة واحدة، كرسوم متحركة، كخيال لأولئك الإسرائيليين الذين لم يعبروا الحدود قطّ والذين ربما حتى يومنا هذا، يغمضون أعينهم عن تصرفات حكومتهم ودولتهم.
رؤية روزنبرج لغزة يسودها الدمار، حيث لا يمكن سماع الدفء الإنساني ويوتوبيا العالم بلا بطاقات هوية إلا كنفحة أمل بين صوت القنابل والقصف: الكلب المفقود لا يمكن تعريفه باعتباره كلبًا إسرائيليًا، إنما يتجوّل في الشوارع ويلتقطه صبي فلسطيني غزّاوي من بين القنابل المتفجرة. موقف الفيلم وصانعه واضح لا لبس فيه، لكنه يحاول أن يبدو إنسانيًا عبر شريحة بطيخ يمكن رؤيتها على قميص البطلة الباهت طوال الفيلم.
الثقافة كلّ ما يتبقّى
كما يوضح آموس جيتاي موقفه في فيلمه «لماذا الحرب»، حتى إنه يضعه في عنوان فيلمه الذي تغيب عنه علامة استفهام موجودة في النصّ الأصلي المأخوذ عنه. استنادًا إلى المراسلات الشهيرة بين آينشتاين وفرويد حول الحرب كظاهرة من ظواهر الحضارة الحديثة، ينسج فيلمًا هجينًا غريبًا في نواحٍ عديدة. يعيد الممثلان ماثيو أمالريك وميكا ليسكوت تجسيد فرويد وآينشتاين، ويتحدثان بالرسائل مباشرة إلى الكاميرا. وحولهما، كما يلمّح الفيلم فقط في البداية، يُنشأ إنتاج مسرحي. كل شيء مختلف هناك: تظهر جوقة، ويهيمن الغناء الأوبرالي مع المرافقة الموسيقية للفيلم في مقاطع خطابية مطوّلة. تتقاطع امرأة مع الفيلسوفين، تجسّدها الممثلة إيرين جاكوب. كما تكتب رسالة موجّهة إلى جيتاي. بالإضافة إلى الرسائل بين آينشتاين وفرويد، يستخدم جيتاي أيضًا نصًا لفرجينيا وولف، «ثلاثة غينيا»، يتناول الهيمنة الذكورية والدعوة لمنع الحرب، وردّ سوزان سونتاغ، المتعلّق بالالتفات لألم الآخرين. هناك أيضَا صور من الماضي، تُظهر جنودًا رومانيين ويهود في معركة مريرة تعود لحصار القدس قبل ألف عام تقريبًا.

مرة واحدة فقط، في وقت مبكر للغاية من الفيلم، يصبح جيتاي صريحًا: في لقطة كاميرا طويلة تظهر تركيبًا فنيًا للرهائن الإسرائيليين الذين تحتجزهم حركة حماس. وبجانبها ملصقات تدعو إلى إطلاق سراح المختطفين. وعلى النقيض من روزنبرج، كان لدى جيتاي متسع من الوقت لبناء فيلمه. ولأسباب غير معروفة، اختار شكلًا متكلفًا للغاية يجعل من الصعب مناقشته ولا يستكشف عاطفيًا اليأس الناجم عن التفكير في مواجهة صور الحرب والضحايا، بل يخفيه في لغة مجرَّدة وأحيانًا وراء حسّ فكاهي غريب وعقيم. يقول أحد المفكّريْن إن الحرب والثقافة لا يمكن فصلهما عن بعضهما البعض، وما يعمل ضد الحرب يعمل أيضًا ضد الثقافة. ومع ذلك فالثقافة هي كل ما تبقّى للناس. ثم يصبح أكثر تجريدية: الحبّ يخلق الدمار. يزيّن جيتاي عبارات الرجلين المبتذلة وعمليات التفكير الأكاديمية بصورٍ مجانية ومحسوبة لا هدف من وجودها سوى وجع القلب ومساواة القاتل بالضحية.
ويظلّ من غير الواضح لماذا يشير جيتاي، عندما يريد وصف الحرب والعنف بأنها مشكلة مدمّرة للحضارة، إلى الرهائن الإسرائيليين فقط كإطارٍ مرجعي ملموس وحيد. هل يستهدف الخطاب الذي يروّج له نتنياهو في حملته الانتخابية؟ أم دور إسرائيل ومسؤوليتها كقوة عسكرية؟ أم الاتهامات الموجّهة إلى نتنياهو باعتباره مجرم حرب؟ أم ببساطة لأنه لا يرى الفلسطينيين أساسًا؟ الفيلم يجعل من المستحيل تصنيفه أو تصديقه، وهو أمر مزعج للغاية في ظلّ الطبيعة المأساوية والفاضحة للوضع العالمي إزاء حرب الإبادة المستمرة منذ عام تقريبًا. وردًا على الدعوة إلى مقاطعة فيلمه، جاءت تعليقات جيتاي أكثر تعقيدًا دون أن تكون أكثر إنصافًا، حيث سمّى الحكومة الإسرائيلية الحالية و«حماس» وأدانهما على حدّ سواء باعتبارهما عقبتين أمام أي عملية سلام، ووصف الوضع الحالي بأن الناس أُخذوا كرهائن من قبل أولئك الذين في السلطة المهتمّين بإدامة بالعنف.
عرض الأفلام سياسيًا؟
هذا العام، تناولت مجموعة أفلام باربيرا أيضًا قضايا سياسية تتجاوز قضية فلسطين-إسرائيل؛ فقد اختار في بعض الأحيان أفلامه موضوعيًا بشكلٍ واضح وبالتالي كان موجّهًا للجمهور أكثر منه لراهن الصناعة السينمائية. ويبدو أنه يأخذ «فينيسيا» على محمل الجدّ كمهرجان عام/جماهيري، ويريد أن يأخذ المشاهدين المحليين معه بأفلام كلاسيكية رسمية.
ويُلاحظ أيضًا المحاولة لإدخال وجهات نظر متناقضة في حوار مع بعضها البعض وإلقاء الضوء على مواضيعٍ من عدة اتجاهات. تناولت أعمال «الأمر» و«ريفنستال» و«م: ابن القرن» الفاشية في ألمانيا وإيطاليا والولايات المتحدة بأساليب مختلفة تمامًا. وتحدّث فيلما «روس في الحرب» و«أغنيات الأرض المحترقة ببطء» عن الحرب بين روسيا وأوكرانيا من وجهات نظر متعارضة وربما لا يمكن التوفيق بينها. وفي الفيلم الوثائقي السياسي «Separated»، يندّد إرول موريس بسياسة الهجرة الإجرامية في الولايات المتحدة في عهد ترامب وبرنامجه لفصل الآباء عن الأطفال على الحدود الأمريكية مع المكسيك. كما شارك في المنافسة فيلم «لا زلتُ هنا»، الذي يقدّم فحصًا للدكتاتورية العسكرية في البرازيل.
وعلى الرغم من هذه القضايا السياسية العديدة، اشتكت الصحافة من دورة ضعيفة، مع ضعف طاول المسابقة الرسمية كذلك. ولم تكن هذه التوقعات والتعليقات المزعجة مجرد مواقف. فالكثير مما يبدو جيدًا على الورق جاء مؤلمًا بشكلٍ خاص على الشاشة، وشكّل «ريفنستال» و«Separated» مشكلة صريحة ويصعب تفسيرها كقرارات برمجة. في «Separated»، قام إرول موريس بعرض صور ومشاهد الهروب والاعتقال بطريقة أفلام الإثارة تصحبها موسيقى تشويقية، بالتناوب مع مقابلات مع مسؤولين حكوميين ناضلوا ويناضلون من أجل حقوق الإنسان. الطموح واضح، لكن، مثلا، لورا بويتراس تفعل ذلك بشكل أفضل بكثير عبر أفلامها التحريضية أو الإثارية (إذا أردت) ولا تتجاهل بوقاحة كرامة مَن تصوِّرهم مثل موريس.
في «ريفنستال»، يخلق أندريس فيل متاهة ألغاز حول الآراء السياسية لصانعة الأفلام، ليني ريفنستال، التي لا يخفى انحيازها السياسي على أحد. بأسلوبٍ تليفزيوني، يربط وفرة من الحقائق المتناقضة ويساهم أكثر في نسبية آرائها بدلًا من موقفٍ ضروري بشأن تأثير أفلامها. كما أُغفلت حقائق رئيسية، مثل قراءة ريفنستال لكتاب «كفاحي» في ثلاثينيات القرن العشرين. كما يتجنّب الفيلم، المعتمد على السيرة الذاتية بشكل صارم للغاية، بثباتٍ لا يلين مسألة الصلة بين الفاشية والجماليات.

في فيلم «ما زلت هنا»، يفتقر والتر ساليس إلى أي طموح فني ويعيد سرد موضوع معروف عالميًا بأبسط طريقة ممكنة. فيلمه سهل الاستهلاك وخالٍ من المزالق والتناقضات، ويتطوّر حول أشخاص محبوبين دون جوانب مظلمة، ويتخبّط في مشاعر الضحية والتفكير النمطي للخير والشرّ.
هناك طرق أخرى
هذه القرارات محبطة بشكل أكبر لأن باربيرا أظهر أيضًا أنه يمكن القيام بالأشياء بشكل أفضل. على سبيل المثال، من خلال وضع المخرجة الشابّة ديا كولومبيجاشفيلي في المسابقة، وهو ما كان بمثابة اختراق حقيقي للمخرجة الجورجية الواعدة. جمالياتها أبعد ما تكون عن جماليات والتر ساليس، فهي تصنع أفلامًا يصعب التعبير عنها بالكلمات. أفلام سياسية في شكلها لأنها لا تكرّر المألوف، ولا تلبّي الأذواق ولها تأثير يدوم لأسابيع. في فيلمها الثاني، «أبريل» تقدّم كولومبيجاشفيلي دراما إجهاض جذرية تجريبية، أحد الأفلام القليلة في مسابقة هذا العام التي تحدّت وأزعجت الجمهور فنيًا وموضوعيًا. بخلاف ذلك، تمسّكت غالبية المشاركات بجماليات السينما التقليدية.
بالإضافة إلى أفلام جيتاي وروزنبرج، تضمنّ البرنامج أيضًا عملًا ثالثًا يتناول العنف بين الإسرائيليين والفلسطينيين: «إسرائيل وفلسطين على التليفزيون السويدي 1958-1989»، يستخدم غوران هوغو أولسون التقارير التليفزيونية السويدية على مدار 40 عامًا لإظهار أصول العنف المحيط بتأسيس دولة إسرائيل حتى عام 1989. أنجز الفيلم على مدار خمس سنوات وينقل التحليل النقدي والصحفي لسنوات الصراع في المنطقة في تسجيلات تناظرية وأحيانًا شديدة المواجهة. في الفيلم البالغ طوله ثلاث ساعات ونصف، تلتقي المقابلات مع سياسيين إسرائيليين ودوليين بالإضافة إلى أصوات مهمّة من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ومنظمة التحرير الفلسطينية فضلًا عن محادثات مع المدنيين حتى يصبح الموقف بكل تعقيداته، بكل تطرّفه، بكل استياءه وآماله، مفهومًا بعمق. يظلّ الفيلم في الذاكرة بعمقٍ باعتباره الأكثر إثارة للإعجاب في برنامج المهرجان وفيلمًا ضخمًا بسيطًا.
تقارير ذات صلة
محمد رشاد عن «المستعمرة»: أن تحكي حكاية تشبه الناس بطريقة تشبهك
تحاوره ناهد نصر عن الفيلم وحكايته وأبطاله
نادي المنتجين المصريين: أن تسبح خارج البحر
بروفايل للنادي من خلال حوار مع مؤسسه محمد تيمور
سينما صيفي| فقراء في المنيو
بيحاول بسام مرتضى يخلينا نفكر في البني الآدمين
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن