الحب وسيرته
سلوان #6
#جو عام
«سلوان» لا تقلب المواجع -لا سمح الله- أو تنكأ قشورًا غطت جراحًا قديمة، بل تقرؤون في السلسلة، التي تحررها سلمى الديب، خلاصات تجارب كُتبت بحساسية وتقليب على جمر النار كما تقول الست أم كلثوم، دون تركيز على الإيلام، بل أُعدت كضفيرة، حيث نقدم كل خبرة عميقة برؤيتين متداخلتين ننشر ديتوكسين كل ويك إند، وفي هذا العدد تكتب أمل إدريس هارون عن الحب وسيرته وفلسفته وهمومه، بلا «شخصنة»، في دليل كله كلام عاقل ومدروس عن العواطف، وإكمالًا لضفيرة سلوان في هذه التيمة تكتب نورا ناجي عما يحدث حين تنطق امرأة عن الهوى.
في «سلوان» لا نقدم مشاعر مؤلمة أو نعيد آثارها على أصحابها أو مَن مروا بها أو نجوا منها، حتى يكون اسم السلسلة على مسمى، لكن يحتمل أن تسبب قراءة بعض المواد آثارًا نفسية أو تذكر بما لا يُستحب استعادته، لذا لزم التنويه.
#سلوان
في حوار ممتد مع صوفي، صديقتي البلقانية المقيمة مثلي في كندا، حول أسباب الألم والخذلان الكامنة في الحب، ترى أن قيمة الفرد داخل العلاقة أصبحت في قدرته على إشباع احتياجات الآخر، وفي حال الإخلال البسيط أو الكبير بذلك الإشباع يمنح الشريك نفسه المبرر والحق في المغادرة لعدم الرضا، تمامًا مثل حق إعادة السلعة للمتجر. تنتصر صوفي إلى «الفردية»، مقررة أنه «إتس أوكيه لبعض الأنانية، لكن النرجسية شيء مُدمر للعلاقة وللإنسان. الاعتناء والاهتمام بالنفس ضروريان، لكن تغافل وجود الآخر وحاجاته للدعم بدعوى أن ذلك لا يناسبني مأساة». نستشهد بالضغط التقليدي للحفاظ على الثنائي من أجل الأسرة أو الأبناء أو لنفي صفة خيانة العِشرة الذي ربما لا يكون صحيحًا ويبتلع الفردية التي ترغب في التحرر من عبء علاقة لا تتوافر بها أدنى متطلبات التعايش المُريح، لكن في النهاية هناك عُرف لمراجعة قرار الهدم واختلال التوازن. ذلك العرف يسعى لإدماج الأفراد وإيجاد دور لهم ويحثهم على بذل الجهد في كل الأحوال حتى لا ينهدم البنيان. الأمور اختلفت وأصبح الحب مهمًا بل فارقًا لحياة الفرد الناضج وحتى مؤشر على نجاحه أو اكتماله.
تتذكر صوفي، التي عاشت منذ عامها العشرين بالغرب الأوروبي قبل الهجرة لكندا، العام الذي قضته بالهند بحكم دراستها مع عاملات زراعيات، وهناك عندما تتوثق العلاقات بين النسوة يدور الحوار حول الحب والرجال، تنظر الفلاحات بغمز ولمز إلى الغرب كمكان للحب والمساكنة وحرية الاختيار، كل تلك النسوة كن متزوجات زواجًا تقليديًا بلا حب مُسبق وبلا معرفة كبيرة بين الزوجين، كانت هي النموذج الحي لكل ما يمكن تحقيقه في الحب والحياة لولا الأبوية!
تتذكر صوفي كيف كانت النسوة يتعجبن لماذا ما زالت عزباء ولماذا لا يساعدها أهلها لإيجاد شريك مناسب باعتبارها مسؤولية الأبوين أيضًا. يتعجبن أكثر كون حرية الاختيار لا تضمن نجاح الأمر. الإجابة الأسهل دومًا كانت: الأمر معقد.
تعود صوفي وتذكرني بزميلة لنا عاشت قبلها بأعوام لدى طائفة من الغجر بالهند بين نساء يعملن في الرقص والتنجيم والترحال قابلت نفس رد الفعل من النساء. لدى هذه الجماعات الزواج حتمي لأنه عقد اقتصادي تكسب منه الأسرتان، فأسرة تتخلص من فم تطعمه وأخرى تحصل على يد عاملة، الحب هنا شيء آخر قد يحدث وقد لا يحدث. الحبيب السري فيما بعد هو مساحة الفعل الممكنة لدى تلك النساء اللاتي لم يخترن الزواج والعمل والحياة في مجتمع أبوي متشدد، تلك النسوة أيضًا لم يفهمن موقفها، فهي بيضاء غربية وتتمتع بالحرية بلا حبيب ولا زوج ولا طفل وفي أواخر العشرينيات ويمكنها الاختيار على عكسهن، لماذا لا ينجح الأمر!
ننتهي أن لفظ الحب واسع جدًا على توصيف الكثير من المعاني المُشتملة والواجبة في العلاقة مثل العناية والمنح والتفهم وبذل الجهد، وأيضًا الحب لفظ ضيق ومهلهل لتبرير ممارسات النرجسية والتطلب والتلاعب نحو الآخر. أن نكون في علاقة حب لا تعني نهاية للألم وبداية للنهايات السعيدة. هي بداية تتحدى خوفنا على الفردية والقدرة على التخلي.
الكثير ممَن يحيطون بي وبها لديهم ألم ما، إحباط ما، مُتعلق بفكرة الحب سواء كانوا «سنجل» أو «كابلز». كل قعدة مع صديقة أو زميلة تتعمق في الحوار تذهب لمنطقة الحب والخذلان أو الألم الطفيف أو المتأزم مع الشريك وتصل الأمور أحيانًا لبكاء وعجز عن الفهم. حتى إن السعيد في الحب يُنظر إليه على أنه ساذج أو مجنون، أو هي بس روعة البدايات! وصولنا لتلك النقطة استدعى بيئات أخرى لا يحتل فيها الحب تلك المكانة، والأهم من مشاعر الحب والمتطلبات والاحتياجات الفردية هو الأداء المجتمعي المنصف الذي يوفر الأمن والكرامة والاحترام لكل من الرجل والمرأة. تبدو لي كل تلك الحكايات المتألمة إذن تبحث عن شيء آخر ينطلق مما نسميه الحب.
الخلاصة: لا العاشق مرتاح ولا الخالي مرتاح.
في حوارنا أنا وصوفي، نشطح قليلًا حول المكان الذي يأتي منه الحب أصلًا بحكم كوننا عرفنا خلفيات مختلفة، الحب لا يُقتل فيها ولا يُسبب وجع دماغ، والأفكار حول الرجولة والأنوثة واضحة ومعيارية، وتجاوز الإكس سهل وبسيط بعدم إظهار الألم أصلًا حتى لا يشمت فينا العزول.
في الحكايات والحواديت وأغاني الفلكلور، يوجد الحب غالبًا في مكان بعيد مطلق «بيور» منزه، الحلم الأجمل على الإطلاق والنهاية الأكثر إلهامًا للأمل والحياة والناس. كل البروباجاندا التقليدية عن الحب تغفل أهم وأخطر أمر لا يتحدث عنه أحد وكأنه تابو: إنه مؤلم في ذاته، وأعني بمؤلم ليس بسبب عوامل خارجية عنه أو داخلية به تمنع اجتماع المحبين واكتمال قصتهم طبقًا للمُفترض، لكن لأنه هو نفسه في جوهره يشتمل على سطو على الذات في حالتها الخام المرتاحة اللاهية، عملية استلاب علنية على القلب وخطط الحياة ومقدرات الذات ومستقبل الذات، الحب يؤدي مع الوقت لعملية تحوّل جذرية وشاملة للفرد كما أنه -في حال استمراره- يفرض حربًا طويلة الأمد معه وضده، للحفاظ عليه، لكن أيضًا لاسترداد جزئي لهذه الذات واكتشافها وبنائها. وككل حرب هناك جرحى وضحايا ومكاسب.
على مدار حياتي استمعت لثلاثة أنواع من الأساطير المؤسسة للحب كأنه مملكة قائمة بذاتها أو طائفة دينية لها أتباع، أول نظرية: الحب هو الماضي والحاضر الكوني للأشياء، وخلاصتها أننا عرفنا بعضنا في زمن سابق في الجنة أو في مكان خرافي، وكنا في حالة انسجام تام مثل اليانج واليونج أو متلاحمين كجذع شجرة سعيدة وهانئة، وقبل نزولنا على الأرض انشطرت الشجرة نصفين، وضع الملاك إبهامه على فمنا فنسينا كل شيء، ثم تفرقنا، فنحن في بحث عن هذا الرفيق المثالي السابق القادم، عندما نقابله نشعر بتلك الألفة وذلك المُشترك في الزمن الأول، في غمرة اللقاء والاكتشاف والاسترجاع يحدث الكثير من الأدرينالين والدوبامين كي ننسى الجرح البطيء الذي ينفتح ليعيش الآخر بداخلنا مرة أخرى وكي لا نرى أننا نتخلى عن الحذر وعن الذات في خضم هذا اللقاء، الحب فيه فعل تخلي إرادي وإعادة ترتيب للأولويات ظنًا أو يقينًا أن هو ده الحب الحقيقي.
ثاني نظرية: الحب هو ضربة الصاعقة (coup de foudre) أي الحب من النظرة الأولى، أصحاب هذه النظرية يرون أنه يجسد النموذج المُتخيل، انسجام لحظي قد تدعمه لوجستيات المُشترك من أدب أو أفلام أو تجارب طفولية مُتشابهة أو تجارب حضرية في فضاءات المدينة، أو على العكس يكون كل شيء ضد النموذج المتوقع، لكن النتيجة مُزلزلة، بالطبع هناك الكثير من الأدرينالين والدوبامين وخيالات الشعراء وآهات أم كلثوم كي نَمُط روعة البدايات ونحوّلها إلى تاريخ مشترك وذكريات عمولة وتصورات عن الوصول والراحة والسكينة وإيجاد توأم الروح والتوبة عن كل ما سبق.
وأخيرًا أقلهم شعبية وهي نظرية أن الحب ما هو إلا لقاء بين فيرمونات كيمائية تنجذب لبعضها والتي يحفزها جين مجهول مشغلنا كلنا عنده منذ أول خلية حيّة من ملايين السنين حتى تاريخه، لضمان استمرار الحياة. يعني باختصار الحب ما هو إلا عملية كيميائية مُعقدة مُرتبطة بأفضل تلاقي يمكّن للجينات الأنثوية والذكورية لاستمرار الحياة بأقل الخسائر البيولوجية، والعملية دي محتاجة عامل محفز قوي يدفع المحبين في الطريق نفسه لتحقيق الاستمرار البيولوجي لهذا الجين الغامض. تلك النظرية المادية لها أبحاث ودراسات ومختبرات تبحث في إثباتها.
خوتة كبيرة الحب ده يا أخت صوفي.

***
نعود لطرح السؤال الأهم: لكن هل الحب أصلًا فكرة كونية؟ بطبيعة دراستنا، أنا وصوفي، للأنثروبولوجيا نعرف جيدًا أن تشكيل الثنائيات بهدف الزواج أساسه ما يُطلق عليه تكوين تحالف بالمصاهرة مع جماعة مغايرة، لتعزيز قوة الجماعة أو الدولة أو القبيلة بتجديد ثرائها مثل فكرة المهر، وكذلك جيناتها وتحييد العداء بين الجماعتين. ننتهي أنا وصوفي أننا لا بد فاتنا شيئًا أو أشياء في فهم الوضع الحالي في تركيزنا فقط على الحب، دون فهم تطوره، ثم نسلم بأن الحب كمبدأ لم يكن أبدًا كونيًا أو تاريخيًا، بل الارتباط عن حب أصلًا اختراع حديث حسب أبحاث الأنثروبولوجيا.
فقبل مرحلة الحداثة الحب كان مكانه الهامش، في الشعر والملاحم وكل هذه الأشياء التي تخرج عن نطاق الحياة اليومية المُضنية التي كانت بلا تكنولوجيا الرفاهية الجسدية والارتخاء الحاليين. الزواج كان واجبًا اجتماعيًا يمر به الجميع أو المعظم، لم يكن الحب له مكان كبير أو محوري في نطاقات الزواج التقليدية مهما كانت الطبقة، الزواج كان تحالفًا بين مجموعتين لتعزيز العلاقات وتأمين وجود ورثة وامتداد بس كده، الحب الرومانسي كان حدثًا عارضًا قد يعزز الرابط دون منعه، وغالبًا ما زالت هناك أوساط يحب فيها الرجل والمرأة فكرة الزواج وتكوين أسرة أكثر مما يفكران في أحلام الحب وحلاوة الحب. نحب حد ونتجوز حد تاني كان في صيرورة الأمور الطبيعية المتقبلة.
***
ما نقرأه عن قيس وليلى حدث عارض على هامش الحياة والنُظم التي تؤطرها، بل ليلى لم تحب الرجل التقدمي الذي لا يخجل من تقديم نفسه برجولة هشة وهوس يكاد يكون توكسيك وتزوجت بآخر، الحقيقة لا نعرف موقف ليلى الحقيقي من قيس. ربما فعلًا أحبته لكن الحب حاجة والحياة حاجة، وورث قيس وحده ألم الحب. لكن الحكاية ظلت تتوارثها الأجيال، غالبًا لقيمة الألم داخل الحب. في الغالب كل ثقافة تمتلك نسخة من قصة حب مُستحيلة مُزلزلة ومُؤلمة تحدت المجتمع أو فشلت في تحديه، يظل الحب هنا في ماضٍ مُستمر، يُعاد ويُعاد بلا توقف، لكنه لا يكتمل، ربما لأن حالة الحب التي على الهامش تمنح الذاكرة استراحة من حتمية الموت وإيقاع الواقع الطاحن.
الحداثة جعلت الحب حدثًا فرديًا خالصًا فيه اختيار، فتشير دراسة مورز مثلًا إلى أن صورة الزواج القائم على الحب الرومانسي في مصر ظهرت في القرن العشرين، ومع ظهور الدول القومية، سلطت الجهات الفاعلة الحكومية وغير الحكومية الضوء على نموذج الأسرة النموذجية للطبقة المتوسطة، وهي أسرة مُستقرة، أحادية الزواج، ونووية. في هذا السياق، يُعتبر الزواج الذي يعتمد على «علاقة صداقة» -كما تحدث عنها قاسم أمين في كتاباته- مرادفًا للحداثة والتقدم والطبقة الوسطى بالمعنى الحديث. أي القدرة على اختيار زوج نتشارك معه في الاهتمامات والانجذاب الجنسي.
توافق صوفي على فكرة الفردية الحالية داخل حالة الحب الحداثي، لكن حتى تلك اللحظة مؤسسة الزواج كانت مهمة، يعني المؤسسة سحبت الحب داخلها. طبقًا لتلك النظرة يمكن أن نصبح حداثيين ونحب، لكن نظل تقليدين ونتجوز، الحب له مؤسسة تحميه وتتكرس به والألم والعذاب بيجي من الخيانة أو المشي البطّال للزوج، لكن على الزوجة الصبر وسيعود الزوج بفعل قوة الحب وصبر الزوجة بعدما تأخذ الكرما مسارها ويتم إنقاذ المؤسسة حسب كل أفلام الأستاذ حسين صدقي. بالنسبة لغير الحداثيين من عموم الشعب التقليديين قد يأتي الحب أو لا يأتي وقد يأتي وتحيطه قوة العاطفة الجياشة المتحررة من عقلانية الحداثة وحساباتها، لكن هناك حاجات تانية تضعها تلك العموم الشعبية في الاعتبار منها العِشرة والإعزاز والمودة والعيال بالطبع. وهنا الحب ليس للجميع. بس السينما جعلته للجميع ولو في الخيال بألمه بفراقه بضحاياه بسلطاته ببابا غنوجه.
أعمال أرمبرست مثلًا تنصب على تمثيلات الحب والزواج والعلاقات مع القيم الأبوية في الإعلام والسينما والتلفزيون والموسيقى الشعبية المصرية. ويشكل الحب الموضوع الرئيسي في السينما المصرية طوال تاريخها. في الواقع، تعتمد السينما المصرية -يقول أرمبرست- على مفهوم «توفيق الكابلز». وبالتالي، يظهر الحب: «كحدث رئيسي في العديد من السرديات، سواء كانت مكتوبة أو مصورة. عندما يكون الحب هو القضية الرئيسية، تُبنى نسبة ضخمة من السرديات -وغالبية ساحقة في حالة السينما- بها توتر بين الاختيار الفردي لشريك الزواج والزواج المُدبر». الحب به ألم مُستمر تأفوره السينما لأقصى درجة يُعاد ويُكرر ونبكي معه وله، ونتمناه ونعيش بالنيابة عن آخرين أو نعيش في حكاية الآخرين الحب اللي بتقول عليه الست. نتفق أنا وصوفي أنه حتى الآن تلك اللحظة ألم الحب ينبع من خذلانه سواء أحببنا أو لم نحب. لكن تظل المسؤولية نحو الحبيب مهمة ومحورية، بس ألاقي اللي أحبه!
***
نستعيد أنا وصوفي تحوّل الحب في ظل هيستريا العولمة النيوليبرالية. مثلًا رغم كونها نشأت في أسرة تقليدية بلقانية مُحافظة لم تجد نفسها في فكرة أن المرأة عليها عدم المواجهة وتسيير الحياة لصالح الأسرة والأطفال، كانت مسكونة بروح متطلبة تعبّر عن عدم رضاها طول الوقت. تصرّ صوفي على أن الشفافية المطلقة هي ما يجب في الحب والعلاقات، أقول لها لا يجب أن يكون الإنسان مجردًا «سلبوتة» كده من كل شيء ولو في حضرة الحبيب، يجب حماية الذات! يجب معرفة الذات، يجب الحفاظ على مساحة للذات داخل الحب بلا لعبة الشفافية والأداء المُستمر التي تستنزف الروح، يجب أن تكون هناك مساحات خاصة بيننا وبين أصدقاء أو أفراد العائلة الآخرين أو حتى بيننا وبين أنفسنا.
أقول لا يجب أن تندمجي تمامًا في الآخر، في نهاية الأمر يجب على الأقل أن تظلا فردين وليس فردًا واحدًا والآخر امتداد له، ينتهي الأمر أن يكون أحد الأطراف مرتاحًا والآخر لا يشعر بالرضا، وكل النقاشات والشفافية لن يعدلا الكفة تمامًا، ربما يجب تعميم فكرة اكتشاف الذات قبل الوقوع في الحب، لكن جزءًا كبيرًا من ألم الحب يأتي في الحقيقة من مواجهته بالذات وحدها تمامًا بلا دعم ولا إعداد. فالحب أكبر سلطة تؤثر علينا بشكل عميق والأخطر بلا وعي كبير منا للمقاومة خصوصًا في البداية، لا توجد حماية من الحب.
في الحقيقة، ومع العولمة، أصبح الحب للجميع بحق وحقيق، أصبحت هناك توقعات كبيرة مع المُحب أو مع الحب، العالم تغيّر بفعل الحياة والتعليم والسينما والتنقل بين فضاءات المدينة، أصبح اللقاء مع توأم الروح مُحتملًا في أي وقت وأي مكان وأصبحت هناك توقعات يجب إشباعها لدى كل القطاعات بناءً على سرديات الاستحقاق والسينما والشعر وأغاني عمرو دياب وماجدة الرومي، الحب هنا في متن الحياة والتوقعات والزواج والتحقق. بل عدم الوقوع في الحب أصبح يمثل ضغطًا على الأفراد وخصوصًا النساء. يُنظر للحب على أنه اكتمال وهدف وربما استحقاق. الفشل في الحصول على حياة مع شريك يظل هاجسًا كبيرًا ، للرجل والمرأة.
أنتوني جيدنز يصف هذا التغيير في مجال التوقعات فيما يتعلق بالحياة الخاصة بمفهوم «الفردانية العاطفية». يعرّف هذه النزعة بأنها «الاعتقاد في الارتباط الرومانسي كأساس لإقامة الروابط الزوجية». إحدى السمات المهمة للزواج القائم على «الفردانية العاطفية» هي أنه يركز على التطور الشخصي الناتج عن العلاقة.
كما يتحدث جيدنز أيضًا عن تطور في العلاقات الحميمة من خلال ما يسميه «العلاقات النقية»، التي تعتمد على «التواصل العاطفي وبالتالي الحميمية التي أصبحت الآن موجودة في ثلاثة مجالات: الحب، والروابط بين الوالدين والأبناء، والصداقة. وفقًا له، حلت هذه العلاقات محل الروابط القديمة لأن بها ديناميكيات مختلفة تمامًا عن أنواع الروابط الاجتماعية التقليدية. إنها تعتمد على عمليات الثقة النشطة، فتح النفس تجاه الآخر. الإفصاح هو الشرط الأساسي للحميمية (...) وقد حلت فكرة الحب الرومانسي كأساس للزواج محل الزواج كعقد اقتصادي».
إذن هناك تعرٍ كبير للذات أمام الآخر وتوقع كبير منه، والآخر هو فرد واحد يؤدي كل الأدوار التي كان يؤديها الصديق والقريب والغريب والأم والأب وعليه التوقع بما نحبه ونريده وإرضاء توقعاتنا. ومن هنا يأتي الكلام ثم الكلام والحوار والشفافية والنقاش حيث الذات مُسلط عليها الضوء وبلا حائط صد وتنجرف لطريق يخلصها من حالتها الخام، فتتحول وتتفاوض وتتنازل أو تُسلب، أو تنجر لدائرة التشبث بالحب وأهل الحب. تعترف صوفي أنها ترى الكثير من النساء يستنزفن في دور الشريكة التي تعوض دور الأم بالاهتمام والعطاء والشعور بالذنب بل والتخلي تمامًا حتى عن احتياجاتهن حتى لا يواجهن شعور الوحدة أو الإخفاق. يعني في ظل العولمة الواحد واقف بطوله وذاته وقلبه ومفتاحه بمواجهة عالم لا يتوقف عن الحركة وتوقعات الشريك التي يجب إشباعها عشان الاهتمام مبيطلبش!
طيب يا ست صوفي ما هو مستقبل الحب؟ يعني هنروح لفين؟
***
تحكي لي أن كل الشباب في بلدها البلقانية يريد الزواج بأجنبية والهجرة، الحلم في مكان آخر، الحب في مكان آخر يقع على حدود البلاد الغربية. أخبرها أنه مع ثورة الإنترنت وثورة 2011، الحب أيضًا تغيّر وترسخ خطاب الاستقلال والفردية وكسر السلطة والوصاية لدى قطاعات مُعتبرة من الشباب. كان مذهل مساحات الحميمية الجديدة التي لا سلطة فيها سوى للأفراد. استقلال البنات كان كلمة مهمة، وبالتالي مساحات التجريب بلا وصاية للحب وللمساكنة والعمل في فضاءات جديدة بلا أي إعداد إلا التجربة الحية والمخاطرة والإيمان بالحب والتغيّر. بس يا خسارة خسارة على الحب اللي كان، سنة بعد سنة واتضح أن الذكورية التقليدية أعادت إنتاج نفسها بشكل أكثر توحشًا في المساحات الجديدة للحب الحر. شهادات الناجيات (والناجين) مثلًا رغم قسوتها توضح وجود مستويات أخرى من الانتهاك والاستباحة وانعدام التوازن في إدارة العلاقة الخاسر غالبًا فيها هن النساء بينما تحرر الرجل من عبء الوصول للحب عبر عصبة الرجال القريبة من حبيبته.
رغم إغراء فكرة استقلال البنات وبالتالي قدرتهن على اتخاذ قرار بحياتهن، فإن ذلك يستتبع تعزيز لفكرة الشراكة بمفهومها الأكبر، وغياب فكرة التضحية وتقديم الآخر على النفس. أصبحت الأنانية بمعناها الجيد موجودة، رغم ذلك ورغم استتباع فكرة التمكين للمرأة لا نعرف على وجه اليقين كيف كانت ردة فعل الرجل. تصرّ صديقتي أن الرجال يريدون المرأة الناعمة الصبورة الوديعة التي تستوعبهم، في كل الأحوال يتوقع الرجل أن تظل المرأة مصدرًا للعزاء والرقة والوداعة والتفهم لأنها طبيعتها. صديقات أخريات يصفن الوضع الحالي داخل العلاقات بانعدام المسؤولية ورخاوة الرجولة كأداء، وعملية النساء وتعبيرهن بوضوح عن الخذلان وعدم الرضا. في حالة سيولة الحب دي وفي حالة ارتباك مفهوم الحب والمساكنة بلا أسس تحمي الطرفين ستتكرس مزيد من مساحات الألم والخذلان وعدم الرضا.
وبسبب جرح الحب وتعقيداته الجديدة المُعتمدة كليًا على حركة وأداء الثنائي داخل العلاقة في محاولة لتحييد دوائر التدخل التقليدية، أصبحت هناك أفكار فردانية جديدة، منها فكرة أن من السهل أن أحب أو أبحث عن أن أحب بدلًا من البحث عن أن أكون محبوبًا كحل مُمكن لمعضلة حب بلا جرح، يمكنني التحكم في نفسي وفيما يمكنني، وعلى العكس لا يمكنني التحكم في استقبال أو استحداث الحب. هنا نصل مرحلة أخرى من الحب باكتفاء الإنسان بلا وجع دماغ بنفسه ونجد لها تمثلات تصل لزواج الإنسان بلحافه أو برج إيفيل. أريد أن أكون في حالة حب، يمكن أن أكون محبوبًا أو أمنح الحب بلا ضرورة التلقي أو تخيل علاقة حب بيني وبين نفسي، أنا المؤلف والممثل والمخرج. وعلى الجانب الآخر نفكر بلا وعي عندما تبدأ علاقة حب جديدة يُعلن عنها، بهشاشة الكائن الجديد في الصور السعيدة للثنائي الجديد، وقد نتنبأ بالمسار الحتمي للألم فقط من الصور ومعرفتنا بالأفراد الداخلين في العلاقة، طيب، دع الصغار يلهون فغدًا يعرفون ما نعرف.
الحقيقة أن الحب المؤلم بطبيعة جوهره المُغيّر للذات. كان في الهامش مريحًا ولطيفًا وابن حلال وكانت هناك أمور أخرى أهم، عندما تحرك من الهامش للمتن ثم لمركزية العلاقات ومصدر مهم للتحقق والاكتمال أصابه ما أصاب الحياة. فالحياة أصبحت مجنونة وسريعة وبها خيارات كبيرة وتحركات أكبر وتعدد النموذج الممكن استهلاكه والأهم القدرة على البدء من نقطة ما بلا تبريرات، بلا ديون مستحقة، بلا اضطرار للتفسير أحيانًا. وعليه حالة العبور والطيران والتنقل والإشباع اللحظي بدلًا من التطور البطيء لعلاقة تتحول وتكبر مع الأفراد تترك أثرها على عملية ومفهوم الحب، التخلي أصبح أسهل وبلا عواقب إلا الاعتقاد في التحسبن.
هذا هو حالنا في ظل العولمة وسيولة الهويات والفضاءات وتراجع تأثير «ساكن في حي السيدة».
أخيرًا، نذهب، أنا وصوفي، إلى نظرية أنه في النهاية الحب مؤلم حاليًا، والخبر السيئ أنه سيؤلم أكثر في عالم فرداني عليه التحرك بهستيرية في كل الاتجاهات.
وسلام.
كمّل ضفيرة سلوان بقراءة «أن تنطق عن هوى» هنا.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن