تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
الحالة: نقصٌ حاد في المستلزمات الطبية

الحالة: نقصٌ حاد في المستلزمات الطبية

كتابة: سارة سيف الدين 9 دقيقة قراءة

لسوء الحظ، لم تجد نهى في حقيبتها عبوة اختبارات الأسيتون، التي تحرص دومًا على التحرك بها لإسعاف ابنها ذي السنوات الثماني، حين يسجل قياس السكر في دمه ارتفاعًا خطيرًا، يستلزم معه إجراء اختبار أسيتون الذي يُجرى عبر شرائط اختبار تُشبه اختبارات الحمل، لتعرف ما إذا كان طفلها على وشك دخول غيبوبة سكر ما يوجب نقله للمستشفى بسرعة. على الفور، كوّنت عائلة نهى مجموعات، كل منها توجهت إلى صيدلية في محيط حي مصر الجديدة للحصول على الاختبارات في أسرع وقت، لكن هذه المجموعات لم تعثر على الاختبارات. وفي النهاية، انتهت الأزمة، مؤقتًا، بعودة الأب من الخارج معه شرائط الاختبار.

طفل نهى مشمول ضمن التأمين الصحي الحكومي على الأطفال بالمدارس. وبموجب هذا التأمين، تحصل الأم على خطاب من المدرسة بشكل شهري يُفيد قيد نجلها وإصابته بالسكري. تذهب بالجواب إلي التأمين الصحي، ليؤكد طبيب «التأمين الصحي» احتياجات الطفل من الانسولين والذي يُصرف كل شهرين، مع تحمل جزء بسيط من التكلفة، وكذلك يُحدد الطبيب عدد عبوات شرائط قياس السكر المُدعمة بالكامل، وتُصرف شهريًا.

خلال الشهرين الماضيين، لم تحصل نهى على عبوات شرائط القياس من التأمين نظرًا لعدم توفرها. وبعد محاولات عديدة مع التأمين في أماكن مختلفة تأكد عدم وجودها. وفي أثناء محاولاتها للحصول على الشرائط، انخرطت مع أسر أطفال آخرين مرضى السكري، عبر مجموعة على فيسبوك، يعانون من نفس المشكلة.

عدم توفر شرائط قياس السكر في التأمين الصحي وجرعات الأنسولين بالنسبة لنهى وغيرها من الأهالي، يضطرهم إلى خوض معركة البحث عن الاحتياجات اليومية لمرضى السكري، في ظل نقصها وارتفاع أسعارها خلال الشهرين الماضيين، والتي تجاوزت 100%

يتكلف مريض السكري أكثر من أربعة آلاف جنيه شهريًا للتعامل مع مرضه بشكل يومي، للتأكد من نسبة السكر بالدم، وتلقي جرعات الأنسولين، ومعرفة ما إذا دخل المريض في غيبوبة سكر أم لا، وذلك دون احتساب تكاليف المتابعة الدورية مع الأطباء، وتكاليف التحاليل والفحوصات، خاصة في حالات الأطفال.

حال توفر شرائط قياس السكر والأنسولين في التأمين الصحي الحكومي، مثل حالة طفل نهى، سيوفر ذلك أكثر من 3500 جنيه هي تكلفة شراء الأنسولين وعبوات شرائط قياس السكر خارج نظام التأمين. 

هذا جانب من معاناة بعض المرضى وذويهم هذه الأيام. بعد مرور حوالي عام على قرارات وقف وتقييد الاستيراد التي بدأتها الحكومة والبنك المركزي منذ فبراير 2022، وكذلك التدهور السريع في سعر الصرف ونقص الدولار، تفاقمت أزمة نقص المستلزمات الطبية، وبعض الأدوية الحرجة، لتظهر بوضوح شديد فيما يتعلق بجراحات القلب والعظام ومرضى السكري وأمراض الصدر، وبمستويات أقل في أمراض أخرى.

ورغم اتباع البنك المركزي نظام الاعتمادات المستندية في الاستيراد، بعدد من الاستثناءات، مثل السلع الاستراتيجية، من بينها مواد غذائية وأدوية وأمصال ومستلزمات الإنتاج، ثم قراره اللاحق برفع الحد الأدنى المُستثنى من الاعتمادات المستندية من خمسة آلاف إلى 500 ألف دولار، وانتهاءً بإلغائه استخدام الاعتمادات المستندية والعودة إلى مستندات التحصيل في نهاية ديسمبر الماضي، إلا أن كل ذلك لم يُوقف التأثير السلبي الشديد على قطاع المستلزمات الطبية بالنقص وزيادات الأسعار.

تأتي الاحتياجات الطبية في المرتبة السادسة على قائمة الواردات سنويًا بقيمة 5.1 مليار دولار. في المقابل، الصناعات الطبية تُصدّر سنويًا بقيمة أقل من ذلك بكثير، حوالي 692 مليون دولار، ما يعني أن القطاع يعاني من عجز بالسلب بقيمة 4.4 مليار دولار سنويًا.

قالت طبيبة بإحدى مستشفيات التأمين الصحي بالقاهرة، لـ«مدى مصر»، إن الأطباء بالمستشفى تلقوا تعليمات بقيود على إجراء تحاليل وظائف الكبد والكلى، تقضي بإجرائها فقط للمرضى بالعناية المركزة والحضّانات، مع استحداث ضرورة تحديد الوظائف المطلوبة في هذا التحليل، وذلك خلافًا للوضع السابق بإجراء تحليل لجميع وظائف الكبد والكلى دون انتقائية. كما تنص التعليمات الجديدة على ضرورة توقيع الطبيب الاستشاري أو رئيس القسم ووجود ختم على طلب إجراء التحليل.

caption

أحد المصادر المسؤولة بقطاع الأجهزة والمستلزمات الطبية، والذي تحدث إلى «مدى مصر»، مشترطًا عدم ذكر اسمه، اعتبر أن سوق المستلزمات الطبية يُعاني من «كارثة»، مع تراكم طلب غير مُلبى خلال كل الشهور التي أوقف خلالها «المركزي» الاستيراد، مُضيفًا أنه حتى مع الاستثناءات، لم يحدث تحسن في توافر احتياجات القطاع، إلى جانب أن الإفراجات الأخيرة التي بدأتها الحكومة منذ نوفمبر الماضي، شهدت الكثير من المماطلة، والإفراج عن كمية محدودة لا توفي الطلب المحلي. بحسب تقدير المصدر، تأثرت 20% من تلك المستلزمات التي تُصنع محليًا بسبب العجز في مدخلات الإنتاج المُستوردة.

هيثم ممدوح، وهو طبيب صيدلي يعمل بإحدى شركات التوزيع، شرح لـ«مدى مصر» أن أزمة قطاع المستلزمات والأجهزة الطبية تتمثل الآن في أمرين: الأول، هو نقص بدرجات متفاوتة لمستلزمات عديدة، وارتفاعات في الأسعار تتجاوز 100% خلال آخر شهرين، نتيجة تعامل السوق بما تم استيراده قبل وقف الاستيراد، والاقتراب من نفاد بعض السلع، ما رفع أسعارها في ظل أن استمرار الطلب لأنها احتياجات ضرورية.

«السوق بدأ يفضى»، هكذا وصف رئيس شعبة المستلزمات الطبية بالغرفة التجارية، محمد إسماعيل، لـ«مدى مصر» سوق المستلزمات الطبية، والذي يشمل حوالي تسعة آلاف صنف، من بينها الحقن والكانيولات والآلات اللازمة للعمليات الجراحية والأجهزة الطبية، مثل أجهزة قياس الضغط والسكر والأشعة المقطعية والبلاستيك الذي لا يتفاعل مع الدواء الذي تُصنع منه أنابيب المحاليل الوريدية، وغيرها.

أعطى إسماعيل مثالًا بالمستلزمات الطبية التي تندرج تحت بند المُستهلَك، أي التي تُستخدم مرة واحدة فقط مثل الحقن، هذه السلع نُصنع منها حوالي 60%، إلا أن هذا التصنيع أيضًا تعطل. اتفق ممدوح مع ذلك، فلم يُعد هناك فارق بين المستلزمات المستوردة أو المُصنّع محليًا، لأن السلسلتين تأثرتا بوقف الاستيراد، فالمُصنّع محليًا يحتاج أيضًا إلى مدخلات إنتاج مستوردة.

وعلق ممدوح أن «الناس بتقول بقى فيه سوق سوداء. يا ريت فيه سوق سوداء، بعض السلع مبقتش موجودة خالص، يبقى عندي عشر طلبيات أروح للتجار المستوردين مش هلاقي عندهم غير اللي يوفي بطلبيتين فقط».

رئيس قسم الأطفال بأحد المستشفيات التابعة للتأمين الصحي، طلب عدم ذكر اسمه، قال لـ«مدى مصر» إن الأزمة المتعلقة بنقص بعض الأدوية والمستلزمات الطبية بدأت في الظهور منذ تعويم نوفمبر 2016، إلا أن بعضًا من تلك المستلزمات والأدوية، بدأ شُحها يتفاقم خلال الشهور الأخيرة نتيجة وقف الاستيراد.

وأوضح أنه ضمن المستلزمات التي تعاني من نقص شديد الآن، متعلقات الجراحات، خاصة جراحات القلب والعظام، لأنها تعتمد على وجود مستلزمات مثل الدعائم العلاجية والاستكشافية التي تُستخدم في جراحات القلب. ولفت الطبيب النظر إلى أن هذا لا يتعارض مع أن عمليات القلب المفتوح لم تتعطل، لأن تلك الجراحات تعتمد على فتح القلب مباشرة وتعديل المشكلات فيه دون الحاجة إلى القسطرة، لهذا لم يتأثر مستشفى يعقوب للقلب مثلما تأثر معهد القلب بإمبابة، الذي يشهد مأساة لأن غالبية العمليات التي تجرى به هي جراحات قسطرة، بحسب المصدر السابق.

أشار المحامي الحقوقي بمبادرة الحق في الدواء، محمود فؤاد، إلى تبعات نقص الدعامات التي تسببت في وقف عمليات جراحة القلب بمستشفى عين شمس التخصصي لعدة أيام لحين توفير القساطر، مُضيفًا أن مستشفيات أخرى أجّلت العمليات.

وأشار فؤاد إلى حدوث ارتفاعات كبيرة في الأسعار نظرًا لارتباط القطاع بالدولار، ضاربًا المثال بحقنة الصبغة «الليبدول» التي كانت تُباع في حدود 250 جنيهًا، وأصبح أقل سعر لها 1300 جنيه، بخلاف الأسعار الخرافية التي تُباع بها في المستشفيات الخاصة، التي وصلت فيها إلى أربعة آلاف جنيه.

نفس الأزمة طالت جراحات العظام، التي تعتمد على مفاصل صناعية وشرائح ومسامير، وكانت من أكثر الجراحات التي تأثرت سلبًا، بحسب الطبيب، الذي أوضح أن الغرض من هذه الجراحات بالأساس تركيب هذه الأجزاء لتحسين حالة المريض، إلا أن هذه الجراحات معطلة الآن على نطاق كبير بسبب اختفاء هذه المستلزمات من السوق. لذلك اتجه بعض الأطباء إلى إحضار بعض من هذه المستلزمات معهم أثناء عودتهم من أحد المؤتمرات خارج مصر، إلا أن بعضهم يتم إيقافه في المطار وتصادر الجمارك هذه المستلزمات منه، وتتعامل مع الأمر على أنه تهريب.

هشام خالد، مدير مشتريات بأحد المستشفيات، أضاف لـ«مدى مصر» أن أهم المستلزمات الطبية الحرجة التي يظهر نقصها بوضوح هي المستنشقات اللازمة لأمراض الصدر في حالات العناية المركزة، وكذلك الأطفال حديثي الولادة في الحضانات، على سبيل المثال، حقنة تُسمى بـ«Golden hours»، من الضروري أن يحصل عليها مريض الأزمة الصدرية خلال ست ساعات وإلا يتعرض للوفاة.

وخلال شهري نوفمبر وديسمبر الماضيين، حين انتشر الفيروس المخلوي خاصة بين الأطفال، وهو كما يشرح الطبيب أحد الفيروسات التنفسية التي يأتي عادة في الشتاء، وسبب إصابات كثيرة خلال هذين الشهرين الأخيرين، في وقت تعاني فيه المستشفيات من نقص المُستنشقات وأجهزة التنفس الصناعي التي يحتاجها الأطفال من مرضى الربو إذا أُصيبوا بالفيروس المخلوي.

أشار رئيس قسم الأطفال إلى أنه من بين الاحتياجات التي تعاني من نقص شديد، مستلزمات مرضى السكر من أجهزة وشرائط قياس السكر، وأقلام جرعات الأنسولين وبعض أنواعه، وهي الاحتياجات التي أكدت نقصها طبيبة بإحدى عيادات التأمين الصحي بمدينتي الشروق وبدر.

النقص في قطاع المستلزمات الطبية وتفاقمه في الأدوية على مستوى كبير أصبح يُشكل تهديدًا لحياة الأفراد، بحسب فؤاد، ما يُضيف إلى فوضى النقص.

حاليًا، لم تستطع الإفراجات الجمركية الوفاء بحجم الاحتياج المتراكم منذ شهور، بحسب المصادر التي تحدث إليها «مدى مصر»، خاصة أن بعض هذه المستلزمات تتطلب ظروف تخزين خاصة لم تتوافر خلال وجود هذه الشحنات في الموانئ، ما تسبب في تلفها.

لا يبدو أن إنهاء «المركزي» العمل بالاعتمادات المستندية مؤخرًا سيؤدي إلى انفراجة في القطاع، لأن البنوك حاليًا تستقبل أوراق المستورد للمستلزمات الطبية، لكنها تطلب منه أن ينتظر دوره في طابور طويل من المستوردين، بحسب المصدر المسؤول بقطاع المستلزمات الطبية. وبالنسبة لمَن لديهم شحنات في الموانئ بالفعل، حين يتم الإفراج عنها، يدخل المستورد في تعقيدات ومماطلات مختلفة من البنوك تتعلق بتوفير الدولارات المطلوبة، أدت في النهاية، بحسب مصادر عدة، إلى فقدان ثقة الموردين بالخارج في الحصول على مستحقاتهم ليعلقوا التعامل مع المستوردين هنا.

لذلك يستبعد المصدر أن تُحَل مشكلة المستلزمات الطبية والصحية عامة قريبًا، بل يتوقع تفاقمها خلال الشهور القادمة، سواء باستمرار نقصانها في السوق أو ارتفاع الأسعار، حيث ارتفعت قيمة الدولار 100% أمام الجنيه إلى جانب ارتفاع أسعار هذه المستلزمات بالخارج، وكذلك ارتفاع تكاليف الشحن.

كل هذه الظروف التي يعمل فيها سوق المستلزمات الصحية، وبالأخص عدم استقرار سعر الصرف ووجود سوق سوداء للدولار، غيّرت من التعاملات المالية بين سلاسل الإمداد داخل القطاع، ابتداءً من المستوردين، مرورًا بالموزعين الداخليين، حيث أصبحوا مطالبين بالدفع مُقدمًا أو عند لحظة الاستلام بدلًا من التعامل بالآجل، إلى جانب أن الزيادات الكبيرة في الأسعار تتطلب من صغار المتعاملين زيادة رؤوس أموالهم، بمعنى أن الطلبية التي كانت قيمتها مثلًا نصف مليون جنيه وتُدفع هذه القيمة آجلًا، أصبحت تتطلب الآن دفع مليون جنيه مُقدمًا.

أدى ذلك إلى تخارج عدد كبير من صغار المستوردين والموزعين من السوق، وتصفية أعمالهم، بحسب عدد من المصادر التي تحدث معها «مدى مصر»، ومنها أحد المسؤولين في شركة مستلزمات طبية تقوم بتصفية أعمالها الآن. يقول المسؤول إن العمل في السوق أصبح صعبًا بسبب ضرورة الدفع مُقدمًا إلى جانب أن المنشآت الطبية أصبحت لا تتحمل ارتفاع الأسعار وتريد التعامل في المستلزمات الأردأ والأقل جودة في مقابل سعرها الأقل. بالإضافة إلى ما سبق، اعتبر ممدوح أن غالبية مَن يصّفون أعمالهم يرون أن «البلد بتقدملهم شهادة بـ25% في السنة من غير البهدلة دي» قاصدًا ارتفاع التكلفة. 

أكد إسماعيل ذلك أيضًا، مشيرًا إلى أنه نتيجة للظروف الراهنة ارتفعت التكلفة بشدة إجمالًا، من بينها تكلفة التمويل التي أصبحت باهظة، بينما تطرح البنوك شهادات ادخارية بعائد 25%، قائلًا: «ليه أدخل في كل الدوامات دي لمّا ممكن أحطّ فلوسي وآخد عليها عائد 25% وأنا قاعد في بيتنا»، وهو ما يُعزز نقص تلك المستلزمات، ويساهم في مزيد من رفع الأسعار بعد استمرار عدد أقل من الفاعلين في القطاع.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن